عبد الله بن يزيد
٤٠٩ فقرة، ج ١٢ ص ٥٨
الصفحة ١٠ من ١١
- ج ١٢ ص ١٤٩
وهذا كلّهُ نصٌّ في مَوْضِع الخِلافِ، فبطَلَ ما خالَفهُ، ومعلُومٌ أنَّ المُزابنةَ المنهِيَّ عنها: بيعُ الرَّطَبِ باليابِسِ من جِنْسِهِ، والكَيْلِ بالجُزافِ من جِنْسِهِ.
-
روى مالكٌ (٤) ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزابنةِ. والمُزابنةُ: بيعُ الرُّطبِ بالتَّمرِ كيلًا، وبيعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كيلًا.
-
فأيُّ شيءٍ أبينُ من هذا لمن لم يُحرَم التَّوفِيق؟
-
وممَّن ذهَبَ إلى هذا: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما، والأوزاعِيُّ، والثَّورِيُّ، واللَّيثُ، وأبو يُوسُف، ومحمدُ بن الحسنِ (٥) .
وقال أبو حنِيفةَ (٦) : لا بأس ببيع الرُّطبِ بالتَّمرِ مِثلًا بمِثل، وكذلك الحِنطةُ الرَّطبةُ باليابِسة (٧) . وهُو قولُ داود بن عليٍّ في ذلك كلِّه (٨) .
- ج ١٢ ص ١٥٠
وحُجَّةُ أبي حَنِيفةَ، ومن قال بقولِهِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا نَهَى عن بيع التَّمرِ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثل، دخلَ في ذلك الرُّطبُ والبُسرُ؛ لأنَّ ذلك كلَّهُ يُسمَّى تمرًا.
قال: ولا يخلُو من أن يكونَ الرُّطَبُ والتَّمرُ جِنسًا واحِدًا، أو جِنْسينِ مُختلِفينِ، فإن كانا جِنسًا واحِدًا، فلا بأسَ ببيع بَعضِهِ ببعضٍ، مِثلًا بمِثلٍ يدًا بيدٍ، وإن كانا جِنْسينِ فذلك أحْرَى أن يجُوز مُتفاضِلًا، ومِثلًا بمِثل، لقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اختلَفَ الجِنسانِ، فبِيعُوا كيف شِئتُم" (١) .
قال: وإنَّما يُراعى الرِّبا في حالِ العَقدِ، ولا يُراعى في المآلِ.
-
والحُجَّةُ عليه للشّافِعِيِّ، ومن قال بقولِهِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد راعى المآلَ في حديثِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وقال: "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " . فهذا نصٌّ واضِحٌ في مُراعاةِ المآلِ.
-
وقد نصَّ أيضًا على بيع العِنَبِ بالزَّبِيبِ: أنَّهُ لا يجُوزُ أصلًا، فكذلك الرُّطبُ بالتَّمرِ، وسنُبيِّنُ معنى قولِهِ: "أينقُصُ الرُّطبُ؟ " في آخِرِ هذا البابِ إن شاءَ الله.
-
واختلفَ الفُقهاءُ أيضًا في بيع الرُّطبِ بالرُّطبِ، والبُسرِ بالرُّطبِ.
فقال مالكٌ (٢) وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُما (٣) : لا بأسَ ببيع الرُّطبِ بالرُّطبِ مِثلًا بمِثل، ولا بأسَ ببيع البُسرِ بالبُسرِ (٤) مِثلًا بمِثل (٥) .
وقال أبو حنِيفةَ: يجُوزُ بيعُ البُسرِ بالرُّطبِ مِثلًا بمِثلٍ. وهُو قولُ داود.
ج ١٢ ص ١٥١وقال مالكٌ (١) وأبو يُوسُف ومحمدٌ: لا يجُوزُ بيعُ الرُّطبِ بالبُسرِ على حالٍ. وراعَى محمدُ بن الحسنِ في الرُّطبِ بالتَّمرِ، وما كان مِثلهُ، المآلَ، مُراعاةً لا يُؤمَنُ معها عدمُ المُماثلةِ، فقال: إذا أحاطَ العِلمُ أنَّهُما إذا يبِسا تَساويا: جازَ.
وقال الشّافِعيُّ (٢) : لا يجُوزُ بيعُ الرُّطبِ بالرُّطبِ، ولا البُسرِ بالبُسرِ، ولا كلِّ ما ينقُصُ في المُتعقَّبِ إذا أُرِيد بقاؤُهُ.
