حميد الطويل

١٩٣ فقرة، ج ٢ ص ١٧٣

الصفحة ٣ من ٥

  1. وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٤) ، عن مَعْمرٍ، قال: كاد أهلُ المدينةِ ألّا يَسْتَقَيموا في الجائِحَةِ (٥) ، يقولون: ما كان دونَ الثُّلُثِ فهو على المشْتَرِي إلى الثُّلُثِ، فإذا كان

    ج ٢ ص ٢٠٦فوقَ ذلك فهي جائحَةٌ. قال: وما رأيتُهم يجعَلون الجائحةَ إلّا في الثمارِ. قال: وذلك أنّي ذكَرْتُ لهم البَزَّ (١) يَحْتَرِقُ، والرَّقِيقَ يموتون، قال معمرٌ: وأخبَرني مَن سمِع الزهريَّ، قال: قلتُ له: ما الجائحةُ؟ قال: النذِّصفُ.

    ج ٢ ص ٢٠٥
  2. وروَى حُسينُ بن عبدِ الله بن ضُميرَةَ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ، قال: والجائحةُ (٢) الثلُثُ فصاعدًا يُطَّرَحُ عن صاحبِها، وما كان دُونَ ذلك فهو عليه، قال: والجائحَةُ الرِّيحُ، والمطرُ، والجَرَادُ، والحَرِيقُ (٣) .

  3. والمراعاةُ عندَ مالكٍ وأصحابِه ثُلُثُ الثمرةِ لا ثُلُثُ الثمنِ، ولو كان ما بَقِي من الثَّمَرَةِ وفاءً لرأسِ مالِه وأضعافَ ذلك، وإذا كانت الجائحَةُ أقلَّ من ثُلُثِ الثمرةِ، فمُصِيبتُها عندَهم من المشتَري ولو لم يكنْ في ثَمَنِ ما بَقِيَ إلّا درهمٌ واحدٌ.

  4. وأمّا أحمدُ بن حنبلٍ وسائرُ من قال بوَضْعِ الجوائحِ من العلماءِ (٤) ، فإنّهم وضَعوها عن المبتاعِ في القليلِ والكثيرِ، وقالوا: المصِيبةُ في كلِّ ما أصابتِ الجائحَةُ من الثِّمارِ على البائعِ، قليلًا كان ذلك أو كثيرًا. ولا معنَى عندَهم لتحديدِ الثلُثِ؛ لأنّ الخبرَ الواردَ بذلك ليس فيه ما يدلُّ على خُصوصِ شيءٍ دون شيءٍ، وهو حديثُ جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من روايةِ أبي الزبيرِ وروايةِ سُلَيمانَ بن عَتيقٍ، وقد ذكَرنَاهما.

    قال أبو عُمر: كان بعضُ من لم يرَ وضعَ الجوائحِ يتَأوَّلُ حديثَ سُليمانَ بن عَتِيقٍ عن جابرٍ أنّه على النَّدْبِ، ويقولُ: هو كحَديثِ عَمْرةَ في الذي تبيَّن له النُّقصانُ فيما ابتَاعَه من ثمرِ الحائطِ حينَ قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تَألَّى ألّا يفعَلَ خيرًا" (٥) ،

    ج ٢ ص ٢٠٧يعني: رَبَّ الحائطِ، وكان يتأوَّلُ في حديثِ أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أنّه محمولٌ على بيعِ ما لم يُقْبَضْ، وما لم يُقبَضْ فمُصيبَتُه عندَهم من بائعِه. وكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك في وضعِ الخَراج، خَراجِ الأرضِ، يُريدُ كِراءَها، عمّن أصاب ثمرَه أو زَرْعَه آفَةٌ. وقال بعضُهم: معناه معنى حديثِ أنسٍ سواءً، إلّا أنّ أنسًا ساقَه على وجهِه، وفَهِمَه بتَمامِه. وهذه التَّأويلاتُ كلُّها خلافُ الظاهِرِ، والظاهرُ يُوجِبُ وضعَ الجوائحِ إن ثَبَت حديثُ سُليمانَ بن عَتِيقٍ، وأمّا الأُصُولُ فتشهدُ لتأويلِ الشافعيِّ، وبالله التوفيقُ.

