حميد الطويل

١٩٣ فقرة، ج ٢ ص ١٧٣

الصفحة ٥ من ٥

  1. وفي هذا الحديثِ إباحةُ الاستشهادِ بالقرآن فيما يَحسُنُ ويَجْمُلُ، وبالله التوفيق (٣) .

    ج ٢ ص ٢٣٩
  2. حديث سادس لحُميد الطَّويل عن أنس متصلٌ صحيحٌ

    مالكٌ (١) ، عن حُميدٍ الطَّويل، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّهُ قال: احتَجَم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حَجَمَه أبو طَيْبَة، فأمَر له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بصاعٍ من تَمْر، وأمَرَ أهلَه أن يُخَفِّفوا عنه من خَراجِه.

    ج ٢ ص ٢٤٠
  3. هذا يدُلُّ على أنَّ كسبَ الحَجّام طيَّبٌ؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُوكِلُ إلّا ما يَحِلُّ أكلُه، ولا يَجعَلُ ثَمنًا ولا عِوَضًا ولا جُعْلًا لشيءٍ من الباطل.

  4. واختلَفَ العلماءُ في هذا المعنى؛ فقال قوم: حديثُ أنسٍ هذا وما جاءَ في معناه من إعطاءِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الحَجّامَ أجْرَه، ناسخٌ لما حرَّمَه من ثَمَنِ الدَّم، وناسِخٌ لما كَرِهَه (٢) من أكلِ إجارةِ الحَجّام.

  5. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم المُقرِئ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ حَبابَةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال (٣) : حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال (٤) : أخبرنا شعبةُ، عن عَوْنِ بنِ أبي جُحيفة، عن أبيه، أنّه اشترَى غُلامًا حَجّامًا، فكسَرَ مَحاجِمَة، أو أمَرَ بها فكُسِرَت، وقال: إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثَمَنِ الدَّم (٥) .

  6. وهذا حديثٌ صحيحٌ، وظاهِرُه عندي على غيرِ ما تأوَّلَه أبو جُحيفة، بدليلِ ما في حديث أنسٍ هذا؛ لأنَّ نهيَه - صلى الله عليه وسلم - عن ثَمَنِ الدَّم ليس من أُجرةِ الحَجّام في شيء، وإنّما هو كَنهيِه عن ثَمَنِ الكَلْب، وثَمَنِ الخَمْرِ والخِنْزير، وثَمَنِ الميتة، ونحوِ ذلك. ولما لم يكنْ نَهيُه عن ثَمَنِ الكَلْبِ تحريمًا لصيدِه، كذلك ليس تحريمُ ثَمَنِ الدَّم تحريمًا لأُجرِة الحَجّام؛ لأنه إنّما أخذَ أُجرةَ تعَبِه وعملِه، وكلُّ ما يُنتفَعُ به فجائزٌ بيعُه والإجارَةُ عليه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من السُّنةِ قَصُّ الشَّارِب" (١) . وقال: "أحفُوا الشَّواربَ، وأعفُوا اللِّحَى" (٢) . وأمَرَ بحَلْقِ الرأسِ في الحجِّ (٣) ، فكيفَ تَحرُمُ الإجارَةُ فيما إباحَه اللهُ ورسولُه قولًا وعملًا؟ فلا سبيلَ إلى تسليم ما تأوَّله أبو جُحيفةَ وإن كانت له صُحبةٌ؛ لأنَّ الأُصولَ الصِّحاحَ تَردُّه، ولو كان على ما تأوَّله أبو جُحَيفة، كان مَنْسوخًا بما ذكَرنا، وباللّه توفيقُنا.

    وقال آخرون: كسبُ الحَجّام كسبٌ فيه دَناءةٌ، وليسَ بمُحرَّم. واحتجُّوا بحديثِ ابنِ مُحيِّصة (٤) ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُرخِّصْ له في أكلِه، وأمَرَه أن يَعلِفَه

    ج ٢ ص ٢٤٢نواضِحَه ويُطعِمَه رَقيقَه. وكذلك روَى رِفاعَةُ بنُ رافع (١) ، قال: نَهانا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كَسبِ الحَجّام، وأمَرَنا أن نُطْعِمَه نواضِحَنا. فهذا يدُلُّ على أنَّه نَزَّهَهم عن أكلِه، ولو كان حرامًا لم يَأمُرْهم أن يُطعِموه رَقيقَهم، لأنَّهم مُتعبَّدُونَ فيهم كما تُعُبِّدُوا في أنفسِهم. هذا قولُ الشّافعيِّ وأتباعِه.

