عمرو بن يحيى المازني
٢٧٥ فقرة، ج ١٢ ص ٤٦٨
الصفحة ١ من ٧
- ج ١٢ ص ٤٦٨
لمالكٍ عنهُ أربعةُ أحادِيث، أحدُها مُرسلٌ مُنقطِعٌ
وهُو عَمرُو (١) بن يحيى بن عُمارةَ بن أبي حسنٍ المازِنِيُّ الأنصارِيُّ، مدنِيٌّ ثِقةٌ (٢) .
-
روى عنهُ: مالكٌ، وشُعبةُ، وخالدٌ الواسِطِيُّ، والثَّورِيُّ، ووُهيبٌ، وسُليمانُ بن بلال، وابنُ عُيينةَ، وغيرُهُم من الأئمَّةِ.
-
وروى عنهُ مِمَّن فوقَ هؤُلاءِ: يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ، وعُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، وأبوهُ يحيى بن عُمارةَ، تابِعِيٌّ ثِقةٌ، روى عنهُ محمدُ بن يحيى بن حَبّان وغيرُهُ.
-
وتُوُفِّي عَمرُو بن يحيى سنةَ أربعينَ ومئة.
- ج ١٢ ص ٤٦٩
حدِيث أوَّلُ لعَمرِو بن يحيى مُتَّصِلٌ صحِيحٌ
مالكٌ (١) ، عن عَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ، عن أبيهِ، أنَّهُ قال لعبدِ اللَّه بن زَيْدِ بن عاصِم، وهُو جدُّ عَمرِو بن يحيى، وكان من أصحابِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: هل تستطِيعُ أن تُرِيَني كيفَ كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضَّأُ؟ فقال عبدُ اللَّه بن زيدٍ: نعم. فدَعا بوَضُوءٍ، فأفرَغَ على يَدَيهِ، فغسَلَ يديهِ مرَّتينِ مرَّتينِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ (٢) واسْتَنثرَ ثلاثًا (٣) ، ثُمَّ غسَلَ وجههُ ثلاثًا، ثُمَّ غسَلَ يَدَيهِ مرَّتينِ مرَّتينِ إلى المرفِقَينِ، ثُمَّ مسَحَ رأسهُ بيدَيهِ، فأقبَلَ بهما وأدبَرَ، بدءًا بمُقدَّم رأسِهِ، ثُمَّ ذهَبَ بهما إلى قَفاهُ، ثُمَّ ردَّهُما حتّى رجَعَ إلى المكانِ الذي بَدَأ منهُ، ثُمَّ غسَلَ رِجليهِ.
قال أبو عُمر: لم يُختلَفْ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ، ولا في لفظِهِ، إلّا أنَّ ابن وَهْبٍ رواهُ في "مُوطَّئهِ" عن مالكٍ، عن عَمرِو بن يحيى بن عُمارةَ المازِنِيِّ، عن أبيهِ، عن عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم المازِنِيِّ، عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذكرَ معنى ما في "المُوطَّأ" مُختصرًا، ولم يقُل: وهُو جدُّ عَمرِو بن يحيى.
-
وذكر سُحنُونٌ في "المُدوَّنةِ" (٤) عن مالكٍ، عن عَمرِو بن يحيى بن عُمارةَ بن أبي حَسَنٍ المازِنِيِّ، عن أبيهِ يحيى، أنَّهُ سمِعَ جدَّهُ أبا حَسَنٍ يسألُ عبد اللَّه بن زيدِ بن عاصِم. ولم يَقُل: وهُو جدُّ عَمرِو بن يحيى. ولا ذكرَ عمَّن رواهُ عن مالكٍ.
وقال أحمدُ بن خالدٍ: لا تُعرَفُ هذه الرِّوايةُ عن مالكٍ، إلّا أن تكونَ لعليِّ بن زِيادٍ. وليسَ هذا الحدِيثُ في نُسخةِ القَعْنبِيِّ، فإمّا أسْقَطهُ، وإمّا سقطَ لهُ.
