عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يكنى أبا محمد، رضي الله عنهم
٣٥٧ فقرة، ج ١٢ ص ٢٢٥
الصفحة ٨ من ٩
- ج ١٢ ص ٣٠٥
وهُو مذهبُ القاسم، والشَّعبِيِّ، وإبراهيمَ (١) .
وقال آخرُونَ، منهُم مالكٌ (٢) وأصحابُهُ: لا يجُوزُ أن يتطيَّبَ المُحرِمُ قبلَ إحرامِهِ بما تَبْقَى عليه رائحتُهُ بعدَ الإحرام، وإذا أحرمَ، حرُم عليه الطِّيبُ حتَّى يطُوفَ بالبيتِ.
-
وهذا مذهبُ عُمر بن الخطّابِ، وعُثمان بن عفّان، وعبدِ الله بن عُمر، وعُثمان بن أبي العاصِ. وبه قال عطاءٌ، والزُّهرِيُّ، وسعِيدُ بن جُبيرٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِين. وإليه ذهب محمدُ بن الحسنِ صاحِبُ أبي حنِيفةَ، وهُو اختِيارُ الطَّحاوِيِّ (٣) .
-
وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهب من جِهَةِ الأثرِ: حديثُ يَعْلَى بن أُميَّةَ (٤) ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ أمرَ الرَّجُل الذي أحرمَ بعُمرةٍ وعليهِ طِيبٌ خَلُوقٌ أو غيرُهُ، وعليه جُبَّةٌ: أن ينزعَ عنهُ الجُبَّةَ، ويغسِلَ الطِّيب. وادَّعوُا الخُصُوصَ في حديثِ عائشةَ؛ لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان أملكَ النّاسِ لإربِهِ، ولأنَّ ما يُخافُ على غيرِهِ من تَذكُّرِ الجِماع الممنُوع منهُ في الإحرام، مأمُونٌ منهُ - صلى الله عليه وسلم -. وقالوا: لو كانَ على عُمُومِهِ للنّاسِ عامَّةً، ما خَفِيَ على عُمر، وعُثمانَ، وابنِ عُمرَ، مع عِلْمِهِم بالمناسِكِ وغيرِها، وجَلالتِهِم في الصَّحابةِ، ومَوضِعُ عطاءٍ من عِلم المناسِكِ مَوضِعُهُ، ومَوْضِعُ الزُّهرِيِّ من عِلم الأثرِ مَوْضِعُهُ (٥) .
-
ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ جُريج، عن عطاءٍ، قال: أخبَرني صفوانُ بن يَعْلى، أنَّ يعلَى كان يقولُ لعُمر: أرِني نَبِيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - حِين يُنزَّلُ
ج ١٢ ص ٣٠٦عليهِ، فلمّا كان بالجِعرانةِ، وعلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثوب أُظِلَّ به عليهِ، معَ (١) خمسةِ ناسٍ من أصحابِهِ، منهُم: عُمرُ بن الخطّابِ، إذ جاءَ رجُلٌ عليهِ جُبَّةٌ، مُتضمِّخٌ بطِيبٍ، فقال: يا رسُولَ الله، كيفَ تَرى في رجُلٍ أحرمَ بعُمرةٍ في جُبَّةٍ، بعدَ ما تضمَّخَ بطِيبٍ؟ فسكَتَ ساعةً، فجاءَهُ الوَحْيُ، فأشارَ عُمرُ إلى يَعْلَى بيدِهِ: أن تعال، فجاءَ وأدخَلَ رأسهُ، فإذا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحمرُّ الوَجْهِ يغِطُّ كذلك ساعةً، ثُمَّ سرِّيَ عنهُ، فقال: "أين السّائلُ عن العُمرةِ آنِفًا؟ " . فالتُمِسَ الرَّجُلُ، فأُتي به، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أمّا الطِّيبُ الذي بكَ فاغسِلهُ عنكَ ثلاث مرّاتٍ، وأمّا الجُبَّةُ فانْزِعها، ثُمَّ اصنَعْ في عُمرتِكَ، ما تَصْنعُ في حجِّك" (٢) .