  5. وأمّا جملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِه في الجوائح (١) ، فذكَرَ ابنُ القاسمِ وغيرُه عن مالكٍ فيمَن ابتاع ثمرةً فأصابتْها جائحَةٌ، أنّها من ضَمانِ البائعِ إذا كانت الثُّلُثَ فصاعدًا، وإذا كانت أقلَّ من الثُّلُثِ لم تُوضَعْ عن المشترِي، وكانت المصيبةُ منه في النَّخلِ والعِنَبِ ونحوِهما.

    قال: وأما الوردُ، والياسَمِينُ، والرُّمَّانُ، والتُّفَّاحُ، والخَوْخُ، والأُتْرُجُّ، والموزُ، وكلُّ ما يُجنَى بطنًا بعدَ بطنٍ من المقاثي وما أشبَهها، إذا أصابَت شيئًا من ذلك الجائحَةُ، فإنّه يُنظَرُ إلى المَقثأةِ كم نَباتُها من أولِ ما يَشتَرِي إلى آخرِ ما تَنقَطِعُ ثمرتُها في المُتعارفِ، وينظرُ إلى قِيمتِها في كلِّ زمانٍ على قَدْرِ نَفَاقِه في الأسواق، ثم يمتَثلُ فيه أن يُقسَمَ الثَّمَنُ على ذلك.

  6. واختلَفَ أصحابُ مالكٍ في الحائطِ يكونُ فيه أنواعٌ من الثِّمارِ فيُجَاحُ منها نوع واحد، فكان أشهَبُ وأصبَغُ يقولان: لا يُنظرُ فيه إلى الثمرةِ، ولكن إلى القِيمَةِ، فإن كانتِ القيمةُ الثُّلُثَ فصاعدًا وُضِع عنه.

    قال ابن القاسِم: بل يُنظَرُ إلى الثمرةِ، على ما قدَّمنا عنهم.

  7. وكان ابن القاسم أيضًا يَرَى السَّرَقَ جائِحَةً، وخالَفَه أصحابُه والناسُ.

    وقال ابنُ عبدِ الحَكَمِ، عن مالكٍ: من اشتَرَى حوائطَ في صَفَقاتٍ مُختلفةٍ، فأُصيب منها ثُلُثُ حائطٍ، فإنها تُوضَعُ عنه، ولو اشتَرَاها في صَفَقَةٍ واحدةٍ، فلا وضِعيةَ له إلّا أن يكونَ ما أصابَتِ الجائحِةُ ثُلُثَ ثَمَرِ جميعِ الحوائطِ.

    ج ٢ ص ٢٠٨
  8. وقال مالكٌ في البُقولِ كلِّها، والبَصَلِ، والجَرَزِ، والكُرَّاثِ، والفُجْل، وما أشْبَهَ ذلك: إذا اشتَرَاه رجلٌ فأصابَته جائحَةٌ، فإنّه يُوضَعُ عن المشتَرِي كلّ شيءٍ أصابَتْه به الجائحَةُ، قلَّ أو كَثُرَ. قال: وكلُّ ما يَبِس فصار تَمرًا أو زَبِيبًا وأمكَنَ قِطَافُه، فلا جائِحَةَ فيه. قال: والجَرَادُ، والنَّارُ، والبَرْدُ، والمَطَرُ، والطَّيرُ الغالِبُ، والعَفَنُ، وماءُ السماءِ المُترَادِفُ المفسِدُ، والسَّمُومُ، وانقطاعُ ماءِ العُيُونِ، كلُّها من الجَوَائِح، إلّا الماءَ فيما يُسقَى، فإنّه يُوضعُ قليلُ ذلك وكثيرُه؛ لأنّ الماءَ من سببِ ما يُباعُ، ولا جائِحَةَ في الثَّمَرِ إذا يَبِسَ.

    قال ابنُ عبدِ الحَكَمِ، عن مالكٍ: لا جائِحَةَ في ثَمَرٍ عندَ جَدَادِه، ولا في زَرْعٍ عندَ حَصادِه. قال: ومن اشتَرَى زَرعًا قد استُحصِدَ، فتَلِف، فالمصيبَةُ من المشتَرِي وإن كان لم يَحصُدْه.

