أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧

الصفحة ٢٧ من ٣٥

  1. وكذلك الآثارُ المُتَقدِّمةُ كلُّها تدُلُّ على ذلك، والله أعلمُ، وذلك على قَدرِ النِّيّاتِ.

    ج ١١ ص ٥٨٩
  2. وكلُّ من قاتلَ لتكون كلِمةُ الله هي (١) العُليا، وكلِمةُ الذينَ كفرُوا السُّفْلَى، فهُو في الجنّةِ إن شاءَ الله.

  3. وأمّا قولُهُ: "يَضْحكُ اللهُ" . فمَعناهُ يَرْحمُ اللهُ عَبدهُ عندَ ذاك، وَيتَلقّاهُ بالرَّوح والرّاحةِ والرَّحمةِ والرَّأفةِ، وهذا مجازٌ مفهُومٌ. وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ في السّابِقِين الأوَّلِين، والتّابِعِين لهم بإحسانٍ: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} [التوبة: ١٠٠] ، وقال في المُجرِمِين: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: ٥٥] .

  4. وأهلُ العِلم يكرهُونَ الخَوْضَ في مِثلِ هذا وشِبهِهِ من التَّشبِيهِ، كلِّهِ في الرِّضا والغَضَبِ، وما كان مِثلُهُ من صِفاتِ المخلُوقِينَ، وبالله العِصْمةُ والتَّوفيقُ.

  5. حديثٌ تاسعُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أترونَ قِبْلتِي هاهُنا؟ فوالله ما يَخفَى عليَّ خُشُوعُكُم، ولا رُكوعُكُم، إنِّي لأراكُم من وراءِ ظَهْرِي" .

    ج ١١ ص ٥٩٠
  6. هذا (٢) كما قال - صلى الله عليه وسلم -، ولا سبِيلَ إلى كيفيةِ ذلك، وهُو عَلَم من أعلام نُبُوَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم -.

  7. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بنِ عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبَرنا عبدُ الحمِيدِ بن أحمدَ بنِ عيسى الورّاقُ، قال: أخبَرنا الخَضِرُ بن داود، قال: أخبَرنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: قلتُ لأبي عبدِ الله، يعني أحمدَ بن حنبلٍ رحِمهُ الله: قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي لأراكُم (٣) من وَراءِ ظَهْرِي" . فقال: كان يَرَى من خَلْفِهِ، كما يَرَى من بينِ يَديهِ، قلتُ لهُ: إنَّ إنسانًا قال لي: هُو في ذلك مِثلُ غيرِهِ، وإنَّما كان يَراهُم كما ينظُرُ الإمامُ من عن يَمِينِهِ وشِمالِهِ. فأنكرَ ذلك إنكارًا شدِيدًا (٤) .

  8. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ (٥) بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن داود وحُميدٍ، وابنِ أبي نَجِيح، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: ٢١٩] . قال: كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَرَى من خلفِهِ في الصَّلاةِ، كما يَرَى من بينِ يَديهِ (٦) .

    ج ١١ ص ٥٩١قال: وحدَّثنا موسى وأبو بكرٍ، قالا: حدَّثنا وكِيعٌ، عن سُفيانَ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: كان يَرَى من خَلْفِهِ، كما يَرَى من أمامِهِ (١) .

    قال: وحدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عن سُفيان، عن أبيهِ، عن عِكْرِمةَ {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال: رُكُوعَهُ وسُجُودَهُ (٢) .

    وقال مَعمرٌ، عن قتادةَ: {فِي السَّاجِدِينَ} : في المُصلِّينَ (٣) .

    قال: وقال عِكرِمةُ: قائمًا، وراكِعًا، وساجِدًّا، وجالِسًا (٤) .

  9. وذكرَ سُنيدٌ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن عَجْلانَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نَفْسي بيد، إنِّي لأنْظُرُ إلى من وَرائي كما أنظر إلى من بينَ يَدَيَّ، فسوُّوا صُفُوفكُم، وأحسِنوا رُكُوعَكُم وسُجُودَكُم" (٥) .