    ج ٢ ص ٢٤١
  7. وأظُنُّ الكراهةَ منهم في ذلك من أجل أنَّه ليس يَخرُجُ مَخْرَجَ الإجارَة، لأنَّه غيرُ مُقدَّرٍ ولا معلوم؛ وإنَّما هو عمل يُعطَى عليه عامِلُه ما تَطِيبُ به نَفسُ المعمولِ له، وربَّما لم تَطِبْ نفسُ العامل بذلك، فكأنَّه شيءٌ قد نُسِخَ، يُشْبهُ الإجارَةَ والبُيوعَ والجُعْلَ المُقدَّرَ المعلوم. وهكذا دخولُ الحَمّام عندَ بعضهم. وقد بلَغَني أنَّ طائفةً من الشَّافعيِّينَ كَرِهُوا دخولَ الحَمّام إلا بشيءٍ معروفٍ وإناءٍ معلوم، وشيءٍ محدودٍ يُوقَفُ عليه؛ من تناوُلِ الماءِ وغيره. وهذا شديدٌّ جدًّا، وفي تواترِ العمل بالأمصار في دخول الحَمّام وأجرةِ الحَجّام، ما يَرُدُّ قولهم، وحديثُ أنسٍ هذا شاهِدٌ على تجويزِ أُجرةِ الحَجّام بغير سَوْمٍ ولا شيءٍ معلوم قبلَ العمل؛ لأنّه لم يُذكَرْ ذلك فيه، ولو ذُكِرَ لنُقِلَ، وحسبُك بهذا حُجّة. وإذا صَحَّ هذا كان أصلًا في نفسِه وفيما كان مثلَه، ولم يَجُزْ لأحدٍ رَدُّه، واللهُ أعلم.

  8. أخبرنا سعيدُ بنُ سيِّدٍ وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: سمِعتُ أبا جعفرٍ السَّبَنيَّ (١) يقول: لم يكنْ نَهيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن كسبِ الحَجّام لتحريم، إنَّما كان على التَّنزُّه، وكانت قريشٌ تَكرَهُ أن تأكُلَ من كسبِ غِلمانِها في الحِجامَة، وكان الرجلُ في أول الإسلام يأخُذُ من شَعَرِ أخيه ولحيتِه، ولا يأخُذُ منه على ذلك شيئًا.

    ج ٢ ص ٢٤٣
  9. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبانُ، عن يحيى، عن إبراهيمَ بن عبدِ الله بنِ قارظ، عن السّائِبِ بنِ يَزِيد، عن رافع بنِ خَديج، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كسبُ الحَجّام خبيثٌ، وثمنُ الكلبِ خبيثٌ، ومَهرُ البَغيّ خبيثٌ" .

  10. وهذا الحديثُ لا يخلُو أن يكونَ منسوخًا منه كسبُ الحَجّام بحديثِ أنسٍ وابنِ عبّاسٍ والإجماع على ذلك، أو يكونَ على جهةِ التَّنزهِ كما ذكَرنا، وليس في عطفِ ثمنِ الكلبِ ومَهرِ البَغيِّ عليه، ما يُتعَلَّقُ به في تحريم كسبِ الحَجّام؛ لأنَّه قد يُعْطَفُ الشيءُ على الشيءِ وحُكمُه مختلِفٌ، وقد بَينّا ذلك في غيرِ هذا الموضع، والحمدُ لله.

  11. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله المِهْرانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب بنُ عبدِ المجيد، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذّاء، عن محمدِ بنِ سيرين، عن ابنِ عبّاس، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - احتجَم وأعطى الحَجّام أجْرَه. قال ابنُ عبّاس: ولو كان به بأسٌ لم يُعْطِه (١) . هكذا قال خالدٌ الحَذّاء: عن محمدِ بنِ سيرين، عن ابنِ عبّاس.

    ج ٢ ص ٢٤٤
  12. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذّاء، عن عِكْرِمة، عن ابنِ عبّاس، قال: احتجَم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطَى الحَجّامَ أجرَه، ولو عَلِمَه خبيثًا لم يُعطِه.

  13. وفي هذا الحديثِ إباحةُ الحِجامة، وفي معناها إباحَةُ التَّداوي كلِّه بما يُؤلِمُ وبما لا يُؤلِمُ، إذا كان يُرْجَى نفعُه. وقد بَينّا ما للعلماءِ في إباحةِ التَّداوِي والرُّقَى من الاختلافِ والتنازع، وما في ذلك من الآثار، في باب زيدِ بن أسلم، والحمدُ لله.

