عامر بن عبد الله بن الزبير
٦٤ فقرة، ج ١٢ ص ٤٤٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ١٢ ص ٤٤٠
لمالكٍ عنهُ حدِيثانِ
وهُو عامرُ (١) بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ بن العوّام بن خُويلِدِ بن أسَدٍ القُرَشِيُّ الأسدِيُّ، يُكْنَى أبا الحارِثِ. كذلك قال الزُّبيرُ بن بكّارٍ وغيرُهُ.
-
وكان ثِقةٌ فاضِلًا ناسِكًا، من العُبّادِ المُنقطِعِين.
-
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بن أبي بكرٍ، قال (٢) : حدَّثني عيّاشُ بن المُغِيرةِ، قال كان عامرُ بن عبدِ اللَّه إذا شهِدَ جنازةً، وقفَ على القَبرِ فقال: ألا أراكَ ضيِّقًا، ألا أراكَ مُظلِمًا، لَأتأهَّبنَّ لكَ (٣) أُهبتكَ، فأوَّلُ شيءٍ تراهُ عيناهُ (٤) ، يَتَقرَّبُ به إلى ربِّهِ، فلقد كان رقِيقُهُ يتعرَّضُونَ لهُ عِندَ انصِرافِهِ من الجنائزِ ليعتِقهُم.
قال (٥) : وحدَّثني محمدُ بن الضَّحّاكِ الحِزامِيُّ: أنَّ عامر بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ دفعَ إلى محمدِ بن زِيادٍ مولى مُصعبِ بن الزُّبيرِ ثلاثِينَ ألف دِرهم، وقال: اقسِمها في بُيُوتاتِ الأنصارِ، ولا تُعطِ بيتًا حارِثِيًّا منها دِرهمًا، فإنِّي سَمِعتُ اللَّه يقولُ: إنَّهُم قالوا: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: ١٣] وهُمُ الذين أدخلُوا على قومِي يوم الحرَّةِ.
قال (٦) : وحدَّثني عمِّي مُصعبُ بن عبدِ اللَّه ومحمدُ بن الضَّحّاكِ، ومن
ج ١٢ ص ٤٤١شِئتَ من أصحابِنا: أنَّ رجُلًا أودَعَ محمد بن المُنكدِرِ خمس مئةِ دِينارٍ، فاستنفقها محمدُ بن المُنكدِرِ، فقَدِم الرَّجُلُ، فجعلَ محمدُ بن المُنكدِرِ يدعُو ويقولُ: اللهمَّ إنَّكَ تعلمُ أنَّ فُلانًا أوْدَعني خمس مئةِ دِينارٍ، واستنفقتُها، وقد قدِمَ وليسَتْ عِندِي، اللهمَّ فاقْضِها عنِّي ولا تَفْضحني، فسمِعَ عامر دُعاءَهُ، فانصرَفَ إلى مَنْزِلِهِ، فصرَّ خمس مئةِ دِينارٍ، ثُمَّ جاءَ بها فوضَعَها بين يدي محمدِ بن المُنكدِرِ، ومحمدٌ مشغُولٌ بالصَّلاةِ والدُّعاءِ لا يشعُرُ، فانصرَفَ محمدٌ من صلاتِهِ، فرآها بين يديهِ، فأخذها، وحمِدَ اللَّه، قال عامر: فخشِيتُ أن يُفتتنَ، فذكرتُ لهُ أنِّي وضعتُها، وأخبَرتُهُ بما خِفتُ عليه من الفِتنةِ.
قال: وبلغَ عبد اللَّه بن الزُّبيرِ: أنَّ ابنهُ عامرًا يصحبُ أقوامًا يُصعقُونَ (١) ، فقال لهُ: إن بَلَغني بعدُ أنَّك تُجالِسُهُم، أوجعتُكَ ضربًا.
قال عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل (٢) : سمِعتُ أبي يقولُ: عامرُ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ ثِقةٌ، من أوثقِ النّاسِ.
-
وذكرَ العقِيليُّ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ الشّافِعيُّ، قال: حدَّثنا عمِّي، قال: سمِعتُ جدِّي محمد بن عليٍّ يقولُ: ما رأيتُ أحدًا أعبدَ من عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ. قال: وكان أكثرُ كلامِهِ: أستغفِرُ اللَّه الذي لا إله إلّا هُو الحيَّ القيُّومَ، وأتُوبُ إليه (٣) .
