حميد الطويل

١٩٣ فقرة، ج ٢ ص ١٧٣

الصفحة ٤ من ٥

  1. وروى سفيانُ وشعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن ابنِ عمرَ، أنَّه سُئِلَ عن ليلةِ القدر، فقال: هي في كلِّ رَمَضان (٢) .

    ج ٢ ص ٢٢١
  2. ورَواه موسى بنُ عُقْبَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مرفوعًا (٣) . وقد قال بعضُ رُواةِ أبي إسحاقَ في حديثِ ابنِ عمرَ هذا: هي في رَمَضانَ كلِّه.

  3. وجاء عن أبي ذَرٍّ أنَّه سُئِل عن ليلةِ القدر: أرُفِعَتْ؟ فقال: بل هي في كلِّ رَمَضان. وبعضُهم يَرْوِيه عن أبي ذَرٍّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) .

    ج ٢ ص ٢٢٢
  4. وروَى ابنُ جُرَيْج، قال: أخبرني داودُ بنُ أبي عاصم، عن عبدِ الله بنِ يُحَنَّسَ، قال: قلتُ لأبي هريرةَ: زَعَموا أنَّ ليلةَ القدرِ قد رُفِعَتْ؟ قال: كَذَب مَن قال ذلك. قال: قلتُ: فهي في كلِّ رمضانَ أسْتَقبِلُه؟ قال: نعم (٢) .

  5. وروَى داودُ بنُ الحُصَيْن، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس، أنَّه قال: ليلةُ القدرِ في كلِّ رمضانٍ يأْتي (٣) .

  6. وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، قال: أخبَرنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، قال: أخبَرنا ربيعةُ بنُ كُلْثُوم، قال: سألَ رجلٌ الحَسَن وأنا عندَه، فقال: يا أبا سعيد، أرأيْتَ ليلةَ القدر، أفي كلِّ رمضانٍ هي؟ قال: إي والذي لا إلهَ إلَّا هو، إنَّها لفي كلِّ رمضان، إنَّها لَليْلةٌ فيها يُفْرَقُ كلُّ أمْرٍ حكيم، فيها يَقْضِي اللهُ كلَّ خَلْقٍ وأجلٍ ورِزْقٍ وعَمَلٍ إلى مثلِها (٤) .

  7. أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زِياد، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزْرَقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الملك، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: كان ناسٌ مِن المهاجِرِين وَجَدوا على عمرَ في إدْنائِه ابنَ عباسٍ دُونَهم. قال: وكان يَسْألُه، فقال عمرُ: أمَا إنِّي سأُرِيكم اليومَ منه شيئًا فتعرفُونَ فَضْلَه. فسألَهم عن هذه السُّورَة: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: ١ - ٢] . فقال بعضُهم: أمَرَ اللهُ نبيَّه إذا رأى الناسَ يدْخُلون في دينِ الله أفواجًا أن يحْمَدَه ويسْتَغْفِرَه. فقال عمرُ: يا ابنَ عباس، ألَا تَكَلَّمُ؟ فقال: أعْلَمَه متى يموتُ؛ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} فالموتُ آتيك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر] . قال: ثم سألهم عن ليلةِ القدرِ فأكْثَرُوا فيها، فقال بعضُهم: كنا نُرَاها في العَشْرِ الأوسَط، ثم بَلَغَنا أنَّها في العَشْرِ الأواخِر، فأكْثَرُوا فيها، فقال بعضُهم: ليلةُ إحْدَى وعشرين. وقال بعضهم: ليلةُ ثلاثٍ وعشرين، وقال بعضُهم: ليلةُ سبع وعشرين. فقال عمرُ: يا ابنَ عبّاس، ألَا تَكَلَّمُ؟ قال: اللهُ أعلمُ. قال: قد نعلَمُ أنَّ اللهَ يعلَمُ، وإنَّما نَسْألُك عن عِلْمِك. فقال ابنُ عباس: إنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحبُّ الوِتْرَ، خَلَق مِن خلقِه سبعَ سماواتٍ فاسْتَوَى عليهِنَّ، وخَلَق الأرضَ سبعًا، وجعَل عِدآلأيامِ سبعًا، ورَمْيَ الجِمَارِ سبعًا، وخَلَق الإنسانَ مِن سَبعْ، وجعَل رِزْقَه مِن سَبْع. فقال عمرُ: خلَق الإنسانَ مِن سَبعْ، وجعَل رِزْقَه مِن سَبْع، هذا أمرٌ ما فَهمْتُه. فقال: إنَّ اللهَ يقولُ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} حتى بلَغ آخِرَ الآياتِ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] ، وقَرأ: {أَنَّا

    ج ٢ ص ٢٢٤صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا} [عبس: ٢٥ - ٣٢] . ثم قال: والأبُّ للأنعام (١) .

