عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني

٩٧ فقرة، ج ١٢ ص ١٩٤

الصفحة ١ من ٣

  1. مدنِيٌّ ثِقةٌ (٣) ، روى عنهُ مالكٌ، ويحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ، وابنُ عُيينةَ.

    ج ١٢ ص ١٩٤
  2. لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" خمسةُ أحادِيث، منها ثلاثةٌ مُسنَدةٌ، واثنانِ مُرسلانِ، أحدُهُما: عن سُليمان بن يَسارٍ، والآخرُ عن نَفْسِهِ.

  3. حديثٌ أوَّلُ لعبدِ الرَّحمن بن أبي صَعْصعةَ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُوشِكُ أن يكونَ خيرُ مالِ المُسلِم غَنَمًا، يَتْبعُ بها شُعَبَ الجِبالِ، ومَواقِعَ القَطْرِ، يفِرُّ بدِينِهِ من الفِتَنِ" .

    ج ١٢ ص ١٩٥
  4. هكذا وقعَ في هذه الرِّوايةِ: "شُعبَ الجِبالِ" . وهُو عِندَهُم غلطٌ، وإنَّما يروِيهِ النّاسُ: "شعَفَ الجِبالِ" . وشعَفُ الجِبالِ عِندَ أهلِ اللُّغةِ: رُؤُوسُها، وشَعَفةُ كلِّ شيءٍ: أعْلاهُ.

    قال الأخفشُ: الشَّعَفُ: أطرافُ الجِبالِ وظُهُورُها وأعاليها (٢) ، الواحِدةُ شَعَفَةٌ.

    قال الشّاعِرُ:

    كُنّا كزَوْج من حَما ... مٍ تَرْتَقِي شَعَفَ الجِبالِ

    نَرْعَى النَّهار ولا نُراعْ ... بذي حابِلٍ أو نِصالِ

    وأمّا الشِّعبُ، فهُو عِندَهُم: ما انفرجَ بين الجَبَلينِ.

  5. وقد قيل في قولِهِ: "شُعَبُ الجِبالِ" : ما تشعَّبَ منها وتَوعَّر.

  6. وهذا الحديثُ إنَّما وردَ خبرًا عن حالِ آخِرِ الزَّمانِ، وما المحمُودُ في ذلك الوَقْتِ، لكثرةِ الفِتَنِ.

  7. وقد كانَ - صلى الله عليه وسلم - يحُضُّ في أوَّلِ الإسلام على لُزُوم الحَواضِر (١) للجَماعاتِ والجُمُعاتِ، ويقولُ: "من بَدا جَفا" (٢) .

    ج ١٢ ص ١٩٦
  8. والحديثُ المذكُورُ في هذا البابِ من أحسَنِ حديثٍ في العُزلةِ، والفِرارِ من الفِتنةِ، والبُعدِ عن مَواضِعِها من الحَواضِرِ وغيرِها.

  9. والفِتنةُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ تحتمِلُ أن تكون فِتنةَ الأهلِ والمالِ، وفِتنةَ النَّظرِ إلى أهلِ الدُّنيا، وفِتنةَ الدُّخُولِ إلى السُّلطانِ، وغيرَ ذلك من أنواع الفِتَنِ.

    ج ١٢ ص ١٩٧
  10. ولم يُرِدِ الفِتْنةَ النّازِلةَ بين المُسلِمِينَ، الحامِلةَ على القِتالِ في طَلَبِ الإمار دُونَ غيرِها من الفِتَنِ، بل أرادَ بقولِهِ: "يفِرُّ بدِينِهِ من الفِتَنِ" جميعَ أنواع الفِتنِ، والله أعلمُ.

  11. وفي ذلك دليلٌ على فَضْلِ العُزلةِ والانفِرادِ في آخِرِ الزَّمانِ، كَزمانِنا هذا.

  12. وقد ذكَرْنا لُمعًا في العُزلةِ وفَضْلِها، وفَضْلِ اعتِزالِ النّاسِ، ولُزُوم البُيُوتِ في بابِ أبي طُوالةَ من هذا الكِتابِ، وذكرنا هُناك آثارًا مرفُوعةً حِسانًا، تدُلُّ على فضلِ العُزلةِ أيضًا والجِهادِ، فلا معنى لإعادتِها هاهُنا.