قال ابنُ جُريج: كان عَطاءٌ يأخُذُ في الطِّيبِ للمُحرِم بهذا الحديثِ. قال ابنُ جُريج (٣) : وكان عَطاءٌ يكرَهُ الطِّيبَ عِندَ الإحرام، ويقولُ: إن كانَ به شيءٌ منهُ، فليَغْسِلهُ وليُنقِّهِ، وكان يأخُذُ بشأنِ صاحِبِ الجُبَّةِ. قال ابنُ جُريج: وكان شأن صاحِبِ الجُبَّةِ قبلَ حجَّةِ الوداع، والآخِرُ فالآخِرُ من أمرِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحقُّ أن يُتَّبعَ (٤) .
قال أبو عُمر: مذهبُ ابنِ جُرَيج في هذا البابِ، خِلافُ مذهبِ عَطاءٍ، وحُجَّتُهُ أنَّ الآخِرَ ينسخُ الأوَّل، حُجَّةٌ صحِيحةٌ، ولا خِلافَ بينِ جماعةِ أهلِ العِلم بالسِّيرِ والأثرِ أنَّ قِصَّةَ صاحِبِ الجُبَّةِ كانت عامَ حُنينٍ بالجِعرانةِ، سنةَ ثمانٍ،
ج ١٢ ص ٣٠٧وحَدِيثُ عائشةَ عامَ حِجَّةِ الوَداع، وذلك سنةَ عشرٍ، فإذا لم يَصِحَّ الخُصُوصُ في حديثِ عائشةَ، فالأمرُ فيه واضِحٌ جِدًّا.
-
وقد ذكَرْنا خبر يعلى بن أُميَّةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في قِصَّةِ صاحِبِ الجُبَّةِ، من طُرُقٍ شتَّى في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ من كِتابِنا هذا، وذكَرْنا هُناك كثِيرًا من اعتِلالِ الطّائفتينِ للمَذهبينِ، والحمدُ للّه.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن معمرٍ، أنَّهُ أخبرهُ عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: وجد عُمرُ بن الخطّابِ طِيبًا وهُو بالشَّجرةِ، فقال: ما هذا الرِّيحُ؟ فقال مُعاويةُ: مِنِّي، طيَّبتني أُمُّ حبِيبةَ زوجُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فتغيَّظ عليه عُمرُ، وقال: مِنكَ! لعمرِي أقسمتُ عليكَ لترجِعنَّ إلى أُمِّ حبِيبةَ فلتغسِلَنَّهُ عنكَ كما طيَّبتكَ (١) .
-
وكان الزُّهرِيُّ يأخُذُ بقولِ عُمر فيهِ.
-
ورَوَى مالكٌ (٢) ، عن نافِع، عن أسلمَ مولى عُمرَ، عن عُمرَ: أنَّهُ وجدَ رِيح طِيبٍ وهُو بالشَّجَرةِ، فذكرَ مِثلهُ.
-
ورواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، عن أسلمَ، عن عُمر مِثلهُ سواءً، وزاد: قال: فرجَعَ مُعاويةُ إليها، حتَّى لحِقَهُم ببعضِ الطَّرِيقِ (٣) .
-
ومالكٌ (٤) ، عن الصَّلتِ بن زُيَيدٍ (٥) ، عن غيرِ واحِدٍ من أهلِهِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ وجدَ رِيح طِيبٍ، وهُو بالشَّجرةِ، وإلى جَنبِهِ كثِيرُ بن الصَّلتِ، فقال عُمرُ:
ج ١٢ ص ٣٠٨ممَّن هذه الرِّيحُ؟ فقال كثِيرٌ: مِنِّي، لبَّدتُ رأسِي، وأردتُ أن أحلِقَ. قال عُمرُ: فاذهَبْ إلى شَرَبةٍ فادلُك رأسكَ حتَّى تُنقِيهُ. ففعل كثِيرُ بن الصَّلتِ.
قال أبو عُمر: الشَّرَبةُ، مُسْتَنقعُ الماءِ عِندَ أُصُولِ الشَّجرِ، حوضٌ يكونُ مِقدار ريِّها.