    ج ٢ ص ٢٢٣
  8. قَرأْتُ على سعيدِ بنِ نصر، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن عاصِمِ بنِ كُلَيْب، عن أبيه، قال: ذكَرْتُ هذا الحديثَ لابنِ عباسٍ - يَعني في ليلةِ القدرِ - فقال: وما أعْجَبَك؟ سألَ عمرُ بنُ الخطاب أصْحابَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يسْألُني مع الأكابرِ منهم، وكان يقولُ: لا تَكَلَّمْ حتى يَتَكلَّموا. قال: لقد عَلِمْتُم أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال في ليلةِ القدرِ: "اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ وتْرًا" ففي أيِّ الوتْرِ؟ فأكثرَ القومُ في الوِتر، فقال: ما لَكَ لا تَتَكلَّمُ يا ابنَ عباس. قال: قلتُ: إن شِئْتَ تكَلَّمْتُ. قال: ما دَعَوْتُك إلَّا لتَتَكَلَّمَ. فقلتُ: رأيْتُ اللهَ أكْثَرَ مِن ذِكْرِ السَّبع؛ فذكَرَ السَّماواتِ سَبْعًا، والأرَضِينَ سَبْعًا، والطَّوافَ سَبْعًا، والجِمَارَ سَبْعًا - وذكَر ما شاء اللهُ مِن ذلك - وخلَق الإنسانَ مِن سَبْع، وجعَل رِزْقَه في سَبْع. قال: كلُّ ما ذكَرْتَ قد عَرَفْتُه، فما قولُك: خلَق الإنسانَ مِن سَبْعة، وجعَل

    ج ٢ ص ٢٢٥رِزْقَه في سبعة؟ قال: خلَق الإنسانَ مِن سُلالةٍ مِن طين، قال: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: ١٣ - ١٤] . ثم قرَأتُ: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: ٢٥ - ٣١] ، والأبُّ: ما تُنْبِتُه الأرضُ ممَّا لا يأْكُلُ الناسُ، وما أُرَاها إلَّا ليلةَ ثلاثٍ وعشرين لسبع يَبْقَيْنَ. فقال عمرُ: أعْيَيْتُموني أن تَأْتُوا بمثلِ ما جاء به هذا الغُلامُ الذي لم تَجْتَمِعْ شؤونُ رأسِه.

  9. أخبَرني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد. وحدَّثنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد؛ قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن عاصِم بن أبي النَّجُود، عن زِرِّ بنِ حُبَيْش، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: مَن قام ليلةَ سبعٍ وعشرين فقد أصاب ليلةَ القدر (١) .

    قال (٢) : وأخبَرنا معمرٌ، عن عاصِمِ بنِ أبي النَّجُود، عن زِرِّ بنِ حُبَيْش، قال: قلتُ لأُبَيِّ بنِ كعب: يا أبا المنذر، أخبِرْني عن ليلةِ القدرِ؛ فإنَّ ابنَ أُمِّ عبدٍ يقولُ: مَن يَقُمِ الحولَ يُصِبْها؟ فقال: يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمن. وذكَر الحديثَ نحوَ ما تقدَّمَ مِن حديثِ حَمَّادٍ عن عاصِمٍ سَواءً إلى آخرِه.