-
وحُجَّتُهُ حديثُ سَعْدٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "اأيُنقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " فراعَى المآلَ في ذلك كلِّهِ، إذا أُرِيدَ به التقاءُ، فقِياسُ قولِهِ: أنَّهُ لا يجُوزُ العِنَبُ بالعِنَبِ، ولا التِّينُ الأخضرُ بالتِّينِ الأخضرِ، إذا أُرِيدَ تجفِيفُ ذلك ويُبسُهُ، لا مِثلًا بمِثل، ولا مُتفاضِلًا. وذلك كلُّهُ جائزٌ عِندَ مالكٍ مِثلًا بمِثلٍ.
-
وقِياسُ قولِ أبي حنِيفةَ: أنَّ التِّينَ الأخضر باليابِسِ جائزٌ مِثلًا بمِثل، كالعِنبِ بالزَّبِيبِ، والرُّطبِ بالتَّمرِ، والبُسرِ بالرُّطبِ.
وقال أبو يُوسُف: يجُوزُ بيعُ الحِنطةِ الرَّطْبةِ (٣) باليابِسةِ، يعني: الرَّطبةَ بالماءِ، فأمّا الرَّطبةُ من الأصلِ، يعني الفَرِيكَ، فلا يجُوزُ باليابِسةِ (٤) .
-
وقال الشّافِعيُّ (٥) ومالكٌ (٦) وأصحابُهُما ومحمدُ بن الحسنِ واللَّيثُ بن سعدٍ: لا يجُوزُ بيعُ الحِنطةِ المبلُولةِ باليابِسةِ، كما لا يجُوزُ الفرِيكُ بها.
وقال أبو حنِيفةَ: يجُوزُ بيعُ الحِنطةِ الرَّطبةِ والمبلُولةِ باليابِسةِ.
ج ١٢ ص ١٥٢وقال محمدٌ: لا يجُوزُ، إلّا أن يُحِيط العِلمُ بأنَّهُما إذا يبِسَتِ المبلُولةُ (١) أوِ الرَّطبةُ تساويا.
-
ولم يختلِف قولُ أبي حنِيفةَ وأصحابِهِ في جَوازِ بيع العِنَبِ بالزَّبِيبِ، مِثلًا بمِثلٍ. وهذا خِلافُ السُّنَّةِ الثّابتةِ، واللهُ المُستعانُ.
-
والذي أقُولُ: إنَّهُم لو عَلِمُوا نَهْيَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك نصًّا، وثبتَ عِندهُم: ما خالفُوهُ، وإنّما دخَلت عليهمُ الدّاخِلةُ من قِلَّةِ اتِّساعِهِم في عِلم السُّننِ، وغيرُ جائزٍ أن يظُنَّ بهم أحد إلّا ذلك، ولو خالفُوا السُّنَّةَ جِهارًا بغيرِ تأوِيل، لسقطَتْ عدالتُهُم، وهذا لا يجُوزُ أن يُظنَّ بهم مع اتِّباعِهِم ما صحَّ عِندَهُم من السُّننِ، فهذا شأنُ العُلماءِ أجمع.
-
ولكِنَّ الحُجَّةَ: في السُّنَّةِ وفي قولِ من قال بها وعَلِمها، لا في قَولِ من جَهِلَها وخالَفها، وبالله التَّوفِيقُ.
قال أبو عُمر: أجمعُوا أنَّهُ لا يجُوزُ عِندهُمُ العجِينُ بالعجِينِ، لا مُتماثِلًا ولا مُتفاضِلًا، لا خِلاف بينهِم في ذلك، وكذلك العجِينُ بالدَّقيقِ، فإذا طُبخَ العجِينُ، وصارَ خُبزًا، جازَ بيعُهُ عِندَ مالكٍ (٢) بالدَّقيقِ مُتفاضِلًا ومُتساويًا؛ لأنَّ الصِّناعةَ قد كمُلت فيه، وأخرجتهُ، فيما زعمَ أصحابُهُ، عن جِنسِهِ، واختلف الغرضُ فيهِ (٣) .
-
وقولُ أبي حنِيفةَ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ في بيع الدَّقِيقِ بالخُبزِ، كقولِ مالكٍ (٤) .
