عثمان بن حفص بن عمر بن خلدة
٥٤ فقرة، ج ١٢ ص ٤٢٧
الصفحة ١ من ٢
- ج ١٢ ص ٤٢٧
مالكٌ عن عُثمان بن حفصِ بن عُمر بن خلدةَ
حدِيثٌ واحِدٌ مقطُوعٌ
وهُو عُثمانُ (١) بن حفصِ بن عُمر بن عبدِ الرَّحمنِ بن خَلْدةَ الزُّرقيُّ الأنصارِيُّ، ثِقةٌ.
-
روى عنهُ: مالكٌ، وعبدُ العزيزِ بن أبي سلمةَ. ولم يروِ عنهُ غيرُهُما فيما علِمتُ، إلّا أنَّهُ قد قيلَ: إنَّ عُثمان بن حفصٍ الذي رَوَى عنهُ عبّادُ بن إسحاقَ، عن إسماعيلَ بن محمدِ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَنَّهُ قال: "من قال: يَثْرِب، فليقُلِ: المدِينةَ" . هُو عُثمانُ بن حَفْصِ بن خلدةَ هذا. وهذا الحدِيثُ رواهُ إبراهيمُ بن طَهْمان (٢) ، عن عبّادِ بن إسحاقَ، عن عُثمانَ.
-
وعُثمانُ هذا يَروِي عن الزُّهرِيِّ.
-
روى عنهُ مالكٌ حدِيثينِ، أحدُهُما: حدِيثُ هذا البابِ، في قِصَّةِ أبي لُبابةَ.
-
والآخرُ رواهُ عنهُ أيضًا عن ابن شِهابٍ، عن سالم بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ عبد اللَّه بن عُمرَ سُئلَ عن الرَّجُلِ يكونُ لهُ الدًّ ينُ على الرَّجُلِ إلى أجل، فيضعُ عنهُ صاحِبُ الحقِّ، ويُعجِّلُ لهُ الآخرُ، فكرِهَ ذلك عبدُ اللَّه بن عُمرَ، ونهى عنهُ (٣) .
-
ولهُ عن مُعاويةَ حدِيثٌ مُنقطِعٌ.
-
وروى الزُّهرِيُّ عن جدِّهِ عُمر بن عبدِ الرَّحمنِ بن خَلْدةَ. وأظُنُّ عُمر هذا الذي روى عنهُ ابن شِهابٍ، هُو عُمرُ بن خلدةَ، الذي روى ابن أبي ذِئبٍ، عن أبي المُعتمِرِ، عنهُ، عن أبي هريرةَ حدِيث التَّفلِيسِ.
- ج ١٢ ص ٤٢٨
وبنُو خَلْدةَ معرُوفُونَ بالمدِينةِ، لهم أحوالٌ، وشَرَفٌ، وجلالةٌ في الفِقهِ وحملِ (١) العِلم.
-
وأمّا حدِيثُ مالكٍ، عن عُثمان هذا، فهُو بلاغٌ.
-
مالكٌ (٢) ، عن عُثمانَ بن حفصِ بن عُمرَ بن خلدةَ، عن ابن شِهابٍ: أنَّهُ بَلَغهُ: أنَّ أبا لُبابةَ بن عَبدِ المُنذِرِ حِينَ تابَ اللَّه عليه، قال: يا رسُولَ اللَّه، أَهجُرُ دارَ قَوْمِي التي أصْبتُ فيها الذَّنب، وأُجاوِرُكَ، وأنخلِعُ من مالي صَدَقةً إلى اللَّه، وإلى رَسُولهِ (٣) ؟ فقال رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يُجزِيكُ من ذلك الثُّلُثُ" .
قال أبو عُمر (٤) : هكذا هذا الحدِيثُ في "المُوطَّأ" عِندَ يحيى بن يحيى وطائفةٍ من رُواتِهِ، منهُمُ: ابن القاسم. ورَوَتهُ طائفةٌ، منهُمُ: التِّنِّيسِيُّ عبدُ اللَّه بن يُوسُف في "المُوطَّأ" عن مالكٍ: أنَّهُ بَلَغهُ أنَّ أبا لُبابةَ حِينَ تاب اللَّه عليه. . . الحدِيث. لم يَذْكُر عُثمان بن حفصٍ، ولا ابن شِهابٍ. وليس هذا الحدِيثُ في "المُوطَّأ" عِندَ القعنبِيِّ، ولا أكثرِ الرُّواةِ.