وقال ابنُ وَهْبٍ: هُو الحوضُ حولَ النَّخلةِ، يجتمِعُ فيها الماءُ.
-
وأنشدَ أهلُ اللُّغةِ في هذا المعنى، من شاهِدِ الشِّعرِ قول زُهَيرٍ (١) :
يَنْهضَنْ من شَرَباتٍ ماؤُها طَحِلٌ ... على الجُذُوع يخَفْنَ الغمَّ والغَرَقا
وهذا ممّا عِيبَ على زُهيرٍ، وقالوا: أخطأ، لأنَّ خُرُوج الضَّفادِع من الماءِ ليسَ مخَافةَ الغرقِ، وإنَّما ذلك لأنَّهُنَّ يبِضْنَ على شُطُوطِ الماءِ.
-
ومن هذا قولُ كُثيِّرِ عزَّةَ (٢) :
من الغُلبِ (٣) من عُضْدانِ هامةَ شُرِّبَت ... لسَقْيٍ وجمَّت للنَّواضِح بيرُها
فمعنى قولِه: شُرِّبت: أي جُعِلت لها شَرَبٌ، والعَضِدُ، والعُضُدُ، والعُضدانِ، قالوا: بناتُ النَّخلِ، والشَّرباتُ: جمعُ شَرَبةٍ، والشُّربُ: جمعُ شُربٍ.
-
وذكر أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤) : حدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن قَيْسٍ، عن بُشَيْر بن يَسارٍ الأنصارِيِّ، قال: لمّا أحْرَمُوا، وجدَ عُمرُ رِيح طِيبٍ، فقال:
ج ١٢ ص ٣٠٩فقال: ممَّن هذه الرِّيحُ؟ فقال البَراءُ بن عازِبٍ: مِنِّي يا أمِيرَ المُؤمِنِين. قال: قد عَلِمنا أنَّ امرأتكَ عَطِرةٌ (١) أو عِطّارةٌ، إنَّما الحاجُّ الأدْفَرُ (٢) الأغْبَرُ.
قال (٣) : وحدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن الزُّهرِيِّ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ دعا بثوبٍ، فأُتي بثوبٍ فيه رِيحُ طِيبٍ، فردَّهُ.
-
ومالكٌ (٤) ، عن نافِع وعبدِ الله بن دِينارٍ، عن عبدِ الله بن عُمر، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ خطَبَ النّاس بعرَفةَ، وعلَّمهُم أمرَ الحجِّ، وقال لهم فيما قال: إذا جِئتُم مِنًى، فمن رَمَى الجمرةَ، فقد حلَّ لهُ ما حرُمَ على الحاجِّ، إلّا النِّساءَ والطِّيب (٥) ، لا يَمَسَّن أحدٌ نِساءً ولا طِيبًا حتَّى يطُوفَ بالبيتِ.
-
وكِيعٌ، عن شُعبةَ، عن سَعْدِ بن إبراهيمَ، عن أبيهِ: أنَّ عُثمانَ رضِي الله عنهُ رأى رجُلًا قد تَطيَّبَ عِندَ الإحرام، فأمَرهُ أن يَغسِلَ رأسهُ بطِينٍ (٦) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: أخبَرنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٧) : أخبَرنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، عن وَكِيع، عن مِسْعَرٍ وسُفيانَ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن المُنتشِرِ، عن أبيهِ، قال: سَمِعتُ ابن عُمرَ
ج ١٢ ص ٣١٠يقولُ: لأن أُصبِحَ مَطْلِيًّا بقَطِرانٍ، أحبُّ إليَّ من أن أُصبِحَ مُحرِمًا أنضخُ طِيبًا. فدخلتُ على عائشةَ فأخبرتُها بقولِهِ، فقالت: طيَّبتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فطافَ في نِسائهِ، ثُمَّ أصبَحَ مُحرِمًا.
قال (١) : وأخبَرنا حُميدُ بن مَسْعدةَ، عن بِشْرِ بن المُفضَّلِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن المُنتشِرِ، عن أبيهِ، قال: سألتُ ابن عُمرَ عن الطِّيبِ عِندَ الإحرام، فقال: لأن أُطْلَى بالقَطِرانِ، أحبُّ إليَّ من ذلك، فذكرتُ ذلك لعائشةَ، فقالت: يَرْحمُ الله أبا عبدِ الرَّحمنِ، قد كُنتُ أُطيِّبُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فيطُوفُ على نِسائهِ، ثُمَّ يُصبِحُ يَنْضخُ طِيبًا.