  10. حديثٌ مُوَفِّي أربعينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قال أحدُكُم آمِينَ، قالتِ الملائكةُ في السَّماءِ آمِينَ، فوافقَتْ إحداهُما الأُخْرَى، غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذَنْبه" .

    ج ١١ ص ٥٩٢
  11. قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ ابنِ شِهابٍ، فلا معنى لإعادَتِهِ هاهُنا، والحمدُ لله.

  12. وقد جاءَ عن عِكْرِمةَ ما هُو تَفسِيرٌ لحديثِ أبي الزِّنادِ هذا، وما كان مِثلُهُ.

  13. ذكرَ سُنيدٌ، عن حَجّاج، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني الحَكَمُ بنُ أبانَ، أنَّهُ سمِعَ عِكرِمةَ يقولُ: إذا أُقِيمتِ الصَّلاةُ، فصُفَّ أهلُ الأرضِ، صُفَّ أهلُ السَّماءِ، فإذا قال قارِئُ (٢) الأرضِ: {وَلَا الضَّالِّينَ} قالتِ الملائكةُ: آمِينَ. فإذا وافقَتْ آمِينَ أهلِ الأرضِ، آمِينَ أهلِ السَّماءِ، غُفِرَ لأهلِ الأرضِ ما تقدَّمَ من ذُنُوبهم (٣) (٤) .

  14. حديثٌ حادي أربعين لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يُمنَعُ فَضْلُ الماءِ، ليُمنع به الكَلأُ" .

    ج ١١ ص ٥٩٣
  15. قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ مبسُوطًا مُمهَّدًا، في بابِ أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ من كِتابِنا هذا، عِندَ قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ نَقعُ بئرٍ" (٢) .

  16. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ النّاسَ شركاءُ في الكلأ. وهُو في معنى الحديثِ الآخرِ: "النّاسُ شُركاءُ في الماءِ، والنّارِ، والكلأ" (٣) .

  17. إلّا أنَّ مالكًا رحِمهُ الله، ذهَبَ إلى أنَّ ذلك في كلأ الفَلَواتِ والصَّحارِي، وما لا تمُلَكُ رَقبةُ الأرضِ فيه، وجعلَ الرَّجُلَ أحقَّ بكلأ أرضِهِ، إن أحبَّ المنعَ منهُ، فإنَّ ذلك لهُ (٤) .

  18. وغيرُهُ يقولُ: الكلأُ حيثُ كان (٥) ، غيرُ مملُوكٍ، ومن سبقَ إليه بالقَطْع، كان لهُ، في أرضٍ مملُوكةٍ أو غيرِ مملُوكةٍ.

    ج ١١ ص ٥٩٤قال أبو عُمر: لمّا نُهِي الرَّجُلُ عن مَنع فَضْلِ ماءٍ قد حازَهُ بالاحتِفارِ، لئَلّا يمنَعَ ما ليسَ لهُ منعُهُ، دلَّ على أنَّ ذلك، واللهُ أعلمُ، كما قال مالكٌ: أَنَّهُ فيما لا يُملَكُ من الفَلَواتِ، وأنَّ ذلك الماءَ، ماءُ الآبارِ المُحتَفرةِ هُناكَ (١) ، لسَقيِ المواشِي في أرْضٍ غيرِ مملُوكةٍ من المَواتِ، دُونَ الفَلَواتِ، فيكونُ لحافِرِ البِئرِ هُناكَ حقُّ التَّبدِئَةِ، ولا يَمنعُ فضلَ ذلك الماءِ؛ لأنَّ في مَنعِهِ ذلك، حِمَى ما ليسَ يملِكُهُ من الكلأ هُنالِك.

  19. وقد مَضَى ما للعُلماءِ في هذا المعنى، في بابِ أبي الرِّجالِ، والحمدُ لله (٢) .

  20. وقد ذكرَ عبدُ الملكِ بن حبِيبٍ (٣) ، عمَّن لَقِي من أصحابِ مالكٍ، أنَّ تأوِيلَ قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ" (٤) . وتأوِيلُ الحديثِ الآخَرِ: "لا يُمنَعُ رَهْوُ بئرٍ" (٥) . وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ، ليُمنَعَ به الكلأُ" . معنى هذه الثَّلاثةِ الأحادِيثِ واحِدٌ.