-
ورواهُ العُقَيليُّ، عن يحيى بن أيُّوبَ، عن ابن بُكيرٍ، عن مالكٍ، عن عُمرَ بن حَفْصِ بن عُمر بن خَلْدةَ، عن ابن شِهابٍ: أنَّ أبا لُبابةَ حِينَ تاب اللَّه عليه، فذكر الحدِيث. هكذا قال فيه العُقيليُّ: عن يحيى بن أيُّوبَ، عن ابن بُكيرٍ، عُمر بن حَفْصٍ. وأدخلهُ (٥) في بابِ عُمر من "تارِيخِهِ الكبِير" (٦) وهذا غلطٌ فاحِشٌ، ولا
ج ١٢ ص ٤٢٩يُعرَفُ عُمرُ بن حفصِ بن خلدةَ في هذا الحدِيثِ ولا غيرِهِ، وإنَّما يُعرفُ عُمرُ بن خلدةَ، جدُّ عُثمان شيخ مالكٍ، على ما قدَّمنا ذِكرهُ، فابنُ بُكيرٍ وهِمَ حِين جعلَ في مَوْضِع عُثمان: عُمر. والعُقيليُّ أيضًا جهِلَ ذلك، فأدخلهُ في بابِ عُمر، ولم يُبيِّن أمرهُ.
-
وليسَ هذا الحدِيثُ عِندَ ابن بُكيرٍ في "المُوطَّأ" ولا عندَ أكثر (١) رُواةِ "المُوطَّأ" .
-
ورَوَى ابن وَهْبٍ هذا الحدِيث في "مُوطَّئهِ" عن يُونُس بن يزِيد، أنَّهُ أخبَرهُ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبرني بَعضُ بَنِي (٢) السّائبِ بن أبي لُبابةَ: أنَّ أبا لُبابةَ حِينَ ارتَبطَ فتابَ اللَّه عليه، قال: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ من تَوْبتي أن أهجُرَ دار قَوْمِي التي أصبتُ فيها الذَّنب، وأُجاوِركَ، وأنخلِعَ من مالي صَدَقةً إلى اللَّه ورَسُولِهِ، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يُجزِئ عنكَ الثُّلُثُ" (٣) .
-
فقد بانَ في رِوايةِ يُونُس، عن ابن شِهابٍ، البلاغُ الذي ذَكَرهُ مالكٌ، عن ابن شِهابٍ في هذا الخبرِ.
-
وعِندَ ابن شِهابٍ في نحوِ معنَى حدِيثِ أبي لُبابةَ هذا، حدِيثُ كعبِ بن مالكٍ، وهُو مُتَّصِلٌ صحِيحٌ.
-
ذكرهُ ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني يُونُسُ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّه بن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبيهِ، أنَّهُ قال لرسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا رسُول اللَّه،
ج ١٢ ص ٤٣٠أنْخلِعُ من مالي صَدَقةً إلى اللَّه ورسُولِهِ؟ فقال لهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أمسِكْ عليكَ بعضَ مالكَ، فهُو خيرٌ لكَ" (١) .
-
ويحتملُ أن يكونَ البعضُ في هذا الحدِيثِ هُو الثُّلُثانِ في حدِيثِ أبي لُبابةَ، واللَّه أعلمُ.
-
وقد ذكرَ إبراهيمُ بن إسماعيلَ بن عُليَّةَ، عن أبيهِ، عن الزُّهرِيِّ، عن ابنٍ لكعبِ بن مالكٍ، عن أبيهِ. وعنِ ابن أبي لُبابةَ، عن أبيهِ. ولا يتَّصِلُ حدِيثُ أبي لُبابةَ فيما علِمتُ، ولا يستنِدُ، وقِصَّتُهُ مَشهُورةٌ في السِّيرِ محفُوظةٌ.