-
قد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في معنى قولِهِ في هذا الحديثِ: ينضخُ طِيبًا. وتَقصَّينا القولَ في الطِّيبِ للمُحرِم، بما في ذلك من الاعتِلالِ، والنَّظرِ، ومعاني الأثرِ مُمهَّدًا، ذلك كلُّهُ في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ من كِتابِنا هذا، فلا معنًى لإعادةِ ذلك هاهُنا.
-
وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، قال: كان ابنُ عُمرَ يَترُكُ المُجْمَرَ قبلَ الإحرام بجُمعتينِ (٢) .
-
وأبو بكرٍ، قال (٣) : حدَّثنا عبدُ الأعلى، عن بُردٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر: أنَّهُ كان إذا أراد أن يُحرِمَ، تركَ إجمار ثِيابِهِ قبل ذلك بخمسَ عشْرةَ.
قال (٤) : وحدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ القطّانُ، عن ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ: أنَّهُ كرِهَ الطِّيبَ عِندَ الإحرام، وقال: إن كانَ به منهُ شيءٌ، فليغسِلهُ وليُنقِّهِ.
ج ١٢ ص ٣١١قال (١) : وحدَّثنا عبدُ الله بن نُميرٍ، عن عبدِ الملكِ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ: أنَّهُ كان يَكْرهُ للمُحرِم حِينَ يُحرِمُ أن يدَّهِن بدُهنٍ فيه مِسكٌ، أو أفواهٌ (٢) ، أو عَنْبرٌ (٣) .
قال (٤) : وحدَّثنا عبدُ الأعلى، عن هشام، عن محمدٍ: أَنَّهُ كان يَكْرهُ أن يتطيَّبَ الرَّجُلُ عِندَ إحرامِهِ.
قال (٥) : وحدَّثنا عبدُ الأعلى، عن هشام، عن الحَسَنِ مِثل ذلك، ومحبُّ أن يجيء (٦) أشعَثَ أغبَرَ.
قال أبو عُمر: قد أجمعُوا على أَنَّهُ لا يجُوزُ للمُحرِم بعدَ أن يُحرِمَ، أن يَمسَّ شيئًا من الطِّيبِ، حتَّى يَرْمِي جمرةَ العَقَبةِ.
-
واختَلَفُوا في ذلك إذا رَمَى جَمْرةَ العقبةِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ، على ما ذكَرْنا.
-
وأجمعُوا أنَّهُ إذا طافَ بالبيتِ طوافَ الإفاضَةِ يومَ النَّحرِ، بعدَ رميِ جَمْرةِ العَقَبةِ: أنَّهُ قد حلَّ لهُ الطِّيبُ، والنِّساءُ، والصَّيدُ، وكلُّ شيءٍ، وتمَّ حِلُّهُ، وقَضَى حجَهُ.
-
وهاهُنا مسائلُ كثِيرةٌ، للعُلماءِ فيها تنازُعٌ على أُصُولِهِم، هي فُرُوعٌ ليس من شَرْطِنا ذِكرُها.
-
وفي هذا البالبِ للفُقهاءِ حُجَجٌ من جِهَةِ النَّظرِ، قد ذكَرْنا منها ما عليهِ مَدارُ
ج ١٢ ص ٣١٢البابِ، عِندَ ذِكرِ حديث حُميدِ بن قيسٍ، عن عطاءٍ، في قِصَّةِ الأعرابيِّ صاحِبِ الجُبَّةِ (١) . لا وجهَ لإعادَتِها هاهُنا.
-
وجُملةُ القَولِ على مذهبِ مالكٍ في هذا البابِ: أنَّ الطِّيبَ عِندَهُ للإحرام، وبعدَ العَقَبةِ ليس بحرام، وإنَّما هُو مَكرُوهٌ. ومالَ فيه إلى اتِّباع عُمرَ، وابنِ عُمرَ، لقُوَّةِ ذلك عِندهُ، وباللّه التَّوفِيقُ.