- ج ١٢ ص ١٥٣
وأمّا الشّافِعيُّ، فلا يجُوزُ عِندهُ الخُبزُ بالدَّقِيقِ على حال، لا مُتساوِيًا ولا مُتفاضِلًا.
-
ولا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ (١) بيعُ العسلِ بالعسلِ، إلّا أن يكون في أحدِهِما شيءٌ من الشَّمع، فإذا كان كذلك جاز مِثلًا بمِثلٍ. ولا يجُوزُ عِندهُ (٢) بيعُ الخلِّ بالخلِّ، لجهلِ ما في كلِّ واحِدٍ منهُما من الماءِ. وكذلك الشَّيْرَقُ بالشَّيْرَقِ، لا (٣) يجُوزُ عِندَهُ، على اختِلافٍ (٤) من قولِهِ، وقِياسُ قولِهِ: أنَّهُ لا يجُوزُ عندَه الخُبزُ الخَميرُ بالفَطير، ولا الخُبزُ بالخُبزِ أصلًا، والله أعلمُ.
-
واختلَفَ قولُ الشّافِعيِّ في بيع الدَّقيقِ بالدَّقيقِ، واختلفَ أصحابُهُ في ذلك، ولم يختلِف قولُ الشّافِعيِّ في بيع الحِنطةِ بالدَّقيقِ: إنَّهُ لا يجُوزُ. واختلف أصحابُهُ في ذلك.
-
واختلف قولُ الشّافِعيِّ في بيع الشَّيرج بالشَّيرج، هل يجُوزُ أم لا؟ فمرَّةً أجازهُ مِثلًا بمِثل، وكذلك الدَّقيقُ بالدَّقيقِ، ومرَّةً كرِه ذلك على كلِّ حالٍ.
وقال الأوزاعِيُّ: لا يجُوزُ السَّمنُ بالوَدَكِ (٥) إلّا مِثلًا بمِثل، وكذلك الشَّحمُ غيرُ المُذابِ بالسَّمنِ، إلّا أن يُرِيد أكلهُ ساعتئذٍ فيجُوزُ.
-
وأمّا القمحُ بالدَّقيقِ، فاختلفَ قولُ مالكٍ فيه، فمرَّةً أجازهُ مِثلًا بمِثل. وهُو المشهُورُ من مذهبِهِ الظّاهِرُ فيهِ.
- ج ١٢ ص ١٥٤
وهُو قولُ اللَّيثِ، ومرَّةً منعَ منهُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِهِما.
-
وقد رُوِي عن عبدِ العزيزِ بن أبي سلمةَ مِثلُ ذلك. ورُوِي عنهُ أنَّ ذلك جائزٌ على كلِّ حالٍ.
-
ولا خِلاف عن أبي حنِيفةَ (١) وأصحابِهِ: أنَّهُ لا (٢) يجُوزُ بيعُ الدَّقيقِ بالحِنطةِ، ولا بيعُ قفِيزٍ من حِنطةٍ بقفِيزٍ من سوِيقٍ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ.
قال أبو عُمر: قولُ أبي حنِيفةَ وأصحابِهِ في كَراهِيةِ بيع الحِنطةِ بالدَّقيقِ مُتساوِيًا، نقضٌ لقولِهِم في جَوازِ بيع العِنَبِ بالزَّبِيب، ونقضٌ لقولِ أبي حنِيفةَ في جَوازِ بيع الرُّطبِ بالتَّمرِ، والله أعلمُ، إلّا أنَّهُم يعتلُّوَنَ بأنَّ الطَّحنَ (٣) لا يُخرِجُ البُرَّ عن جِنْسِهِ، وأنَّ المُماثلةَ لا يُمكِنُ فيهِما مع الأمرِ بذلك، ولذلك لم يُجِيزُوا بيع بَعضِهِما ببعضٍ أصلًا.
وقال مالكٌ (٤) : لا بأسَ بالحِنطةِ بالدَّقيقِ مِثلًا بمِثل، ولا بأسَ بالسَّوِيقِ بالقمح مُتفاضِلًا. وهُو قولُ اللَّيثِ في السَّوِيقِ بالقمح أيضًا.
وقال الأوزاعِيُّ: لا تصلُحُ القلِيَّةُ بالقمح (٥) مِثلًا بمِثل، ولا بأس به وزنًا.
قال الطَّحاوِيُّ: منعَ الأوزاعِيُّ من المُماثلةِ في الكَيْلِ، وأجازها في الوَزنِ، ولم نجِد ذلك عن أحَدٍ من أهلِ العِلم سِواهُ.