-
روى عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، ومحمدُ بن ثورٍ (٣) ، وأبو سُفيان المعمرِيُّ (٤) ، كلُّهُم، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، في قولِه عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} الآيةَ [الأنفال: ٢٧] قال: نزلَتْ في أبي لُبابةَ، لمّا بَعثهُ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بني قُريظةَ، فأشارَ إلى حَلْقِهِ: إنَّهُ الذَّبحُ. فقال أبو لُبابةَ: لا واللَّه لا أذُوقُ طعامًا ولا شَرابًا، حتّى أتوبَ (٥) ويتُوبَ اللَّه عليَّ، فمكَثَ سبعةَ أيّام لا يذُوقُ فيها طعامًا ولا شرابًا، حتّى خَرَّ مغشِيًّا عليه، ثُمَّ تابَ اللَّه عليه، فقيلَ لهُ: يا أبا لُبابةَ قد تِيبَ عليكَ. قال: لا واللَّه لا أحُلُّ نفسِي، حتّى يكونَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هُو يَحُلُّني. فجاءَ فحلَّهُ بيدِهِ. ثُمَّ قال (٦) أبو لُبابةَ: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ من تَوْبتي
ج ١٢ ص ٤٣١أن أهجُرَ دار قَوْمِي التي أصبتُ فيها الذَّنبَ، وأن أنخلِعَ من مالي كلِّهِ صَدَقةً إلى اللَّه ورسُولِهِ. فقال: "يُجزِئُكَ الثُّلُثُ أن تصَّدَّق به يا أبا لُبابةَ" .
-
وذكرَ ابن إسحاق هذه القِصَّةَ، فجوَّدها.
-
أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن إسحاقَ، في قِصَّةِ بني قُرَيظةَ، فذكَرَها بطُولِها وتمامِها، وذكرَ خُرُوج رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إليهم مع أصحابِهِ، بعدَ انصِرافِ الأحزابِ عن المدِينةِ. قال: وحاصَرهُم رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خمسًا وعِشرِينَ ليلةً، فذكَرَ قولَ حُييِّ بن أخطبَ لهُم، قال: ثُمَّ إنَّهُم بَعثُوا إلى رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنِ ابعَثْ إلينا أبا لُبابةَ بن عَبدِ المُنذِرِ، أخا بني عَمرِو بن عَوْفٍ، وكانوا حُلفاءَ الأوسِ، نَسْتشِيرُهُ في أمرِنا، فأرسَلَهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إليهِم، فلمّا رأوهُ، قامَ إليه الرِّجالُ، وجهَشَ إليه النِّساءُ والصِّبيانُ يَبكُونَ في وجهِهِ، فرقَّ لهُم، وقالوا لهُ: يا أبا لُبابةَ، تَرَى أن ننزِلَ على حُكم محمدٍ؟ قال: نعم. وأشارَ بيدِهِ إلى حَلْقِهِ: إنَّهُ الذَّبحُ. قال أبو لُبابةَ: فواللَّه ما زالَتْ قَدَماي من مَكانِهِما، حتّى عَرَفتُ أنِّي قد خُنتُ اللَّه ورسُولهُ. ثُمَّ انطلق أبو لُبابةَ على وَجهِهِ، ولم يأتِ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، حتّى ارتَبطَ في المسجِدِ إلى عَمُودٍ من عُمُدِهِ، وقال: لا أبرحُ مكاني هذا، حتّى يتُوبَ اللَّه عليَّ ممّا صَنَعتُ، وأُعاهِدُ اللَّه: ألّا أطأ (١) بني قُريظةَ أبدًا، ولا أُرَى في بَلَدٍ خُنتُ اللَّه ورسُولهُ فيه أبدًا. فلمّا بلَغَ رسُول اللَّه خَبرُهُ، وكان قدِ اسْتَبطأهُ، قال: "أما إنَّهُ لو جاءَني، لاسْتَغفرتُ لهُ، فأمّا إذ فعَلَ ما فعلَ، فما أنا بالذي يطلقُه من مكانِهِ، حتّى يتُوبَ اللَّه عليه" (٢) .
ج ١٢ ص ٤٣٢قال (١) : فحدَّثني يزِيدُ بن عبدِ اللَّه بن قُسَيطٍ: أنَّ تَوْبةَ أبي لُبابةَ نزلَتْ على رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهُو في بيتِ أُمِّ سَلَمةَ، قالت أُمُّ سلمةَ: فسمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من السَّحَرِ وهُو يَضْحكُ، قالت: فقُلتُ لهُ: ممّا تَضْحكُ، أضحكَ اللَّه سِنَّكَ؟ قال: "تِيبَ على أبي لُبابةَ" . قالت: فقلتُ: أفلا أُبشِّرُهُ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "بلى، إن شِئتِ" . قال: فقامت على بابِ حُجْرتِها، وذلك قبلَ أن يُضرَبَ عليهنَّ الحِجابُ، فقالت: يا أبا لُبابةَ أبْشِر، فقد تابَ اللَّه عليكَ. قالت: فثارَ النّاسُ إليه ليُطلِقُوهُ، فقال: لا واللَّه، حتّى يكونَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هُو الذي يُطْلِقُني، فلمّا مرَّ عليه خارِجًا إلى الصُّبح، أطلقهُ.
