عبد الله بن الفضل

١٥٤ فقرة، ج ١٢ ص ٥

الصفحة ٢ من ٤

  1. والأبُ لهُ أن يُزوِّج الصَّغيرةَ بإجماع من المُسلمينَ، ثمَّ يلزمَها ذلك، ولا يكون لها في نفسِها خيار، إذا بلغَتْ.

    ج ١٢ ص ٢١
  2. هذا كلُّه كلامُ إسماعيلَ بن إسحاقَ.

    قال (١) أبو عمر: فحصَلَ من هذا أنَّ الولي المذكُورَ في هذا الحديثِ، هو الأبُ عندَ الشّافعي، وعندَ مالكٍ في غير الأب من سائرِ الأولياء، وهو عندَ الكُوفيينَ: الأبُ وغير الأبِ من سائرِ الأولياءِ، كلِّهم في النِّكاح.

  3. وسيأتي مذهبُهم في ذلك مُلخَّصًا (٢) في هذا البابِ بعدُ، إن شاء الله.

    قال أبو عُمر: في قول رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها" . دليلٌ على أنَّ للوليِّ حقًّا في إنكاح وليَّته، على ما مَضَى في هذا البابِ من القولِ، على الفَرقِ بين الثَّيِّبِ والبكرِ، وعلى الجَمع بينهُما في المعنى المُراد بالوليِّ المذكُور في الحديث، على حسَبِ ما وصَفْنا.

  4. وقد اختَلف العُلماء في هذا المعنَى:

    فقال منهم قائلونَ: لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ، ولا يَجُوزُ للمرأةِ أن تُباشرَ عقدَ نكاحها بنفسِها دُون وليِّها، ولا أن تعقدَ نِكاحَ غيرِها.

  5. وممَّن قال هذا: مالكٌ (٣) ، والشّافعيُّ (٤) ، وسُفيانُ الثَّوريُّ (٥) ، وابن أبي ليلى،

    ج ١٢ ص ٢٢وابن شُبرمةَ، وابن المبارك، وعُبيد الله بن الحسنِ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبيدٍ، والطَّبريُّ (١) .

  6. ورُوي ذلك عن عُمرَ، وعليٍّ، وابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وأبي هريرة. وهو قولُ سعيد بن المُسَيِّب، والحسن، وعُمر بن عبد العزيز، وجابرِ بن زيدٍ أبي الشَّعثاء (٢) . وخالفَ هؤلاءِ أهلُ الرَّأي من الكُوفيِّين، وطائفةٌ من التّابعينَ.

  7. وسنذكُر قولَهم (٣) هاهنا، إن شاء الله، بعونهِ وفضلهِ، وكلُّهم يقول: لا يَنْبغي أن ينعقدَ نكاحٌ بغيرِ وليٍّ.

    قال أبو عُمر: حُجَّة من قال: لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ، أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد ثبتَ عنه أنَّه قال: "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ" (٤) .

    وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: ٢٣٢] وهذه الآية نزلَتْ في مَعقِلِ بن يَسارٍ، إذ عضَلَ أُختَهُ عن مُراجعةِ زوجِها، ولولا أنَّ له حقًّا في الإنكاح، ما نُهِيَ عن العَضْلِ.

  8. وأمّا افتتاحُ هذه الآية بذكرِ الأزواج، ثمَّ الميلُ إلى الأولياءِ، فذلكَ معروفٌ في لِسانِ العرب، كما قال: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} . فخاطَبَ المتبايعَيْن، ثمَّ قال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [االبقرة: ٢٨٢ [فخاطَبَ الحُكّامَ، وهذا كثيرٌ.

  9. والرِّواية الثّابتة في مَعقلِ بن يَسارٍ تُبيِّن ما قُلنا، وسنذكُرُها، إن شاء الله.

  10. وروينا عن أبي هريرةَ، أنَّه قال: البَغايا اللائي ينكحنَ أنفسهنَّ بغيرِ وليٍّ (١) .

    ج ١٢ ص ٢٣
  11. وعن عائشةَ: أنَّها كانت إذا أنكحَتْ رَجُلًا من قَرابتِها (٢) امرأةً منهُم، ولم يبقَ إلّا العقدُ، قالت: اعقدُوا، فإنَّ النِّساءَ لا يَعْقدنَ، وأمرَتْ رَجُلًا فأنكَحَ (٣) .

  12. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ بن (٤) عبد الرزّاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشْعَثِ، قال (٥) : حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ، قال: أخبرنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريج، عن سُليمان بن موسى، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ بغَيرِ إذنِ ولِيِّها، فنِكاحُها باطِلٌ" . ثلاث مرّاتٍ "فإن دخلَ بها، فالمهرُ لها بما أصابَ مِنها، فإن تَشاجَرُوا، فالسُّلطانُ وليُّ من لا ولِيَّ لهُ" .