    قال: فأمّا تأوِيلُ قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ نقعُ بئرٍ" . فهُو أن يحتفِرَ الرَّجُلُ البِئرَ في الفلاةِ من الأرضِ، التي ليسَتْ مِلكًا لأحَدٍ، وإنَّما هي مرعَى للمَواشي، فيُرِيدُ أن يَمنَعَ ماشِيةَ غيرِهِ أن تُسْقَى بماءِ تلك البِئرِ.

    قال: وفيها قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ، ليُمنَع به الكَلأُ" .

    قال: يقولُ: إذا منعَ حافِرُ تلك البِئرِ، فضلَ مائها، بعدَ رِيِّ ماشِيتِهِ (٦) ، فقد منَعَ الكَلأَ الذي حولَ البِئرِ، لأنَّ أحَدًا لا يرعَى حيثُ لا يكونُ لماشِيتِهِ ماءٌ تَشْربُهُ.

    ج ١١ ص ٥٩٥قال: ويجِبُ على حافِرِ البِئرِ، ألّا يمنع من لهُ ماشِيةٌ ترعى في ذلك الكلأ والفَلاةِ أن يَسْقُوا ماشِيتهُم من فضلِ ماءِ تِلك البِئرِ، التي انفردَ بحفرِها دُونهُم.

    قال: ويُجبَرُ على ذلك، وإن لم يكونُوا أعانُوهُ على حَفرِ تلك البِئرِ، إلّا أنَّهُ المبدأُ بسَقْيِ ماشيتِهِ، لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جَعلَهُ المبدأَ في ذلك الماءِ أن يَسْقِي ماشِيتهُ قبلَ غير، ولا يَمْنع فَضْلَهُ غيرَهُ. قال: وذُرِّيَّتُهُ، وذُرِّيَّةُ ذُرِّيَّتِهِ على مِثلِ حالِهِ، في تَقدِيمِهِم على غيرِهِم، ولا بيعَ لهم في ذلك ولا مِيراثَ، إلّا التَّبْدِيةُ بالانتِفاع في مائها.

    قال: وأمّا الرَّجُلُ يحتفِرُ في أرضِ نَفسِهِ ومِلكِهِ بئرًا، فلهُ أن يمنعَ ماءَها أوَّله وآخِرهُ، ولا حقَّ لأحَدٍ فيها مَعهُ، إلّا أن يَتطوَّعَ. كذلك فسَّر لي في جميع ذلك من لقِيتُ من أصحابِ مالكٍ.

    قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: إنَّ معنَى حديثِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ" ، وحديثهِ الآخر: "لا يُمنَعُ فَضلُ الماءِ، ليُمنع به الكلأُ" . تأوِيلُهُما ومَعناهُما واحِدٌ. فهُو نحو ما قال.

  21. ولكِنَّ قولَهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ فَضْلُ الماءِ ليُمنَع به الكلأُ" . لم يختَلِف قولُ مالكٍ أنَّها آبارُ الماشِيةِ في الفَلَواتِ ومَواضِع الكلأ. قال: لأنَّهُ إذا منعَ فضلَ ماءِ بئرِ الماشِيةِ، لم يَسْتطِع أحدٌ أن يَرْعَى في الكَلأ بغيرِ ماءٍ يَسْقِي به ماشِيتهُ، ولو منعَ من فضلِ ذلك الماءِ، مَنَع فضلَ الكلأِ الذي حَوْلهُ.

    قال مالكٌ: ولا أرَى أن يحِلَّ بيعُ ماءِ بئرِ الماشِيةِ (١) .

    قال: وأمّا بئرُ الزَّرع، فلا بأسَ ببيع مائها. وقال في بئرِ الزَّرع وبِئرِ النَّخلِ: إنَّهُ لا يُكرَهُ ربُّها على أن يَسْقِيَ فضلَ مائه (٢) غيرَهُ، وإنَّهُ لحَسَنٌ أن يفعلَ، إلّا إن

    ج ١١ ص ٥٩٦تغور (١) بئرُ جارِهِ، فهُو يُكرَهُ على أن يَسْقِيهُ فضل مائهِ، لئَلّا يهلك زَرْعُهُ ونخلهُ، حتَّى يُصلِحَ بئرهُ (٢) .