- ج ١٢ ص ٤٧٠
ولم يقُل أحدٌ من رُواةِ هذا الحدِيثِ، في عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم: وهُو جدُّ عَمرِو بن يحيى، إلّا مالكٌ وحدَهُ، ولم يُتابِعهُ عليه أحدٌ، فإن كان جدَّهُ، فعَسَى أن يكونَ جدَّهُ لأُمِّهِ.
-
ومِمَّن رواهُ عن عَمرِو بن يحيى: سُليمانُ بن بلالٍ (١) ، ووُهَيبُ بن خالد (٢) ، وابنُ عُيينةَ، وخالدٌ الواسِطِيُّ، وعبدُ العزيزِ بن أبي سلمةَ، وغيرُهُم، لم يقُل فيه أحدٌ منهُم: وهُو جدُّ عمرِو بن يحيى. وقد نسَبْنا عَمرو بن يحيى، بما لا اختِلافَ فيه.
-
وذكرَ ابن سَنْجَرٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلال، قال: حدَّثنا عَمرُو بن يحيى المازِنِيُّ، عن أبيهِ، قال: كان عمِّي يُكثِرُ من الوُضُوءِ، فقال لعَبدِ اللَّه بن زيدٍ: أخبِرني كيفَ كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَوضَّأُ، فدَعا بتَوْرٍ (٣) من ماءٍ (٤) . وذكرَ معنى حدِيثِ مالكٍ.
قال ابن سَنْجَرٍ: وحدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا وهيبٌ، قال: حدَّثنا عمرُو بن يحيى، عن أبيهِ (٥) ، قال: شهِدتُ عمِّي (٦) ابن أبي حسنٍ، سألَ عبد اللَّه بن زيدٍ، عن وُضُوءِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: فدَعا بتورٍ من ماءٍ، فتَوَضَّأ لهم وُضُوءَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأكْفَأ على يَدَيهِ من التَّورِ، فغسَلَ يديهِ ثلاثًا، ثُمَّ أدخَلَ يدهُ في التَّورِ، فتمضمضَ واسْتَنثرَ من ثلاثِ غَرَفاتٍ، ثُمَّ أدخلَ يَدَهُ، فغسَلَ وجههُ
ج ١٢ ص ٤٧١ثلاث مرّاتٍ، ثُمَّ أدخَلَ يَدهُ، فغسَلَ يَدَيهِ مرَّتينِ مرَّتينِ إلى المرفِقينِ، ثُمَّ ذكرَ مِثل حدِيثِ مالكٍ (١) .
-
(٢) ورواهُ ابن عُيَينةَ (٣) ، عن عَمرِو بن يحيى، فأخطأ فيه في مَوْضِعينِ، أحدُهما: أنَّهُ قال فيه: عن عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عبدِ ربِّهِ. وهذا خطأٌ، وإنَّما هُو عبدُ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم، وقد نسبناهُما في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٤) وأوضَحْنا أمرَهُما.
-
وأمّا عبدُ اللَّه بن زيدِ بن عبدِ ربِّهِ، فهُو الذي أُرِيَ الأذان في النَّوم، وليسَ هُو الذي يروِي عنهُ يحيى بن عُمارةَ هذا الحدِيث في الوُضُوءِ وغيره.
-
وعبدُ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم، هُو عمُّ عبّادِ بن تميم، وهُو أكثرُ رِوايةً عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عبدِ ربِّهِ، وقد كان أحمدُ بن زُهَيرٍ يَزْعُمُ أنَّ إسماعيلَ بن إسحاقَ وهِمَ فيهما، فجَعلَهُما واحِدًا، فيما حَكَى قاسمُ بن أصبغ عنهُ، والغلَطُ لا يسلَمُ منهُ أحدٌ، وإذا (٥) كان ابن عُيَينةَ مع جَلالتِهِ يغلَطُ في ذلك، فإسماعيلُ بن إسحاقَ أين يقعُ منَ ابن عُيينةَ؟ إلا أنَّ المُتأخِّرِين أوسعُ عِلمًا وأقلُّ عُذرًا.