  13. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٦) : حدَّثنا

    ج ١٢ ص ٢٤سُفيانُ وعبدُ الله بن رجاءٍ المُزنِيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، عن سُليمان بن موسى، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، فذكرهُ سواءً.

    قال أبو عُمر: رَوى هذا الحديثَ إسماعيلُ ابن عُليَّة، عن ابن جُريج، عن سُليمان بن موسى، عن الزُّهْري، عن عُروة، عن عائشةَ، كما رواه غيره، وزادَ عن ابن جُريج، قال: فسألتُ عنه الزُّهْريَّ، فلم يعرفه (١) . ولم يَقُل هذا أحدٌ عن ابن جُريج غير ابن عُليَّة، وقد رواهُ عنه جماعة لم يذكروا ذلك، ولو ثبتَ هذا عن الزُّهْريِّ، لم يكن في ذلك حُجَّة؛ لأنَّه قد نقلهُ عنه ثقات، منهم: سُليمان بن موسى، وهو فقيهٌ ثقةٌ إمامٌ، وجعفرُ بن ربيعةَ (٢) ، والحجّاج بن أرْطاةَ، فلو نَسِيهُ الزُّهْريُّ، لم يَضُرَّه ذلك شيئًا، لأنَّ النِّسيانَ لا يُعصَمُ منه الإنسان، قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نَسِي آدمُ، فنسِيَتْ ذُرِّيَّته" (٣) . وإذا (٤) كانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْسَى، فمن سِواه أحْرَى أن ينسَى، ومن حفِظَ، فهو حُجَّةٌ على من نَسي، فإذا رَوَى الخبرَ ثقةٌ عن ثقةٍ، فلا يضُرُّه نسيانُ من نسِيَه.

  14. هذا لو صحَّ ما حَكَى ابن عُليَّة، عن ابن جُريج، فكيفَ وقد أنكرَ أهلُ العلم ذلك من حكايتهِ، ولم يُعرِّجُوا عليه (٥) .

  15. وقد ذكَرْنا هذا العنى، بأوضحَ من ذكرِنا لهُ هاهنا، في باب جعفرِ بن محمدٍ، من كتابنا هذا، في حديثِ اليمينِ مع الشّاهدِ (١) .

    ج ١٢ ص ٢٥
  16. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا عبدُ الغفّارِ بن داود، قال: حدَّثنا ابنُ لهِيعةَ، وسمِعهُ منهُ، عن جَعفرِ بن ربِيعةَ بن شُرَحبِيل بن حَسَنةَ، عن ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أيُّما امرأةٍ نكحَتْ بغيرِ إذنِ ولِيِّها، فنِكاحُها باطِلٌ" ثلاثَ مرّاتٍ، "فإن وطِئَها، فلها المهرُ بما استحلَّ من فَرْجِها، فإنِ اشْتَجرُوا، فالسّلطانُ وليُّ من لا ولِيَّ لهُ" (٢) .

  17. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال حدَّثنا ابنُ لهِيعةَ، عن جعفرِ بن ربِيعةَ، عن ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكرهُ.

  18. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا ابنُ لهِيعةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن ربِيعةَ، عن الزّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: فذكرهُ سواءً، إلا في قولِهِ: "فإن وَطِئَها فلَها المهرُ" . فإنَّهُ لم يذكُرهُ (٤) .

  19. وحدَّثثا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى، قال:

    ج ١٢ ص ٢٦حدَّثنا هُشَيمٌ، عن الحجّاج، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا نِكاحَ إلا بولِيٍّ، والسُّلطانُ وليُّ من لا ولِيَّ لهُ" (١) .

  20. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بن قُدامةَ بن أعين، قال: حدَّثنا أبو عُبيدةَ الحدّادُ، عن يُونُس وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا نِكاحَ إلا بولِيٍّ" . قال أبو داود: يُونُسُ لقِي أبا بُردةَ.

  21. حدَثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَثنا قاسمٌ، قال: حدَثنا الحارِثُ، قال: حدَثنا إسحاقُ بن عِيسى. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قالا جميعًا: أخبَرنا أبو عوانةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُردةَ، عن أبيهِ أبي موسى، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا نِكاحَ إلا بولِيٍّ" (٣) .

  22. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: حدَّثني إسرائيلُ،

    ج ١٢ ص ٢٧عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُردةَ بن أبي موسى، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا نِكاحَ إلا بولِيٍّ" (١) .