    قال (٣) : وأخبَرنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ وعاصم، أنَّهما سَمِعا عكرمةَ يقولُ: قال ابنُ عباس: دَعا عمرُ أصحابَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فسألهم عن ليلةِ القدر، فاجْتَمعوا أنَّها

    ج ٢ ص ٢٢٦في العَشْرِ الأواخِر. قال ابنُ عباس: فقلتُ لعمرَ: إنِّي لأعلمُ، أو إنِّي لأظُنُّ، أيُّ ليلةٍ هي. قال عمرُ: وأيُّ ليلةٍ هي؟ فقلتُ: سابعةٌ تَمْضِي، أو سابعةٌ تَبْقَى مِن العَشْرِ الأواخِر. فقال عمرُ: مِن أين عَلِمْتَ ذلك؟ قال ابنُ عباس: فقُلْتُ: خلَق اللهُ سَبْعَ سماوات، وسَبع أرَضِين، وسَبْعةَ أيَّام، وإنَّ الدَّهرَ يدُورُ على سَبْع، وخَلَق الإنسانَ مِن سَبعْ، ويأْكُلُ مِن سَبْع، ويَسْجُدُ على سَبعْ، والطوافُ بالبيتِ سَبعٌ، ورَمْيُ الجِمارِ سَبْعٌ، لأشياءَ ذكَرَها. قال: فقال عمرُ: لقد فَطِنْتَ لأمْرٍ ما فَطِنَّا له. وكان قتادةُ يزيدُ على ابنِ عباسٍ في قولِه: يأْكُلُ مِن سَبعْ. قال: هو قولُ الله تبارك وتعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا} الآيةَ [عبس: ٢٧ - ٢٨] .

    قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديثِ: دعا عمرُ أصحابَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فسألهم عن ليلةِ القدر فاجتَمَعوا أنَّها في العَشْرِ الأواخِر، أوْلَى ما قيل به في هذا البابِ وأصَحُّه؛ لأنَّ ما أجْمَعوا عليه سَكَنَ القلبُ إليه، وكذلك النَّفْسُ أمْيَلُ إلى أنَّها في الأغلبِ ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ، أو ليلةُ سبع وعشرين، على ما قال ابنُ عباسٍ في هذا الحديثِ أنَّها سابعةٌ تَمْضِي، أو سابعةٌ تَبْقَى. وأكثرُ الآثارِ الثابتةِ الصَّحاحِ تَدُلُّ على ذلك، واللهُ أعلمُ. وفيها دليلٌ على أنَّها في كلِّ رَمَضان، واللهُ أعلمُ. وفي كلِّ ما أوْرَدْنا مِن الآثارِ في هذا البابِ ما يَدُلُّ على أنَّها لا عَلامَةَ لها في نفسِها تُعْرَفُ بها مَعْرِفَةً حقيقيَّةً كما تقولُ العامَّةُ.

  10. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ،

    ج ٢ ص ٢٢٧عن الأوزاعيِّ، عن مَرْثَدِ بنِ أبي مَرْثَد، عن أبيه، قال: كنتُ مع أبي ذَرٍّ عندَ الجمْرَةِ الوُسْطَى، فسَألْتُه عن ليلةِ القدر، فقال: كان أسْألَ الناسِ عنها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنا، قلتُ: يا رسولَ الله، ليلةُ القدرِ كانت تكونُ على عهدِ الأنبياء، فإذا ذَهَبوا رُفِعَت؟ قال: "لا، ولكنَّها تكونُ إلى يومِ القيامة" . قلتُ: يا رسولَ الله، فأخْبِرْنا بها. قال: "لو أُذِن لي فيها لأخْبَرْتُكم، ولكن التَمِسوها في إحْدَى السَّبْعَين، ثم لا تَسْألْنِي عنها بعد مُقامِك ومُقامي" . ثم أخَذ في حديث، فلمَّا انبَسَطَ قلتُ: يا رسولَ الله، أقْسَمْتُ عليك إلَّا حدَّثْتَني بها. فغَضِب عليَّ غَضْبَةً لم يَغْضَبْ عليَّ قبلَها مثلَها ولا بعدَها مثلَها.

  11. هكذا قال الأوْزاعيُّ: عن مَرْثَدِ بنِ أبي مَرْثَد. وهو خَطَأٌ، وإنَّما هو مالِكُ بنُ مَرْثَد، عن أبيه. ولم يُقِمِ الأوْزاعيُّ إسنادَ هذا الحديث، ولا ساقَه سياقةَ أهْلِ الحِفْظِ له.