وقال شُعبةُ: سألتُ الحكم وحمّادًا، عن الدَّقيقِ بالبُرِّ، فكرِهاهُ.
- ج ١٢ ص ١٥٥
وعن شُعبةَ أيضًا قال: سألتُ ابن شُبرُمةَ عن الدَّقيقِ بالبُرِّ، فقال: شيءٌ لا بأس به.
-
وأمّا السَّوِيقُ بالدَّقيقِ وبالحِنطةِ، فأجازهُ مالكٌ مُتفاضِلًا، ومُتساوِيًا (١) . وهُو قولُ أبي يُوسُف، وأبي ثورٍ.
وقال أبو حنِيفةَ: لا يجُوزُ مِثلًا بمِثل، ولا مُتفاضِلًا.
-
ورَوَى ابنُ سماعةَ، عن أبي يُوسُف، عن أبي حنِيفةَ: أنَّهُ لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثلٍ. وهُو قولُ الثَّورِيِّ.
وقال مالكٌ واللَّيثُ: لا تُباعُ الجَذِيْذَةُ (٢) بالسَّوِيقِ إلّا مِثلًا بمِثل، لأنَّهُ سوِيقٌ كلهُ، إلّا أنَّ بَعضهُ دُونَ بَعضٍ.
وقال الأوزاعِيُّ: لا تُباعُ الجَذِيذَةُ بالسَّوِيقِ، ولا بالدَّقيقِ إلّا وزنًا.
-
وعِند الشّافِعيِّ: لا يُباعُ شيءٌ من ذلك كلِّهِ بعضُهُ ببعضٍ على حالٍ.
-
وأمّا الخُبزُ بالدَّقيقِ، فلا بأس بذلك مُتفاضِلًا، وعلى كلِّ حالٍ عِندَ مالكٍ واللَّيثِ، والثَّورِيِّ، وأبي ثورٍ، وإسحاق.
وقال الشّافِعيُّ (٣) : لا يجُوزُ بيعُ الدَّقيقِ بالخُبزِ على حالٍ من الأحوالِ، لا مُتفاضِلًا، ولا مُتساوِيًا، وهو قولُ عُبيدِ الله بن الحسنِ.
وقال أحمدُ بن حنبلٍ: لا يُعجِبُني الخُبزُ بالدَّقيقِ. وكذلك لا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ وعبيد (٤) الله بن الحسنِ بيعُ الخُبزِ بالخُبزِ أيضًا، لا مُتساوِيًا، ولا مُتفاضِلًا.
ج ١٢ ص ١٥٦وقال مالكٌ في الخُبزِ: إذا تُحرِّيَ أن يكونَ (١) مِثلًا بمِثل، فلا بأس به، وإن لم يُوزَنْ. وهُو قولُ الأوزاعِيِّ، وأبي ثورٍ، وقد رُوِي عنهما: أنَّ ذلك لا يجُوزُ إلّا وزنًا.
وقال الشّافِعيُّ (٢) : كلُّ ما دخَلهُ (٣) الرِّبا في التَّفاضُلِ، فلا يجُوزُ فيه التَّحرِّي.
-
ورُوِي عن أبي حنِيفةَ، أنَّهُ قال: لا بأس بالخُبزِ قُرصًا بقُرصينِ.
قال أبو عُمر: هذا خطأٌ عِندِي وغلطٌ فاحِشٌ؛ لأنَّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الطَّعام إلّا مِثلًا بمِثلٍ.
-
وهذا عِندَ الجميع في الجِنسِ الواحِدِ، ومَعلُومٌ أنَّ خُبز البُرِّ كلَّهُ طعامُ جِنْسٍ واحِدٍ، وكذلك خُبزُ الشَّعِيرِ كلُّهُ جِنسٌ واحِدٌ (٤) ، وكلُّ واحِدٍ منهُما تَبَعٌ لأصلِهِ عِندَ العُلماءِ، فمن جعلَ البُرَّ والشَّعِير والسُّلت (٥) صِنفًا واحِدًا، فخُبزُ ذلك كلِّهِ عِندهُ جِنسٌ واحِدٌ، على أصلِ قولِهِ، ومن جعلَ كلَّ واحِدٍ منهُما غير صاحِبِهِ، وجعلهُ جِنسًا على حِدَةٍ، فخُبزُ كلِّ واحِدٍ منهُما صِنْفٌ وجِنسٌ غيرُ صاحِبِهِ، إلّا الشّافِعيَّ، وعُبيد الله بن الحسنِ فإنَّهُما لا يُجِيزانِ شيئًا من الخُبزِ بَعضَهُ ببعضٍ، لما يدخُلُهُ من الماءِ والنّارِ، والأصلُ عِندَهُما فيه أنَّهُ دقِيقٌ بدقيقٍ، لا يُوصَلُ إلى المُماثلةِ فيهِ.
