أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧

الصفحة ٣٣ من ٣٥

  1. أمّا الصِّيامُ في الشَّرِيعةِ، فمَعناهُ: الإمساكُ عن الأكلِ والشُّربِ ووطءِ النِّساءِ نهارًا، إذا كان تارِكُ ذلك يُرِيدُ به (٢) وجهَ الله ويَنْوِيهِ، هذا معنى الصِّيام في الشَّرِيعةِ عِندَ جميع عُلماءِ الأُمَّةِ.

    ج ١١ ص ٦٥٨
  2. وأمّا أصلُهُ في اللُّغةِ، فالإمساكُ مُطلقًا، وكلُّ من أمسَكَ عن شيءٍ، فقد صامَ منه (٣) ، ويُسمَّى صائمًا، ألا تَرَى إلى قولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: ٢٦] ، فسمَّى الإمساكَ عن الكلام صومًا، وكلُّ مُمسِكٍ عن حَرَكةٍ، أو عمل، أو طعام، أو شرابٍ (٤) ، فهُو صائمٌ في أصلِ اللِّسانِ، لكِنَّ الاسمَ الشَّرعِيَّ ما قدَّمتُ لك، وهُو يَقْضِي في المعنى على الاسم اللُّغوِيِّ.

  3. وقد ذكَرْنا شواهِدَ الشِّعرِ على الاسم اللُّغوِيِّ (٥) في الصِّيام، واسْتَوعبنا القولَ في معناهُ، في بابِ ثورِ بن زيدٍ، والحمدُ للّه.

  4. وأمّا قولُهُ: الصِّيامُ جُنَّةٌ، في هذا الحديثِ، فكذلك رواهُ القَعْنبِيُّ، ويحيى، وأبو المُصْعَبٍ (٦) ، وجماعةٌ، ولم يذكُرِ ابنُ بُكيرٍ في هذا الحديثِ: "الصِّيامُ جنَّةٌ" .

    ج ١١ ص ٦٥٩وإنَّما قال: عن مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان أحدُكُم صائمًا فلا يَرْفُث ... " الحديثَ.

  5. والجُنَّةُ: الوِقايةُ والسِّترُ عن النّارِ، وحَسْبُك بهذا (١) فَضْلًا للصّائم.

  6. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الوهّابِ الحَجَبِيُّ (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عبدِ المجيدِ الثَّقفِيُّ، قال: حدَّثنا عَنْبسةُ الغَنَوِيُّ، عن الحسنِ، أنَّ عُثمانَ بن أبي العاص كان يُحدِّث، أنَّ نبِيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "الصِّيامُ جُنَّةٌ يَسْتجِنُّ بها العبدُ من النّارِ" (٣) .

  7. وأمّا قولُهُ: "فإذا كان أحدُكُم صائمًا فلا يَرْفُث" . فإنَّ الرَّفث هاهُنا الكلامُ القبِيحُ والتَّشاتُمُ والخَنا والتَّلاعُنُ، ونحوُ ذلك من قبِيح الكلام، الذي هُو سِلاحُ اللِّئام (٤) ، ومنهُ اللَّغوُ كلُّهُ والباطِلُ والزُّورُ. وقال العجّاجُ (٥) :

    عن اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ

    قرأتُ على أبي عبدِ الله محمدِ بن عبدِ الملكِ، أنَّ أبا محمدٍ عبد الله بن مسرُور (٦) ، حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عِيسى بن مِسكِينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن سَنْجَرٍ الجُرجانِيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا فِطرٌ، قال: حدَّثني زِيادُ بن الحُصَينِ،

    ج ١١ ص ٦٦٠عن رُفَيع أبي العالِيةِ، قال: خرَجْنا مع ابنِ عبّاسٍ حُجّاجًا، فأحرَمَ، فأحرَمْنا، ثُمَّ نزلَ يسُوقُ الإبِل وهُو يَرْتجِزُ ويقولُ:

    وهُنَّ يَمْشِين بنا هَمِيسا

    إن تصدُقِ الطَّيرُ نُجامِع لمِيسا

    فقلتُ: يا أبا عبّاسٍ، ألستَ مُحرِمًا؟ قال: بلى. قُلتُ: فهذا الكلامُ الذي تَكلَّمُ به؟ قال: إنَّهُ لا يكونُ الرَّفثُ إلّا ما واجهتَ به النِّساءَ، وليسَ معَنا نِساءٌ (١) .