  9. حدَّثني أحمدُ بن سعيدِ بن بِشْرٍ (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن أبي دُلَيمٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: سمِعتُ سُحنُونَ قال في الذي يشتَري الكَرمَ وقد طاب، فيُؤَخِّرُ قِطافَه إلى آخِرِ السَّنَةِ ليكونَ أكثرَ لثَمَنِه، فتُصيبُه جائحَةٌ: إنّه لا جائحَةَ فيه، ولا يُوضعُ عن المشتَرِي فيه شيءٌ، قال: وكذلك الثَّمَرُ إذا طاب كلُّه، وترَكَه للغَلاءِ في ثَمَنِه. قال: وليس التِّينُ كذلك؛ لأنّه يَطِيبُ شيئًا بعدَ شيءٍ، وما طاب شيئًا بعدَ شيءٍ وُضِع عنه.

    ج ٢ ص ٢٠٩قال أبو عُمر: أجاز مالكٌ، رحِمه اللهُ وأصحابُه بيعَ المَقَاثِي إذا بَدَا صَلاحُ أوَّلِها، وبيعَ البَاذِنْجانِ، واليَاسَمِينِ، والمَوْزِ، وما أشبَهَ ذلك، استِدلالًا بإجازَةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بيعَ الثِّمارِ حينَ يَبدُو صَلاحُها، ومعنَاه عندَ الجميع: أن يَطِيبَ أولُها، أو يبدُوَ صَلاحُ بعضِها، وإذا جاز ذلك عندَ الجميعِ في الثِّمارِ، كانت المقاثِي وما أشبَهَها ممّا يُخلَقُ شيئًا بعدَ شيءٍ، وَيخرُجُ بطنًا بعدَ بطنٍ كذلك، قِياسًا ونَظَرًا؛ لأنّه لما كان ما لم يَبدُ صلاحُه من الحائطِ ومن ثَمَرِ الشَّجرِ تَتَعًا لِمَا بَدَا صَلاحُه في البيعِ من ذلك، كان كذلك بَيعُ ما لم يُخلَقْ من المقاثِي وما أشبَهَها تَتَعًا لِمَا خُلِقَ وطاب، وقياسًا أيضًا على بيعِ مَنافعِ الدَّارِ وهي غيرُ مَخْلُوقَةٍ، ولأنّ الضرورةَ تُؤَدِّي إلى إجازَته. وقولُ المُزنيِّ في ذلك كقولِ مالكٍ وأصحابِه سواءً.

  10. وأمّا العِرَاقِيُّونَ، والشافعيُّ وأصحابُه، وأحمدُ بن حنبلٍ، وداودُ بن عليٍّ، فإنَّهم لا يُجِيزُونَ بيعَ المقاثِي، ولا بيعَ شيءٍ مما يخرُجُ بطنًا بعدَ بطنٍ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، والبيعُ عندَ جميعِهم في ذلك مفسوخٌ إلّا أن يقعَ البيعُ فيما ظهَر وأحاطَ المبتاعُ برُؤْيَتِه، وطابَ بعضُه (١) . وحُجَّتُهم في ذلك نهيُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيعِ ما لم يُخلَقْ، ونهيُه عن بيع ما ليس عندَك، ولأنّها أعيانٌ مقصودةٌ بالشِّراءِ ليست مَرئيّةً ولا مُستقرَّةً في ذمَّةٍ، فأشْبَهَتْ بيعَ السِّنِينَ المَنْهِيَّ عنه، وبالله التوفيقُ.

  11. حديثٌ رابعٌ لحُميد الطَّويل، عن أنس

    مالكٌ (١) ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: خرَجَ علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إنِّي أُرِيتُ هذه الليلةَ في رَمَضانَ، فتَلاحَى رَجُلان، فرُفِعَتْ، فالْتمِسُوها في التّاسعةِ، والسّابعةِ، والخامسةِ" .

    ج ٢ ص ٢١٠
  12. هكذا روَى مالكٌ هذا الحديثَ، لا خِلافَ عنه في إسْنادِه ومَتْنِه (٢) ، وفيه عن أنسٍ: خرَج علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وإنّما الحديثُ لأنسٍ، عن عُبادَةَ بن الصامِتِ.

  13. حدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ، قال (٣) : حدَّثنا عبدُ الوَهَّابِ، عن حُمَيدٍ (٤) ، عن أنسٍ، عن عُبادَةَ، قال: خرَج علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يُرِيدُ أن يُخْبِرَ بليلةِ القدرِ، فتَلاحَى رجلان، فقال: "إنِّي خَرَجْتُ [وأنا أُرِيدُ] (٥) أن أُخْبِرَكم بليلةِ القدرِ، فتَلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ، ولَعَلَّ ذلك أن يكونَ خَيْرًا، فالْتَمِسُوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ" (٦) .