  13. وفي هذا الحديثِ حضٌّ كَسْبِ الغَنَم، وفي ذلك فَضْلٌ لها، وتَبرُّكٌ بها، إلى ما رُوِي فيها عن أبي هريرةَ: أنَّها من دوابِّ الجنَّةِ (١) . وفي ذلك فضلٌ لرَعْيِها ومُعاناتِها، وما من نبِيٍّ إلّا وقد رَعَى الغنَمَ.

  14. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن يزِيدَ الحَلَبِيُّ القاضِي، قال: حدَّثنا عُمرُ بن حَفْصٍ العَسْكرِيُّ، قال: حدَّثنا أبو خَيْثمةَ مُصعبُ بن سَعِيدٍ الضَّرِيرُ بحَلَب إملاءً، قال: حدَّثنا عيسى بن يُونُس، عن مِسْعَرٍ، عن سَعْدِ بن إبراهيمَ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، قال: مَرْرنا بثَمَرِ الأراكِ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "عَلَيكُم بالأسودِ منهُ، فإنِّي قد كُنتُ أجْتَنِيهِ وأنا أرْعَى الغنَمَ" . قالوا: يا رسُولَ الله، ورعيتَ؟ قال: "نعم، ما من نبِيٍّ إلّا وقد رَعَى" (٢) .

    ج ١٢ ص ١٩٨قال أبو عُمر: قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [طه: ١٧ - ١٨] .

  15. أخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرَّةَ. وأخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا عبدُ الله بن نُميرٍ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله الأنصارِيِّ، عن أبيهِ، أنَّهُ سمِع أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُوشِكُ أن يكونَ خيرُ مالِ المُسلِم غنمًا، يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبالِ، ومواقِعَ القَطْرِ، يفِرُّ بدِينِهِ من الفِتَنِ" .

  16. حدَّثنا خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عُمرُ بن محمدِ بن القاسم ومحمدُ بن أحمد بن كامِل ومحمدُ بن أحمد بن المِسورِ، قالوا: حدَّثنا بكرُ بن سهل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يُوسُف، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُوشِكُ أن يكونَ خيرُ مالِ المُسلِم غنمًا يتبعُ بها شَعَفَ الجِبالِ، ومواقِعَ القَطْرِ، يفِرُّ بدِينِهِ من الفِتَنِ" (٢) .

  17. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن المُفسِّرِ، قال: حدَّثنا عليُّ بن غالِبِ بن سلّام (٣) ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن

    ج ١٢ ص ١٩٩هشام صاحِبُ الدَّستوائيِّ (١) ، قال: حدَّثني أبي، عن محمدِ بن جُحادةَ، عن نُعيم بن أبي هِندٍ الأشجعِيِّ، عن أبي حازِم، عن حُسينِ بن خارِجةَ، قال: لمّا قُتِلَ عُثمانُ، أشكَلَتْ عليَّ الفِتنةُ، فقُلتُ: اللَّهُمَّ أرِني أمرًا أتمسَّكُ به. قال: فرَأيتُ فيما يَرَى النّائمُ الدُّنيا والآخِرةَ بينهما حائِطٌ، فقُلتُ: لو تَسنَّمتُ (٢) هذا الحائطَ، لعلِّي أهبِطُ على قَتْلَى أشجَعَ فيُخبِرُوني؟ فهَبَطتُ الحائطَ، فإذا أنا بأرْضٍ ذاتِ شَجَرٍ، وإذا بنَهَرٍ (٣) ، فقُلتُ: أنتُمُ الشُّهداءُ؟ قالوا: لا، بل نحنُ الملائكةُ. قال: قُلتُ: فأينَ الشُّهداءُ؟ قالوا: اصْعَدْ إلى الدَّرجاتِ العُلَى. قال: فصعِدتُ دَرَجةً، الله أعلمُ بما فيها، ثُمَّ صعِدتُ أُخرى، فإذا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وإبراهيمُ - صلى الله عليه وسلم - عِندهُ شيخٌ، وإذا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: أسْتَغفِرُ لأُمَّتِي. قال: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بعدكَ، إنَّهُم أهْراقُوا (٤) دِماءَهُم، وقَتَلُوا إمامَهُم، فهلّا فَعلُوا كما فعلَ خَليلي سَعْدٌ؟ قال: فقُلتُ: لقد رأيتُ رُؤيا، لعلَّ الله عزَّ وجلَّ أن يَنْفعني بها، أنْطلِقُ فأنظُرُ مع من كان سَعْدٌ، فأكُونُ مَعهُ. قال: فأتيتُ سَعْدًا فقَصَصتُها عليه، فما أكْبَرَ (٥) بها فرحًا، وقال: لقد خابَ من لم يَكُن لهُ إبراهيمُ خَليلًا. قال: فقُلتُ: في (٦) أيِّ الطّائفتينِ (٧) ؟ قال: ما أنا في واحِدةٍ منهُما. قال: فما تأمُرُني؟ قال: هل لكَ من غَنَم؟ قُلتُ: لا. قال: فاشْتَرِ غنمًا، فكُن فيها (٨) .