  12. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمَّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن عكرمةَ بنِ عَمَّار، قال: حدَّثني أبو زُمَيْلٍ سِماكٌ الحَنَفِيُّ، قال: حدَّثني مالِكُ بنُ مَرْثَد، قال: حدَّثني أبي مَرْثَدٌ، قال: سألتُ أبا ذَرٍّ، قلتُ: كنتَ سألْتَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ليلةِ القدرِ؟ فقال: أنا كنتُ أسْألَ الناسِ عنها. قال: فقلتُ: يا نبيَّ الله، أخبِرْني عن ليلةِ القدرِ؛ أفي رمضانَ هي أم في غيرِ رمضانَ؟ قال: "بل هي في رمضانَ" . قلتُ: أتكونُ مع الأنبياءِ إذا كانوا، فإذا قُبِضُوا رُفِعَتْ؟ قال: "بل هي إلى يومِ القيامةِ" . قلتُ: في أيِّ رمضانَ؟ قال: "التَمِسُوها في العشرِ الأُوَل، والعَشْرِ الأواخِر، لا تَسَلْني عن شيءٍ بعدَها" . ثم حدَّثَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وحدَّثَ، ثم اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَه، فقلتُ: يا رسولَ الله، أخْبِرْني في أيِّ العَشْرَيْنِ هي؟ قال: "التَمِسوها في الأواخِر، لا تَسَلْني عن شيءٍ بعدَها" . ثم حدَّثَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وحدَّثَ، ثم اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَه،

    ج ٢ ص ٢٢٨فقلتُ: يا رسولَ الله، أقْسَمْتُ عليك بحَقِّي عليك لَما أخْبَرْتَني في أيِّ العَشْرِ هي؟ فغَضِبَ غَضَبًا ما رأيتُه غضِب مثلَه (١) . قال يحيى: قال عكرمةُ كلمةً لم أحْفَظْها. ثم قال: "التَمِسوهَا في السَّبْعِ البَواقِي، لا تَسَلْني عن شيءٍ بعدَها" (٢) .

  13. ففي حديثِ أبي ذَرٍّ هذا ما يَدُلُّ على أنَّها في رمضانَ كلِّه، وأنَّها أحْرَى أنْ تكونَ في العَشْر، وفي السَّبْعِ البَواقِي، وجائزٌ أن تكونَ في العَشْرِ الأوَل، وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: ١٨٥] ، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: ١] . وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يُدْفَعُ أن تكونَ في رمضانَ كلِّه، واللهُ أعلم. لكنَّها في الوتْرِ مِن العَشْرِ أو السَّبْع (٣) البَواقي تكونُ أكثرَ على ما تدُلُّ عليه الآثار.

  14. وجُمْلَةُ القولِ في ليلةِ القدرِ أنَّها ليلةٌ عَظِيمٌ شَأْنُها وبرَكَتُها، وجَلِيلٌ قَدْرُها، هي خَيْرٌ مِن ألفِ شهر، تُدْرِكُ فيها هذه الأُمَّةُ ما فاتَهم مِن طُولِ أعْمارِ مَن سَلَف قبلَهم مِن الأُمَمِ في العَمَل، والمحرومُ مَن حُرِمَ خيرَها. نسْألُ اللهَ برَحْمَتِه أن يُوَفِّقَنا لها، وألا يَحْرِمَنا خَيْرَها، آمين.

    وقال سعيدُ بنُ المسَيِّب رحِمه اللهُ: مَن شَهِد العشاءَ ليلةَ القَدْرِ في جماعَةٍ فقد أخَذَ بَحَظِّه منها (٤) ، فسبحانَ المتَفَضِّلِ على عِبادِه بما شاء، لا شريكَ له المانِّ المُفْضِل.

  15. حديثٌ خامسٌ لحُمَيْد الطَّويل عن أنس متصلٌ صحيحٌ

    مالكٌ (١) ، عن حُميدٍ الطويل، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ خرَج إلى خيبرَ آتَاها ليلًا، وكانَ إذا أتَى قَوْمًا بليلٍ لم يُغِرْ حتى يُصْبحَ، فلما أصْبَحَ خرَجت يهودُ بمَسَاحِيهم ومَكَاتِلِهم، فلما رأوه قالوا: محمدٌ والله، محمدٌ والخَمِيسُ. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهُ أكبرُ، خَرِبَت خَيْبرُ، إنَّا إذا نزَلْنا بساحةِ قوم، فساءَ صباحُ المُنْذَرِين" .

