عبد الله بن يزيد

٤٠٩ فقرة، ج ١٢ ص ٥٨

الصفحة ١١ من ١١

  1. وكذلك لُحُومُ الطَّيرِ إذا اختلفَتْ أجناسُها.

    قال المُزنِيُّ: وفي هذا كِفايةٌ. يعني: من قولِهِ ومذهبِهِ.

    وقال الطَّحاوِيُّ (١) : قِياسُ قولِ أبي حنِيفةَ وأصحابِهِ، أن لا يُباعَ اللَّحمُ النَّيِّئُ بالمشوِيِّ إلّا يدًا بيدٍ، مِثلًا بمِثل، إلّا أن يكونَ في أحدِهِما شيءٌ من التَّوابِلِ، فيكون الفَضْلُ في الآخر (٢) للتَّوابِل.

    ج ١٢ ص ١٦٠
  2. وذكر ابنُ خُوَيْزمَنْداد، قال: قال أصحابُ أبي حنِيفةَ: يجِيءُ على قَولِ أبي حنِيفةَ ألّا يجُوز النَّيِّئُ بالمشوِيِّ، كما قال في المقلُوَّةِ بالبُرِّ، وَيجيءُ (٣) على قولِهِ أيضًا، أنَّهُ يجُوزُ كما قال في الحِنطةِ المبلُولةِ باليابِسةِ.

    قال ابنُ خُوَيْزمَنْداد: فقد اختلَطَ المذهبُ على أصحابِ أبي حنِيفةَ في هذه المسألةِ، وليس لهُ فيها نصٌّ.

    وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ والحسنُ بن حيٍّ: يجُوزُ بيعُ شاتَينِ مَذبُوحتينِ، إحداهُما بالأُخرى، ولو لم يَكُن مَعهُما جِلدٌ لم يَجُز؛ لأنَّ اللَّحم باللَّحم لا يجُوزُ، إلّا وزنًا بوزنٍ، ولا يجُوزُ فيه التَّحرِّي (٤) .

    وقال الشّافِعيُّ (٥) : لا يجُوزُ التَّحرِّي فيما بعضُهُ ببعضٍ مُتفاضِلًا رِبًا.

    وقال مالكٌ (٦) واللَّيثُ: لا يُشْتَرى اللَّحمُ بعضُهُ ببعضٍ، إلّا مِثلًا بمِثل

    ج ١٢ ص ١٦١على التّحرِّي (١) ، ويُتحرَّى ذلك، وإن لم يُوزَن، ولا يُباعُ المذبُوحُ بالمذبُوح، إلّا مِثلًا بمِثل، على التَّحرِّي، وكذلك الرَّأسُ بالرَّأسينِ.

    وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد، في بابِ بيع الرُّطبِ بالتَّمرِ: فإن قيلَ: قدِ اتَّفقَ الجميعُ أنَّ شاةً بشاتينِ جائزٌ، وإن كانَتْ إحداهُما أكثر لحمًا من الأُخرى. قيل لهُ: إن كان يُرادُ بهما اللَّحمُ، فلا يجُوزُ بيعُ شاةٍ بشاتَينِ.

    وقال مالكٌ (٢) : لا يجُوزُ خَلُّ التَّمرِ بخَلِّ العِنَبِ إلّا مِثلًا بمِثل، وهُو عِندَهُ جِنسٌ واحِدٌ، لأنَّ الغَرَض فيه واحِدٌ. قال: وكذلك نبِيذُ التَّمرِ، ونبِيذُ الزَّبِيبِ، ونبِيذُ العَسَلِ، لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثل، إذا كان لا يُسكِرُ كثِيرُهُ.

    قال مالكٌ (٣) : وليسَ هذا مِثل زيتِ الزَّيتُونِ، وزيتِ الفُجلِ، وزيتِ الجُلجُلانِ (٤) ؛ لأنَّ هذه مُختلِفةٌ، ومنافِعها شتَّى، والغَرَض فيها مُختلِفٌ.

    وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا بأس بخلِّ التَّمرِ بخلِّ العِنبِ، اثنانِ بواحِدٍ. ولا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ بيعُ الخلِّ بالخلِّ أصلًا، إذا كان الأصلُ فيه واحِدًا (٥) .

  3. وذكر ابنُ خُوَيْزمَنْداد، عن الشّافِعيِّ (٦) ، أنَّهُ قال في الزُّيُوتِ: كلُّ زيتٍ منها جِنسٌ بنفسِهِ، فزَيتُ الزَّيتُونِ غيرُ زيتِ الفُجلِ، وغيرُ زيتِ الجُلجُلانِ (٧) .

    وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: كلُّهُ صِنفٌ واحِدٌ لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثل: زيتُ الزَّيتُونِ وزيتُ الجُلجُلانِ وزيتُ الفُجلِ.

    ج ١٢ ص ١٦٢قال: ولا بأسَ بزيتِ الكَتّانِ بغير من الزَّيتِ مُتفاضِلًا، يدًا بيدٍ.

    قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا في هذا البابِ أُصُولهُ مُسْتَوعبةً، وذكرنا من فُرُوعِهِ (١) كثِيرًا، ليُوقَف بذلك على أُصُولِ مذاهِبِ العُلماءِ فيه (٢) ، ويُوقَف بذلك على المعنى الجارِي فيه منها الرِّبا في الزِّيادةِ.

  4. وأمّا بابُ المُزابنةِ في بيع الزَّيتِ بالزَّيتُونِ، واللَّحم بالحيوانِ، والزُّبدِ باللَّبنِ، والعِنَبِ بالعصِيرِ الحُلوِ، وما أشْبَه ذلك كلَّهُ، فقد مضَتْ منهُ أصُولٌ عِندَ ذِكرِ المُزابنةِ في مَواضِعَ من كِتابِنا هذا، مِنها: حديثُ داود بن الحُصينِ. وحديثُ ابنِ شِهابٍ، عن سعِيدٍ. وحديثُ نافِع، عن ابنِ عُمر. وذكرنا هُنالِك من معنى المُزابنةِ ما يُوقَفُ به على المُرادِ من مذاهِبِ العُلماءِ في ذلك إن شاءَ الله.

  5. وأمّا قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " على ما في حديثِ هذا البابِ قال مَعْنٌ ويحيى القَطّانُ والقَعْنبيُّ وغيرُهم، عن مالك: فقال لمن حولَه: أينقُص الرُّطبُ إذا يَبِس؟ فأدَّوا هذه الكلمةَ لمن سواه، وليست روايةَ يحيى (٣) فللعُلماءِ فيه قولانِ: أحدُهُما، وهُو أضعفُهُما: أنَّهُ استِفهامٌ استفهمَ عنهُ أهل النَّخِيلِ والمعرِفةِ بالتُّمُورِ والرُّطَب، وردَّ الأمر إليهم في عِلم نُقصانِ الرُّطَبِ إذا يبِسَ. ومن زعمَ ذلك قال: إنَّ هذا أَصلٌ في ردِّ المعرِفةِ بالعُيُوبِ، وقِيم المُتلَفاتِ إلى أربابِ الصِّناعاتِ.

  6. والقولُ الآخرُ، وهُو أصحُّهُما: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتفهِم عن ذلك، ولكِنَّهُ قرَّر أصحابَهُ على صِحَّةِ نُقصانِ الرُّطب إذا يبِسَ، ليُبيِّن لهُمُ المعنى الذي منهُ منعَ، فقال لهُم: "أينقُصُ الرُّطبُ؟ " . أي: أَليس ينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ، وقد نهيتُكُم عن بيع التَّمرِ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ. وقد رُوي هكذا عن مالك: أليس ينقُص

    ج ١٢ ص ١٦٣الرُّطب إذا يَبِس؟ هكذا رواهُ عبدُ الله بن نُمير وحمّاد بن سَلَمة عن مالك، فقالا: أليس يَنقُص؟ (١) .

  7. فهذا تقرِيرٌ منهُ وتوبِيخٌ، وليسَ باستِفهام في الحَقِيقةِ؛ لأنَّ مِثلَ هذا لا يجُوزُ جَهلُهُ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والاستِفهامُ في كلام العَرَبِ قد يأتي بمعنى التَّقرِيرِ كثِيرًا، وبمعنى التَّوبِيخ، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ} [المائدة: ١١٦] . فهذا استِفهامٌ معناهُ التَّقرِيرُ، وليس معناهُ أنَّهُ استَفْهَمَ عمّا جهِلَ (٢) ، جلَّ الله وتعالى عن ذلك، ومن التَّقرِيرِ أيضًا بلفظِ الاستِفهام، قولُهُ عزَّ وجلَّ: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: ٥٩] ، وقولُهُ: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: ٥٩] ، وقولُهُ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ} [طه: ١٧ - ١٨] وهذا كثِيرٌ.

  8. وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " نحو قولِهِ: "أرأيتَ إن منعَ الله الثَّمرةَ، فبمَ (٣) يأخُذُ أحدُكُم مالَ أخِيهِ؟ " (٤) . فكأنَّهُ (٥) قد قال: أليسَ الرُّطبُ إذا يبِسَ نقصَ؟ فكيف تبِيعُونهُ بالتَّمرِ، والتَّمرُ لا يجُوزُ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثل، والمُماثلةُ معدُومة (٦) في مِثلِ هذا، فلا تبِيعُوا التَّمر بالرُّطبِ بحالٍ.

  9. فهذا أصلٌ في مُراعاةِ المآلِ في ذلك. وهذا تقديرُ (٧) قولِهِ - صلى الله عليه وسلم - عِندَ من نزَّهَهُ، ونفى عنهُ أن يكون جهِلَ أنَّ الرُّطَبَ ينقُصُ إذا يبِسَ، وهذا هُو الحقُّ إن شاءَ الله تعالى، وبه التَّوفِيقُ.