علقمة بن أبي علقمة
١٩ فقرة، ج ١٢ ص ٤٦١
- ج ١٢ ص ٤٦١
لمالكٍ عنهُ حدِيثانِ
يُقالُ لهُ: عَلْقمةُ (١) ابنُ أُمِّ علقمةَ. وعَلْقمةُ بن أبي علقمةَ. واسمُ أبي علقمةَ أبيهِ: بلالٌ، مولى عائشةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ، وأُمُّهُ أيضًا مولاةُ عائشةَ، يُقالُ: اسمُها مَرْجانةُ.
-
لم يُختلف في أُمِّهِ أنَّها مولاةُ عائشةَ، واختُلِف في أبيهِ، فقال مالكٌ: عَلْقمةُ بن أبي علقمةَ، مولى عائشةَ.
وقال الزُّبيرُ بن بكّارٍ: عَلْقمةُ بن أبي علقمةَ (٢) ، مولى مُصعبِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، وأُمُّهُ مولاةُ عائشةَ زوج النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال مُصعبٌ (٣) : قال أبي: تعلَّمتُ (٤) النَّحو في كِتابِ علقمةَ بن أبي علقمةَ، مولى عائشةَ، وأُمُّهُ أيضًا مولاةُ عائشةَ زوج النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان نحوِيًّا.
قال أبو عُمر: كان علقمةُ ثِقةً مأمُونًا، روى عنهُ مالكٌ وغيرُهُ من الأئمَّةِ، وقد قيلَ: إنَّ علقمةَ هذا من بني سُليم، فاللَّه أعلمُ.
- ج ١٢ ص ٤٦٢
حدِيثٌ أوَّلُ لعلقمةَ بن أبي علقمةَ
مالكٌ (١) ، عن عَلْقمةَ بن أبي علقمةَ، أنَّ عائشةَ زَوْجَ النبيِّ (٢) -صلى اللَّه عليه وسلم-، قالت: أهْدَى أبو جَهْم بن حُذَيفةَ إلى رسُولِ (٣) اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خَمِيصةً شامِيَّةً، لها عَلَمٌ، فشهِدَ فيها الصَّلاةَ، فلمّا انصرَفَ قال: "رُدِّي هذه الخمِيصةَ إلى أبي جهم، فإنِّي نَظَرتُ إلى عَلَمِها في الصَّلاةِ، فكاد يَفتِنُنِي" .
قال أبو عُمر: هكذا قال يحيى، عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ: "عن علقمةَ بن أبي علقمةَ، أنَّ عائشةَ" . ولم يُتابِعهُ على ذلك أحدٌ من الرُّواةِ، وكلُّهُم رواهُ عن مالكٍ في "المُوطَّأ" : "عن عَلْقمةَ بن أبي علقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ" . وسقطَ ليحيى: "عن أُمِّهِ" . وهُو ممّا عُدَّ عليه.
-
والحدِيثُ صحِيحٌ مُتَّصِلٌ لمالكٍ، عن عَلْقمةَ بن أبي عَلْقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، وكذلك رواهُ جماعةُ أصحابِ مالكٍ، عنهُ.
-
وقد رَوَى هذا الحدِيث أيضًا: الزُّهرِيُّ، عن عُروةَ (٤) ، عن عائشةَ (٥) .
-
وفي هذا الحدِيثِ من الفِقهِ: قَبُولُ الهدايا. وفي قبُولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لها دليلٌ على أنَّ التَّهادِي، وقَبُول الهدايا، من الفِعلِ الحَسَنِ المندُوبِ إليه، لما في ذلك من التَّواخِي والتَّحابِّ.
-
وقد مَضَى في قبُولِ الإمام للهَدايا ما فيه كِفايةٌ، في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ، وسيأتي من ذِكرِ التَّهادِي طرَفٌ صالحٌ في بابِ عطاءٍ الخُراسانِيِّ، إن شاءَ اللَّه.