  14. حديثٌ سابعٌ لحُمَيْد الطويل، عن أنسَ هو موقوفٌ في "الموطَّأ" وأسنَدَتْه طائفةٌ عن مالك ليسوا في الحفظِ هناك

    مالكٌ (١) ، عن حُميدٍ الطويل، عن أنسِ بنِ مالك، قال: قُمْتُ وراءَ أبي بكر، وعُمرَ، وعُثمانَ، فكُلُّهم كان لا يَقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إذا افتتَحَ الصَّلاة.

    ج ٢ ص ٢٤٥
  15. هكذا هو في "الموطأ" عندَ جماعةِ رُواتِه فيما عَلِمْتُ مَوقوفًا (٢) . ورَوَتْه طائفةٌ عن مالكٍ فرفَعتْه؛ ذكَرتْ فيه النبيَّ عليه السلام، وليس ذلك بمحفوظٍ فيه عن مالك. وممن رواه مرفوعًا عن مالكٍ: الوليدُ بنُ مسلم.

  16. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وزير، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن حُميد، عن أنس، قال: صلَّيتُ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وعُمرَ، وعثمان، فكُلُّهم كان لا يقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إذا افتتَحَ الصَّلاة.

  17. وذكَره أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ أبي داودَ سليمانَ بنِ الأشْعَث، فقال: حدَّثنا محمدُ بنُ الوزير الدمشقيُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن مالكِ بنِ أنس، عن حُميد، عن أنس، قال: صلَّيْتُ خلفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يَفتَتِحونَ القراءة بـ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} لا يذكُرون: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (٣) .

  18. ورُوِيَ عن أبي قُرِّةَ موسى بنِ طارق، عن مالكٍ أيضًا مرفوعًا.

  19. حدَّثنا محمدٌ (١) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر (٢) ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدِ بن يحيى (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الأزْهَر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ، عن مالك، عن حُميد، عن أنس، قال: صلَّيتُ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وعمرَ، فلم يكونوا يَجْهَرون بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

    ج ٢ ص ٢٤٦
  20. وهذا خطأٌ كلُّه خلافُ ما في "الموطّأ" .

  21. ورواه إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّيُّ، عن مالكٍ مرفوعًا أيضًا، إلّا أنه اختُلِفَ عنه في لفظِه.

  22. حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ إبراهيمَ بنِ مُشْكانَ المَرْوَزِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمودٍ المَرْوَزِيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّيُّ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن حُميد، عن أنس، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمرَ، وعثمانَ كانوا يَفتتِحون القِراءَة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

  23. أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشّافعيُّ من كتابه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ اللَّيْثِ الجَوْهريُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى،

    ج ٢ ص ٢٤٧قال: حدَّثنا مالكٌ، عن حُميد، عن أنس، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمرَ، وعثمان كانوا لا يَسْتَفْتِحون بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

  24. ورفَعه - أيضًا - ابنُ أخي ابنِ وَهْب، عن ابنِ وَهْب، عن مالك.

  25. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ صالح المُقرِئ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ وَهْب، قال: حدَّثنا عَمِّي عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ، ومالكُ بنُ أنس، وسفيانُ بنُ عُيَيْنة، عن حُميد، عن أنس، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يَجهَرُ في القراءة بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (١) .

  26. فهذا ما بلَغنا من الاختلافِ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ولفظِه، وهو في "الموطأ" موقوفٌ ليس فيه ذِكرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقد روَى هذا الحديثَ عن أنس: قتادةُ (٢) وثابت البُنانيُّ (٣) وغيرُهما كلُّهم أسندَه وذكَر فيه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، إلّا أنَّهم اختُلِفَ عليهم في لَفْظِه اختِلافًا كثيرًا مضطرِبًا مُتدافِعًا (٤) ؛ منهم مَن يقول فيه: كانوا لا يَقرَؤون: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ومنهم مَن يقول: كانوا لا يَجْهَرون بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وقد قال بعضُهم فيه: كانوا يَجْهَرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وقال بعضهم: كانوا يَقرَؤون: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ،

    ج ٢ ص ٢٤٨ومنهم مَن قال: كانوا لا يَترُكون: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ومنهم مَن قال: كانوا يَفتَتِحون القراءة بـ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . وهذا اضطرابٌ لا تقومُ معه حُجَّةٌ لأحدٍ من الفقهاء.