  23. وحدَّثنا (٢) سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا وكِيع، عن إسرائيلَ وسُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُردةَ بن أبي (٣) موسى، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا نِكاح إلا بولِيٍّ" (٤) .

  24. وليسَ في حديثِ سُفيان، عن أبيهِ.

    قال أبو عُمر: روى هذا الحديثَ شُعبةُ (٥) ، والثَّوريُّ (٦) ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدة، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا.

  25. فمن يقبَلُ المراسِل، يلزَمُه قبُولُه، وقد مَضَى في صدرِ هذا الدِّيوانِ ذكرُ من يقبَلُها ويحتجُّ بها من العُلماء، ومن يأبَى من قَبُولها.

  26. وأمّا من لا يقبل المراسيلَ، فيلزَمُه أيضًا قبُولُ حديث أبي بُردة هذا؛ لأنَّ الذين وصلُوه من أهلِ الحفظِ والثِّقةِ، وإسرائيلُ ومن تابَعهُ حُفّاظٌ، والحافظُ تُقبلُ زيادتُه، وهذه زيادةٌ تعضُدُها أُصولٌ صِحاحٌ.

  27. وقد رُوي (١) من حديثِ يزيد بن زُرَيع، عن شُعبةُ (٢) .

    ج ١٢ ص ٢٨
  28. ومن حديث بِشْر بن منصور، عن الثَّوريِّ (٣) ، هذا الحديث مُسندًا، ولكن الصَّحيحَ عنهُما إرسالُه.

  29. وقد رُوي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ وشاهدَيْنِ عدلَيْنِ" . من حديث ابن عبّاسٍ (٤) ، وحديثِ أبي هريرةَ (٥) ، وحديث ابن عُمرَ (٦) ، إلّا أن في نقَلَةِ ذلك ضعفًا، فلذلك لم أذكُره.

  30. أخبَرَنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٧) : حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قال: حدَّثنا عبّادُ بن راشِدٍ، عن الحسنِ، قال: حدَّثنا مَعقِلُ بن يَسارٍ، قال: كانت لي أُختٌ تُخطَبُ إليَّ، فأتاني ابنُ عم لي فأنْكَحتُها إيّاهُ، ثُمَّ طلَّقها طَلاقًا لهُ رَجْعةٌ، ثُمَّ تَرَكها حتَّى انقضَتْ عِدَّتُها، فلمّا خُطِبَت، أتاني يخطُبُها، فقُلتُ: واللّه لا أنكَحْتُكها أبدًا. قال: ففِيَّ

    ج ١٢ ص ٢٩نزلت: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: ٢٣٢] قال: فكفَّرتُ عن يَمِيني فأنكَحْتُها إيّاهُ.

  31. وذكر البُخارِيّ، قال (١) : حدَّثنا عُبيدُ الله بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ العَقَدِيُّ، قال: حدَّثنا عبّادُ بن راشِدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثني مَعقِلُ بن يَسارٍ، قال: كانت لي أُخت تُخطَبُ إليَّ، فذكر الحديث.

    قال البُخارِيُّ (٢) : وأخبَرناهُ أبو مَعمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا يُونُسُ، عن الحسنِ: أنَّ أُخت مَعقِلِ بن يَسارٍ طلَّقها زوجُها، فتَرَكها حتَّى انقَضَتْ عِدَّتُها، ثُمَّ خَطَبها، فأبَى مَعقِل، فنزلت هذه الآيةُ: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} .

    قال البُخارِيُّ (٣) : وقال إبراهيمُ: عن يُونُس، عن الحسنِ، حدَّثني معقِلُ بن يسارٍ.

    قال أبو عُمر: هذا أصحُّ شيءٍ وأوضحَهُ، في أنَّ للوليِّ حقًّا في الإنكاح، ولا نِكاحَ إلّا بهِ؛ لأنَّه لولا ذلك، ما نُهِيَ عن العَضْلِ، ولاسْتُغني عنه.

    وقال مُجاهدٌ وعِكْرمةُ وابن جُرَيج: نزلت: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} في أُختِ مَعقل بن يَسارٍ (٤) .

    قال ابن جُرَيج: أُخته جُمْلُ (٥) بنت يَسارٍ، كانت تحت أبي البَدّاح، فطَلَّقها

    ج ١٢ ص ٣٠وانقضَتْ عِدَّتها، فرَغِبَ فيها وخَطَبها، فعضَلَها مَعْقلُ بن يَسارٍ، فنزلَتْ هذه الآيةُ (١) .