    قال ابنُ وَهْب: وسمِعتُ مالكًا وسُئلَ عن تَفسِيرِ قولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ نقعُ بئرٍ" . فقال مالكٌ: بئرُ الرَّجُلِ تَنهارُ، فيَقِلُّ ماؤُها، فلا يَمْنعُهُ جارُهُ أن يَسْقِيَ أرضَهُ من بئرِهِ، حتَّى يُصلِحَ بئرهُ. وقال: هذا تَفسِيرُهُ في رأيِي. قال: وسُئلَ مالكٌ عن قولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ، ليُمنع به الكلأُ" . فقال مالكٌ: يكونُ الكلأُ بالموضِع، ويكونُ فيه الماءُ للرَّجُلِ، فيأتي آخرُ بغَنمِهِ ليرعَى في ذلك الكلأ، فيمنعُهُ ذلك أن يَسْقِيَ من مائهِ. قال: ولو قدرَ النّاسُ على هذا، لحَمَوْا بلادَهُم، ولم يَدَعُوا أحدًا يَدخُلُ عَليهِم في الكَلأ (٣) .

  22. وقد تقدَّمَ القَولُ في معنَى ذلك كلِّهِ، بما لفُقهاءِ الأمْصارِ فيه من المذاهِبِ والأقوالِ، والاعتِلالِ والاعتِبارِ، في بابِ أبي الرِّجالِ، من كِتابِنا هذا، فمن تأمَّلهُ هناكَ، اكتفَى به إن شاءَ الله.

    قال ابنُ وَهْب: قال مالكٌ: لا تُباعُ مِياهُ الماشِيةِ، إنَّما تشربُ منها (٤) الماشِيةُ، وأبناءُ السَّبِيلِ، ولا يُمنَعُ من أحدٍ، وقد كان يُكتَبُ على منِ احتَفَرها: أنَّ أوَّل من يَشْربُ منها أبناءُ السَّبِيلِ. قال: وكذلك جِبابُ البادِيةِ التي تكونُ للماشِيةِ. فقيلَ لمالكٍ: أفرأيتَ الجِباب التي تُجعلُ لماءِ السَّماءِ؟ قال: فذلك أبعَدُ (٥) .

  23. حديثٌ ثاني أربعينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا صلَّى أحدُكُم بالنّاسِ فلْيُخفِّف، فإنَّ فيهِمُ الضَّعِيفَ والسَّقِيم والكبِير، وإذا صلَّى أحدُكُم لنفسِهِ، فليُطوِّل ما شاءَ" .

    ج ١١ ص ٥٩٧
  24. أكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ في "المُوطَّأ" لا يقولُونَ في هذا الحديثِ: "والكبِيرُ" . وقالهُ جماعَةٌ، منهُم: يحيى، وقتيبةُ (٢) . وهكذا رِوايةُ أبي الزِّنادِ من حَدِيثِ مالكٍ وغيره، لم يذكُر في حَدِيثهِ هذا: "وذا الحاجةِ" . وهُو محفُوظٌ من حديثِ أبي هريرةَ أيضًا، وأبي مسعُودٍ (٣) ، وعُثمان بن أبي العاصِ.

  25. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان أحدُكُم إمامًا فليُخفِّف، فإنَّ وراءَهُ الكبِيرَ، والضَّعِيفَ، وذا الحاجةِ، فإذا صلَّى أحدُكُم لنَفسِهِ، فليُطوِّل ما شاءَ" (٤) .

  26. وأكثرُ ما في هذا الحديثِ أمرُ الأئمَّةِ بالتَّخفِيفِ، وتركُ التَّطوِيلِ لعِلَلٍ قد بانَتْ في قولِهِ: "فإنَّ فيهِمُ الكبِير، والسَّقِيم، والضَّعِيف، وذا الحاجةِ" .

  27. والتَّخفِيفُ لكلِّ إمام أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، مندُوبٌ عِندَ العُلماءِ إليه، إلّا أنَّ ذلك إنَّما هُو أقلُّ الكمالِ.