وقال مُصعبٌ، عن مالكِ بن أنسٍ: كان عامرُ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ يُواصِلُ الصِّيام ثلاثةَ أيّام، فكُنتُ آتِيهِ آخر يوم من صِيامِهِ أسألُهُ، عن حالِهِ بعدَ العصرِ، فيُشِيرُ بيدِهِ يرُدُّ السَّلام، وكان يُرسِلُني إليه ربِيعةُ (٤) .
- ج ١٢ ص ٤٤٢
وروى محمدُ بن مَسْلمةَ، عن مالكٍ: أنَّ عامر بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ كان يُواصِلُ في رمضان ثلاثًا. فقيل لهُ: ثلاثةُ أيّام؟ قال: لا، من يقوى على ثلاثةِ أيّام؟ بل ثلاثًا من الدَّهرِ: يومينِ وليلةً (١) .
وقال مُصعبٌ: وقال ابن عُيينةَ: كان عامرُ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ يُرخِي عِمامتهُ يُسدِلُها من خلفِهِ شِبرًا (٢) .
-
وتُوُفِّي عامرٌ هذا بالشّام، سنةَ أربع وعِشرِينَ. وقيل: سنةَ إحدى، أوِ اثنتينِ وعِشرِينَ ومئةٍ (٣) .
قال الزُّبيرُ (٤) : حدَّثني عمِّي مُصعبٌ، قال: سمِعَ عامر بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ المُؤَذِّنَ وهُو يجُودُ بنفْسِهِ، ومنزِلُهُ قرِيبٌ من المسجِدِ، فقال: خُذُوا بيدِي. فقيلَ لهُ: أنتَ عليلٌ. فقال: أسمعُ داعِي اللَّه، فلا أُجِيبُهُ؟ فأخذُوا بيدِهِ، فدخَلَ في صلاةِ المغرِبِ، فركَعَ مع الإمام ركعةً، ثُمَّ ماتَ، رحِمهُ اللَّه.
-
وروى إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنسٍ، قال (٥) : لم أر مِثل عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ في زمانِهِ فضلًا! قال: ولقد شهِدتُ ابن ذِي الزَّوائدِ السَّعدِيَّ يُنشِدُهُ في المسجِدِ، فأعطاهُ عن كلِّ بيتٍ دِينارًا. وذلك (٦) أنَّهُ مدَحَ أبوَيهِ، وكان إذا مُدِحَ، فذُكِر أبواهُ، أو أحدُهُما، أثابَ من فعل ذلك (٧) ، وإذا لم يُذكرا، لم يفعل.
- ج ١٢ ص ٤٤٣
حدِيثٌ أوَّلُ لعامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ
مالكٌ (١) ، عن عامرِ (٢) بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عَمرِو بن سُلَيم (٣) الزُّرقِيِّ، عن أبي قَتادةَ الأنصارِيِّ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلِّي وهُو حامِلٌ أُمامةَ بنْتَ (٤) زينب بنت رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأبي العاصِ بن رِبيعِة (٥) بن عبدِ شمسٍ، فإذا سجَدَ وضَعَها، وإذا قامَ حَمَلها.
قال أبو عُمر: رواهُ يحيى: "ولأبي العاص بن ربِيعةَ" . بهاءِ التَّأنِيثِ، وتابَعهُ: ابن وَهْبٍ (٦) ، والقَعنبِيُّ (٧) ، وابنُ القاسم، والشّافِعيُّ (٨) ، وابنُ بُكيرٍ، والتِّنِّيسِيُّ (٩) ، ومُطرِّفٌ، وابنُ نافع.
-
وقال معنٌ، وأبو مُصعبٍ (١٠) ، ومحمدُ بن الحسنِ الشَّيبانِيُّ (١١) ، وغيرُهُم: "ولأبي العاص بن الرَّبِيع" .
-
وكذلك أصْلَحهُ ابن وضّاح في رِوايةِ يحيى، وهُو الصَّوابُ إن شاءَ اللَّه.
- ج ١٢ ص ٤٤٤
وأمّا أُمامةُ هذه ابنةُ أبي العاص بن الرَّبِيع، فقد ذكرناها، وذكرنا أباها وأُمَّها وخبَرهُما في كِتابِ "الصَّحابةِ" (١) .