-
ذكر مالكٌ (٢) ، عن يحيى بن سعِيدٍ، وعبدِ الله بن أبي بكرٍ، وربِيعةَ: أنَّ الولِيدَ بن عبدِ الملكِ سألَ سالم بن عبدِ الله، وخارِجةَ بن زيدِ بن ثابتٍ، بعدَ أن رَمَى الجَمْرةَ، وحلَقَ رأسهُ، وقبلَ أن يُفِيضَ، عن الطِّيبِ، فنهاهُ سالمٌ، وأرخصَ لهُ خارِجةُ.
-
ورَوَى جماعةٌ عن مالكٍ: أنَّهُ أخذَ في هذه المسألةِ بقولِ خارِجةَ، ولم يَرَ على من تطيَّبَ بعدَ رَمْيِ جَمْرةِ العَقَبةِ، وقبلَ أن يطُوفَ طوافَ الإفاضَةِ شيئًا، وإن كان يُكرَهُ لهُ ذلك.
-
وأخْذُهُ في هذا بقولِ خارِجةَ، تركٌ لقولِ عُمرَ ومذهبِهِ في ذلك؛ لأنَّ عُمرَ قال: من رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، فقد حلَّ لهُ كلُّ شيءٍ إلّا النِّساءَ، والطِّيب. ومَعلُومٌ أنَّهُ إذا لم يحِلَّ لهُ الطِّيبُ، فهُو حرامٌ عليه، وتلزمُهُ الفِدْيةُ إن تطيَّبَ قبلَ الإفاضةِ، على مَذهبِ عُمرَ.
-
وقد خالَفَ مالكٌ عُمرَ أيضًا، في معنى حديثهِ هذا؛ لأنَّ مالكًا يقولُ: لا يحِلُّ الاصْطِيادُ لمن رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، حتَّى يطُوفَ طوافَ الإفاضَةِ (٣) . وقد قال عُمرُ: إلّا النِّساءَ والطِّيب. ولم يَقُل: والصَّيد.
- ج ١٢ ص ٣١٣
وزعمَ بعضُ أصحابِ مالكٍ: أنَّ ذلك المَوْضِع لم يَكُن مَوْضِع صيدٍ، فلذلك اسْتَغنى عن ذِكرِهِ عُمرُ رحِمهُ الله، وحُجَّةُ مالكٍ، قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: ٢] . ومن لم يُفِضْ، لم يحِلَّ كلَّ الحِلِّ، لأنَّهُ حَرامٌ من النِّساءِ عِندَ الجميع.
وقال الشّافِعيُّ (١) وجماعةٌ: من رمى جمرةَ العَقَبة، فقد حلَّ لهُ كلُّ شيءٍ، إلّا النِّساءَ.
قال أبو عُمر: فإذا طافَ طوافَ الإفاضَةِ، فقد تمَّ حَجُّهُ، وحلَّ لهُ كلُّ شيءٍ بإجماع، وإنَّما رخَّص الشّافِعيُّ، ومن تابَعهُ في الطِّيبِ، لمن رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، لحديثِ عائشةَ: طيَّبتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامِهِ قبلَ أن يُحرِمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ. تُرِيدُ بعدَ رَمْيِ جَمْرةِ العَقَبةِ. ورخَّصَ في الصَّيدِ، من أجلِ قولِ عُمرَ: إلّا النِّساءَ، والطِّيب. ولم يقُل: والصَّيد. وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: ٢] . ومن رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، فقد حلَّ لهُ الحِلاقُ والتَّفثُ كلُّهُ بإجماع (٢) .
-
وفي هذه المسألةِ ضُرُوبٌ من الاعتِلالِ تركتُها، واللّه المُستعانُ.
- ج ١٢ ص ٣١٤
حديثٌ سابغٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ صفِيَّةَ بنت حُييٍّ حاضَتْ، فذَكرُوا ذلك للرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أحابِستُنا هي؟ " فقيلَ (٢) : إنَّها قد أفاضَتْ. قال: "فلا إذَنْ" .