-
وأمّا الموضِعُ الثّاني، الذي وهِمَ ابن عُيينةَ فيه في هذا الحدِيثِ، فإنَّهُ ذكرَ فيه مسح الرَّأسِ مرَّتينِ، ولم يَذْكُر فيه أحدٌ: "مرَّتينِ" غيرُ ابن عُيينةَ، وأظُنُّهُ، واللَّهُ أعلمُ، تأوَّلَ الحدِيثَ قولَهُ: فمسَحَ رأسهُ بيديهِ، أقبلَ (٦) بهما وأدبر.
- ج ١٢ ص ٤٧٢
وما ذكَرْناهُ عن ابن عُيينةَ، فمن رِوايةِ مُسدَّدٍ، ومحمدِ بن منصُورٍ (١) ، وأبي بكر بن أبي شَيْبةَ (٢) ، كلُّهُم ذكرَ فيه عن ابن عُيينةَ ما حَكَينا عنهُ.
-
وأمّا الحُمِيدِيُّ (٣) ، فإنَّهُ ميَّزَ ذلك، فلم يذكُرهُ، أو حفِظَ عن ابن عُيينةَ: أنَّهُ رجعَ عنهُ، فذكرَ فيه عن ابن عُيينةَ: ومسَحَ رأسهُ، وغسلَ رِجليهِ. فلم يصِفِ المسحَ، ولا قال: مرَّتينِ. وقال في الإسنادِ: عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ. لم يَزِد، لم يقُل: ابن عاصِم، ولا ابن عبدِ ربِّهِ، فتخلَّص.
-
ورَوَى عبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ هذا الحديثَ، فقال: أخبَرني عَمرو بن يحيى، عن أبيهِ، عن عبدِ اللَّه بن زيدِ (٤) قال: أتانا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخْرَجنا لهُ ماءً في تَوْرٍ من صُفْرٍ (٥) فتوضَّأ فغسَلَ وجههُ ثلاثًا، وَيدَيهِ مرَّتينِ مرَّتينِ، ومسحَ برأسِهِ فأقبَلَ به وأدبَرَ، وغسَلَ رِجلَيهِ (٦) . فزادَ عبدُ العزيزِ بن أبي سلمةَ فيه ذِكرَ تَوْرِ الصُّفرِ.
-
ورواهُ خالدُ بن عبدِ اللَّه الواسِطِيُّ، عن عَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ، عن أبيهِ، عن عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم، فذكرهُ، وقال فيه: فمضمَضَ واسْتَنشقَ من كفٍّ واحِدةٍ، يفعلُ ذلك ثلاث مرّاتٍ (٧) . ثُمَّ ذكرَ معنى حدِيثِ مالكٍ.
-
ورواهُ ابن وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارِثِ: أنَّ حَبّان بن واسع حدَّثهُ، أنَّ أباهُ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ عبد اللَّه بن زيدِ بن عاصِم المازِنِيَّ يذكُرُ، أنَّهُ رأى رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-،
ج ١٢ ص ٤٧٣فذكرَ وُضُوءَهُ، قال: فمضمَضَ واسْتَنثَرَ، ثُمَّ غسلَ وجههُ ثلاثًا، ويَدَهُ اليُمنى ثلاثًا، والأُخْرَى ثلاثًا، ومسحَ برأسِهِ بماءٍ غيرِ فَضْلِ يدَيهِ، وغسَلَ رِجلَيْهِ حتّى أنْقاهُما (١) .
-
تركنا ذِكر الأسانِيدِ بيننا وبينَ هؤُلاءِ للاختِصارِ، وكذلك اخْتَصرنا المُتُونَ، إلّا موضِعَ الاختِلافِ المُولِّد للحُكم، والزّائد في الفِقهِ، وباللَّه التَّوفِيقُ.
-
وأمّا ما في هذا الحدِيثِ من المعاني، فأوَّلُ ذلك: غسلُ اليدينِ قبلَ إدخالِهِما في الإناءِ مرَّتينِ.