    ج ٢ ص ٢٢٩
  16. في هذا الحديث إباحةُ المَشْي بالليل، فإذا كان ذلك كذلك، جازَ الاستخدامُ بالمماليكِ والأحرارِ إذا اشتُرِط ذلك عليهم وكانت ضرورةً.

  17. وفيه: إتعابُ الدوابِّ بالليلِ عندَ الحاجةِ إلى ذلك ما لم يكنْ سَرْمدًا؛ لأنَّ العِلْمَ محيطٌ أنَّهم لم يخْلوا مِن مملوكٍ يخدُمُهم، وأجيرٍ ونحوِ ذلك.

  18. وفيه: أن الغارةَ على العدوِّ إنَّما ينبغِي أن تكونَ في وجهِ الصَّباحِ؛ لِما في ذلك من التَّبيينِ (٢) والنجاحِ في البُكور.

  19. وفيه: أن مَن بَلَغتْه الدعوةُ مِن الكُفارِ لم يَلْزَمْ دُعاؤُه، وجازتِ الغارةُ عليه، وطلبُ غفلتِه وغِرَّتِه.

  20. وقد اختلَف العلماءُ في دعاءِ العدوِّ قبلَ القتالِ إذا كانوا قد بَلَغَتْهم الدعوةُ؛ فكان مالكٌ رحِمه اللهُ يقولُ: الدعوةُ أصوبُ، بلَغَهم ذلك أو لم يَبْلُغْهم، إلَّا أن يُعْجِلوا المسلمين أن يَدْعوَهم. وقال عنه ابنُ القاسم: لا يُبَيَّتُوا حتى يُدْعَوا (٣) .

  21. وذكَر الربيعُ، عن الشافعيِّ، في كتابِ "البُوَيْطيِّ" مثلَ ذلك: لا يُقاتَلُ العدوُّ حتى يُدْعَوا، إلَّا أن يُعْجَلُوا عن ذلك، فإن لم يفعَلْ فقد بلَغَتهم الدعوةُ. وحكَى المُزَنِيُّ، عن الشافعيِّ: مَن لم تبلُغْهم الدعوةُ لم يُقاتَلُوا حتى تَبْلُغَهم الدعوةُ؛ يُدْعَون إلى الإيمان. قال: وإن قُتِل منهم أحدٌ قبلَ ذلك، فعلى قاتلِه الديَةُ. وقال المزنيُّ عنه أيضا في موضع آخرَ: من بلَغَتْهم الدعوةُ فلا بأسَ أن يُغارَ عليهم بلا دعوةٍ (١) .

    وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن دَعَوْهم قبلَ القتالِ فحسنٌ، ولا بأسَ أن يُغِيروا عليهم (٢) .

    وقال الحسنُ بنُ صالحِ بنِ حيٍّ: يُعجِبُني كلَّما حدَث إمامٌ بعدَ إمامٍ أحْدَثَ دعوةً لأهلِ الشركِ (٣) .

    قال أبو عُمر: هذا قولٌ حسنٌ، والدعاءُ قبلَ القتالِ على كلِّ حالٍ حسنٌ؛ لأن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمُرُ سَراياه بذلك، وكان يدعُو كلَّ مَن يُقاتِلُه مع اشتهارِ كلمتِه ودينِه في جزيرةِ العرب، وعلمِهم بمنابذتِه إيَّاهم، ومحاربتِه لمَن خالَفَه، وما أظُنُّه أغار على خيبرَ وعلي بني المصطَلِقِ إلَّا بإثرِ دعوتِه لهم في فورِ ذلك أو قريبٍ منه مع يأسِه عن إجابتِهم إيَّاه، وكذلك كان تَبييتُه وتبييتُ جيوشِه لمَن بيَّتوا مِن المشركين على هذا الوجه، واللهُ أعلم.

    ج ٢ ص ٢٣٠
  22. وفي التبييتِ حديثُ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ (٤) ، وحديثُ سلمةَ بنِ الأكوع، قال: أمَّر علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر، فغزَونا ناسًا فبَيَّتْناهم وقتَلناهم. قال:

    ج ٢ ص ٢٣١وكان شعارُنا في تلك الليلة: أَمِتْ أَمِتْ. قال سلمةُ: فقتَلتُ بيدِي تلك الليلةَ سبعةَ أبياتٍ مِن المشركين (١) .

