عبد الكريم بن مالك الجزري
٢٢ فقرة، ج ١٢ ص ٤٠١
- ج ١٢ ص ٤٠١
لمالكٍ عنهُ حدِيثٌ واحِدٌ
وعبدُ الكرِيم (١) بن مالكٍ هذا يُكْنَى أبا سعِيدٍ، يُقالُ: مولى قَيْسِ عيلان. وقيل: مولى بني أُميَّةَ. وقيلَ: مولى محمدِ بن مروان بن الحَكَم. وهذا هُو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّه.
-
كان عبدُ الكرِيم هذا أصلُهُ من إصطخر، فانتقلَ إلى حرّان وسَكَنها إلى أن ماتَ بها سنةَ سبع وعِشرِينَ ومئةٍ، وهُو مَعدُودٌ في أهَّلِ الجزِيرةِ، نُسِب إلى البلدةِ، وهُو ابن عمِّ خُصَيفٍ الجَزَرِيِّ لحًّا (٢) .
-
وكان عبدُ الكرِيم هذا ثِقةً مأمُونًا، مُحدِّثًا كثِيرَ الحدِيثِ، روى عنهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، منهُم: شُعبةُ، ومالكٌ، والثَّورِيُّ، وابنُ عُيينةَ.
-
ويُروى أَنَّهُ رأى أنس بن مالكٍ، رواهُ عبدُ اللَّه بن جعفرٍ الرَّقِّيُّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عَمرٍو الرَّقِّيِّ، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ، قال: رأيتُ أنس بن مالكٍ يطُوفُ بالبيتِ وعليه ثوبُ خزٍّ (٣) .
وقال الثَّورِيُّ: ما رأيتُ أفضلَ منهُ، كان يُحدِّثُنا بالشَّيءِ لا يُوجَدُ إلّا عِندهُ، فلا نَعْرفُ ذلك فيه.
وقال ابن عُيينةَ: عبدُ الكرِيم الجَزرِيُّ ثقةٌ (٤) رِضًى، لا يقولُ إلّا: حدَّثنا، أو: سمِعتُ.
-
وقال عليُّ بن المدِينيِّ ويحيى بن معِينٍ وأحمدُ بن حنبلٍ: عبدُ الكرِيم الجزرِيُّ ثِقةٌ.
- ج ١٢ ص ٤٠٢
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الكرِيم بن مالكٍ الجَزَرِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كعبِ بن عُجرةَ، أَنَّهُ كان معَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُحرِمًا، فآذاهُ القَمْلُ في رأسِهِ، فأمَرَهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يحلِقَ رأسهُ، وقال لهُ: "صُم ثلاثةَ أيام، أو أطعِم سِتّة مساكِينَ مُدَّينِ مُدَّينِ، لكلِّ إنسانٍ، أوِ انسُك بشاةٍ، أيَّ ذلك فعلتَ، أجْزَأ عنكَ" .
قال أبو عُمر: هكذا روى يحيى هذا الحدِيث عن مالكٍ، عن عبدِ الكرِيم الجزرِيِّ، عن ابن أبي ليلى.
-
وتابَعهُ أبو المُصعبِ (٢) ، وابنُ بكير (٣) ، والقَعْنبِيُّ (٤) ، ومُطرِّفٌ (٥) ، والشّافِعيُّ (٦) ، ومعنُ بن عِيسى، وسعِيدُ بن عُفَيرٍ، وعبدُ اللَّه بن يُوسُف التَّنِّيسِيُّ (٧) ، وأشْهَب، وأبو قُرَّة موسى بن طارق (٨) ، ومُصعبٌ الزُّبيرِيُّ (٩) ، ومحمدُ بن المُباركِ الصُّورِيُّ.
-
كلُّ هؤُلاءِ رَوَوهُ عن مالكٍ كما رواهُ يحيى، لم يذكُرُوا مُجاهِدًا في إسنادِ هذا الحدِيثِ.
- ج ١٢ ص ٤٠٣
ورواهُ ابن وَهْب (١) ، وابنُ القاسم (٢) ، ومكِّيُّ بن إبراهيم (٣) ، وعبد الرَّحمن بن مَهْديٍّ (٤) ، وبِشْرُ بن عُمر، والوليدُ بن مُسلم، واسحاقُ بن سليمانَ الرّازيُّ، ومحمدُ بن الحسنِ الشَّيبانيُّ (٥) ، وغيرهم (٦) عن مالكٍ، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ، عن مُجاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كَعْبِ بن عُجرةَ.
-
وذكر الطَّحاوِيُّ (٧) : أنَّ القَعْنبِيَّ (٨) رواهُ هكذا كما رواهُ ابن وَهْبٍ وابنُ القاسم، فذكرَ فيه مُجاهِدًا.
قال أبو عُمر: الصَّوابُ في إسنادِ هذا الحدِيثِ، قولُ من جعلَ فيه مُجاهِدًا بينَ عبدِ الكرِيم وبين ابن أبي ليلى، ومن أسْقَطهُ، فقد أخطأ فيه، واللَّهُ أعلمُ.
-
وزعمَ الشّافِعيُّ: أنَّ مالكًا هُو الذي وَهِمَ فيه، فرواهُ عن عبدِ الكرِيم، عن ابن أبي ليلى، وأسقطَ من إسنادِهِ مُجاهِدًا.