    قال أبو عُمر: فقد صرَّح الكتابُ والسُّنةُ بأنْ لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ، فلا معنَى لما خالَفَهما، ألا ترَى أنَّ الولي لمّا نُهي عن العَضلِ، فقد أمِرَ بخلافِ العَضْلِ، وهو التَّزويج، كما أنَّ الذي نُهي عن أن يبخسَ النّاس، قد أُمِرَ بأن يُوفيَ الكيلَ والوزنَ؟ وهذا بَيِّنٌ كثيرٌ، وباللّه التَّوفيقُ.

  32. وقد كان الزُّهْريُّ والشَّعبيّ، يقولانِ: إذا تزوَّجتِ المرأة بغيرِ إذنِ وليِّها كُفئًا، فهو جائزٌ (٢) .

  33. وكذلك كان أبو حنيفة (٣) ، يقولُ: إذا زوَّجت المرأةُ نفسَها كُفئًا بشاهدَينِ، فذلك نكاحٌ جائزٌ صحيحٌ. وهو قولُ زُفَر. وإن زوَّجت نفسَها غيرَ كُفءٍ، فالنِّكاحُ جائزٌ، وللأولياءِ أن يُفرِّقوا بينهُما.

    وقال أبو يُوسُف: لا يجوزُ النِّكاحُ إلّا بوليٍّ، فإن سلَّمَ الوليُّ جازَ، وإن أبَى أن يُسلِّم، والزَّوجُ كُفءٌ، أجازهُ القاضي.

  34. وإنَّما يتمُّ النِّكاحُ في قولهِ، حينَ يُجيزه القاضي.

  35. وهو قول محمدِ بن الحسنِ، وقد كان محمدُ بن الحسنِ يقولُ: يأمُر القاضي الوليَّ بإجازتهِ، فإن لم يفعَلْ، استأنَفا عقدًا.

    قال أبو عُمر: في اتِّفاقهم على أنَّ للوليِّ فسخَ نكاح وليَّته إذا تزوَّجت غيرَ

    ج ١٢ ص ٣١كُفءٍ بغير إذنهِ، دليلٌ على أنَّ له حقًّا في الإنكاح بالكُفءِ وغير الكُفءِ؛ لأنَّ الكُفءَ وغير الكُفءِ في ذلك سواءٌ، واللّه أعلم.

  36. ولا خلافَ بين (١) أبي حنيفةَ وأصحابِه، أنَّه إذا أذِنَ لها وليُّها، فعقدَت النِّكاح لنفسها، جازَ.

    وقال الأوزاعيُّ: إذا ولَّتْ أمْرَها رَجُلًا، فزوَّجها كُفئًا، فالنِّكاحُ جائزٌ، وليسَ للوليِّ أن يُفرِّقَ بينهُما، إلّا أن تكونَ عربيَّةً تزوَّجت مولًى.

  37. وحملَ القائلونَ بمذهبِ الزُّهْري، والشَّعبي، وأبي حنيفةَ، والأوزاعيِّ، قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ" على الكمالِ، لا على الوجُوبِ، كما قال: "لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلّا في المسجدِ" (٢) . و: "لا حظَّ في الإسلام لمن تركَ الصَّلاةَ" (٣) . ونحو هذا.

  38. وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ النَّهي حقُّه أن يُمتثَلَ الانتهاءُ عنه، ومعناهُ الزَّجرُ والإبعادُ، والوجوبُ لا يخرجُ عن ذلك إلّا بدليلٍ لا مُعارضَ له، ولولا ذلك لم تصحَّ عبادةٌ ولا فريضةٌ.

  39. وقد أوضَحنا هذا البابَ في غيرِ موضع من هذا الكتابِ، والحمدُ الله.

  40. وقال مالكٌ (٤) ، فيما ذكر ابن القاسم وغيره عنه: إذا كانَت المرأةُ مُعتَقةً أو مسكينةً دنيَّةً لا خطبَ لها، أو المرأةُ تكونُ في قريةٍ لا سُلطانَ فيها، فلا بأسَ أن تستخلفَ رجُلًا يُزوِّجها، ويجوز.

    قال مالكٌ (٥) : وكلُّ امرأةٍ ذات نسبٍ وغنًى وقدرٍ، فإنَّ ذلك لا ينبغي أن

    ج ١٢ ص ٣٢يُزوِّجها إلّا وليٌّ أو السُّلْطانُ، فإن فوَّضَتْ أمرها إلى رَجُلٍ فزوَّجها، فرَضِيَ الوَليُّ بعد ذلك: وقفَ فيه مالك لمّا سئلَ عنه، وإن أرادَ الوليُّ فسخَهُ بحِدْثانِ التَّزويج، فلهُ ذلكَ، وإن طالَ وولدت الأولادَ، وكان صوابًا، لم يَجُز الفسخُ.