-
وقد مَضَى القولُ في غسلِ اليدينِ قبلَ إدخالِهِما في الإناءِ، وما للعُلماءِ في ذلك من الاستِحبابِ والإيجابِ، وما للرُّواةِ فيه من ذِكر مرَّتينِ، أو ثلاثًا، مُستوعبًا مُمهَّدًا، في بابِ أبي الزِّنادِ، والحمدُ للَّه.
-
وأمّا قولُهُ: "ثُمَّ مضمض واستمئر ثلاثًا" . فالثَّلاثُ في ذلك، وفي سائرِ أعضاءِ الوُضُوءِ، أكملُ الوُضُوءِ وأتمُّهُ، وما زادَ فهُو اعتِداءٌ، ما لم تكُنِ الزِّيادةُ لتمام نُقصانٍ، وهذا ما لا خِلاف فيه.
-
والمضمضةُ معرُوفةٌ، وهي: أخذُ الماءِ بالفَم من اليدِ، وتحرِيكُهُ في الفَم، هي المضمضةُ، وليسَ إدخالُ الإصبع، ودلكُ الأسنانِ بها من المضمضةِ في شيءٍ، فمن شاءَ فعلَ، ومن شاءَ لم يفعل.
-
وقد مَضى ما للعُلماءِ في المضمضةِ من الأقوالِ في الإيجابِ والاستِحبابِ، والاعتِلالِ لذلك، بما فيه كِفايةٌ وبيانٌ، في بابِ زيدِ بن أسلم، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابِحِيِّ، ومَضَى هُناك أيضًا القولُ (٢) في الاستِنشاقِ والاستِنثارِ، وما للعُلماءِ في ذلك من المذاهِبِ والاختِيارِ، وزِدنا ذلك بيانًا بالآثار (٣) في بابِ أبي الزِّنادِ، والحمدُ للَّه.
- ج ١٢ ص ٤٧٤
وأمّا غسلُ الوَجْهِ ثلاثًا، فهُو الكمالُ، والغَسْلةُ الواحِدةُ إذا عمَّت، تُجزِئُ بإجماع من (١) العُلماءِ؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- توضَّأ مَّرةً مَّرةً، ومرَّتينِ مرَّتينِ، وثلاثًا ثلاثًا. وهذا أكثرُ ما فعلَ من ذلك -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتلقَّتِ الجماعةُ ذلك من فِعْلِهِ على الإباحَةِ والتَّخيِيرِ، وطَلَبِ الفضلِ في الثِّنتينِ والثَّلاثِ، لا على أنَّ شيئًا من ذلك نَسْخٌ لغيرهِ منهُ، فقِفْ على إجماعِهِم فيه.
-
والوَجْهُ، مأخُوذٌ من المُواجهةِ، وهُو من مَنابِتِ شَعْرِ الرَّأسِ، إلى العارِضِ والذَّقنِ والأُذُنينِ، وما أقبل من اللَّحيينِ (٢) .
-
وقدِ اختُلِفَ في البياضِ الذي بينَ الأُذُنِ والعارِضِ في الوُضُوءِ.
-
فرَوَى ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ قال: ليسَ ما خلفَ الصُّدغ، الذي من وراءِ شَعْرِ اللِّحيةِ إلى الأُذُنِ من الوَجْهِ (٣) .
وقال الشّافِعيُّ (٤) : يَغسِلُ المُتوضِّئُ وَجْههُ من مَنابِتِ شَعْرِ رأسهِ، إلى أُصُولِ أُذُنَيهِ، ومُنْتَهى اللِّحيةِ، إلى ما أقبلَ من وجهِهِ وذقنِهِ، فإن كان أمردَ، غسلَ بَشْرةَ وَجْهِهِ كلَّها، وإن نبتَتْ لحيتُهُ وعارِضاهُ، أفاضَ على لحيتِهِ وعارِضَيْهِ، وإن لم يصِل الماءُ إلى بَشَرةِ وَجْهِهِ التي تحتَ الشَّعرِ، أجزأهُ إذا كان شَعرُهُ كثِيرًا.