    قال أبو عُمر: هذا، واللهُ أعلمُ، ومثلُه لقومٍ أظهَروا العنادَ والأذَى للمسلمين، ويُئِسَ مِن إنابتِهم وخيرِهم، واللهُ أعلمُ.

  23. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمد، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرَ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ حَرْبٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن أبيه، عن ابنِ عباس، قال: ما قاتَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قومًا حتى يدْعُوَهم (٢) .

  24. وهذا يحتمِلُ ممَّن لم تبلُغْهم الدعوةُ، ويحتمِلُ مِن كلِّ كافرٍ محارب.

  25. حدَّثني سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٣) : حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ،

    ج ٢ ص ٢٣٢عن عَلْقمةَ بنِ مرَثد، عن سُليمانَ بنِ بُريد، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعَث أميرًا على سريةٍ أو جيشٍ أوصاهُ في خاصّةِ نفسِه بتقوَى الله ومَن معه مِن المُسلمين خَيْرًا، ثم قال: "اغزُوا باسمِ الله، وفي سَبِيلِ الله، تُقاتِلُون مَن كَفَر بالله، اغزُوا ولا تَغُلُّوا، ولا تغْدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقْتُلُوا وليدًا، وإذا لَقِيتَ عدُوَّك مِن المُشركين فادْعُهم إلى إحدَى ثلاثِ خصالٍ - أو خلالٍ - فأيُّها أجابُوك إليها فأقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم؛ ادعُهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعُهم إلى التحوُّلِ مِن دارِهم إلى دارِ المهاجرين، وأعلِمْهم أنَّهم إن فعَلوا فإنَّ لهم ما للمُهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبَوا واختارُوا دارَهم، فأعلِمْهم أنَّهم كأعرابِ المُسلمين؛ يجرِي عليهم حُكمُ الله كما يَجْرِي على المُؤمنين، ولا يكونُ لهم في الفَيءِ والغنيمةِ نَصيبٌ إلَّا أن يُجاهِدُوا مع المُسلمين، فإن أبَوا فادْعُهم إلى إعطاءِ الجزية، فإن أجابوا فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإنْ أبَوا فاستعنْ بالله وقاتِلْهم" .

    قال أبو عُمر: هذا مِن أحسنِ حديثٍ يُروَى في معناه، إلَّا أنَّ فيه التحوُّلَ عن الدار، وذلك مَنْسوخٌ، نَسَخه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقولِه: "لا هجرةَ بعدَ الفتحِ" (١) .

  26. وإنَّما كان هذا منه - صلى الله عليه وسلم - قبلَ فتحِ مكةَ، فلمَّا فتَح اللهُ عليه مكةَ قال لهم: قد انقطعتِ الهجرةُ، ولكن جهادٌ ونيةٌ إلى يومِ القيامة.

    ج ٢ ص ٢٣٣
  27. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عيسى المقرئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ حَبابةَ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويُّ، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ هشامٍ البزَّارُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعد، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومَ خيبرَ: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايةَ رجلًا يفتَحُ اللهُ على يدَيه" . فذكَر أن الناسَ طَمِعوا في ذلك، فلمَّا كان من الغدِ قال: "أين عليٌّ؟ " ، فأتاه وهو أرمَدُ، فتفَل في عينِه فذهَب ما كان به كأنَّه لم يكنْ به شيءٌ، فأعطاه الرايةَ، فقال: أُقاتِلُهم حتى يكونوا مثلَنا. فقال: "على رِسْلِك، انْفُذْ حتى تنزلَ بساحتِهم، فإذا نزَلْتَ بساحتِهم فادْعُهم إلى الإسلام، وأخبِرْهم بما يجِبُ عليهم منه مِن الحقِّ - أو مِن حقِّ الله - فوالله لأنْ يهدِيَ اللهُ بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك مِن حُمُرِ النَّعَم" (١) .

    قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ثابتٌ في خيبرَ أنَّهم لم يُقاتِلْهم حينَئذٍ حتى دعاهم، وهو شيءٌ قَصَّرَ عنه أنسٌ في حديثِه، وذكَرَه سهلُ بنُ سعد، وقد رُوِي عن أنسٍ أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر عليًّا ألَّا يُقاتِلَ قومًا حتى يدعُوَهم. رَواه ابنُ عيينةَ، عن عُمرَ بنِ ذَرٍّ، عن ابنِ أخِي أنسِ بنِ مالك، عن عمِّه (٢) . وخالَف أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ ابنَ عيينةَ في إسنادِ هذا الحديث، وابنُ عيينةَ أحفظُ إن شاءَ الله (٣) .

    ج ٢ ص ٢٣٤قال أبو عُمر: فلهذه الآثارِ قُلْنا: إنَّ الدُّعاءَ أحسنُ وأصوبُ. فإن أغار عليهم ولم يَدْعُهم ولم يُشْعِرْهم وكانوا قد بلَغَتْهم الدعوةُ، فمباحٌ جائزٌ؛ لِما روَاه نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أغار علي بني المُصْطَلِقِ وهم غَارُّونَ وأنعامُهم على الماء، فقتَل مُقاتِلتَهم، وسبَى ذُرِّيتَهم، وكانت فيهم جُويرِيَةُ.

  28. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التمَّارُ بالبصرة، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيّةَ، قال: أخبَرنا ابنُ عَون، قال: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُه عن دُعاءِ المُشركينَ عندَ القتال، فكتَب إليَّ أنَّ ذلك كان في أوَّلِ الإسلام، وقد أغار نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - على بني المُصْطَلقِ وهم غَارُّونَ، وأنْعامُهم تُسْقَى على الماء، فقتَلَ مُقاتلتَهم، وسَبَى سَبْيَهم، وأصاب يؤمَئذٍ جُويرِيةَ بنتَ الحارث، حدَّثني بذلك عبدُ الله وكان في ذلك الجيش. قال أبو داودَ: هذا حديثٌ نبيلٌ، روَاه ابنُ عَوْن، عن نافع، لم يَشرَكْه فيه أحدٌ.

  29. وروَى صالحُ بنُ أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، أن أُسامةَ بنَ زيدٍ حدَّثه، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَهِد إليه فقال: "أغِرْ على أُبْنَى صباحًا وحَرِّقْ" ؛ حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير،

    ج ٢ ص ٢٣٥قال (١) : حدَّثنا ابنُ الأصْبهانيِّ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ وعيسى بنُ يونسَ، عن صالحِ بن أبي الأخضر، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن أسامةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكره سواءً.

  30. وحدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا هَنّادُ بنُ السَّريِّ، عن ابنِ المبارك، عن صالح بإسنادِه مثلَه.

    قال أبو داود (٣) : وحدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرٍو الغَزِّيُّ (٤) ، قال: سمعتُ أبا مُسْهِرٍ يقول وقيل له: أُبْنَى. فقال: نحنُ أعلمُ، هي يُبْنَى فِلَسطين.

    قال أبو عُمر: قد روى هذا الحديثَ عن صالح بن أبي الأخضرِ وكيعٌ وعيسى بنُ يونس، فقالا فيه: يُبْنَى. كما قال أبو مُسْهِر؛ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٥) : حدَّثنا وكيعٌ، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن أسامةَ بنِ زيد، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعَثه إلى قريةٍ يقالُ لها: يُبْنَى. فقال: "ائْتِها صباحًا، ثم حرِّقْ" (٦) .

  31. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ كعب، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونس، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ قال: حدَّثني أسامةُ بنُ زيد، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أغِرْ على يُبْنَى صَباحًا وحرِّقْ" (١) .

    ج ٢ ص ٢٣٦
  32. وروَى حمادُ بنُ سَلَمة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُغِيرُ على العدوِّ عندَ صلاةِ الصبح ويستمِعُ؛ فإن سَمِع أذانًا أمسَك، وإلّا أغار (٢) .

  33. فهذا كلُّه دليلٌ على أنه ربَّما لم يَدْعُ، وذلك فيمَن بلَغته الدعوةُ، فأمّا مَن لم تبلُغْه الدعوةُ لبُعْدِ دارِه، فلا بُدَّ من دعائِه، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] . وهذا الحديثُ مما رواه يحيى القطّانُ عن حماد بنِ سَلَمة؛ حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى المقرئ، قال: حدَّثنا ابنُ حَبابة، قال: حدَّثنا

    ج ٢ ص ٢٣٧البغويُّ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطّان، عن حمادِ بنِ سَلَمة، عن ثابت، عن أنس. الحديثَ بتمامِه (١) .

