حميد الأعرج المكي
١٣٧ فقرة، ج ٢ ص ٢٥٠
الصفحة ٤ من ٤
- ج ٢ ص ٢٩٧
وقد ذكَرنا اختلافَ الناس في هذا الباب عندَ ذكرِ حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابنا هذا، وبيَّنّا الحجَّةَ لكلِّ فريقٍ منهم (٢) ، وبالله التوفيق.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المديني، قال: حدَّثنا سفيان (٣) ، عن الزُّهريِّ، عن أبي خِزامة، عن أبيه، أنّه قال: يا رسولَ الله،
ج ٢ ص ٢٩٨أرأيتَ رُقًى نَسترقيها، وتُقًى نتَّقيها، وأدويةً نتداوَى بها، هل تردُّ من القدَر - أو: تُغني من القدر - شيئًا؟ فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "إنَّها مِن القَدَر" (١) .
قال إسماعيل (٢) : ورواه يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، عن أبي خِزامةَ أحدِ بني الحارثِ بنِ سَعْد، عن أبيه، أنّه سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مثلَه سواء (٣) . هذا حدَّث به سُليمانُ بنُ بلال، عن يونُسَ.
- ج ٢ ص ٢٩٩
ورواه عثمانُ بنُ عُمر، عن يونسَ، عن الزُّهريِّ، عن أبي خزامةَ، أنَّ الحارثَ بنَ سعدٍ أخبرَه، أنَّ أباه أخبرَه (١) . قال إسماعيلُ: والصوابُ ما قاله سليمانُ، عن يونسَ.
قال أبو عُمر: ورواه يزيدُ بنُ زُريع، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن أبي خزامةَ، عن أبيه (٢) . كما قال ابنُ عُيَيْنة سواءً لم ينسُبْه.
-
ورواه حمادُ بنُ سَلَمة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن رجل من بني سعد، عن أبيه، قال: قلت: يا رسولَ الله، أرأيتَ رُقًى نسترقيها؟ مثلَه سواء (٣) ، لم يذكُرِ اسمَه ولا كنيتَه (٤) .
قال أبو عُمر: قد روَى ابنُ عبّاسٍ عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - نحوَ حديثِ أسماءَ بنتِ عُميسٍ في هذا الباب؛ حدَّثناه خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز. وأخبرناهُ (٥) عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد (٦) ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ جامع، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا وهيبٌ، قال: حدَّثنا ابنُ طاووس، عن
ج ٢ ص ٣٠٠أبيه، عن ابنِ عبّاس، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "العينُ حقٌّ، ولو كان شيءٌ يسبِقُ القَدَرَ لسبَقته العينُ، وإذا استُغْسِلْتُم فاغسِلُوا" (١) .
قال أبو عُمر: قوله: "وإذا استُغْسِلْتُم فاغسِلُوا" (٢) . يعني غُسْلَ العائنِ للمصابِ بالعين، وستَرى معنى ذلك مجوَّدًا إن شاءَ الله في كتابنا هذا، عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ شهاب، عن أبي أمامة، بعونِ الله تعالى.
-
أخبرنا عبدُ الرحمن (٣) ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرَني سفيانُ الثوريُّ، عن منصور، عن المِنْهال، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عبّاس، قال: كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - يُعوِّذُ حَسَنًا وحُسينًا: "أُعيذُكما بكلماتِ الله التّامّة، من كلِّ شيطانٍ وهامّة، ومن كلِّ عَيْنٍ لامّةٍ" . ثم يقول: "هكذا كان أبي إبراهيمُ (٤) يعوِّذُ إسماعيلَ وإسحاقَ" (٥) .
- ج ٢ ص ٣٠١
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدَّثنا سحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (١) : أخبرني مُعاويةُ بنُ صالح، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جُبير بنِ نُفير، عن أبيه، عن عوفِ بنِ مالكٍ الأشجعيِّ، قال: كنا نَرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسولَ الله، كيف ترَى في ذلك؟ فقال: "اعرِضُوا عليَّ رُقاكُم، لا بأسَ بالرُّقى ما لم يكنْ فيه (٢) شرك" .
قال أبو عُمر: وسيأتي للرُّقَى ذكرٌ في مواضعَ من هذا الدِّيوانِ على حَسَبِ تكرارِ أحاديثِ مالكٍ في ذلك، وفي كلِّ بابٍ منها نذكُرُ من الأثرِ ما ليسَ في غيره إن شاء اللهُ تعالى.