قال أبو عُمر: قد أجمعُوا أنَّ المُتيمِّمَ ليسَ عليه أن يمسحَ ما تحتَ شَعْرِ عارِضَيهِ، فقَضَى إجماعُهُم في ذلك، على مُرادِ اللَّه منهُ؛ لأنَّ اللَّه أمرَ المُتيمِّمَ بمَسْح وَجهِهِ، كما أمرَ المُتوضِّئَ بغَسْلِهِ، وهذا (٥) الذي ذكرتُ لك عليه جماعةُ العُلماءِ.
ج ١٢ ص ٤٧٥وقال أحمدُ بن حنبل: غسلُ الوَجْهِ من منابِتِ شعرِ الرَّأسِ، إلى ما انْحَدرَ من اللَّحيينِ والذَّقنِ، وإلى أُصُولِ الأُذُنينِ، ويتَعاهدُ المفصِل ما بين اللِّحية (١) والأُذُن (٢) .
وقال أبو حنِيفةَ وأصحابهُ: البياضُ الذي بين العذارِ، وبين الأُذُنِ من الوجهِ، وغسلُهُ واجِبٌ (٣) .
قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من فُقهاءِ الأمصارِ قال بما رواهُ ابن وَهْبٍ عن مالكٍ في ذلك، ولقد قال بعضُ أهلِ المدِينةِ، وبعضُ أهلِ العِراقِ: ما أقبَلَ من الأُذُنينِ، فمن الوجهِ، وما أدبرَ منهُما، فمن الرَّأسِ. فما دُون الأُذُنينِ إلى الوَجْهِ، أحْرَى بذلك.
-
وقد ذكَرْنا حُكم الأُذُنينِ عِندَ العُلماءِ، في بابِ زيدِ بن أسلم، والحمدُ للَّه.
-
حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن حكم، قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ محمد بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا الفضلُ بن الحُبابِ القاضِي بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا قَيْسُ بن الرَّبِيع، عن جابرٍ، عن هُرمُز، قال: سمِعتُ عليًّا رضِي اللَّه عنهُ يقولُ: يُبلَغُ بالوُضُوءِ مقاصَّ الشَّعرِ (٤) .
-
واختلَفَ العُلماءُ في تخليلِ اللِّحيةِ والذَّقنِ.
-
فذهَبَ مالكٌ والشّافِعيُّ والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ، إلى أنَّ تخليل اللِّحيةِ ليسَ بواجِبٍ في الوُضُوءِ (٥) .
ج ١٢ ص ٤٧٦وقال مالكٌ وأصحابُهُ وطائفةٌ من أهلِ المدِينةِ: ولا في غُسلِ الجنابةِ، لا يجِبُ تخليلُ اللِّحيةِ أيضًا.
-
وقال الشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُما والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ واللَّيْثُ وأحمدُ بن حنبلٍ وإسحاقُ بن راهوية وأبو ثورٍ وداودُ والطَّبرِيُّ وأكثرُ أهلِ العِلم: تخليلُ اللِّحيةِ في غُسلِ الجنابةِ واجِبٌ، ولا يجِبُ ذلك عِندهُم في الوُضُوءِ، وأظُنُّهُم فرَّقُوا بينَ ذلك، واللَّهُ أعلمُ، لقولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تحتَ كلِّ شَعْرةٍ جنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعرَ، وأنقُوا البَشَرةَ" (١) .
-
وأظُنُّ مالكًا ومن قال بقولِهِ ذهَبُوا إلى أنَّ الشَّعرَ لا يمنعُ وُصُول الماءِ، لرِقَّةِ الماءِ وتوصُّلِهِ إلى البَشَرةِ من غيرِ تخليل، إذا كان هُناك تحرِيكٌ، واللَّه أعلمُ.
-
وقد ذكرَ ابن عبدِ الحكم، عن مالكٍ قال: ويُحرِّكُ اللِّحيةَ في الوُضُوءِ إن كانت كبِيرةً ولا يُخلِّلُها، وأمّا في الغُسلِ فليُحرِّكها وإن صَغُرت، وتخليلُها أحبُّ إلينا (٢) .