قال أبو عُمر: وعبدُ الكرِيم لم يلقَ ابن أبي ليلى، ولا رآهُ، والحدِيثُ محفُوظ لمُجاهِدٍ عن ابن أبي ليلى، من طُرُقٍ شتَّى صِحاح كلُّها، وهذا عِندَ أهلِ الحدِيثِ أبينُ من أن يُحتاجَ فيه إلى استِشهادٍ، وتُوُفِّي مُجاهِدُ بن جبرٍ، ويُقالُ: ابن جُبَيرٍ، والأكثرُ يقولُونَ: ابن جبرٍ، سنةَ ثلاثٍ ومئةٍ، وهُو ابن ثلاثٍ وثمانِين سنةً، ويقولُونَ: إنَّهُ ماتَ ساجِدًا.
- ج ١٢ ص ٤٠٤
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِقٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن طهمانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن مُجاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كعبِ بن عُجرةَ الأنصارِيِّ، أنَّهُ حدَّثهُ: أنَّهُ كان أهلَّ في ذِي القعدَةِ، وأنَّهُ قُمِلَ رأسُهُ، فأتَى عليه رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهُو يُوقِدُ تحتَ قِدْرٍ لهُ، فقال لهُ: "كأنَّكَ يُؤذِيك هوامُّ رأسِكَ؟ " قال: أجَل. قال: "احلِقْ رأسَكَ (١) ، واهْدِ هديًا" . فقال: ما أجِدُ هديًا. قال: "فأطعِم سِتّةَ مساكِينَ" . فقال: ما أجِدُ. فقال: "صُمْ ثلاثةَ أيّام" . قال: فحَلَقتُ وصُمتُ (٢) .
قال أبو عُمر: في رِوايةِ أبي الزُّبيرِ لهذا الحدِيثِ عن مُجاهِدٍ، وهُو تابِعٌ مِثلُهُ، ما يدُلُّكَ على أَنَّهُ حدِيثٌ احتِيجَ فيه إلى مُجاهِدٍ.
-
وهُو معرُوفٌ به عِندَ الحِجازِيِّين.
-
وقد رَوَى عن مُجاهِدٍ هذا الحديثَ جماعةٌ جِلَّةٌ، منهُم: أيُّوبُ السَّختِيانِيُّ (٣) ، وابنُ أبي نَجِيح، وحُميدُ بن قيسٍ (٤) ، وغيرُهُم.
-
وأمّا رِوايةُ إبراهيمَ بن طَهْمانَ لهذا الحدِيثِ على التَّرتِيبِ، فلم يُتابَع عليها في رِوايةِ مُجاهِدٍ لهُ، واللَّهُ أعلمُ.
-
ورِوايةُ من روى فيه التَّخيِير أكثرُ.
-
وقد ذكَرْنا كثِيرًا من طُرُقِ هذا الحدِيثِ، في بابِ حُميدِ بن قيسٍ، وسيأتي منها كثِيرٌ أيضًا في بابِ عطاءٍ الخُراسانِيِّ إن شاءَ اللَّه.
- ج ١٢ ص ٤٠٥
وقد رَوَى هذا الحدِيث مكِّيُّ بن إبراهيمَ، عن مالكٍ، كما رواهُ ابن وَهْبٍ، وابنُ القاسم:
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن عليِّ بن أبي (١) طالِبٍ البَغدادِيُّ أبو القاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن دَرَستُوية الفارسيُّ النَّحوِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحُباب (٢) ، قال: حدَّثنا مكِّيُّ بن إبراهيمَ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن عبدِ الكرِيم الجَزرِيِّ، عن مُجاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كَعْبِ بن عُجرةَ، أنَّهُ كانَ مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُحرِمًا. فذكرَ الحدِيث كما تقدَّمَ عن مالكٍ حرفًا بحرفٍ.
-
وقد ذكَرْنا ما في هذا الحدِيثِ من الأحكام والمعاني، في بابِ حُميدِ بن قيسٍ من كِتابِنا هذا، فلا مَعنَى لتكرِيرِ ذلك هاهُنا.
-
ولفظُ حدِيثِ مالكٍ هذا عن عبدِ الكرِيم مُستَعملٌ عِندَ جميع العُلماء، فيمَن حلقَ رأسهُ من أذًى وضرُورةٍ، لا يختلِفُونَ في شيءٍ منهُ.
-
وقد رُوِي هذا الحدِيثُ بألفاظٍ مُختلِفةٍ، ومَعانٍ في بعضِها تفاوُتٌ، وقد ذكَرْنا ذلك كلَّهُ أو أكثرهُ، وذكَرْنا تنازُع العُلماءِ فيه في بابِ حُميدِ بن قيسٍ، والحمدُ للَّه.
-
وحدِيثُ مالكٍ هذا أحسنُ ما نُقِلَ عن كَعْبِ بن عُجرةَ في قِصَّتِهِ هذه؛ لأنَّ ما فيه لمن حلَقَ من ضرُورةٍ، قدِ اتَّفقَ العُلماءُ عليه، إلّا أنَّ اختِلافهُم في مَوْضِع الدَّم والإطعام أيضًا، على ما قدَّمنا في بابِ حُميدِ بن قيسٍ، وفي نَحْرِ عليِّ بن أبي طالِبِ عن ابنِهِ الحُسينِ بالسُّقيا جزُورًا، حِين حلَقَ رأسهُ من المَرضِ الذي أصابهُ (٣) ، ما تسكُنُ النَّفسُ إليه، لظُهُورِهِ وعُلُوِّهِ، وباللَّه التَّوفِيقُ.