- ج ٢ ص ٣٠٢
حديث خامس لحُمَيْد بنِ قيسٍ يَدْخُل في المرفوع بالدَّليل
مالكٌ (١) ، عن حُميدِ بن قَيْسٍ المكيِّ، عن طاووسٍ اليَمَانيّ، أنَّ معاذَ بنَ جَبَلٍ الأنصاريَّ أخَذ من ثلاثينَ بقرةً تَبِيعًا، ومن أربعينَ بقرةً مُسِنَّة، وأُتيَ بما دونَ ذلك، فأبى أن يأخذَ منه شيئًا، وقال: لم أسمعْ من رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - فيه شيئًا (٢) ، حتى ألقاهُ فأسأله، فتُوفِّي رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - قبلَ أن يقدَمَ معاذُ بنُ جبل.
-
هذا الحديثُ ظاهرُه الوقوفُ على مُعاذِ بنِ جَبَل من قوله، إلّا أنَّ في قوله أنّه لم يسمَعْ من النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - فيما دونَ الثلاثينَ والأربعينَ من البقر شيئًا - دليلًا واضحًا على أنّه قد سَمع منه - صلى الله عليه وسلم - في الثلاثين والأربعين ما عَمِل به في ذلك، مع أنّه لا يكونُ مثلُه رأيًا وإنّما هو تَوقيفٌ ممّن أُمِر بأخذِ الزَّكاةِ من المؤمنين، يُطَهِّرُهم ويُزَكِّيهم بها - صلى الله عليه وسلم -، ولا خلافَ بينَ العلماءِ أنَّ السُّنَّة في زكاةِ البقَرِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما قال مُعاذ؛ في ثلاثينَ بقرةً تَبيعٌ، وفي أربعينَ مُسِنَّة. والتَّبِيعُ والتَّبِيعَةُ في ذلك عندَهم سواء؛ قال الخليلُ (٣) : التِّبِيعُ: العجلُ من وَلَدِ البقر.
-
وحديثُ طاووسٍ عندَهم عن مُعاذٍ غيرُ متَّصِل، ويقولون: إنَّ طاووسًا لم يسمعْ من معاذٍ شيئًا. وقد رواه قومٌ عن طاووس، عن ابن عبّاس، عن مُعاذ، إلّا أنَّ الذين أرْسلوه أثبَتُ من الذين أسنَدُوه.
-
أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
ج ٢ ص ٣٠٣أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو البزارُ، قال (١) : حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ (٢) بنِ شبُّويةَ المَرْوَزيُّ، قال: حدَّثنا حيْوَةُ بنُ شُريْح بنِ يزيد، قال: حدَّثنا بَقِيّة، عن المَسْعوديِّ، عن الحَكَم، عن طاووس، عن ابنِ عبّاس، قال: لمَا بعَث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مُعاذَ بنَ جبل إلى اليمن أمرَه أن يأخذَ من كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعًا أو تَبِيعَةً، جَذَعًا أو جَذَعةً، ومن كلِّ أربعين بقرةً مُسِنَّة، قالوا: فالأوقاصُ (٣) ؟ قال: ما أُمِرْتُ فيها بشيء، وسأسْألُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قَدِمتُ عليه. فلمّا قدِم على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سأله، فقال: "ليس فيها شيءٌ" (٤) .
قال أبو عُمر: لم يُسنِدْه عن المَسْعوديِّ عن الحَكَم غيرُ بَقِيّة بنِ الوليد، وقد اختلفوا في الاحتجاج بما ينفردُ به بَقِيّة عن الثقات، وله رواياتٌ عن مجهولينَ لا يُعرَّجُ عليهم، وقد رواه الحَسَنُ بنُ عُمارَة، عن الحَكَم، عن طاووس، عن ابنِ عبّاس، عن مُعاذٍ (٥) كما رواه بَقِيّة، عن المسعوديِّ، عن الحَكَم. والحَسَنُ مُجتَمَع على ضعفِه.
- ج ٢ ص ٣٠٤
وقد رُوِيَ عن معاذٍ هذا الخبرُ بإسنادٍ متصلٍ صحيح ثابتٍ من غير روايةِ طاووس؛ ذكَرَه عبدُ الرَّزّاق (١) ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ والثَّوريُّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذِ بنِ جبل، قال: بعَثه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، فأمرَه أن يأخُذَ من كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعًا أو تَبِيعَةً، ومن كلِّ أربعين مُسِنّةً، ومن كلِّ حالم دينارًا أو عَدْلَه مَعافِر (٢) .
-
وذكَر عبدُ الرَّزّاق (٣) أيضًا، عن مَعْمَرٍ والثَّوريِّ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصم بنِ ضَمْرَة، عن عليّ، قال: وفي البقرِ في كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعٌ حَوْلِيٌّ، وفي كلِّ أربعين مُسِنَّة.