  18. حديثٌ ثانٍ لعبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصَعةَ الأنصارِيِّ، ثُمَّ المازِنِيِّ، عن أبيهِ أنَّهُ أخبَرهُ، أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قال لهُ: إنِّي أراكَ تُحِبُّ الغنَمَ والبادِيةَ، فإذا كنتَ في غنمِكَ أو بادِيتِكَ، فأذَّنتَ بالصَّلاةِ، فارفَعْ صوتَكَ بالنِّداءِ، فإنَّهُ "لا يَسْمعُ مَدَى صوتِ المُؤَذِّن جِنٌّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ (٢) ، إلّا شهِدَ لهُ يومَ القِيامَةِ" . قال أبو سعِيدٍ: سمِعتُهُ من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ١٢ ص ٢٠٠
  19. هكذا هذا الحديثُ عِندَ جماعةِ الرُّواةِ، عن مالكٍ: لم يختلِفُوا في إسنادِهِ في "المُوطَّأ" وغيرِهِ (٣) .

  20. والمَدَى: الغايةُ، وحيثُ يَنْتهِي الصَّوتُ.

  21. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالكِ بن أنَسٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أذَّنتَ فارفَعْ صوتَكَ، فإنَّهُ لا يَسْمعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّن شيءٌ، إلّا شهِدَ لهُ" .

  22. وقد وهِمَ ابنُ عُيينةَ في اسم هذا الشَّيخ، شيخ مالكٍ، إذ رَوَى عنهُ هذا الحديثَ.

    ج ١٢ ص ٢٠١
  23. حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا ميمُونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: سمِعتُ عبد الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي (٢) صَعْصَعةَ، قال: سمِعتُ أبي، وكان يتِيمًا في حِجْرِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال لي أبو سعِيدٍ الخُدرِيُّ: أي بُنيَّ، إذا كُنتَ في هذه البَوادِي فارفَعْ صوتَكَ بالأذانِ، فإنِّي سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا يَسْمعُهُ إنسٌ، ولا جِنٌّ، ولا حجرٌ، إلّا شهِدَ لهُ" .

  24. ثُمَّ ذكر الشّافِعيُّ (٣) حديث مالكٍ هذا بإسنادِهِ سواءً، كما ذكَرْناهُ عن مالكٍ، ثُمَّ قال الشّافِعيُّ: مالكٌ أصاب اسم الرَّجُلِ فيما أرى، وقد أخطأ فيه ابنُ عُيينةَ.

  25. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بحرٍ (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا سُنيدٌ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا يَعْلَى بن عطاءٍ، عن أبيهِ قال: كُنتُ مع عبدِ الله بن عَمرٍو، فلمّا حَضَرتِ الصَّلاةُ قال لي: أذِّن، واشدُد صوتكَ، فإنَّهُ لا يسمعُك من

    ج ١٢ ص ٢٠٢حَجَرٍ، ولا شَجَرٍ، ولا بَشَرٍ، إلّا شهِدَ لك يوم القِيامةِ، ولا يسمعُك من شيطانٍ إلّا ولَّى ولهُ نفِيرٌ حتَّى لا يسمع صوتكَ، وإنَّهُم لأمدُّ النّاسِ أعناقًا يوم القِيامةِ " (١) .

