أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧

الصفحة ٢٥ من ٣٥

  1. وكذا رواهُ بهذا اللَّفظِ جماعةٌ.

    ج ١١ ص ٥٦٥
  2. ومعنى "يظلَّ" يصِيرَ، يقولُ: حتَّى يصِيرَ المرءُ لا يَدْرِي كم صلَّى. وقِيل: "يَظلَّ " هاهُنا بمعنَى يَبْقَى لا يدرِي كم صلَّى، وأنشدُوا (٢) :

    ظَللْتُ رِدائي فوقَ رأسِي قاعِدًا ... أعُدُّ الحَصَى ما تَنْقضِي عَبَراتِي

    ومن (٣) رواهُ بكسرِ الهمزِ: "إن يدرِي ما (٤) صلَّى" . فـ "إنْ" بمعنى ما، كثِيرٌ، ولكنَّ الرِّوايةَ عِندَنا بفتح الهَمزةِ (٥) ، واللّهُ أعلمُ (٦) .

  3. حديثٌ رابعُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نفسِي بيدِهِ، لَيَأخُذُ أحدُكُم حَبلهُ فيَحْتطِبُ على ظَهرِهِ، خيرٌ لهُ من أن يأتي رجُلًا أعْطاهُ اللهُ من فضلِهِ، فيَسْألُهُ أعطاهُ أو مَنعهُ" .

    ج ١١ ص ٥٦٦
  4. هكذا في جُلِّ (٢) المُوطَّآتِ: "لَيَأخُذُ" . ورأيتهُ (٣) لابنِ نافِع، عن مالكٍ: "لأن يأخُذَ (٤) " . وكذلك رواهُ مَعنُ بن عيسى، عن مالكٍ. وهُو المُرادُ والمَقصِدُ، والمعنى مفهُومٌ، والحمدُ للّه.

  5. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخضِرِ الأُسيُوطِيُّ (٥) ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٦) : أخبَرنا عليُّ بن شُعَيب، قال: حدَّثنا مَعْنٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، لأن يأخُذ أحدُكُم حَبلهُ فيَحْتطِبَ (٧) على ظَهرِهِ، خيرٌ لهُ من أن يأتي رجُلًا أعْطاهُ اللهُ من فضلِهِ فيسألُهُ، أعطاهُ أو مَنعهُ" .

  6. في هذا الحديثِ كراهِيةُ السُّؤالِ لكلِّ من فيه طاقةٌ على السَّعيِ والاكتِسابِ.

  7. وفيه ذمُّ المسألةِ، وحمدُ المُعالجةِ والسَّعيِ، والتَّحرُّفِ في المعِيشةِ.

  8. وقد وردَتْ أحادِيثُ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ذمِّ المسألةِ كثِيرةٌ صِحاحٌ، فيها شِفاءٌ لمن تدبَّرها ووقفَ على مَعانِيها، وهي تُفسِّرُ معنى هذا البابِ، وتُوضِّحُ المُرادَ من حديثهِ، واللّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.

    ج ١١ ص ٥٦٧
  9. فمِمّا يُخرَّجُ في هذا البابِ، قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى، واليدُ العُليا المُنفِقةُ" . وقِيل: "المُتعفِّفةُ" . على حسَبِ ما ذكَرْنا من ذلك في بابِ نافِع، من كِتابِنا هذا. "واليدُ السُّفلى السّائلةُ" (١) . وقد ذكَرْنا طُرُق هذا الحديثِ في بابِ نافِع، فلا وجه لإعادَةِ ذلك هاهُنا.

  10. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبَرنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا يَعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبي، عن صالح، عنِ ابنِ شِهابٍ، أنَّ أبا عُبَيدٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ أزهرَ أخبَرهُ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يحتزِمَ أحدُكُم بحُزْمَةِ (٣) حَطَبٍ، فيَحمِلَها على ظَهرِهِ فيبِيعَها، خيرٌ لهُ من أن يسألَ رجُلًا، فيُعطِيهِ أو يَمنَعهُ" .

  11. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) :

    ج ١١ ص ٥٦٨حدَّثنا حفصُ بن عُمَر النَّمرِيُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، عن زيدِ بنِ عُقبةَ الفَزارِيِّ، عن سَمُرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "المسائلُ كُدُوحٌ (١) يَكْدحُ بها الرَّجُلُ وَجههُ، فمن شاءَ أبقى (٢) على وَجهِهِ، ومن شاءَ تركَ (٣) ، إلّا أن يسألَ الرَّجُل ذا سُلطانٍ، أو في أمرٍ لا يجِدُ منهُ بُدًّا" .