-
وأمّا معنى هذا الحدِيثِ، فقد ذكرَ أشهبُ، عن مالكٍ: أنَّ ذلك كان من رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في صَلاةِ النّافِلةِ. وأنَّ مِثلَ هذا الفعل غيرُ جائزٌ في الفَرِيضةِ. وحسبُك بتفسِيرِ مالكٍ.
-
ومن الدَّليلِ على صِحَّةِ ما قالهُ مالكٌ في ذلك، أنِّي لا أعلمُ خِلافًا أنَّ مِثل هذا العَمَلِ في الصَّلاةِ مَكرُوهٌ، وفي هذا ما يُوضِّحُ أنَّ الحدِيث إمّا أن يكونَ كان في النّافِلةِ، كما رُوِي عن مالكٍ، وإمّا أن يكون مَنسُوخًا، وقد قال بعضُ أهلِ العِلم: إنَّ فاعِلًا لو فعلَ مِئل ذلك، لم أرَ عليه إعادةً، من أجلِ هذا الحدِيثِ، وإن كُنتُ لا أُحبُّ لأحَدٍ (٢) فِعلهُ، وقد كان أحمدُ بن حنبلٍ يُجِيزُ بعض هذا.
-
ذكر الأثرمُ قال: سمِعتُ أبا عبدِ اللَّه يُسألُ: أيأخُذُ الرَّجُلُ ولدهُ وهُو يُصلِّي؟ قال: نعم. واحتجَّ بحدِيثِ أبي قتادةَ وغيرِهِ في قِصَّةِ أُمامةَ بنتِ زينب.
قال أبو عُمر: لو ثبتَ أنَّ هذا الحدِيث غيرُ منسُوخ، ما جازَ لأحَدٍ أن يقولَ: إنِّي لا أُحِبُّ فِعلَ مِثلِ ذلك. وفي كراهيةِ الجُمهُورِ لذلك في الفَرِيضةِ، دليلٌ على ما ذكَرْنا.
-
وروى أشهبُ وابنُ نافع، عن مالكٍ: أنَّهُ سُئلَ عن حملِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أُمامةَ بنتِ زينب بنتِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على رَقَبتِهِ، يحمِلُها إذا قامَ، وَيضَعُها إذا سجَدَ: أذلك جائزٌ للنّاسِ اليوم على حُبِّ الوَلدِ، أو على حالِ الضَّرُورةِ؟ قال: ذلك جائزٌ على حالِ الضَّرُورةِ إلى ذلك، فأمّا أن يجِدَ من يَكْفيه ذلك، فلا أرى ذلك، ولا أرَى ذلك على حُبِّ الرَّجُلِ ولَدهُ.
-
فلم يخُصَّ في هذه الرِّوايةِ فرِيضةً من نافِلةٍ، وحمَلهُ على حالِ الضَّرُورةِ.
- ج ١٢ ص ٤٤٥
وقد أجمَعَ العُلماءُ أنَّ العملَ الخفِيفَ في الصَّلاةِ لا يُفسِدُها، مِثل حكِّ المرءِ جسدهُ حكًّا خفِيفًا، وأخذِ البُرغُوثِ وطَرْحِهِ (١) لهُ عن نَفسِهِ، والإشارةِ، والالتِفاتِ الخفِيفِ، والمشي الخفِيفِ إلى الفُرَج، ودفع المارِّ بين يَدَيهِ، وقتلِ العَقْربِ، وما يُخافُ أذاهُ بالضَّربةِ الواحِدةِ، ونحوِها ممّا يخِفُّ، والتَّصفِيقِ للنِّساءِ، ونحوِ هذا كلِّهِ، ما لم يكُن عَملًا مُتتابِعًا.
-
وأجمعُوا أنَّ العملَ الكثِير في الصَّلاةِ يُفسِدُها، وأنَّ قليلَ الأكلِ والشُّربِ والكلام عمدًا فيها، لغيرِ صلاحِها يُفسِدُها، وهذه أُصُولُ هذا البابِ، فاضبُطها، وردَّ فُروعها (٢) إليها، تُصِب وتَفقهْ إن شاءَ اللَّه.