  8. وفي غيرِ هذه الرِّوايةِ في هذا الحديثِ:

    وهُنَّ يمشِينَ بنا هَمِيسا

    إن تصدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لمِيسا (٢)

    قال أبو عُمر: الرَّفثُ في كلام العربِ على وَجْهينِ، أحدُهُما: الجِماعُ، والآخرُ: الكلامُ القبِيحُ، والفُحشُ من المقالِ.

  9. واختلف العُلماءُ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٧] .

  10. فأكثرُ العُلماءِ على أنَّ الرَّفَثَ هاهُنا: جِماعُ النِّساءِ وغِشْيانُهُنَّ.

  11. والفُسُوقُ: المعاصِي بإجماع. والجِدالُ: المِراءُ.

  12. وقيل: السِّبابُ والمُشاتمةُ. وقيل: ألّا تُغضِبَ صاحِبَكَ.

  13. وقيل: أنْ لا جِدالَ في الحجِّ اليومَ، لأنَّهُ قد استقامَ في ذي الحِجَّةِ.

  14. ولم يختلِفِ العُلماءُ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: ١٨٧] ، أنَّ الرَّفَثَ هاهُنا الجِماعُ.

  15. وأمّا قولُهُ: "فإنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتمَهُ، فليَقُل: إنِّي صائمٌ" . ففيه قولانِ:

    أحدُهُما: أنَّهُ يقولُ للذي يُرِيدُ مُشاتمَتهُ ومُقاتلتَهُ: إنِّي صائمٌ، وصَوْمِي يمنعُني من مُجاوبتِكَ، لأنِّي أصُونُ صَوْمِي عن الخَنا والزُّورِ من القَولِ، فبِهذا أُمِرتُ، ولولا ذلك لانتصرتُ لنفسِي بمِثلِ ما قُلتَ لي سواءً، ونحو ذلك (١) .

    ج ١١ ص ٦٦١
  16. والمعنى حِينئذٍ على هذا التَّأوِيلِ في الحديثِ، أنَّ الصّائمَ نُهِيَ عن مُقاتَلةِ من قاتَلهُ بلسانِهِ (٢) ومُشاتمتِهِ، وصَوْنُهُ صومهُ عن ذلك، وبهذا وردَ الحديثُ.

  17. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن يُونُس، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن المقبُرِيِّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يَدَع قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليسَ لله حاجَةٌ في أن يدَعَ طَعامهُ وشَرابهُ" .

    وقال أحمدُ بن يُونُس: فَهِمتُ الإسنادَ مِنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، وأفْهَمني الحديثَ رجُلٌ إلى جَنْبِهِ، أُراهُ ابنَ أخِيهِ.

  18. ورواهُ ابنُ المُباركِ (٤) ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ.

  19. والقولُ الثّاني: أنَّ الصّائمَ يقولُ في نفسِهِ لنَفسِهِ: إنِّي صائمٌ يا نَفْسي، فلا سبِيلَ إلى شِفاءِ غَيْظِكِ بالمُشاتمَةِ، ولا يُظهِرُ قولهُ: "إنِّي صائمٌ" . لما فيه من الرِّياءِ، وإطلاع النّاسِ على عَمَلِهِ؛ لأنَّ الصَّومَ من العَملِ الذي لا يَظْهرُ، ولذلك يجزِي اللهُ الصّائمَ أجرَهُ بغيرِ حِسابٍ، على حَسَبِ ما نَذكُرُ في البابِ، بعدَ هذا إن شاءَ الله.

    ج ١١ ص ٦٦٢
  20. وللصِّيام فرائضُ وسُننٌ، وقد ذكَرْنا فرائضَهُ في بابِ ثورِ بن زيدٍ.

  21. ومن سُننِهِ: أن لا يَرْفُث الصّائمُ، وأنْ لا يَغْتابَ أحدًا.

  22. وأن يجتنِبَ قولَ الزُّورِ والعمَلَ به، على ما جاءَ في آثارِ هذا البابِ وغيرِها.

  23. وأمّا قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ به، فليسَ للّه حاجة في أن يدَعَ طعامهُ وشَرابهُ" . فمعناهُ الكَراهِيةُ والتَّغلِيظُ، كما جاءَ في الحديثِ: "من شرِبَ الخمرَ، فليُشقِّصِ الخنازِيرَ" (١) . أي: يَذْبحها، أو يَنْحرها، أو يقتُلها بالمِشْقَصِ (٢) .

  24. وليسَ هذا على الأمرِ بشَقْصِ الخنازِيرِ، ولكِنَّهُ على تَعْظِيم إثم شارِبِ الخمرِ.

  25. فكذلك منِ اغتابَ، أو شهِدَ زُورًا أو مُنكرًا، لم يُؤمَرْ بأن يدَعَ صِيامهُ، ولكِنَّهُ يُؤمَرُ باجتِنابِ ذلك، ليتِمَّ لهُ أجرُ صَوْمِهِ، فاتَّقى عبدٌ ربَّهُ، وأمسَكَ عن الخَنا والغيبةِ والباطِلِ بلِسانِهِ، صائمًا كان أو غير صائم، فإنَّما يَكُبُّ النّاسَ في النّارِ على وُجُوهِهِم حَصائدُ ألسِنتِهِم، واللّهُ المُوفِّقُ للرَّشادِ.

  26. حديثٌ ثالثُ خمسينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نفسِي بيدِهِ، لَخُلُوفُ (٢) فم الصّائم أطيبُ عِندَ الله من رِيح المِسكِ، إنَّما يَذرُ شَهْوتهُ، وطعامهُ، وشرابهُ من أجْلِي، فالصِّيامُ لي وأنا أجزِي به، كلُّ حَسَنةٍ بعشرِ أمثالِها إلى سبع مئةِ ضِعفٍ، إلّا الصِّيامَ فإنَّهُ لي وأنا أجزِي به" .

    ج ١١ ص ٦٦٣
  27. هذا الحديثُ والذي قبلهُ رواهُما عن أبي هريرةَ جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُم سعِيدُ بن المُسيِّبِ (٣) ، والأعرجُ، وأبو صالح (٤) ، ومحمدُ بن سِيرِينَ، وغيرُهُم. ورواهُ أبو سعِيدٍ وغيرُهُ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كما رواهُ أبو هريرةَ.

  28. وخُلُوفُ فَم الصّائم: ما يَعْترِيهِ في آخِرِ النَّهارِ من التَّغيُّرِ، وأكثرُ ذلك في شِدَّةِ الحرِّ (٥) .

  29. ومعنى قولِهِ: "لخُلُوفُ فم الصّائم أطيبُ عِندَ الله من رِيح المِسكِ" .

  30. يُرِيدُ: أزْكَى عِندَ الله، وأقربُ إليه، وأرفَعُ عِندِهِ من رِيح المِسكِ.

  31. وهذا في فَضْلِ الصِّيام، وثوابِ الصّائم، ومن أجلِ هذا الحديثِ كرِهَ جماعةٌ

    ج ١١ ص ٦٦٤من أهلِ العِلم السِّواكَ للصّائم في آخِرِ النَّهارِ، من أجلِ الخُلُوفِ؛ لأنَّهُ أكثرُ ما يَعْترِي الصّائمَ الخُلُوفُ في آخِرِ النَّهارِ، لتأخُّرِ الأكلِ والشُّربِ عنهُ.

  32. واختلَفَ الفُقهاءُ في السِّواكِ للصّائم.

  33. فرخَّصَ فيه مالكٌ (١) ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُما، والثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ، وابنُ عُليَّةَ. وهُو قولُ إبراهيمَ النَّخعِيِّ، ومحمدِ بن سِيرِين، وعُروةَ بن الزُّبيرِ (٢) .

  34. ورُوِيتِ الرُّخصةُ فيه عن عُمر، وابنِ عبّاسٍ (٣) .

  35. وليس عن واحِدٍ منهُم فرقٌ بين أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، ولا بين السِّواكِ الرَّطبِ واليابِسِ.

  36. وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهَبَ، قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِي، لأمرتُهُم بالسِّواكِ مع كلِّ صَلاةٍ" (٤) .

  37. ولم يخُصَّ رمضانَ ولا غيرهُ.

  38. وقد رُوِي عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ كان يَسْتاكُ وهُو صائمٌ (٥) .

    وقال الشّافِعيّ (٦) : أُحِبُّ السِّواكَ عِندَ كلِّ وُضُوءٍ، باللَّيلِ والنَّهارِ، وعِندَ تغيُّرِ الفم، إلّا أنِّي أكرَهُهُ للصّائم آخِر النَّهارِ، من أجلِ الحديثِ في خُلُوفِ فَم الصّائم.

  39. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهوية، وأبو ثَوْرٍ، ورُوِي ذلك عن عَطاءٍ ومُجاهِدٍ (١) .

    ج ١١ ص ٦٦٥
  40. وأمّا السِّواكُ الرَّطبُ، فيَكْرهُهُ مالكٌ وأصْحابُهُ، وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ (٢) .