    قال أبو عُمر: في حديثِ مالكٍ: "فرُفِعَتْ" ، وليس في هذا: "فرُفِعَتْ" . وهي لَفْظَةٌ محفوظَةٌ عندَ الحُفَّاظِ في حديثِ حُمَيْدٍ هذا، واللهُ أعلمُ، بمعنى ما أرادَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقولِه ذلك. والأظْهَرُ من مَعانيه أنّه رُفِع عِلْمُ تلك الليلةِ عنه،

    ج ٢ ص ٢١١فأُنْسِيَها بعدَ أن كان عَلِمها، ولم تُرْفَعْ رَفْعًا لا تعودُ بعدَه؛ لأنّ في حديثِ أبي ذَرٍّ أنّها في كلِّ رمضانٍ، وأنّها إلى يومِ القِيامةِ. ويدُلُّ على ذلك من هذا الحديثِ قولُه: "فالْتَمِسُوها" . إلّا أنّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ معنى قولِه: "الْتَمِسُوها" : في سائرِ الأعْوام، أو في العام المقْبِلِ؛ فإنّها رُفِعَتْ في هذا العامِ. ويَحْتمِلُ أن تكونَ رُفِعَتْ في تلك الليلةِ من ذلك الشَّهْرِ، ثم تَعودَ فيه في غيرِها. وفي ذلك دليلٌ على أنّها ليس لها ليلةٌ مُعَيَّنَةٌ لا تَعْدُوها، واللهُ أعلمُ.

  14. وكان سببَ رَفْع عِلْمِها عنه ما كان من التَّلاحِي بينَ الرجلَيْن، واللهُ أعلمُ. وأمّا المُلاحاةُ فهي: التَّشاجُرُ ورَفْعُ الأصواتِ، والمراجَعَةُ بالقولِ الذي لا يَصْلُحُ على حالِ الغَضَبِ، وذلك شُؤْمٌ، واللهُ أعلمُ. وقد نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عنها وعن المِراءِ أشَدَّ النَّهْي (١) . ورُويَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "نَهاني رَبِّي عن مُلَاحاةِ الرجالِ" (٢) . وقيل: المُلاحاةُ: السَّبُّ، يُقالُ: تلاحَيَا: إذا اسْتَبَّا، ولَحَانَي: أسْمَعني ما أكْرَهُ من قَبِيح الكلام، وأُنْشِد [من الطويل] :

    أَلا أيُّها اللاحِي بأن أحْضُرَ الوَغَى ... وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هل أنتَ مُخْلِدِي (٣)

  15. وقد يُنشَدُ هذا البيتُ على غيرِ هذا:

    * ألا أيُّهذا اللَّائِمي أحضُرَ الوَغَى (١) *

    ومن شُؤْمِ المُلاحَاةِ أنّهم حُرِمُوا بركَةَ ليلةِ القدرِ في تلك الليلةِ، وهذا مما سبَقَ في عِلْمِ الله، ولم يُحْرَمُوها في ذلك العامِ؛ لأنّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "التَمِسُوهَا في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ" يَدُلُّ على ذلك. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منَعَهم الإخْبارَ بها في ذلك الوَقْتِ تأْدِيبًا لهم في المُلاحَاةِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ اشْتَغَل بالُه بتَشاجُرِهما فنُسِّيَها. وقد رُوي نحوُ ذلك مَنْصُوصًا من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ.

    ج ٢ ص ٢١٢
  16. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حَمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيْع، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: اعْتَكَف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - العَشْرَ الأواسط (٢) من رمضانَ وهو يَلْتَمِسُ ليلةَ القدرِ قبلَ أن تُبانَ له، فلمّا انْقَضَيْن أمَر بالبِناءِ - يعني: فرُفِع - فأُبِينَتْ له أنّها في العَشْرِ الأواخِرِ من رمضانَ، فأعاد البِناءَ واعتكَف العَشْرَ الأواخِرَ من رمضانَ، فخرَج إلى الناسِ، فقال: "يا أيّها الناسُ، إنّي أُبِينَتْ لي ليلةُ القدرِ، فخرَجْتُ أُخْبِرُكم بها، فجاء رَجُلان يَخْتَصِمان ومعهما الشيطانُ، فنُسِّيتُها، فالتَمِسُوها في العَشْرِ الأواخرِ من رمضانَ، والتَمِسُوها في التاسعةِ، والتَمِسُوها في السابعةِ، والتَمِسُوها في الخامسةِ" (٣) .