  34. وهذا يرُدُّ قولَ مَن قال: إن القَطّانَ لا يُحدِّثُ عن حَمّادِ بنِ سَلَمة (٢) .

  35. وحدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا أبو الحَسَنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ نُصيرِ بنِ لُؤلُؤ البغداديُّ بمدينةِ السلام، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، فذكره (٣) .

  36. وروَى عصامٌ (٤) المزَنيُّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مثلَ حديثِ حمّاد، عن ثابت، عن أنس في ذلك (٥) .

  37. وأمّا قولُه في حديثِ مالك، عن حُميد، عن أنس: بمساحِيهم ومَكاتِلِهم.

  38. فإنه يعني المحافِرَ والقِفافَ، كانوا يخرُجون لأعمالهم.

  39. وأمّا قولُه: محمدٌ والخَمِيسُ. فالخميسُ: العَسْكرُ والجيش، قال حُميدُ بنُ ثَوْرٍ الهلاليُّ (٦) فيما ذكَرَ بعضُ أهلِ الخبر، ولا يَصِحُّ له.

    حتى إذا رُفِعَ اللِّواءُ رأيْتَهُ ... تحتَ اللِّواءِ على الخميسِ زَعِيمَا

    ج ٢ ص ٢٣٨ويُروَى هذا البيتُ لليلى الأخْيَليّة (١) ، وهو صحيحٌ لها، وهذه القصيدةُ مُذهَّبَتُها فيها قولها [من الكامل] :

    ومُخَرَّقٌ عنه القَمِيصُ تَخالُهُ ... عندَ اللِّقاءِ (٢) مِن الحياءِ سَقِيمَا

    حتى إذا رُفِعَ اللِّواءُ رأيْتَهُ ... تحتَ اللِّواءِ (٣) على الخَميسِ زَعِيمَا

    والزعيمُ في هذا الموضع الرئيسُ، ومنه قولُ الشاعر:

    ولكنَّ الزعامةَ للغلامِ

    يعني: الرياسة. والزعيمُ في غير هذا: الكفيلُ والضامنُ، من قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: ٧٢] .

    وقال أبو الحَسَن بنُ لَنْكَك في مقصورتِه:

    فزارهمُ منّا خميسٌ جَحْفَلٌ ... تَعَثَّرُ منه الخيلُ عَثْرًا بالقَنَا

    ولبكْرِ بن حمّادٍ في قصيدةٍ له يَرثي بها حَبيبَ بنَ أوْسٍ الطّائيَّ، يُخاطِبُ أخاه سَهْمَ بنَ أوْس:

    أنَسِيتَ يومَ الجِسْرِ خُلَّةَ وُدِّهِ ... والدَّهْرُ غَضٌّ بالسُّرورِ المُقْبِلِ

    أيامَ سارَ أبو سعيدٍ واليًا ... نحوَ الجزيرَةِ في خَميسٍ جَحْفَلِ

    وأمّا قولُه: "إذا نزَلْنا بساحةِ قوم" . فالساحةُ والسحسحةُ: عَرْصَةُ الدار.

  40. أخبرني خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال:

    ج ٢ ص ٢٣٩حدَّثنا سليمانُ بنُ المغيرة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحةَ، قال: كنتُ رديفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلو قلت: إنَّ رُكبَتِي تَمَسُّ رُكبَتَه. صدَقْتُ - يعني: عامَ خيبرَ - قال: فسكَت عنهم حتى إذا كان عندَ السَّحَرِ وذهَب ذو الضَّرْع إلى ضَرْعِه، وذو الزرع إلى زرعِه، أغار عليهم، وقال: "إنَّا إذا نزَلنا بساحةِ قوم، فساء صباحُ المنذَرِين" (١) .

    قال أبو عُمر: قد كان دَعاهم، وذلك موجودٌ في حديثِ سهل بن سعدٍ في قصَّةِ عليّ (٢) ، ولا يُشَكُّ في بلوغ دعوتِه خيبرَ؛ لقُرْبِ الديارِ من الديار.