-
صفِيَّةُ هذه بنتُ حُييِّ بن أخْطَبَ، إحْدَى أزواج النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قد ذكَرْناها وأخبارها في كِتابِ النِّساءِ من كِتابِ "الصَّحابةِ" (٣) .
-
وقد مَضَى القولُ في مَعاني هذا الحديثِ، وما فيه للسَّلفِ والخَلَفِ من المذاهِبِ والوُجُوهِ، في بابِ عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن أبيهِ. من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا إن شاء اللهُ تعالى (٤) .
- ج ١٢ ص ٣١٥
حديثٌ ثامنٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ: أنَّها ولدَتْ محمد بن أبي بكرٍ بالبَيْداءِ، فذكرَ ذلك أبو بكرٍ لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "مُرْها فلتَغْتسِل، ثُمَّ لتُهلَّ" .
قال أبو عُمر (٢) : هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" مُرسلًا عِندَ جماعةِ الرُّواةِ، عن مالكٍ، لم يختلِفُوا فيه فيما عَلِمتُ، إلّا أنَّ بعضَ رُواةِ "المُوطَّأ" يقولُ فيهِ: عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، أنَّ أسماءَ. منهم (٣) : أبو مُصعَب، وأبو بُكَيْر، وابن مَهْدي، ويحيى بن يحيى النَّيسابوري (٤) ، وبعضُهُم يقولُ فيهِ: عن أسماءَ: أنَّها ولدت. والقاسمُ لم يلقَ أسماءَ بنت عُمَيسٍ، فهُو مُرسل في رِوايةِ مالكٍ.
-
وقد أسنده وجَوّده سُليمانُ بن بلالٍ (٥) ؛ حدَّثنا (٦) سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مخلدٍ، عن سُليمانَ بن بلال، قال: حدَّثني يحيى بن سعِيدٍ، قال: سمِعتُ القاسم بن محمدٍ، يُحدِّثُ عن أبيهِ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ: أنَّهُ خرَجَ حاجًّا معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ومَعهُ امرأتَهُ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ، فولدَتْ بالشَّجَرَةِ (٧) محمد بن
ج ١٢ ص ٣١٦أبي بكرٍ، فأتَى أبو بكرٍ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأخبَرهُ، فأمَرهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمُرها أن تَغتسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ بالحجِّ، ثُمَّ تصنَعَ ما يصنعُ النّاسُ، إلّا أنَّها لا تطُوفُ بالبيتِ (١) .
-
وقد رُوِي عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ أيضًا من وُجُوهٍ صِحاح، وهُو أيضًا مُرسل. ومنهُم من يجعلُ حديث سعِيدٍ من قولِ أبي بكرٍ.
-
كذلك رواهُ ابنُ عُيينةَ، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ ويحيى بن سعِيدٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ أسماءَ بنت عُمَيسٍ نُفِسَتْ بذي الحُليفةِ بمُحمدِ (٢) بن أبي بكرٍ، فأمَرَها أبو بكرٍ أن تغتسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ (٣) .
-
ورواهُ ابنُ وَهْبٍ (٤) ، عن اللَّيثِ بن سعدٍ، ويُونُس بن يزِيد، وعمرِو بن الحارِثِ، أنَّهُم أخبَرُوهُ عن ابنِ شِهابِ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمرَ أسماءَ بنت عُمَيسِ أم (٥) عبدِ اللهَ بن جَعْفرٍ، وكانت عارِكًا (٦) ، أن تغتسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ بالحجِّ. قال ابنُ شِهابٍ: فلتَفْعلِ المرأةُ في العُمْرةِ ما تفعلُ في الحجِّ.
-
ورُوِي هذا الحديثُ مُتَّصِلًا من وُجُوهٍ حِسانٍ (٧) من حديثِ عائشةَ، وجابرٍ، وابنِ عُمر.
- ج ١٢ ص ٣١٧
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ، عن عُبيدِ الله، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: نُفِسَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ بمُحمدِ (٢) بن أبي بكرٍ بالشَّجَرةِ، فأمَرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكرٍ أن تَغْتسِلَ (٣) ، وتُهِلَّ.