  17. وذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج، قال: أخبَرني يونُسُ بن يوسُفَ، أنّه سمِع سعيدَ بن المسَيِّبِ يقولُ: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في نَفَرٍ من أصحابِه، فقال: "ألا أُخْبِرُكم بليلةِ القدرِ؟ " ، قالوا: بلى يا رسولَ الله. فسكَت ساعَةً، فقال: "لقد قُلْتُ لكم ما قُلْتُ آنِفًا وأنا أعلَمُها، أو إنّي لأعْلَمُها، ثم أُنْسِيتُها" . فذكَر الحديثَ، وفيه: فاسْتَقامَ مَلأُ القومِ على أنّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين.

    ج ٢ ص ٢١٣
  18. وأمّا قولُه: "التَمِسُوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ" . فقد اخْتَلَف العلماءُ في ذلك، فقال قومٌ: هي تاسعةٌ تَبْقَى؛ يَعْنُونَ ليلةَ إحْدَى وعِشْرِين، وسابعةٌ تَبْقَى؛ ليلةَ ثلاثٍ وعِشْرِين، وخامِسَةٌ تَبْقَى؛ ليلةَ خمسٍ وعِشْرِين. وممّن قال ذلك مالكٌ رحِمه اللهُ، وروَى سعيدُ بن داودَ بن أبي زَنْبرٍ، عن مالكٍ، أنّه سُئِل: ما وَجْهُ تَفْسِيرِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "التَمِسُوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ" ؟ فقال: أرَى، واللهُ أعلمُ، أنّه أراد بالتاسعةِ ليلةَ إحْدَى وعشرين، والسابعةِ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، وبالخامسةِ ليلةَ خمسٍ وعشرين. وقال ابن القاسمِ: رجَع مالكٌ عن ذلك، وقال: هو حديثٌ مَشْرِقِيٌّ لا أعلَمُه. وما حَكاه ابن القاسمِ فليس بشيءٍ، وقد قال مالكٌ وغيرُه من العلماءِ ما وصَفْتُ لك، واسْتَدَلُّوا على ذلك بأنّه قد رُوِيَ مَنْصوصًا مثلُ قولِهم هذا، وبتَقْدِيمِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - التاسعةَ على السابعةِ، والسابعةَ على الخامسةِ.

  19. وأمّا الحديثُ في ذلك، فحدَّثناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ (٢) ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قال: حدَّثنا أَيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:

    ج ٢ ص ٢١٤"التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخرِ من رمضانَ؛ في تاسعةٍ تَبْقَى، وفي سابعةٍ تَبْقَى، وفي خامسةٍ تَبْقَى" .

  20. وإلى هذا ذهَب أيوبُ، رحِمه اللهُ، ذكَر ذلك عنه مَعْمَرٌ.

  21. وروَى أبو نَضْرةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ من رمضانَ، والتَمِسُوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ" . قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، إنّكم أعلمُ بالعَدَدِ مِنّا. قال: أجلْ. قلتُ: ما التاسعةُ والسابعةُ والخامسةُ؟ قال: إذا مَضَتْ إحدى وعشرون، فالتي تليها التاسعةُ، وإذا مَضَتْ ثلاثٌ وعشرون، فالتي تليها السابعةُ، وإذا مضت خمسٌ وعشرون، فالتي تليها الخامسةُ.

  22. ذكره أبو داودَ (١) ، عن ابن المثنى، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدٍ، عن أبي نضرةَ. هكذا جاء في هذا الباب مراعاةُ التي تَلِيها، وذلك الأُولَى من التِّسْعِ البَواقي، والأُولَى من السَّبع البَواقي، والأُولَى من الخمسِ البَواقي. وهذا يدُلُّ على اعْتِبارِه كمالَ العَدَدِ ثلاثين يومًا، وهو الأصْلُ والأغْلَبُ، وما خالَفَه فإنّما يُعْرَفُ بنُزولِه لا بأصْلِه.

  23. وروَى معمر، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ الله، إنّي رأيْتُ في النومِ ليلةَ القدرِ كأنها ليلةُ سابعةٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أرَى رُؤْيَاكم قد تواطأت (٢) أنّها في ليلةِ سابعةٍ، فمَن كان

    ج ٢ ص ٢١٥مُتَحَرِّيَها منكم فلْيَتَحَرَّها في ليلةِ سابعةٍ ". قال معمرٌ: فكان أيُّوبُ يَغْتَسِلُ في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين ويَمَسُّ طِيبًا (١) .

  24. وقولُه: "فمن كان منكم مُتَحَرِّيَها " دليلٌ على أن قِيامَ ليلةِ القدرِ فضيلةٌ لا فريضةٌ، وبالله التوفيقُ.

    وقال آخرون: إنّما أرادَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقولِه هذا التاسعةَ من العشرِ الأواخِرِ، والسابعةَ منه، والخامسةَ منه. يعْنُون ليلةَ تسعٍ وعشرين، وليلةَ سبعٍ وعشرين، وليلةَ خمسٍ وعشرين. واحْتَجُّوا بقولِه - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عمرَ: "التَمِسُوها في السبعِ الأواخِرِ " (٢) . قالوا: فيَدْخُلُ في ذلك ليلةُ تسعٍ وعشرين، فغيرُ نكيرٍ أن تكونَ تلك التاسعةَ المذكورَةَ في الحديثِ. وكذلك تكونُ السابعةُ ليلةَ سبعٍ وعشرين، والخامسةُ ليلةَ خَمْسٍ وعشرين. قالوا: وليس في تقديمِه لها في لفظِه وعَطْفِه ببعضِها على بعضٍ بالواوِ ما يدُلُّ على تقديم ولا تأخير.

    قال أبو عُمر: كلُّ ما قالُوه من ذلك يَحْتَمِلُ، إلّا أنّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "تاسعةٍ تَبْقَى، وسابعةٍ تَبْقَى، وخامسةٍ تَبْقَى " يقضِي للقولِ الأوَّلِ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخرِ، والتَمِسُوها في كلِّ وتْرٍ" (٣) . وهذا أعّمُّ من ذلك؛ لِما فيه من الزِّيادَةِ في الليالي التي تكونُ وتْرًا. وفيه دليلٌ على انْتِقالِها، واللهُ أعلمُ، وأنّها

    ج ٢ ص ٢١٦ليسَتْ في ليلةٍ واحدَةٍ مُعَيَّنَةٍ في كلِّ شَهْرِ رمضانَ، فرُبّما كانت ليلةَ إحْدَى وعشرين، ورُبّما كانت ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، ورُبّما كانت ليلةَ خمسٍ وعشرين، ورُبّما كانت ليلةَ سبعٍ وعشرين، ورُبّما كانت ليلةَ تسعٍ وعشرين. وقولُه: "في كلِّ وتْرٍ" يقْتَضِي ذلك.

  25. وذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن مَعْمرٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، قال: ليلةُ القدرِ تَنْتَقِلُ في العشرِ الأواخِرِ في كلِّ وتْرٍ.

    قال أبو عُمر: في ليلةِ إحْدَى وعشرين حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ (٢) ، وفي ليلةِ ثلاثٍ وعشرِين حديثُ عبدِ الله بن أُنَيْس الجُهَنيِّ (٣) ، وفي ليلةِ سبع وعشرين حديثُ أُبَيِّ بن كَعْبٍ (٤) ، وحديثُ معاويةَ بن أبي سفيان (٥) . وهي كلُّها صِحَاحٌ.

  26. فأمّا حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ فمِن روايةِ مالكٍ في "الموطّأ" ، فأغْنَى عن ذكرِه ههُنا؛ لأنّه سيَأْتي في موضعِه من كتابِنا في بابِ يزيدَ بن الهادِي، وهو محفوظٌ مشهورٌ، رَوَاه عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ جماعَةٌ.

  27. وأمّا حديثُ عبدِ الله بن أُنَيْسٍ الجُهَنِيِّ فهو مشهورٌ، وأكثرُ ما يأْتي مُنْقَطِعًا، وقد وصَلَه جماعَةٌ من وُجُوهٍ كثيرةٍ قد ذكَرْناها في بابِ أبي النَّضْرِ سالِم من كتابِنا هذا، والحمدُ لله.