    قال (٢) سُنَيدٌ: وأخبَرنا خالدُ بن عبدِ الله، عن طَلْحةَ بن يحيى، عن عيسى بن طَلْحةَ، عن مُعاويةَ بن أبي سُفيانَ، أنَّهُ سمِعَ المُؤَذِّنَ، فتَشهَّدَ كما تشهَّدَ، ثُمَّ قال: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "المُؤَذِّنُونَ أطولُ النّاسِ أعناقًا يومَ القِيامَةِ" (٣) .

    قال سُنيدٌ: وأخبَرنا حجّاجٌ، عن ابنِ لهِيعةَ، عن عُبيدِ الله بن أبي جَعفرٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: من أذَّنَ اثْنَتي عشْرَةَ سنةً، وجبَتْ لهُ الجنّةُ، وكُتِبَ لهُ بكلِّ تأذِينةٍ سِتُّونَ حسنةً، وبكلِّ إقامَةٍ ثلاثُونَ حَسَنةً.

    قال: وحدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، قال: حدَّثنا شُبَيل بن عَوْف البَجَلِيُّ (٤) ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: مَن مُؤَذِّنُكُمُ اليومَ؟ قُلنا: مَوالِينا وعَبِيدُنا. قال: إنَّ ذلك بكُم لنَقْصٌ كبِيرٌ.

    قال: وقال إسماعيلُ: قال عُمرُ بن الخطّابِ: لو كُنتُ أُطِيقُ مع الخِلِّيفَى (٥) لأذَّنتُ.

    ج ١٢ ص ٢٠٣قال هُشَيمٌ: وأخبَرنا حُصينٌ، قال: حُدِّثتُ أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال: لولا أن تكونَ سُنَّةً، ما أذَّنَ غَيرِي.

  26. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن سَعِيدٍ (١) ، قال: أخبَرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبَرنا أبو يَعقُوبَ إسحاقُ بن أحمد بن جعفرٍ البَغدادِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن منصُورٍ الرَّمادِيُّ، قال: حدَّثنا عتّابُ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا أبو حَمْزةَ السُّكَّرِيُّ، عن الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الإمامُ ضامِنٌ، والمُؤَذِّنُ مُؤتَمنٌ، اللَّهُمَّ أرشِدِ الأئمَّةَ، واغفِر للمُؤَذِّنِين" . قالوا: يا رسُول الله لقد تَرَكتنا نتنافَسُ بعدكَ في الأذانِ، فقال: "إنَّ بعدَكُم قومًا سفِلَتُهُم مُؤَذِّنُوهُم" (٢) .

  27. وهذه الزِّيادةُ لا تجِيءُ إلّا بهذا الإسنادِ.

  28. وهُو إسنادٌ رِجالُهُ ثِقاتٌ معرُوفُونَ: أبو حَمْزةَ السُّكَّرِيُّ وعتّابُ بن زِيادٍ: مروزيانِ (٣) ثِقتانِ، وسائرُ الإسنادِ يُسْتَغنى عن ذِكرِهِم لشُهرتِهِم.

  29. إلّا أنَّ أحمد بن حنبلٍ ضعَّف الحديث كلَّهُ، ويُقالُ: إنَّهُ لم يَسْمعهُ الأعمشُ من أبي صالح، قال أحمدُ بن حنبل (٤) : رواهُ ابنُ فُضيل، عن الأعمشِ، عن رجُلٍ. ما أدرِي لهذا الحديثِ أصلًا. ورواهُ ابنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، فقال: نُبِّئتُ عن أبي صالح، ولا أُرى إلّا أنّي قد سمِعتُهُ منهُ (٥) .

    ج ١٢ ص ٢٠٤قال أبو عُمر: فَضائلُ الأذانِ كثِيرةٌ، وقد رُوِي عن عائشةَ، أنَّها قالت، في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} الآيةَ [فصلت: ٣٣] : نزلَتْ في المُؤَذِّنِينَ (١) .

  30. وحديثُ هذا البابِ ومثلُهُ يَشْهدُ (٢) بفَضْلِ رفع (٣) الصَّوتِ فيهِ.

  31. ولا أدرِي كيفِيَّةَ فَهم المواتِ والجَمادِ، كما لا أدرِي كيفِيَّةَ تَسْبِيحِها: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} الآيةَ [الإسراء: ٤٤] .