  12. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم، عن شُعَيبِ بنِ اللَّيثِ، عنِ اللَّيثِ بنِ سعدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي جَعفرٍ، قال: سَمِعتُ حمزةَ بن عبدِ الله، يقولُ: سَمِعتُ عبد الله بن عُمرَ، يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما يزالُ الرَّجُلُ يَسْألُ، حتَّى يأتي يومَ القِيامةِ ليس في وَجهِهِ مُزعةُ لحم" .

  13. أخبَرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٥) : حدَّثنا عبدُ الأعلى بن عبدِ الأعلى،

    ج ١١ ص ٥٦٩عن مَعْمر (١) ، عن عبدِ الله بنِ مُسلِم أخِي الزُّهرِيِّ، عن حمزةَ بنِ عبدِ الله، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا تَزالُ المسألةُ بأحَدِكُم، حتَّى يَلْقَى اللهَ وليس في وَجهِهِ مُزعَةُ لحم" .

  14. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٢) : حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن جَعفرِ بنِ رَبِيعةَ، عن بكرِ بنِ سَوادةَ، عن مُسلِم بنِ مخشِيٍّ، عنِ ابنِ الفِراسِيِّ، أنَّ الفِراسِيَّ قال لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسُولَ الله أأسألُ؟ قال: "لا، وإن كُنتَ سائلًا لا بُدَّ، فاسألِ الصّالحِينَ" .

  15. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بنِ عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، [قال حدَّثنا الوَليدُ] (٤) ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عبدِ العزِيزِ، عن رَبِيعةَ بنِ يزِيدَ، عن أبي إدرِيسَ الخَوْلانيِّ،

    ج ١١ ص ٥٧٠عن أبي مُسلِم الخَوْلانيِّ، قال: حدَّثني الحبِيبُ (١) الأمِينُ، أمّا هُو إليَّ فحبِيبٌ، وأمّا هُو عِندِي فأمِينٌ، عَوْفُ بن مالكٍ، قال: كُنّا عِندَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سَبْعةً، أو ثمانِيةً، أو تِسعةً، فقال: "ألا تُبايِعُونَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ " وكُنّا حديث عَهْدٍ ببيَعتِهِ (٢) ، قُلنا: قد بايعناكَ. قالها ثلاثًا، فبَسَطْنا أيَدِينا فبايَعناهُ، قال قائلٌ: يا رسُولَ الله إنّا قد بايعناكَ، فعلامَ نُبايِعُكَ؟ قال: "أن تَعبُدُوا اللهَ ولا تُشرِكُوا به شيئًا، وتُصلُّوا الصَّلواتِ الخَمْسَ، وتَسْمعُوا وتُطِيعُوا" . وأسرَّ كَلِمةً خَفِيَّةً (٣) ، قال: "لا تَسْألوا النّاس شيئًا" . قال: فلقد كان بعضُ أُولئكَ النَّفرِ يَسْقُطُ سوطُهُ، فما يسألُ أحدًا يُناوِلُهُ إيّاهُ.

  16. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عاصِم، عن أبي العالِيةِ، عن ثَوْبانَ مولى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من يَتَكفَّلُ (٥) لي ألّا يَسْألَ النّاسَ شيئًا، وأَتَكفَّلُ لهُ بالجنّةِ؟ " فقال ثوبانُ: أنا، فكان لا يَسْألُ أحدًا شيئًا.

  17. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

    ج ١١ ص ٥٧١شُعَيب، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن عُثمانَ بنِ أبي صفوانَ الثَّقفِيُّ، قال: حدَّثنا أُميَّةُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن بسْطام بنِ مُسلِم، عن عبدِ الله بنِ خلِيفةَ، عن عائذِ بنِ عَمرٍو: أنَّ رجُلًا أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فسألَهُ فأعطاهُ، فلمّا وضعَ رِجلهُ على أُسكُفَّةِ (٢) البابِ (٣) ، قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو تعلمُونَ ما في السُّؤالِ، ما مَشَى أحدٌ إلى أحَدٍ يَسْألُهُ شيئًا" .