  28. وروَى عَبَّادُ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن ضَمْرَةَ بن عبدِ الله بن أُنَيْسٍ،

    ج ٢ ص ٢١٧عن أبيه، أنّه أتَى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرْسَلَني إليك رَهْطٌ من بني سَلِمةَ يسْألُونك عن ليلةِ القدرِ، فقال: "كم الليلةُ؟ " ، قال: اثْنتان وعشرون. قال: "هي الليلةُ" . ثم رجَع فقال: "أو القابِلَةُ" ، يريدُ: ليلةَ ثلاثٍ وعشرين (١) .

  29. ففي هذا الحديث دليلٌ على جوازِ كونِها ليلةَ اثنتين وعشرين، وإذا كان هذا كذلك، جاز أن تكونَ في غيرِ وِتْرٍ، وممّن ذهَب إلى هذا الحسنُ البصريُّ رحِمه الله.

  30. ذكر مَعْمَر عمن سَمِعَ الحَسَن يقول: نظرتُ الشمسَ عشرينَ سنة فرأيتُها تطلُعُ صباحَ أربع وعشرين من رَمضان ليس لها شُعاع (٢) .

  31. ورَوى ابنُ لَهِيعة، عن يزيدَ بن أبي حَبِيب، عن أبي الخَيْر، عن الصُّنابِحي، عن بلال، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليلةُ القَدْر ليلةُ أربع وعشرين" (٣) . وهذا عندنا على ذلك للعام، وممكنٌ أن تكونَ في مثلِه بعدُ. إلّا أنَّ أكثرَ الأحاديث أنها

    ج ٢ ص ٢١٨في الوِتْر من العَشْر الأواخر، وأكثرُ ما جاء أيضًا في حديث عبد الله بن أُنَيْس أنها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين بلا شَكّ، وسترى ذلك في باب أبي النَّضْر إن شاء الله (١) .

  32. ورَوَى محمدُ بنُ إبراهيم بن الحارث التَّيْمي، عن ابن عبد الله بن أُنَيْس، عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله، إنَّ لي باديةً أكونُ فيها وأنا أُصلي فيها بحمد الله، فمُرْني بليلةٍ أنزلُها إلى هذا المسجد، فقال: "انزِلْ ليلةَ ثلاث وعشرين" . وكان محمد بن إبراهيم يجتهد ليلة ثلاث وعشرين (٢) .

  33. وفي ليلة ثلاث وعشرين حديثُ ابن عبّاس، يأتي في باب أبي النَّضْر (٣) .

  34. وفي ليلة ثلاث وعشرين قصة زُهْرة بن مَعْبَد، تأتي في باب أبي النَّضر إن شاء الله (٤) .

  35. وروَى جعفرُ بنُ محمد، عن أبيه، أنَّ عليَّ بن أبي طالب كان يتحرَّى ليلةَ القدر: ليلة تسعَ عشْرةَ، وإحدى وعشرين، وثلاثٍ وعِشرين (٥) .

  36. والثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: قال عبدُ الله بن مَسْعود: تَحَرَّوْا ليلةَ القَدْر ليلَة سَبْعَ عشْرةَ صَبيحةَ بَدْر، أو إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين.

  37. فهذا عليٌّ وابنُ مسعودٍ رضِي اللهُ عنهما قد جاز عندَهما أن تكونَ في غيرِ العَشْر الأواخِر، في الوِتْرِ مِن العَشْر الأوسط. ورُوِي عن ابنِ مسعودٍ قولُه هذا

    ج ٢ ص ٢١٩مرفوعًا؛ رَوَاه زيدُ بنُ أبي أُنيسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسود، عن أبيه (١) ، قال: قال لنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اطْلُبُوها ليلةَ سبعَ عشْرةَ، وليلةَ إحْدَى وعشرينَ، وليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ" . ثم سكَتَ (٢) .

  38. وهذا الحديثُ يَرُدُّ عن ابنِ مسعودٍ ما حدَّثناه سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَص، عن أبي يَعْفُور، عن أبي الصَّلْت، عن أبي عَقْرَبٍ الأسدِيِّ، قال: أتيْنا عبدَ الله بنَ مسعودٍ في دارِه، فوَجَدْناه فوقَ البيت. قال: فسَمِعْناه يقولُ قبلَ أن يَنْزِلَ: صدَق اللهُ ورسولُه. فلمَّا نزَل قلنا له: يا أبا عبدِ الرحمن، سَمِعْناك تقولُ: صدَق اللهُ ورسولُه. قال: فقال: نَعَم، ليلةُ القدرِ في النصفِ مِن السَّبْع الأواخِر، وذلك أنَّ الشمسَ تَطْلُعُ يومَئذٍ بَيْضاءَ لا شُعاعَ لها. فنَظَرْتُ إلى الشمسِ فرَأيْتُها كما حُدِّثتُ فكبَّرْتُ (٣) .