ج ١٢ ص ٤٦٣وقال ابن عُيينةَ: إنَّما ردَّ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الخَمِيصةَ إلى أبي جهم؛ لأنَّه كَرِهها، إذ كانت سببَ غَفْلةٍ وشُغلٍ عن ذِكرِ اللَّه، كما فعَلَ في الموضِع الذي نامَ فيه عن الصَّلاةِ، لما نالَ فيه الشَّيطانُ منهُم منِ الغَفْلةِ (١) . قال: ولم يكُن رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليبعثَ إلى أبي جهم بشيءٍ يَكْرهُهُ لنفسِهِ، ألم تَسْمع قولهُ لعائشةَ في الضبِّ: "إنّا لا نتصدَّقُ بما لا نأكل" (٢) .
-
وكان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْوَى خلقِ اللَّه على أمرِ اللَّه، وعلى ردِّ كلِّ وَسْوسةٍ، ولكِنَّهُ كَرِهها وأبْغَضها، إذ كانت سببَ الغَفْلةِ عن الذِّكرِ، هذا معنى قولِ ابن عُيينةَ، في سُؤالِ نُعيم بن حمّادٍ لهُ عن ذلك.
-
حدَّثناهُ جماعةٌ، عن عبدِ اللَّه بن عُثمان، عن سعدِ بن مُعاذٍ، عن ابن أبي مريم، عن نُعيم، عنهُ.
-
وفيه: الصَّلاةُ في الأكسِيةِ؛ لأنَّ الخمِيصةَ كِساءُ صُوفٍ مُعلَّمةٌ (٣) .
-
وفيه: دليلٌ على أنَّ الالتِفاتَ في الصَّلاةِ، والنَّظر إلى ما يَشْغلُ الإنسانَ عنها، لا يُفسِدُها، إذا تمَّت بحُدُودِها، من رُكُوعِها، وسُجُودِها، وسائرِ فرائضِها؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ نظرَ إلى أعلام خَمِيصةِ أبي جهم، واشتغلَ بها، لم يُعِد صِلاتهُ.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ،
ج ١٢ ص ٤٦٤قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهرِيُّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى في خمِيصةٍ لها أعلامٌ، فقال: "شَغَلتني أعلامُ هذه، فاذهبُوا بها إلى أبي جَهْم، وائتُوني بأنبِجانِيّةٍ" . قال الحُميدِيُّ: أبو جَهْم رجُلٌ من آلِ عدِيِّ بن كعبٍ.
قال أبو عُمر: اسمُ أبي جهم، عُبيدُ بن حُذيفةَ بن غانِم العدوِيُّ، قد ذكَرْناهُ ونسبناهُ، وذكرنا خبرهُ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٢) .
-
والأنبِجانِيُّ: كِساءٌ غلِيظٌ لا علَمَ فيه. وأمّا الخمِيصةُ، فكِساءٌ رقِيقٌ، قد يكونُ بعَلَم، وبِغيرِ عَلَم، وقد يكونُ أبيض مُعلَّمًا، ويكونُ أصفرَ، وأحمرَ، وأسودَ، والخمائصُ من لباسِ أشرافِ العربِ.
- ج ١٢ ص ٤٦٥
حدِيثٌ ثانٍ لعلقمةَ بن أبي علقمةَ
مالكٌ (١) ، عن عَلْقمةَ بن أبي علقمةَ، عن أُمِّهِ، أنَّها قالت: سمِعتُ عائشةَ تقُولُ: قامَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذاتَ ليلةٍ، فلبِسَ ثِيابهُ، ثُمَّ خرَجَ، قالت: فأمرتُ جارِيتي بَرِيرةَ أن تَتْبعهُ، فتبِعتهُ، حتّى إذا جاءَ البقِيع، فوقَفَ (٢) في أدناهُ ما شاءَ اللَّه أن يقِفَ، ثُمَّ انصرَفَ، فسبَقَتهُ بريرةُ، فأخْبَرتني، فلم أذكُر لهُ شيئًا حتّى أصبَحَ، ثُمَّ ذكرتُ ذلك لهُ، فقال: "إنِّي بُعِثتُ إلى أهلِ البقِيع لأُصَلِّيَ عليهم" .