    قال أبو عُمر: السُّؤالُ لا يجُوزُ لمن فيه مُنّة (٤) وقُوَّةٌ وأدْنَى حِيلةٍ في المَعِيشةِ، إلّا أن يسألَ ذا سُلطانٍ؛ لأنَّ لهُ عِندَهُ حقًّا في بَيتِ المالِ، وإن لم يتَعيَّن، أو يسألَ في أمرٍ لا بُدَّ لهُ منهُ، من حَمَالةٍ يتَحَمَّلُها، أو دينٍ ادّانهُ في واجِبٍ أو مُباح، يسألُ (٥) من يَعرِفُ أنَّ كسبهُ لا بأسَ به، وهُمُ الصّالِحُونَ الذين قُصِدَ إليهم في حديثِ الفِراسِيِّ المذكُورِ في هذا البابِ، واللّه أعلمُ.

  18. وفي حديثِ قَبِيصةَ بنِ المُخارِقِ (٦) ثلاثةُ وُجُوِهٍ، وفي حديثِ أنَسٍ (٧) أيضًا ثلاثةُ وُجُوهٍ تحِلُّ فيها المسألةُ، لا يَنْبغِي أن تُتعدَّى، إلّا إلى ما ذكَرْنا في حديثِ سمُرةَ، واللّهُ أعلمُ.

  19. حدَّثنا (١) عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني اللَّيثُ بن سعدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي جعفرٍ، عن حَمْزةَ بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، أَنَّهُ سمِعَ أباهُ يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما يزالُ الرَّجُلُ يَسْألُ النّاسَ، حتَّى يأتِي يومَ القِيامةِ ليس في وَجهِهِ مُزْعَةُ لحم" (٢) .

    ج ١١ ص ٥٧٢
  20. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا حَفْصُ بن عُمر الحَوْضِيُّ وسُليمانُ بن حربٍ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، عن زيدِ بنِ عُقبةَ الفَزارِيِّ، قال: سمِعتُ سمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "المسائلُ كُدُوحٌ يَكْدحُ بها الرَّجُلُ وَجْههُ، فمن شاءَ أبْقَى على وَجْهِهِ، ومن شاءَ تركَ، إلّا أن يسألَ ذا سُلطانٍ، أو يَنزِلَ به أمر لا يجِدُ منهُ بُدًّا" (٣) .

  21. ورواهُ الثَّورِيُّ (٤) وأبو عوانةَ (٥) ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ سَواءً.

  22. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زَيدٍ، عن هارُون بنِ رئاب (٢) ، قال: حدَّثنا كِنانةُ بن نُعَيم العَدَوِيُّ، عن قَبِيصةَ بنِ مُخَارِقٍ الهِلاليِّ، قال: تحمَّلتُ حَمالةً، فأتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أقِمْ يا قَبِيصةُ حتَّى تأتِينا الصَّدقةُ، وآمُر لكَ بها" . ثُمَّ قال: "يا قَبِيصةُ، إنَّ المسألةَ لا تحِلُّ (٣) إلّا لإحدَى ثَلاثٍ: رجُلٌ تَحمَّل بحَمالةٍ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ، فسألَ حتَّى يُصِيبها، ثُمَّ يُمسِكُ، ورجُلٌ أصابَتهُ جائحةٌ، فاجتاحَتْ مالهُ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ، فسألَ حتَّى يُصِيبَ قِوامًا من عَيْشٍ، أو سِدادًا (٤) من عَيْشٍ، ورجُلٌ أصابَتهُ فاقةٌ، حتَّى يقول ثلاثةٌ من ذوِي الحِجا (٥) من قَومِهِ: قد أصابَتْ فلانًا الفاقةُ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ، فسأل حتَّى يُصِيبَ قِوامًا من عَيْشٍ،

    ج ١١ ص ٥٧٤أو سِدادًا من عَيْشٍ، ثُمَّ يُمسِكُ، وما سِواهُنَّ من المسائلِ يا قَبِيصةُ سُحْتٌ، يأكُلُها صاحِبُها سُحتًا ".

    قال أبو عُمر: هذا واضِحٌ في وُجُوهِ المسألةِ، مُغنٍ عن قولِ كلِّ قائلٍ، وباللّه التَّوفيقُ.

    ج ١١ ص ٥٧٣
  23. والسِّدادُ في هذا الحديثِ، وما كان مِثلَهُ، بكسرِ السِّينِ، ومعناهُ: البُلْغةُ والكِفايةُ.

  24. وكذلك ما سُدَّ به الشيءَ يُقالُ لهُ أيضًا: سِدادٌ، بالكسرِ.

  25. قال العَرْجِيُّ (١) ، وهُو من ولَدِ عُثمان بنِ عفّان:

    أضاعُوني وأيَّ فتًى أضاعُوا ... ليوم كرِيهةٍ وسِدادِ ثغرِ

    وأمّا السَّدادُ بالفتح، فهُو القصدُ.

  26. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا عِيسَى بن يُونُسَ، عنِ الأخْضَرِ بنِ عَجْلانَ، عن أبي بكرٍ الحنفِيِّ، عن أَنَسِ بنِ مالكٍ: أنَّ رَجُلًا من الأنصارِ أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْألُهُ، فقال: "أما في بيتِكَ شيءٌ؟ " قال: بلى، حِلْسٌ (٣) نلبسُ بعضهُ،

    ج ١١ ص ٥٧٥ونبسُطُ بعضهُ، وقَعْبٌ (١) نشربُ فيه الماءَ. فقال: "ائتِني بهما" . فأتاهُ بهما (٢) ، فأخَذَهُما رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بيدِهِ، وقال: "من يَشْترِي هذينِ؟ " ، فقال رجُل: أنا آخُذُهُما بدِرهم. قال: "من يزِيدُ على دِرْهم؟ " . مرَّتينِ أو ثلاثًا، قال رجُل: أنا آخُذُهُما بدِرْهمينِ. فأعطاهُما إيّاهُ، وأخذ الدِّرهمينِ فأعطاهُما الأنْصارِيَّ، وقال: اشْترِ بأحَدِهِما طعامًا، فانبِذهُ إلى أهلِكَ، واشْترِ بالآخرِ قَدُومًا، وائتِني، فأتاهُ به، فشَدَّ فيه رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عُودًا بيدِهِ، ثُمَّ قال لهُ: "اذهَبْ فاحْتَطِب وبِعْ، ولا أراكَ خَمْسةَ عشَرَ يومًا" . فذهَبَ الرَّجُلُ يَحْتطِبُ ويبِيعُ، فجاءَ وقد أصابَ عَشَرةَ دراهِمَ، فاشْتَرَى ببعضِها ثوبًا، وببعضِها طَعامًا، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا خيرٌ لكَ من أن تجِيءَ المسألةُ نُكْتةً في وجهِكَ يومَ القِيامَةِ، إنَّ المسألةَ لا تصلُحُ إلّا لثلاثٍ: لذي فقْرٍ مُدقِع، أو لذي غُرم مُفْظِع، أو لذي دَم مُوجِع" .

    قال أبو عُمر: الدَّمُ المُوجِعُ: الحَمالةُ في دم الخطأ.

  27. والفقرُ المُدقِعُ: الذي أفْضَى بصاحِبه إلى الدَّقعاءِ، وهي التُّرابُ، كأنَّهُ ألصقَ ظهرهُ بالأرضِ من الفَقرِ، وهُو مِثلُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: ١٦] .

  28. وقد فسَّرنا معنى المِسْكِينِ والفَقِيرِ، فيما تقدَّمَ من حديثِ أبي الزِّنادِ، في كِتابِنا هذا والحمدُ للّه.

  29. أخبَرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا نصرُ بن المُهاجِر، قال: حدَّثنا الضَّحّاكُ بن مَخْلَدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ

    ج ١١ ص ٥٧٦عَبدِ المُؤمِنِ، عن غالِبٍ القطّانِ، عن بكرِ بنِ عبدِ الله المُزنيِّ، عن عُمرَ، قال: مَكْسَبةٌ فيها بعضُ الرِّيبةِ (١) ، خيرٌ من مَسْألةِ النّاسِ (٢) .

  30. هكذا قال: الرِّيبة (٣) ، وإنَّما حفِظناهُ: "الدَّناءَةِ" (٤) .

  31. ذكرَ العُقِيليُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سَهْلٍ، قال: أخبَرنا أبو عاصِم، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا غالِبٌ القطّانُ، عن بكرِ بنِ عبدِ الله المُزنيِّ، قال: قال عُمرُ بن الخطّابِ: مَكْسبةٌ فيها بعضُ الدَّناءَةِ، خيرٌ من مَسْألةِ النّاسِ.

    قال العُقِيليُّ: عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ المُؤمِنِ هذا، هُو عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ المُؤمِنِ بنِ فيرُوزٍ المعولِيُّ (٥) الرّاميُّ (٦) ، بصرِيٌّ ثِقةٌ.

    وقال أبو حاتِم الرّازِيُّ (٧) : سمِعتُ الحسن بن الرَّبِيع يقولُ: قال لي ابنُ المُباركِ: ما حِرفتُكَ؟ قلتُ: أنا بُورانِيٌّ، قال: ما بُورانِيٌّ؟ قلتُ: لي غِلمانٌ يَصْنعُونَ البَوارِيَّ (٨) ، قال: لو لم تَكُن لك صناعةٌ (٩) ، ما صَحِبتَني.

    وقال أيُّوبُ السَّختِيانيُّ: قال لي أبو قِلابةَ: يا أيُّوبُ، الزَمْ سُوقكَ، فإنَّ الغِنَى من العافِيةِ (١٠) .

  32. حديثٌ خامسُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، لقد هَمَمتُ أن آمُرَ بحَطَبٍ فيُحطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فيُؤَذَّنَ لها، ثُمَّ آمُرَ رجُلًا فيؤُمَّ النّاسَ، ثُمَّ أُخالِفَ إلى رِجالٍ فأُحرِّقَ عليهِم بُيُوتَهُم. والذي نَفْسِي بيدِهِ، لو يَعْلمُ أحدُهُم أَنَّهُ يجِدُ عَظْمًا سمِينًا، أو مِرْماتينِ حَسَنتينِ، لشهِدَ العِشاءَ" .

    ج ١١ ص ٥٧٧
  33. رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي هريرةَ من وُجُوهٍ، رواهُ أبو صالح (٢) ، ويزِيدُ بن الأصمِّ (٣) ، والأعْرَجُ، وغيرُهُم.

  34. قولُهُ: "لقد همَمْتُ أن آمُرَ بحَطَبٍ فيُحطَبَ" . أي: يُجمعَ.

  35. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: مَعرِفةُ يمِينِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّهُ كان يحلِفُ على ما يُرِيدُ باللّه، وفي ذلك ردٌّ لقولِ مَن قال: لا يُحلَفُ باللّه صادِقًا ولا كاذِبًا. وفي قولِهِ عليه السَّلامُ: "من كان حالِفًا فليَحْلِفْ باللّه" (٤) كِفاية. وكان - صلى الله عليه وسلم - يحلِفُ

    ج ١١ ص ٥٧٨كثِيرًا باللّه، ثُمَّ إنْ رأى ما هُو خيرٌ مِمّا حَلَفَ عليه حنَّثَ نفسَهُ وكفَّرَ، وفيه الأُسوةُ الحَسَنةُ.

  36. وسيأتي هذا المعنى مُبيَّنًا في بابِ سهَيلٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.

  37. وفي هذا الحديثِ أيضًا: أنَّ الصلواتِ يُؤَذَّنُ لها.

  38. وفيه أيضًا: إجازَةُ إمامةِ المفضُولِ، بحَضْرةِ الفاضِلِ.

  39. وفيه: إباحَةُ عُقُوبةِ مَن تأخَّرَ عن شُهُودِ الجماعةِ لغيرِ عُذرٍ، ولم يَكُنْ يَتَخلَّفُ عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في الصَّلاةِ إلّا مُنافِقٌ، أو مَن لهُ عُذرٌ بيِّنٌ.

  40. وقدِ اسْتَدلَّت به طائفةٌ، على أنَّ العُقُوبةَ قد تكونُ في المالِ، وجائزٌ أن يكونَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُعاقِبُ بما ذَكَرَ في هذا الحديثِ، وجائزٌ أن لا يفعلَ؛ لأنَّ ترْكَ إنفاذِ الوَعِيدِ عَفوٌ، وليس بخُلفٍ ولا كذِب، وإنَّما الكَذِبُ: ما أثِمَ فيه المرءُ، وعَصىَ ربَّهُ، فجائزٌ مِثلُ هذا القولِ، تأدِيبًا للنّاسِ، ثُمَّ الخِيارُ بعدُ في إنفاذِهِ.