-
وعندَ اللَّيثِ بن سعدٍ: كلُّ ما يُختبَزُ (٦) صِنفٌ واحِدٌ من أيِّ شيءٍ كان (٧) من الحُبُوبِ كلِّها.
- ج ١٢ ص ١٥٧
وقد رُوِي عن مالكٍ مِثلُ ذلك.
قال أبو عُمر: إنَّما أجازَ أبو حنِيفةَ الخُبز (١) قُرصًا بقُرصينِ، لأنَّهُ لم يدخُل عِندَهُ ذلك في الكيلِ الذي هُو أصلُهُ، فخرجَ من الجِنسِ الذي يدخُلُهُ الرِّبا عِندَهُ؛ لأنَّ الرِّبا عِندَهُ وعِند أصحابِهِ لا يدخُلُ إلّا فيما يُكالُ أو يُوزنُ، وأصلُ الدَّقيقِ عندَهم (٢) والبُرِّ، الكيلُ، لا الوزنُ، وأظُنُّ (٣) الخُبز عِندهُم ليسَ من الموزُوناتِ؛ لأنَّهُ يجِبُ عندَهم على مُستهلِكِهِ القِيمةُ، لا المِثلُ، على أصلِهِم في ذلك، والله أعلمُ.
-
وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ التَّمر بالتَّمرِ، لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثل، واختَلفُوا في بيع التَّمرةِ الواحِدةِ بالتَّمرتينِ، والحبَّةِ الواحِدةِ من القمح (٤) بالحبَّتينِ.
فقال الثَّورِيُّ، والشّافِعيُّ: لا يجُوزُ ذلك. وهُو قولُ أحمد، وإسحاقَ، وهُو عِندِي قِياسُ قولِ مالكٍ.
-
وذكر الطَّحاوِيُّ (٥) ، قال: حدَّثنا أبو خازِم (٦) ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زيدُونَ، عن الفِريابِيِّ، عن سُفيانَ الثَّورِيِّ، قال: لا يجُوزُ تمرةٌ بتَمْرتينِ، ولا تمرةٌ بتَمْرةٍ.
قال أبو خازِم: ما أحسن معناهُ في هذا، ذهَبَ إلى أنَّ ذلك كلَّهُ أصلُ الكيلِ، وإلى أنَّ التَّمرةَ بالتَّمرتينِ وبالتَّمرةِ، غيرُ مُدرَكٍ (٧) بالكيلِ.
ج ١٢ ص ١٥٨قال أبو عُمر: أمّا تمرةٌ بتَمْرةٍ فلا أدرِي ما في ذلك عِندَ مالكٍ والشّافِعيِّ ومن تابَعهُما على القولِ بأنَّ التَّمرةَ بالتَّمْرتينِ لا يجُوزُ. والذي أقُولُهُ في ذلك على أصلِهِما، أنَّ المُماثلةَ إن أمكَنْت في التَّمرةِ بالتَّمرةِ بالوزنِ، جازَ ذلك، والله أعلمُ. وقولُ الثَّورِيِّ حسن جِدًّا، لعدَم المُماثلةِ في التَّمرةِ بالتَّمرةِ، وعَدم الكَيْلِ، الذي هُو أصلُهما، ولأنَّ ما كان أصلُهُ الكيل، فلا يُردُّ إلى الوَزنِ عِندهُم، إلّا مع الاضطِرارِ.
قال أبو عُمر: لا حاجَةَ بأحدٍ إلى بيع تمرةٍ بتمرةٍ، فلا وجهَ للتَّعرُّضِ إلى مِثلِ هذه الشُّبهةِ، فيما لا ضرُورةَ ولا حاجةَ بالنّاسِ إليه.