-
وذكرَ ابن هشام (٢) هذه القِصَّةَ، عن زِيادٍ، عن ابن إسحاقَ. ثُمَّ قال ابن هشام: أقامَ أبو لُبابةَ مُرتبِطًا بالجِذع سِتَّ ليال، تأتِيهِ امرأتُهُ في كلِّ وَقْتِ صَلاةٍ، فتُحُلُّهُ للصَّلاةِ، ثُمَّ يعُودُ فيَرْتبِطُ بالجِذع، فيما حدَّثني بعضُ أهلِ العِلم. قال: والآيةُ التي نزلتْ في توبتِهِ (٣) قولُ اللَّه عزّ وجلّ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ١٠٢] .
-
ذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثني من سمِعَ سُفيان بن عُيينةَ يُحدِّثُ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: سمِعتُ عبد اللَّه بن أبي أوْفَى، قال: قولُهُ عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال: ٢٧] نزلت في أبي لُبابةَ بن عبدِ المُنذِرِ.
-
وذكر بقِيُّ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ، قال: حدَّثنا عنبسةُ بن الأزهرِ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن عِكرِمةَ، قال: نزَلَت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
- ج ١٢ ص ٤٣٣
[الأنفال: ٢٧] في أبي لُبابةَ، أشارَ إلى بني قُريظةَ، حيثُ قالوا: ننزِلُ على حُكم سعدٍ. قال: لا تفعلُوا، فإنَّهُ الذَّبحُ. وأمرَّ يَدَهُ على حَلْقِهِ.
قال بقِيٌّ: وحدَّثنا إبراهيمُ بن محمدٍ الشّافِعيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن ابن أبي خالدٍ، قال: سمِعتُ عبد اللَّه بن أبي قَتادةَ، قال: نزلت في أبي لُبابةَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا} أَمانَتَكُمْ (١) . قال سُفيانُ: هكذا قرأ.
قال أبو عُمر: قد قرأ: "أمانتَكُم" على التَّوحِيدِ جماعةٌ (٢) ، والصَّوابُ عِندِي، واللَّهُ أعلمُ، في حدِيثِ سُفيان بن عُيينةَ هذا: عبدُ اللَّه بن أبي قتادةَ، لا عبدُ اللَّه بن أبي أوفى، وإن كان إسماعيلُ بن أبي خالدٍ قد سمِعَ من ابن أبي أوفى.
-
واسمُ أبي لُبابةَ: بشِيرٌ. وقيلَ: رِفاعةُ. وقد ذكرناهُ ونسبناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٣) .
-
وذكَر عليُّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عبّاسٍ، في قولِهِ: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} قال: ما افتُرِضَ عليهم من الفَرائضِ (٤) . وكذلك قال الضَّحّاكُ بن مُزاحِم.
وقال يزِيدُ بن أبي حبِيبٍ وغيرُهُ: هُو الإغلالُ بالسِّلاح في المُغازِي والبُعُوثِ (٥) .
-
حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ الرّازِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داود بن موسى المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن عائشةَ،
ج ١٢ ص ٤٣٤وعبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عبدِ اللَّه بن المُختارِ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من سرَّتهُ حَسَنتُهُ وساءَتهُ سيِّئتُهُ، فهُو مُؤمِنٌ" (١) .
-
وأمّا قولُهُ في الحدِيثِ: "يُجزِئُكَ منهُ الثُّلُثُ" ، فإنَّ مالكًا (٢) ذهَبَ إلى أنَّ من حلَفَ بصدَقةِ مالِهِ كلِّهِ في المساكِينِ، ثُمَّ حنِثَ، أنَّهُ يُجزِئُهُ من ذلك الثُّلُثُ. وهُو قولُ ابن شِهاب (٣) .
-
وذكَر ابن وَهْبٍ، عن ابن لهيعةَ، عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ مِثلهُ.
قال مالكٌ (٤) : فإن حلفَ حالِفٌ بصدَقةِ شيءٍ من مالِهِ بعينِهِ، ثُمَّ حنِثَ، لزِمهُ أن يُخرِجهُ كلَّهُ، وإن كان أكثر من الثُّلُثِ، وإن حلفَ مِرارًا بصدقةِ مالِهِ، ثُمَّ حنِثَ مِرارًا، فإنَّهُ يُخرِجُ ثُلُث مالِهِ يوم حلفَ كلَّ مرَّةٍ، مرَّةً بعد مرَّةٍ، إذا كان يمِينُهُ وحِنثُهُ مرَّةً بعد مرَّةٍ.