- ج ٢ ص ٣٠٥
وكذلك في كتاب النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - لعَمْرو بن حَزْم، وكذلك في كتاب الصَّدَقات لأبي بكرٍ وعُمر، وعلى ذلك مَضى جماعةُ الخلفاء، ولم يختلفْ في ذلك العُلماءُ إلّا شيءٌ رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المسيِّب، وأبي قِلابة، والزُّهريِّ، وقتادة (١) ، ولو ثبَت عنهم لم يُلتفتْ إليه؛ لخلافِ الفقهاءِ له من أهل الرَّأي والأثرِ بالحجازِ والعراقِ والشام، وسائرِ أمصارِ المُسلمين إلى اليوم؛ للّذي جاءَ في ذلك عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - وأصحابه على ما في حديثِ مُعاذٍ هذا، وفيه ما يَردُّ قولَهم؛ لأنهم يُوجِبون في كلِّ خمسٍ من البقرِ شاةً إلى ثلاثين.
-
واختلفَ الفقهاءُ في هذا الباب فيما زادَ على الأربعين؛ فذهَب مالكٌ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، والثَّوريُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، والطَّبريُّ، وجماعةُ أهل الفقهِ من أهل الرَّأي والحديثِ إلى أنْ لا شيءَ فيما زادَ على الأربعين من البقَر حتى تبلغَ ستِّين، فإذا بلَغَت ستِّين ففيها تَبِيعان إلى سبعين، فإذا بلَغَت سبعينَ ففيها مُسِنّةٌ وتَبِيع إلى ثمانين، فتكونُ فيها مُسِنَّتانِ إلى تِسعين، فيكونُ فيها ثلاثةُ تَبابِيعَ إلى مئةٍ فيكونُ فيها تَبِيعان ومُسِنَّة، ثم هكذا أبدًا؛ في كلِّ ثلاثينَ تَبِيعٌ، وفي كلِّ أربعين مُسِنَّة (٢) .
-
وبهذا كلِّه أيضًا قال ابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحَسَن (٣) .
ج ٢ ص ٣٠٦وقال أبو حنيفة: ما زاد على الأربعين فبحساب ذلك (١) ، ويُعْتَبرُ (٢) ذلك على مذهبِه أن يكونَ في خمس وأربعين: مُسِنّةٌ وثمنٌ، وفي خمسين: مُسِنّةٌ وربعٌ (٣) ، وعلى هذا كلُّ ما زاد، قلَّ أو كثُر. هذه الروايةُ المشهورةُ عن أبي حنيفة.
-
وقد روَى أسدُ بنُ عَمْرو، عن أبي حنيفةَ مثلَ قول أبي يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعيّ، وسائرِ الفقهاء. وكان إبراهيمُ النَّخَعيُّ يقول: في ثلاثين بقرةً: تَبِيعٌ، وفي أربعين: مُسِنّةٌ، وفي خمسين: مُسِنّةٌ وربعٌ، وفي الستين: تَبِيعان. وكان الحَكَمُ وحَمّادٌ يقولان: إذا بلَغَت خمسين فبحسابِ ما زاد (٤) .
قال أبو عُمر: لا أقولُ في هذا الباب إلّا ما قاله مالكٌ ومن تابعَه، هم الجمهور، واللّه الموفِّق للصواب.
-
وذكَر عبدُ الرَّزّاق (٥) ، عن ابنِ جُرَيْج، قال: أخبرني عَمْرُو بنُ دينار أن طاووسًا أخبرَه أنَّ معاذًا قال: لستُ آخُذُ في أُوقاصِ البقَرِ شيئًا حتى آتيَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأمُرْني فيها بشيء.
قال ابن جُرَيْج: وقال عَمْرو بنُ شُعيب: إنَّ معاذَ بنَ جبل لم يزلْ بالجَنَدِ منذُ بعثَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمنِ حتى ماتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر، ثم قدِم على عُمرَ، فرَدَّه على ما كان (٦) عليه (٧) .
ج ٢ ص ٣٠٧قال أبو عُمر: الجَنَدُ من اليمنِ (١) وهو بلدُ طاووس، وتوفِّي طاووسٌ سنةَ ستٍّ ومئة (٢) ، وتوفِّي معاذ سنةَ خمسَ عشْرة، أو أربعَ عشْرةَ في طاعونِ عَمَواسَ بالشام. وقيل (٣) : سنةَ ثماني عشْرة. وهو الصحيح. وهو قولُ جمهورِهم في طاعونِ عَمَواسَ أنه سنةَ ثمانِ عشْرة، وفي طاعونِ عَمَواسَ ماتَ معاذ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجراح، ويزيدُ بنُ أبي سفيان، وقد ذكَرْنا خبرَه ووفاتَه في كتاب "الصحابة" (٤) ، والحمدُ لله على ذلك كثيرًا.