  28. وأمّا الحَذْفُ والنُّقصانُ فلا، لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد نَهَى عن نَقْرِ الغُرابِ (١) .

    ج ١١ ص ٥٩٨
  29. ورأى رجُلًا يُصلِّي، ولم يُتمَّ رُكُوعهُ وسُجُودهُ فقال لهُ: "ارْجِع فصلِّ، فإنَّكَ لم تُصلِّ" (٢) .

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينظُرُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى من لا يُقِيمُ صُلْبهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ" (٣) .

    وقال أنسٌ: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أخفَّ النّاسِ صَلاةً في تمام.

  30. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : أخبَرنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان أخفَّ النّاسِ صلاةً في تمام.

  31. (٥) وروي هذا عن أنَسٍ من وُجُوهٍ، وقد رواهُ عبدُ الملكِ بن بُديل، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنَسٍ (٦) . فهُو غرِيبٌ من حديثِ مالكٍ غيرُ محفُوظٍ لهُ،

    ج ١١ ص ٥٩٩وعبدُ الملكِ بن بُديلٍ شامِيٌّ ليسَ بالمشهُورِ بحَملِ العِلم، ولا ممَّن تُعرَفُ لهُ خُرْبة (١) يجِبُ بها ردُّ رِوايتِهِ، والله أعلمُ.

  32. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزِيدُ بن أبي حبِيبٍ، أنَّ جَعفرَ بن عبدِ الله بن الحكم (٢) حدَّثهُ، عن تمِيم بن محمودٍ اللَّيثِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن شِبْلٍ الأنصارِيِّ، أنَّهُ قال: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن نَقْرِ الغُرابِ، وافتِراشِ السَّبُع (٣) .

  33. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا يَعْلَى، قال: حدَّثني عبدُ الحَكَم، عن أنَسٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اعتدِلُوا في الرُّكُوع والسُّجُودِ، ولا يَفْترِشْ أحدُكُم ذِراعَيهِ افتِراشَ الكَلْبِ" (٤) .

  34. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ (١) ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ وعارِمٌ، قالا: حدَّثنا مهدِيُّ بن ميمُونٍ، قال: أخبَرنا واصِلُ الأحْدَبُ، عن أبي وائلٍ، قالَ: رأى حُذَيفةُ رَجُلًا يُصلِّي لا يُتِمُّ رُكُوعَهُ ولا سُجُودَهُ، فلمّا انصرَفَ دَعاهُ، فقال: مُذ كَمْ صلَّيتَ هذه الصَّلاةَ؟ قال: صلَّيتُها مُنذُ كذا وكذا. فقال حُذيفةُ: ما صلَّيتَ. أو قال: ما صلَّيتَ لله. وأحسبُهُ قال: وإن مُتَّ، مُتَّ على غيرِ سُنَّةِ (٢) محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - (٣) .

    ج ١١ ص ٦٠٠
  35. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا حفصُ بن عُمر النَّمَرِيُّ (٥) ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سُليمانَ، عن

    ج ١١ ص ٦٠١عُمارةَ بن عُمَيرٍ، عن أبي مَعْمرٍ، عن أبي مسعُودٍ البَدْرِيِّ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُجزِئُ صَلاةُ الرَّجُلِ حتَّى يُقِيمَ ظَهرَهُ في الرُّكُوع والسُّجُودِ" .

    قال أبو عُمر: في حديثِ أبي هريرةَ، ورِفاعةَ بن رافِع، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تَعليم الأعرابيِّ: "ثُمَّ ارْكَعَ فاعتدِلْ قائمًا، ثُمَّ اسجُدْ فاعتدِلْ ساجِدًا، ثُمَّ اجلِسْ فاطمئنَّ جالِسًا، ثُمَّ اسجُدْ فاعتدِلْ، فإذا صلَّيتَ صَلاتكَ على هذا، فقد أتممْتَ (١) صلاتَكَ" (٢) ، وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا، والحمدُ لله.

  36. واختلَفَ الفُقهاءُ فيمَنْ صارَ من الرُّكُوع إلى السُّجُودِ، ولم يرفع رأسهُ (٣) :

    فرَوَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: أَنَّهُ لا يُجزِئُهُ. قال: ويُلغِي تلك الرَّكعةَ، ولا يَعْتدُّ بها من صَلاتِهِ، إن لم يرفع صُلْبهُ.

  37. ورَوَى ابنُ عبدِ الحكم عنهُ: إذا رفعَ رأسهُ من الرُّكُوع، ثُمَّ أهْوَى ساجِدًا قبلَ أن يعتدِلَ، أنَّهُ يُجزِئُهُ.

    وقال ابنُ القاسم: ومن رفعَ رأسهُ من الرُّكُوع، ولم يعتدِلْ قائمًا، حتَّى خرَّ ساجِدًا، فليَسْتغفِرِ الله ولا يَعُد، فإن خرَّ من الرُّكُوع إلى السُّجُودِ، ولم يرفع شيئًا، فلا يعتدُّ بتلك (٤) الرَّكعةِ، وهُو قولُ مالكٍ.

    قال ابنُ القاسم: ومن رفعَ رأسهُ من السُّجُودِ، فلم يعتدِلْ جالِسًا، حتَّى سجدَ أُخرى، فليَسْتغفِرِ الله، ولا يَعُد، ولا شيءَ عليه في صلاتِهِ.

    قال ابنُ القاسم: وأحبُّ إليَّ في الذي خرَّ من الرَّكعةِ ساجِدًا، قبلَ أن يرفع رأسهُ أن يتمادى مع الإمام، ثُمَّ يُعِيدَ الصَّلاةَ.

    ج ١١ ص ٦٠٢وقال عِيسى بن دِينارٍ: إن فعلَ ذلك في الرَّكعةِ الأُولى، قطعَ صلاتهُ وابتدأها، وإن فعلَ ذلك في الرَّكعةِ الثّانيةِ، جعلها نافِلةً وسلَّم، وإن فعلَ ذلك في الرَّكعةِ الثّالثةِ، أتمَّ صَلاتهُ وجَعلَها نافِلةً، ثُمَّ أعادَها بتمام رُكُوعِها وسُجُودِها، وهذا فيمَنْ صلَّى وحدهُ، وأمّا من صلَّى مع الإمام وفعلَ مِثل ذلك، تمادى معهُ، ثُمَّ أعادَها.

    قال أبو عُمر: لا معنَى للفَرقِ بين الرَّكعةِ الأُولى وغيرِها في أثرٍ ولا نظرٍ، وكذلك لا معنى لقولِ من صيَّرها نافِلةً، والصَّوابُ إلغاءُ تلك الرَّكعةِ، على ما رَوَى ابنُ وَهْبٍ وغيرُهُ عن مالكٍ؛ لأنَّ الاعتِدالَ فرضٌ الرُّكُوع والسُّجُودِ، ألا ترَى إلى قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثم ارفَعْ (١) حتَّى تَطْمَئِنَّ (٢) قائمًا، ثُمَّ اسجُد حتَّى تَعْتَدِلَ ساجِدًا، ثُمَّ اجلِس حتَّى تعتدِلَ جالِسًا" (٣) . وقد ذكرنا هذا الخبرَ فيما سَلَف من هذا الكِتابِ.

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُجزِئُ رجُلًا صلاتُهُ، حتَّى يُقِيمَ فيها ظَهرهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ" (٤) .

  38. وقال أبو حنِيفةَ فيمن صار من الرُّكُوع إلى السُّجُودِ، ولم يرفع رأسهُ: إنَّهُ يُجزِئُهُ (٥) .

    وقال أبو يُوسُف: لا يُجزِئُهُ.

    ج ١١ ص ٦٠٣وقال الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ والشّافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وداودُ والطَّبريُّ: إذا لم يرفع رأسهُ من الرُّكُوع، لم يُعتدَّ بتِلك الرَّكعةِ، حتَّى يقُوم فيعتدِل صُلبُهُ قائمًا.