-
وأصلُ مالكٍ فيما ذهَبَ إليه في هذا البابِ حدِيثُ أبي لُبابةَ هذا، وهُو حدِيثٌ مُنقطِعٌ لا يتَّصِلُ إسنادُهُ، إلّا على ما ذكَرْنا، واللَّه أعلمُ.
-
وفيه حدِيثُ كعبِ بن مالكٍ، في معنى حدِيثِ أبي لُبابةَ، وهُو حدِيثٌ مُتَّصِلٌ صحِيحٌ.
- ج ١٢ ص ٤٣٥
وأمّا سائرُ العُلماءِ، فإنَّهُمُ اختَلَفُوا في ذلك.
-
فذكرَ أبو عبدِ اللَّه المروزِيُّ وغيرُهُ عن الحارِثِ العُكِليِّ والحكم بن عُتَيبةَ وابنِ أبي ليلى، فيمَن حلفَ بمالِهِ في المساكِينِ صَدَقة: أَنَّهُ ليسَ عليه شيءٌ من كفّارةٍ ولا غيرِها (١) .
-
ذهبُوا إلى أنَّ اليمِين لا تكونُ إلّا باللَّه عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تحلِفُوا إلّا باللَّه" (٢) .
قالوا: فمن حلفَ بغيرِ اللَّه، فهُو عاصٍ، وليسَ عليه كفّارةٌ، ولا عليه أن يتصدَّق بمالِهِ، ولا بشيءٍ منهُ، لأنَّهُ لم يَقصِد به قصدَ التَّقرُّبِ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ بالصَّدقةِ، ولا نذَرَ ذلك، فيلزمُهُ الوفاءُ به، وإنَّما أرادَ اليمِين.
قال أبو عُمر: وإلى هذا ذهَبَ محمدُ بن الحسنِ. وبِهِ قال داودُ بن عليٍّ وغيرُهُ. وهُو مذهبُ عبدِ الرَّحمنِ بن كيَسْان الأصمِّ، وجماعةٍ.
قال أبو عبدِ اللَّه المروزِيُّ: ويُروَى عن عُمر بن الخطّابِ، وعائشةَ، وابنِ عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ، وحفصةَ، وأُمِّ سلمةَ، أنَّهُم قالوا: من حلَفَ بصَدَقةِ مالِهِ، ثُمَّ حنِثَ، عليه كفّارةُ يمِينٍ (٣) .
-
وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأحمد بن حنبل، وأبي عُبيدٍ، وأبي ثورٍ (٤) .
- ج ١٢ ص ٤٣٦
وذكر المروزِيُّ عن أصحابِ الرَّأيِ، أنَّهُم قالوا: يتَصَدَّقُ من مالِهِ بما تجِبُ فيه الزَّكاةُ، من الذَّهبِ، والفِضَّةِ، والمواشِي، ولا يجِبُ عليه أن يتصدَّقَ بشيءٍ من العَقارِ، والمتاع، وسائرِ الأموال غيرَ ما تجِبُ فيه الزَّكاةُ من العينِ، والحرثِ، والمواشِي.
قال أبو عُمر: هكذا ذكرَ المروزِيُّ عن أصحابِ الرَّأيِ: أبي حنِيفةَ وأصحابِهِ.
-
والمعروفُ من قول (١) أبي حنِيفةَ (٢) عِندَ أصحابِهِ، فيمَن حلفَ بصدقةِ مالِهِ: أنَّهُ يُخرِجُهُ كلَّهُ، ولا يترُكُ لنفسِهِ إلّا ثِيابهُ التي تُوارِي عَوْرتهُ، ويُقوِّمُها، فإذا أفادَ قِيمتها، أخرجَها.
-
وأظُنُّ هؤُلاءِ حَكَمُوا فيه بحُكمِهِم في المُفلِسِ، الذي يُقسَمُ عِندَهُم مالهُ بينَ غُرمائهِ، ويُترَكُ لهُ ما لا بُدَّ منهُ، حتّى يستفِيدَ، فيُؤَدِّي إليهم.
-
وأمّا محمدُ بن الحسنِ، فالذي قدَّمنا ذِكرهُ عنهُ، هُو مذهبُهُ، فيما ذكرهُ الطَّحاوِيُّ (٣) وغيرُهُ.