-
وقدِ احتجَّ من أجازَ التَّمرةَ بالتَّمرتينِ، بأنَّ مُستهلِكَ التَّمرةِ والتَّمرتينِ، تجِبُ عليه القِيمةُ. فقال: إنَّهُ لا مكِيلَ ولا موزُونَ، فجاز فيه التَّفاضُلُ.
-
وهذا عِندِي غيرُ لازِم؛ لأنَّ ما جَرَى فيه الرِّبا في التَّفاضُلِ، دخَلَ قليلُهُ وكثِيرُهُ في ذلك قِياسًا ونظرًا، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ.
وقال مالكٌ (١) : لا يجُوزُ البيضُ بالبيضِ مُتفاضِلًا؛ لأنَّهُ يُدَّخَرُ، ويجُوزُ عِندَهُ مِثلًا بمِثل. قال: ويجُوزُ بيعُ الصَّغِيرِ منهُ بالكبِيرِ. وبيضُ الدَّجاج، وبيضُ الإوَزِّ، وبيضُ النَّعام، إذا تحرَّى ذلك أن يكون مِثلًا بمِثل، جازَ.
وقال محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم: جائزٌ بيضةٌ ببيضتينِ وبأكثر، وجائزٌ التَّفاضُلُ في البَيْضِ؛ لأنَّهُ ليس ممّا يُدَّخرُ.
وقال الأوزاعِيُّ: لا بأسَ (٢) ببيضةٍ ببيضتينِ يدًا بيدٍ، وجَوْزةٍ (٣) بجوزتينِ (٤) .
- ج ١٢ ص ١٥٩
ولا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ (١) بيضةٌ ببيضتينِ، ولا رُمّانةٌ برُمّانتينِ، ولا بطِّيخةٌ ببِطِّيختينِ، لا يدًا بيدٍ، ولا نسِيئَةً؛ لأنَّ ذلك كلَّهُ طعامٌ مأكُولٌ.
-
وقد قدَّمتُ لك أصلَهُ، وأصلَ غير من الفُقهاءِ، فيما يدخُلُهُ الرِّبا، وعِلّةَ كلِّ واحِدٍ منهُم في ذلك، في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادَةِ ذلك هاهُنا.
وقال مالكٌ (٢) : لا يُباعُ اللَّحمُ الرَّطْبُ بالقدِيدِ، لا (٣) مِثلًا بمِثل، ولا مُتفاضِلًا. قال: وكذلك اللَّحمُ المشوِيُّ بالنَّيِّئ لا يجُوزُ مُتساوِيًا، ولا مُتفاضِلًا. ولا بأسَ عِند مالكٍ بالطَّرِيِّ بالمطبُوخ، مِثلًا بمِثلٍ ومُتفاضِلًا، إذا أثَّرت فيه الصَّنعةُ، وخالَفتِ الغَرَض منهُ ومن غيرِهِ.
وقال الشّافِعيُّ (٤) : لا يجُوزُ بيعُ اللَّحم من الجِنْسِ الواحِدِ مَطْبُوخًا منهُ بنَيِّئ بحال، إذا كان إنَّما يُدَّخَرُ مطبُوخًا، وكذلك المطبُوخُ بالمطبُوخ لا يجُوزُ. يعني (٥) إلّا أن يكونَ لا مرَقَ فيه، ويكونُ جِنسًا واحِدًا، فيجُوزُ مِثلًا بمِثل، وإن كان جِنْسينِ، جازَ فيه التَّفاضُلُ والتَّساوِي يَدًا بيدٍ.
-
وذكرَ المُزنِيُّ، عن الشّافِعيِّ قال: اللَّحمُ كلُّهُ صِنْف واحِدٌ: وَحْشِيُّهُ وإنسِيُّهُ وطائرُهُ، لا يجُوزُ بيعُهُ حتَّى يتبين (٦) إلّا مِثلًا بمِثل، وزنًا بوزنٍ.
-
وجَعَلهُ في موضِع آخَر على قَوْلينِ.
قال المُزنِيُّ: وقد قَطعَ بأنَّ ألبانَ البَقَرِ والغَنم والإبِلِ أصنافٌ مُختلِفةٌ، فلُحُومُها التي هي أُصُولُ الألبانِ أولى بالاختِلافِ.
ج ١٢ ص ١٦٠وقال الشّافِعيُّ في "الإملاءِ على مسائلِ مالكٍ المجمُوعةِ" : إذا اختلَفَتْ أجناسُ الحِيتانِ، فلا بأسَ ببعضِها ببعضٍ مُتفاضِلًا.