    قال أبو عُمر: أحادِيثُ هذا البابِ تدُلُّ على صِحَّةِ هذا القولِ، وما رَوى فيه ابنُ وَهْبٍ عن مالكٍ هُو الصَّوابُ، وعليه العُلماءُ، ورِوايةُ ابنِ عبدِ الحكم قد رَوَى مِثلها ابنُ القاسم، ولا أعلمُ أحدًا تَقدَّم إلى هذا القَولِ غيرَ أبي حنِيفةَ، والأحادِيثُ المرفُوعةُ في هذا البابِ ترُدُّهُ، وبالله التَّوفِيقُ.

  39. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : أخبرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ (٢) ، قال: حدَّثنا خالدٌ، وهُو ابنُ الحارِثِ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ قال: أخبرني الحارِثُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن سالم بن عبدِ الله، عن عبدِ الله بن عُمر، قال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يأمُرُنا (٣) بالتَّخفِيفِ، ويؤُمُّنا بالصّافّاتِ.

    قال أبو عُمر: زادَ بعضُهُم في هذا الحديثِ: "في الصُّبح" . وقد قيلَ: "في المغرِبِ" . ولا حدَّ في إكمالِ الصَّلاةِ وتَخفِيفها أكثرُ من الاعتِدالِ في الرُّكُوع والسُّجُودِ والجُلُوسِ، وأَقَلَّ ما يُجزِئُ من القِراءةِ، فاتحةُ الكِتابِ، بقِراءةٍ تُفهَمُ حُرُوفُها.

    ج ١١ ص ٦٠٤قال ابنُ القاسم عن مالكٍ في الرُّكُوع: إذا أمكنَ يَدَيهِ من رُكبَتيهِ، وإن لم يُسبِّح، فهُو مُجزِئ عنهُ (١) . وكان لا يُوقِّتُ تسبِيحًا.

    وقال الشّافِعيُّ (٢) : أقلُّ ما يُجزِئُ من عَملِ الصَّلاةِ، أن يُحرِمَ، ويقرأَ بـ "أُمِّ القُرآنِ (٣) " إن أحسَنها، ويركعَ حتَّى يَطْمئنَّ راكِعًا، ويرفعَ حتَّى يعتدِلَ قائمًا، ويسجُدَ حتَّى يَطْمئنَّ ساجِدًا على الجَبْهةِ، ثُمَّ يرفعَ حتَّى يعتدِلَ جالِسًا، ثمَّ يسجُدَ الأُخرى كما وصفتُ، ثُمَّ يقُومَ حتَّى يفعلَ ذلك في كلِّ رَكْعةٍ، ويجلِسَ في الرّابعةِ، ويَتَشهَّدَ ويُصلِّيَ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويُسلِّمَ تَسْلِيمةً، يقولُ: السَّلامُ عليكُم. فإذا فعلَ ذلك، أجزأتهُ صلاتُهُ، وقد ضيَّعَ حظَّ نفسِهِ فيما تركَ.

    قال أبو عُمر: أمّا التَّشهُّدُ، والصَّلاةُ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والتَّسلِيمُ، فمختَلَفٌ (٤) في ذلك، وقد ذكرناهُ فيما سلفَ من كِتابِنا هذا، في مواضِع منهُ، والحمدُ لله.

    قال أبو عُمر: لا أعلمُ بين أهلِ العِلم خِلافًا في استِحبابِ التَّخفِيفِ لكلِّ من أمَّ قومًا، على ما شَرَطنا من الإتيانِ بأقلِّ ما يُجزِئُ، والفَرِيضةُ والنّافِلةُ عِندَ جميعِهِم سواءٌ في استِحبابِ التَّخفِيفِ، فيما إذا صُلِّيت جماعةً بإمام، إلّا ما جاءَ في صَلاةِ الكُسُوفِ على سُنَّتِها، على ما قد بيَّنّا من مَذاهِبِ العُلماءِ في ذلك، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، والحمدُ لله.

  40. روى مُطرِّفُ بن الشِّخِّيرِ، عن عُثمان بن أبي العاص، قال: أمَرَني رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن أؤُمَّ النّاسَ، وأن أُقدِّرَهُم بأضعفِهِم، فإنَّ فيهِمُ الكبِيرَ، والسَّقِيمَ، والضَّعِيفَ (٥) ، وذا الحاجةِ.