-
وذكر ابن القاسم، عن مالكٍ، قال: يُحرِّكُ المُتوضِّئُ ظاهِر لحيتِهِ، من غيرِ أن يُدخِل يَدَهُ فيها. قال: وهي مِثلُ أصابِع الرِّجِلِ، يعني أنَّها لا تُخلَّلُ.
وقال محمدُ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الحكم: تخليلُ اللِّحيةِ واجِبٌ في الوُضُوءِ والغُسلِ.
-
وأخبرنا خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ،
ج ١٢ ص ٤٧٧قال: سمِعتُ مالكًا يَذْكُرُ تخليل اللِّحيةِ، فيقولُ: يَكْفيها ما يَمَسُّها من الماءِ، مع غَسْلِ الوَجْهِ، ويحتجُّ في ذلك بحدِيثهِ، عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ، عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، حِينَ أراهُ الرَّجُلُ الذي سألهُ عنهُ، لم يذكُر فيه تخليل اللِّحيةِ. وكان الأوزاعِيُّ يقولُ: ليسَ تحرِيكُ العارِضَيْنِ، وتخليلُ اللِّحيةِ، بواجِبٍ.
قال أبو عُمر: رُوِي عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنَّهُ خلَّلَ لحيتهُ في وُضُوئهِ (١) . من وُجُوهٍ كلُّها ضعِيفةٌ (٢) .
-
وأمّا الصَّحابةُ والتّابِعُونَ، فرُوِي عن جماعةٍ منهُم تخليلُ اللِّحيةِ، وأكثرُهُم لم يُفرِّقُوا بينَ الوُضُوءِ والجَنابةِ، ورُوِيَ عن جَماعةٍ منهُمُ الرُّخصةُ في تَرْكِ تخليلِ اللِّحيةِ.
-
وإيجابُ غَسْلِ ما تحتَ اللِّحيةِ، إيجابُ فرضٍ، والفرائضُ لا تثبُتُ إلّا بيقِينٍ لا اختِلاف فيه، ومنِ احتاطَ وأخذَ بالأوثقِ، فهُو أولى (٣) في خاصَّتِهِ، وأمّا الفتوى بإيجابِ الإعادةِ، فما يَنْبغِي أن يكون إلّا عن يقِينٍ، وباللَّه التَّوفِيقُ.
-
وذكرَ ابنُ خُوَيْز مَنْداد، أنَّ الفُقهاءَ اتَّفقُوا على أنَّ تخليلَ اللِّحيةِ ليسَ بواجِبٍ في الوُضُوءِ، إلّا شيءٌ رُوِي عن سعِيدِ بن جُبيرٍ.
قال أبو عُمر: الذي رُوِي عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، قولُهُ: ما بالُ الرَّجُلِ يَغسِلُ
ج ١٢ ص ٤٧٨لحيتهُ قبلَ أن تَنبُتَ، فإذا نَبتَت لم يَغْسِلها؟ وما بالُ الأمردِ يَغسِلُ ذقنهُ، ولا يَغسِلُهُ ذُو اللِّحيةِ (١) ؟
وقال الطَّحاوِيُّ (٢) : التَّيمُّمُ واجِبٌ فيه مَسْحُ البشرةِ قبلَ نباتِ اللِّحيةِ، ثُمَّ سقطَ بعدها عِندَ (٣) جميعِهِم، فكذلك الوُضُوءُ.
وقال سحنُونٌ (٤) ، عنِ ابن القاسم: سمِعتُ مالكًا يُسألُ: هل سمِعتَ بعض أهلِ العِلم يقولُ: إنَّ اللِّحيةَ من الوَجْهِ، فليُمِرَّ عليها الماءَ؟ قال: نعم (٥) . قال مالكٌ: وتخليلُها في الوُضُوءِ ليسَ من أمرِ النّاسِ. وعابَ ذلك على من فَعلَهُ (٦) . قيلَ لسحنُونٍ: أرأيتَ من غسلَ وجههُ، ولم يُمرَّ الماءَ على لحيتِه؟ قال: هُو بمَنزِلةِ من لم يَمْسح رأسهُ، وعليه الإعادةُ.