    قال أبو عُمر: أبو الصَّلْتِ في هذا الإسنادِ مَجْهُولٌ، وإسنادُ الأسودِ بنِ يزيدَ أثْبَتُ مِن هذا، واللهُ أعلمُ. وأبو عَقْرَبٍ الأسَدِيُّ اسمُه خُوَيْلِدُ بنُ خالد، له صُحبةٌ، وهو والِدُ نوفلِ بنِ أبي عَقْرَب. فإن صَحَّ هذا الخبرُ فمَعناه: ليلةَ خمسٍ وعشرينَ، واللهُ أعلمُ.

  39. وأمَّا حديثُ الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أرَى رُؤْياكم قد تَوَاطَتْ على العَشْرِ الأواخر، فالتَمِسُوها في تِسْع، في كلٍّ وِتْر" (١) . فيَحْتَمِلُ أن تكونَ أيضًا في ذلك العام، فلا يكونَ فيه خِلافٌ لِما ذهَب إليه عليٌّ وابنُ مسعود. على أنَّ حديثَ ابنِ عُمرَ اخْتُلِفَ في ألفاظِه؛ فلفظُ عبدِ الله بنِ دِينارٍ غيرُ لفظِ نافِع ولفظُ نافِع غيرُ لفظِ سالم، ومعناها مُتَقارِبٌ أنَّها في السبعِ الغَوَابِر (٢) ، أو السبع الأواخِر، فاللهُ أعلم.

    ج ٢ ص ٢٢٠
  40. وأمَّا حديثُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ في سبعٍ وعشرين، فأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ومُسَدَّدٌ، قالا: حدَّثنا حَمّادٌ، عن عاصِم، عن زِرٍّ، قال: قلتُ لأُبَيِّ بنِ كعب: أخبِرْني عن ليلةِ القدرِ يا أبا المنذر؛ فإنَّ صاحِبَنا سُئِل عنها فقال: مَن يَقُمِ الحولَ يُصِبْها. فقال: رَحِم اللهُ أبا عبدِ الرحمن، والله لقد عَلِم أنَّها في رمضانَ. زاد مُسَدَّدٌ: ولكنْ كَرِه أن يَتَّكِلوا. أو: أحَبَّ ألَّا يَتَّكِلوا. ثم اتَّفقا: والله إنَّها لفي رمضانَ ليلةَ سبعٍ وعشرين. لا يَسْتَثْني. قلتُ: يا أبا المنذر، أنَّى عَلِمْتَ ذلك؟ قال: بالآيةِ التي أخبَرنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلتُ لزِرٍّ: ما الآيةُ؟ قال: تَطْلُعُ الشمسُ صَبِيحَةَ تلك الليلةِ مثلَ الطَّسْتِ ليس لها شُعَاعٌ حتى تَرْتَفِعَ.

    ج ٢ ص ٢٢١قال أبو عُمر: جاءَ في هذا الحديثِ كما تَرَى عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: مَن يَقُم الحولَ يصبْ ليلةَ القدر. والذي تأوَّلَه عليه أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ رضِي اللهُ عنه، عليه جمهورُ العلماء، وهو الذي لا يجوزُ عليه غيرُه؛ لأنّه قد جاء عنه بأقْوَى مِن هذا الإسنادِ أنَّه قال: تَحَرَّوْا ليلةَ القدرِ ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، وإحْدَى وعشرين، وثلاثٍ وعشرين (١) . وأظنُّه أراد بما حكَى عنه زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ الاجْتِهادَ في العملِ سائرَ العامِ بقيامِ الليل، واللهُ أعلمُ. وقد ثبَت عن أربعةٍ مِن الصحابَةِ رضِي اللهُ عنهم أنَّها في كلِّ رَمَضان، ولا أعلمُ لهم مُخالِفًا. وذكَرَ الجُوزْجانِيُّ، عن أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمد، أنَّهم قالوا: ليلةُ القدرِ في السنةِ كلِّها. كأنهم ذهَبوا إلى قولِ ابنِ مسعود: مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصبْها. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثور، وأحمدُ: هي في العشرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ إن شاء الله.