قال أبو عُمر: يحتملُ أن تكون الصَّلاةُ هاهُنا: الدُّعاءَ، ويحتملُ أن تكونَ كالصَّلاةِ على الموتى، وذلك خُصُوصٌ لهُ، واللَّهُ أعلمُ، لأنَّ صلاتهُ على من صلَّى عليه رحمةٌ، فكأنَّهُ أُمِر أن يستغفِرَ لهُم، كما قيل لهُ: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: ١٩] .
-
وأمّا قولُهُ: "إنِّي بُعِثتُ إلى أهلِ البقِيع" . ومسِيرُهُ إليهم، فلا يُدرى لمِثلِ هذا عِلَّة، واللَّه أعلمُ، وقد يحتملُ أن يكونَ ليعُمَّهُم بالصَّلاةِ منهُ عليهم، لأنَّهُ رُبَّما دُفِنَ منهُم من لم يُصلِّ عليه، كالمِسكِينةِ (٣) ، ومِثلِها مِمَّن دُفِنَ ليلًا، ولم يشعُر بها، ليكونَ مُساويًا بينهُم في الصّلاةِ عليهم، ولا يُؤثِرُ بعضهُم بذلك، ليَتِمَّ عدلهُ فيهم.
- ج ١٢ ص ٤٦٦
وقد روى أبو مُوَيهِبةَ مولى رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذه القِصَّةِ حدِيثًا حَسَنًا يدُلُّ على أنَّ ذلك كان منهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ خيَّرهُ اللَّه بين الدُّنيا والآخِرةِ، ونُعِيت إلَيهِ نفسُهُ، فاختارَ ما عِندهُ، -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن عُمرَ بن عليٍّ العَبَليُّ (١) ، عن عُبيدِ بن جُبيرٍ (٢) ، مولى الحكم بن أبي العاص، عن عبدِ اللَّه بن عَمرٍو، قال: أخبرني أبو مُويهِبةَ، مولًى للنَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا أبا مُوَيهِبةَ، إنِّي قد أُمِرتُ أن أسْتَغفِرَ لأهلِ البقِيع" . فاسْتَغفرَ لهُم، ثُمَّ انصرفَ فأقبلَ عليَّ فقال: "يا أبا مُوَيهِبةَ، إنَّ اللَّه قد خيَّرني في مَفاتِيح خزائن الدُّنيا والخْلدِ فيها، ثُمَّ الجنَّةِ، أو لقاءِ ربِّي، فاخْتَرتُ لقاءَ ربِّي" . فأصبَحَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من تِلكَ اللَّيلةِ، فبدأهُ وَجعُهُ الذي ماتَ منهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) .
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا القَعْنبِيُّ، قال: قرأتُ على مالكٍ،
ج ١٢ ص ٤٦٧عن أبي النَّضْرِ، عن عُبيدِ بن حُنَينٍ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جلسَ على المِنبرِ، فقال: "إنَّ عبدًا خيَّرهُ اللَّه بينَ أن يُؤتِيهُ من زَهْرةِ الدُّنيا ما شاءَ، وبينَ ما عِندَهُ، فاختارَ ما عِندَهُ" . فبَكَى أبو بكرٍ، وقال: فديناكَ بآبائنا وأُمَّهاتِنا يا رسُولَ اللَّه. قال: فعَجِبنا لهُ، وقال النّاسُ: انظُرُوا إلى هذا الشَّيخ، يُخبِرُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن عَبدٍ خُيِّر، وهُو يقولُ: فديناكَ بآبائنا وأُمَّهاتِنا يا رسولَ اللَّه! فكانَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هُو المُخيَّر، وكان أبو بكرٍ أعْلَمَنا به، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مِن أمَنِّ (١) النّاسِ عليَّ في صُحبَتِهِ ومالِهِ أبو بكرٍ، ولو كُنتُ مُتَّخِذًا خليلًا، لاتَّخذتُ أبا بكرٍ، ولكِن أُخُوَّةٌ في الإسلام، لا تَبْقَينَّ في المسجِدِ خَوْخَةٌ، إلّا خَوْخةُ (٢) أبي بكرٍ" (٣) .
-
وهذا الحدِيثُ ليس عِندَ يحيى، عن مالكٍ، وهُو عندَ القعنبيِّ في الزِّياداتِ (٤) .