  27. وقد رُوِيَ عن أنسٍ أنّه سُئِلَ عن هذا الحديث، فقال: كَبِرْنا ونَسِينا.

  28. وقد أوضَحنا ما للعلماءِ في قراءة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، في "فاتحة الكتاب " وغيرها بوجوهِ اعتِلالِهم وآثارِهم، وما نَزَعُوا به في ذلك، في كتاب جَمَعْتُه في ذلك؛ وهو كتاب "الإنصاف فيما بينَ علماءِ المسلمينَ في قراءة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} في فاتحة الكتابِ من الاختلاف" . ومضى في ذلك أيضًا ما يَكْفي ويَشْفي في هذا الكتابِ عندَ قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ مالك، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن: "قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبينَ عَبْدِي نَصْفَين؛ فنصفُها لي، ونصفُها لعبدِي، ولعبدِي ما سأل؛ اقرؤوا يقولُ العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الحديثَ بتمامِه إلى آخر السورة (١) . وهو أقطعُ حديثٍ في تَرْك: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} والله أعلم - لأنَّ غيرَه من الأحاديثِ قد تأوَّلُوا فيها فأكْثَروا التَّشْعِيبَ والمُنازعة، وبالله التوفيق.

    قال أبو عُمر: الاختلافُ في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} على أوجه:

    أحدُها: هل هي من القرآن في غير سورة "النمل "؟

  29. والآخر: هل هي آيةٌ من "فاتحة الكتاب "، أو هي آية من أوّلِ كلِّ سورةٍ من القرآن؟

  30. والثالث: هل تَصِحُّ الصلاةُ دونَ أن يُقرَأ بها مع "فاتحة الكتاب "؟

  31. والرابع: هل تُقرَأ في النوافل دون الفرائض؟ ونَختصرُ القولَ في القراءة بها هاهنا؛ لأنا قد استَوْعَبْنا القولَ في ذلك كلِّه ومهَّدناه في كتاب "الإنصافِ فيما بينَ العلماءِ من الاختلاف" في ذلك.

    ج ٢ ص ٢٤٩قال مالأ: لا تُقرَأُ في المكتوبةِ سِرًّا ولا جَهْرًا، وفي النافلةِ إن شاء فعَل، وإن شاء ترَك. وهو قولُ الطَّبريّ.

  32. وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفة، وابنُ أبي ليلى، وأحمدُ بنُ حَنْبل: تُقرَأُ مع "أُمِّ القُرآن" في كلِّ ركعة. إلّا أنَّ ابنَ أبي ليلى قال: إن شاء جهَر بها، وإن شاء أخْفاها. وقال سائرُهم: يُخْفِيها.

    وقال الشافعيُّ: هي آيةٌ من "فاتحةِ الكتاب" يُخفِيها إذا أخفَى، ويَجْهَرُ بها إذا جهَر. واختلَف قولُه؛ هل هي آيَة في أوَّل كلِّ سورةٍ أم لا؟ على قولين؛ أحدُهما: هي، وهو قولُ ابنِ المبارك. والثاني: لا، إلّا في "فاتحة الكتاب" . وقد أشبَعْنا هذا البابَ وبَسَطْناه بحُجَّةِ كلِّ فِرقَةٍ في كتاب "الإنصاف" . وفي بابِ العلاءِ من هذا الكتاب، والحمدُ لله.

  33. ومما هو موقوفٌ في "الموطّأ" وقد أسنَده عن مالكٍ مَن لا يُوثَقُ بحفظِه أيضًا، ما أخبرناه محمدٌ (١) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ حامدٍ المُعدَّل، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مَيمون، قال: قُرِئَ على محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الحَكَم: أخْبَركم ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنس وعبدُ الله بنُ عمرَ ويحيى بنُ أيوب، عن حُميد، عن أنس، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثٌ للثَّيِّب، وسَبْع للبكر" . لم يُسنِدْه غيرُ ابنِ وَهْبٍ إن صَحَّ عنه، وهو في "الموطّأ" عندَ جميعهم موقوفٌ. وقد ذكَرْنا معنى هذا الحديثِ مُجَوَّدًا مَبسُوطًا مُمَهَّدًا بما فيه للعلماءِ من المذاهبِ في بابِ عبدِ الله بن أبي بكر (٢) ، والحمدُ لله (٣) .