-
وأمّا حدِيثُ هذا البابِ، فقد ذكرَ فيه محمدُ بن إسحاقَ: أنَّهُ كانَ في صلاةِ الفَرِيضةِ (٣) . فمن قبِلَ زِيادتهُ وتفسِيرهُ، جعل حدِيثهُ هذا أصلًا في جَوازِ العَملِ في الصَّلاةِ، ولعمرِي، لقد عوَّلَ عليه المُصنِّفُون للحدِيثِ في هذا البابِ، إلّا أنَّ الفُقهاءَ على ما وصَفْتُ لكَ.
-
وروى ابن عُيينةَ، عن عُثمان بن أبي سُليمانَ وابنِ عَجْلانَ، سَمِعا عامر بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ يُحدِّثُ، عن عَمرِو بن سُلَيم الزُّرقيِّ، عن أبي قَتادةَ الأنصارِيِّ قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يؤُمُّ النّاس، وأُمامةُ بنتُ أبي العاص، وهي بنتُ زينب بنتِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عاتِقِهِ، فإذا ركَعَ وضَعَها، وإذا رفَعَ من السُّجُودِ، أعادَها. ذكر مسلِمُ بن الحجّاج (٤) ، عن ابن أبي عُمر العَدَنيِّ (٥) ، عن سُفيان بن عُيينةَ.
- ج ١٢ ص ٤٤٦
وذَكَر أيضًا (١) ، عن أبي الطّاهِرِ وهارون الإيليِّ، عن ابن وَهْبٍ، عن مخرمةَ بن بُكيرٍ، عن أبيهِ، عن عَمرِو بن سُليم الزُّرقِيِّ، قال: سمِعتُ أبا قتادةَ الأنصارِيَّ، يقولُ (٢) : رأيتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي للنّاسِ (٣) ، وأُمامةُ بنتُ أبي العاص على عُنُقِهِ (٤) ، فإذا سجدَ وَضَعها.
-
وأمّا رِوايةُ محمدِ بن إسحاق لهذا الحدِيثِ، فحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا يحيى بن خلفٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن سعِيدِ بن أبي سعِيدٍ المقبُرِيِّ، عن عَمرِو بن سُلَيم الزُّرقِيِّ، عن أبي قَتادةَ صاحِبِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: بينما نحنُ نَنتظِرُ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الظُّهرِ أوِ العَصر، وقد دَعا بلالٌ إلي الصَّلاةِ، إذ خرَجَ علينا، وأُمامةُ ابنةُ أبي العاص ابنةُ ابنتِهِ على عاتِقِهِ، فقامَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في مُصلّاهُ، فقُمنا خلفَهُ، وهي في مكانِها الذي وَضَعها (٦) فيه، قال: فكَبَّرَ فكَبَّرنا، حتّى إذا أرادَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يركعَ أخَذَها فوَضَعها، ثُمَّ ركَعَ وسجَدَ، حتّى إذا فرغَ من سُجُودِهِ وقامَ، أخذها فردَّها في مَكانِها، فما زالَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصنعُ كذلك بها في كلِّ ركعةٍ، حتّى فرَغَ من صلاتِهِ.
قال أبو عُمر: روى هذا الحدِيث اللَّيثُ بن سعدٍ، عن سعِيدِ بن أبي سعِيدٍ،
ج ١٢ ص ٤٤٧بإسنادِهِ، ولم يَقُل: في الظُّهرِ، ولا في العَصْرِ. ولا فيه ما يدُلُّ على أنَّ ذلك كان في فرِيضةٍ.
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضِرِ هاشمُ بن القاسم. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ. قالا جميعًا: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن سَعِيدِ بن أبي سعِيدٍ. وقال أبو النَّضِرِ هاشمُ بنُ القاسم (٢) : حدَّثني سعِيدُ بن أبي سعِيدٍ، ثمَّ اتَّفقا عن عَمرِو بن سُليم، أنَّهُ سمِعَ أبا قَتادةَ يقولُ: بينا نَحنُ في المسجِدِ جُلُوسٌ، خرجَ علينا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يحمِلُ أُمامةَ بنت أبي العاص، وأُمُّها زينبُ بنتُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي صبِيَّةٌ يحمِلُها على عاتِقِهِ، فصلَّى وهي على عاتِقِهِ، يَضَعُها إذا ركَعَ، ويُعِيدُها إذا قامَ، حتّى إذا (٣) قَضَى صلاتهُ، يَفْعلُ ذلك بها.
-
ورواهُ بُكيرُ بن الأشجِّ، عن عَمرِو بن سُليم، عن أبي قتادةَ، مِثلهُ (٤) .
-
ورواهُ ابن عُيينةَ، عن عُثمان بن أبي سُليمانَ، ومحمدِ بن عجلانَ، جميعًا، عن عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عَمرِو بن سُليم، عن أبي قَتادةَ، مِثل حدِيثِ مالكٍ سواءً (٥) .
- ج ١٢ ص ٤٤٨
وفي حدِيثِ محمدِ بن إسحاق: وقد دَعا بلالٌ إلى الصَّلاةِ. وهذا الدُّعاءُ يحتملُ أن يكونَ الأذان المعرُوف اليوم، ويحتملُ أن يكونَ كان في أوَّلِ الإسلام، قبلَ أن يُسَنَّ (١) الأذانُ، ثُمَّ أُحكِمتِ الأُمُورُ بعدُ، واللَّه أعلمُ.
-
أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المُباركِ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن ضَمْضَم بن جَوْسٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اقتُلُوا الأسْوَدَينِ في الصَّلاةِ: الحيَّة والعَقْرب" .
-
ورواهُ مَعْمرٌ وغيرُهُ، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ (٣) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ (٥) ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا
ج ١٢ ص ٤٤٩بِشْرُ بن المُفضَّلِ، قال: حدَّثنا بُردُ بن سِنانٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي والبابُ عليه مُغلقٌ، فجِئتُ فاسْتَفتحتُ، فمَشَى ففتح لي، ثُمَّ رجعَ إلى مُصلّاهُ. قال أحمدُ بن حنبلٍ: وذكَرَتْ أنَّ البابَ كان في القِبلةِ.
قال أبو عُمر: هذا كان منهُ في النّافِلةِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لا يختلِفُونَ في ذلك. ومَحمِلُ هذا عِندَهُم، أنَّ البابَ كان قرِيبًا منهُ، وأنَّهُ من العَملِ الخَفِيفِ، على ما ذكَرْنا، وهذه الأحادِيثُ هي أُصُولُ هذا البابِ.
-
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن حنبل (٢) . وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ (٣) ، قالا: حدَّثنا بِشْرُ بن المُفضَّلِ، قال: حدَّثنا غالِبٌ القطّانُ،
ج ١٢ ص ٤٥٠عن بكرِ بن عبدِ اللَّه، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: كُنّا نُصلِّي مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في شِدَّةِ الحرِّ، فإذا لم يَسْتطِع أحدُنا أن يُمكِّنَ وَجههُ من الأرضِ، بسطَ ثوبهُ فسجَدَ عليه.
-
فهذا كلُّهُ وما كان مثله (١) من العَملِ الخفِيفِ جائزٌ في الصَّلاةِ، إذا لم يَقصِدِ المُصلِّي إلى العَبَثِ في صلاتِهِ، والتَّهاوُنِ بها وإفسادِها.
-
ومَحْمِلُ (٢) أُمامةَ في هذا الحدِيثِ عِندَ أهلِ العِلم، أنَّها كانت عليها ثِيابٌ طاهِرةٌ، وأنَّهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمِنَ (٣) منها ما يَحْدُثُ من الصِّبيانِ من البَوْلِ، وجائزٌ أن يعلَمَ من ذلك رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما لا يعلمُ غيرُهُ.
-
وقد كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رؤُوفًا رحِيمًا بالأطفالِ وغيرِهِم، وكان رُبَّما تجاوزَ في صلاتِهِ وخفَّفها، لبُكاءِ الطِّفلِ يسمعُهُ، خَشْيةً أن يَشُقَّ على أُمِّهِ خلفهُ.
-
أخبرنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حامِدِ بن ثَرْثالٍ البَغْدادِيُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الطَّيِّبِ بن حمزةَ البَلْخِيُّ، قال: حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن سُليمانَ، عن ثابتٍ البُنانِيِّ، عن أنَسِ بن مالكٍ قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَسْمَعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ مع أُمِّهِ وهُو في الصَّلاةِ، فيَقْرَأُ بالسُّورةِ القَصِيرةِ. أو قال: الخَفِيفةِ (٤) .
ج ١٢ ص ٤٥١وقال الأثرمُ: سُئلَ أحمدُ بن حنبلٍ عن رَجُلٍ أحرمَ، وأمامهُ سُترةٌ، فسقَطَتْ، فأخذها فأركَزَها. فقال: أرجُو ألّا يكون به بأسٌ. فحَكَوْا لهُ عن ابن المُباركِ: أنَّهُ أمرَ رجُلًا صنعَ هذا أن يُعِيد التَّكبِير. فقال: أمّا أنا فلا آمُرُهُ أن يُعِيدَ التَّكبِيرَ، وأرجُو أن لا يكونَ به بأسٌ.
قال أبو عُمر: الفرقُ بين العَملِ القليلِ الجائزِ مِثلُهُ في الصَّلاةِ، ما لم يَكُن عَبثًا ولعِبًا، وبين العملِ الكَثِيرِ الذي لا يجُوزُ مِثلُهُ في الصَّلاةِ، ليس عن العُلماءِ فيه حدٌّ محدُودٌ، ولا فيه (١) سُنَّةٌ مسنونةٌ (٢) ، وإنَّما هُو الاجتِهادُ والاحتِياطُ في الصَّلاةِ، أوْلَى بأُولِي (٣) النُّهَى (٤) وباللَّه العِصمةُ والهُدى.
- ج ١٢ ص ٤٥٢
حدِيثٌ ثانٍ لعامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ
مالكٌ (١) ، عن عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عَمرِو بن سُلَيم الزُّرقِيِّ، عن أبي قَتادةَ الأنصارِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجِدَ، فليَرْكَعْ ركعتينِ قبلَ أن يجلِسَ" .
قال مالكٌ (٢) : وذلك حسنٌ، وليسَ بواجِبٍ.
-
حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخضِرِ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن عُثمان بن أبي التَّمام (٣) ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤) : أخبرنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عَمرِو بن سُلَيم، عن أبي قتادةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ المسجِدَ فليَرْكع رَكْعتينِ قبلَ أن يجلِسَ" .
قال أبو عُمر: لا يختلِفُ العُلماءُ، أنَّ كلَّ من دخلَ المسجِد في وَقْتٍ يجُوزُ فيه التَّطوُّعُ بالصَّلاةِ، أنَّهُ يُستَحبُّ لهُ أن يركعَ فيه عِندَ دُخُولِهِ رَكْعتينِ، قالوا فيهما: تحِيَّةُ المسجِدِ.
- ج ١٢ ص ٤٥٣
وليسَ ذلك بواجِبِ عِندَ أحدٍ، على ما قال مالكٌ رحِمهُ اللَّه، إلّا أهلُ الظّاهِرِ، فإنَّهُم يُوجِبُونَها (١) ، والفُقهاءُ بأجمعِهِم لا يُوجِبُونَها، فإذا دخلَ المسجِد أحدٌ بعدَ العصرِ، أو بعدَ الصُّبح، فلا يَرْكعْ للنَّهي الوارِدِ عن الصَّلاةِ بعد العَصْرِ، حتّى تَغرُبَ الشَّمسُ، وبعدَ الصُّبح حتّى تَطْلع الشَّمسُ.
-
وقد قدَّمنا ذِكرَ مذاهِبِ العُلماءِ وأُصُولِهِم في الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح، وبعدَ العَصْرِ، بما فيه كِفايةٌ وبيانٌ، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبّان.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ في الذي يركَعُ رَكْعتيِ الفجرِ في بيتِهِ، ثُمَّ يأتي المسجِدَ، هل يَرْكعُ فيه أم لا (٢) ؟
فقال أبو حنِيفةَ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ: إذا صلَّى رَكْعتيِ الفجرِ في بيتِهِ، ثُمَّ أتى المسجِد، ولم تُقم الصَّلاةُ، أنَّهُ لا يَرْكعُ لدُخُولِ المسجِدِ، ويجلِسُ.
-
ورَوَى أشهبُ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: يركعُ أحبُّ إليَّ. وروى عنهُ ابن القاسم، أنَّهُ قال: أحبُّ إليَّ أن لا يَفْعل.