  32. {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: ٨٥] .

  33. وقد مَضَى في بابِ نافِع حُكمُ الأذانِ في السَّفرِ والحَضَرِ، وكيفِيَّةُ وُجُوبه، سُنّةً أو فرضًا على الكِفايةِ، ومَذاهِبُ العُلماءِ في ذلك كلِّهِ مُمهَّدًا، والحمدُ لله.

  34. حديثٌ ثالثٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ: أنَّهُ سمِعَ رجُلًا يَقْرأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يُردِّدُها، فلمّا أصبَحَ غَدا إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرَ ذلك لهُ، وكأنَّ الرَّجُلَ يَتَقالُّها، فقال لهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نَفْسي بيدِهِ، إنَّها لتَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ" .

    قال أبو عمر (٢) : هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عِندَ جَماعةِ رُواتِهِ فيما عَلِمتُ، لم يُتَجاوز به أبو سعِيدٍ، وليسَ بينهُ وبين النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيه (٣) أحدٌ (٤) ، وكذلك رواهُ يحيى القطّانُ وغيرُهُ عن مالكٍ.

    ج ١٢ ص ٢٠٥
  35. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عن مالكِ بن أنَسٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قال: كانَ رجُلٌ يُصلِّي من اللَّيلِ على عَهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ويَقرأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ويُردِّدُها، فذُكرَ ذلك الرَّجُلُ

    ج ١٢ ص ٢٠٦لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكأنَّهُ تَقالَّها (١) ، يقولُ: استقلَّها، فقال: "إنَّها لتَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ" (٢) .

  36. ورواهُ إسماعيلُ بن جَعفرٍ وإبراهيمُ بن المُختارِ، عن مالكٍ بإسنادِهِ، عن أبي سعِيدٍ، عن قتادةَ بن النُّعمانِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

  37. وقَتادةُ بن النُّعمانِ هُو أخُو أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ لأُمِّهِ (٣) ، وهُو رجُلٌ من كِبارِ الأنصارِ من بني ظَفرَ من (٤) الأوسِ، قد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٥) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا.

  38. وقد رُوِي أنَّ قَتادةَ هذا، هُو الرَّجُلُ الذي كان يَقْرأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، ويَتَقالُّها، على ما ذُكِر في هذا الحديثِ.

  39. ورَوَى ابنُ وَهْبِ، عن ابنِ لِهيعةَ، عن الحارِثِ بن يزِيد، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُ قال: باتَ قَتادةُ بن النُّعمانِ يقرأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتَّى أصبَحَ، فذُكِرَ ذلك لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، إنَّها لَتعدِلُ ثُلُث القُرآنِ" ، أو: "نِصفَهُ" (٦) .

    قال أبو عُمر: "أو نِصفهُ" شكّ من المُحدِّثِ، لا يجُوزُ أن يكونَ شكًّا من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، على أنَّها لفظةٌ غيرُ محفُوظةٍ في هذا الحَدِيثِ، ولا في غيرِهِ، والمحفُوظُ

    ج ١٢ ص ٢٠٧الثّابِثُ الصحِيحُ في هذا الحديثِ وغيرِهِ: "إنَّها لتعدِلُ ثُلُث القُرآنِ" . دُون شكٍّ، وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ الشَّكُّ من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، على مَذهبِ من تأوَّل في هذا الحديثِ، أنَّ الرَّجُلَ لم يزَلْ يُكرِّرُها ويُردِّدُها في لَيلتِهِ يقطَعُها بها، إذ كان لا يحفظُ غيرَها، فيما ذكرُوا، حتَّى بلغَ تَكرارُهُ لها وتَردادُهُ إيّاها مُوازاةَ حُرُوفِ ثُلُثِ القُرآنِ، أو نِصفِهِ.

  40. وهذا يُمكِنُ فيه الشَّكُّ، على هذا الوَجهِ، فلا يكونُ لها في ذاتِها فَضْلٌ على غيرِها؛ لأنَّها إنَّما عُدِلَتْ بثُلُثِ القُرآنِ، لبُلُوغ تَكْرارِها إلى ذلك ونحوِهِ، وهذا التَّأوِيلُ فيه بُعدٌ عن الظّاهِرِ جِدًّا، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ.