عمرو بن أبي عمرو

٣٤ فقرة، ج ١٢ ص ٥٥١

  1. حدِيثٌ واحِدٌ

    وهُو عَمرُو (١) بن أبي عَمرٍو، يُكنَى أبا عُثمان، واسمُ أبي عَمرٍو: مَيْسرةُ، وهُو مولى المُطَّلِبِ بن عبدِ اللَّه بن حَنْطبٍ المخزُوميِّ القُرَشيِّ، مدَّنِيٌّ ليس به بأسٌ.

    ج ١٢ ص ٥٥١
  2. روى عن أنسِ بن مالكٍ، وعِكْرِمةَ مولى ابن عبّاسٍ، وعن مولاهُ المُطَّلِبِ بن عبدِ اللَّه بن حنطبٍ، والمُطَّلِبُ مولاهُ يُكنَى أبا الحكم.

  3. ورَوَى عن عَمرِو بن أبي عَمرِو: مالكُ بن أنسٍ، وعبدُ العزيزِ الدَّراوردِيُّ.

    قال عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل (٢) : سألتُ أبي عن عَمرِو بن أبي عَمرٍو، فقال: سمِعَ من أنسٍ، ليسَ به بأسٌ، رَوَى عنهُ مالكُ بن أنسٍ.

    وقال ابن أبي حاتِم (٣) : سألتُ أبي عن عَمرِو بن أبي عَمرٍو، فقال: لا بأس به، روى عنهُ مالكٌ.

  4. وسُئل أبو زُرعةَ عن عَمرِو بن أبي عمرٍو، فقال: مدَّنِيٌّ ثِقةٌ.

  5. وأمّا ابن مَعِينٍ، فرَوَى عنهُ عبّاس (٤) الدُّورِيُّ أنَّهُ قال: عَمرُو بن أبي عَمرٍو ليسَ بحُجَّةٍ.

  6. وقولُ أبي زُرعةَ أوْلَى من قولِ ابن معِينٍ، إن شاءَ اللَّه، لرِوايةِ مالكٍ عنهُ، وكان لا يَروِي عِندَهُم إلّا عن ثِقةٍ (٥) .

  7. مالكٌ (١) ، عن عَمرِو بن أبي عَمرٍو مولى المُطَّلِبِ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- طلَعَ لهُ أُحُدٌ، فقال: "هذا جبلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ اللهُمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها" .

    ج ١٢ ص ٥٥٢
  8. لم يُختَلَف على مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ ولا في لفظِهِ، فيما علِمتُ، ورواهُ سُفيانُ بن بِشْر (٢) ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ، فأخطأ فيه (٣) .

  9. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو عَمرٍو عُثمانُ بن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن محمدِ بن عُتبةَ بن أبي سُفيان بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا أبو شَيْبةَ داودُ بن إبراهيمَ البَغْدادِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قال: قرأتُ على مالكِ بن أنَسٍ: عن عَمرٍو مولى المُطَّلِبِ، عن أنَسٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- طَلَع لهُ أُحُدٌ، فقال: "إنَّ هذا جبل يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ، اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها" . يعني المدِينةَ.

  10. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُمرَ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرِ بن أعْيَنَ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ أحمدُ بن إبراهيمَ بن عليِّ بن محمدٍ الكِندِيُّ ومحمدُ بن عبدِ اللَّه، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد (٤) بن

    ج ١٢ ص ٥٥٣عبدِ العزيزِ البغوِيُّ، قال (١) : حدَّثنا عبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قال: قرأتُ على مالكِ بن أنَسٍ، عن عَمرِو بن أبي عَمرٍو، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- طلَعَ لهُ أُحُدٌ، فذكَرَهُ.

    قال أبو عُمر: للنّاسِ في هذا مذهبانِ، أحدُهُما أنَّ ذلك مجازٌ، ومجازُهُ أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْرحُ بأُحُدٍ إذا طلَعَ لهُ، استِبشارًا بالمدِينةِ، ومن فيها من أهْلِها (٢) ، ويُحِبُّ النَّظر إليه، لقُربِهِ من النُّزُولِ بأهلِهِ، والأوْبةِ من سَفرِهِ، فلِهذا واللَّه أعلمُ، كان يُحِبُّ الجبل.

  11. وأمّا حُبُّ الجبلِ لهُ، فكأنَّهُ قال: وكذلك كان يُحِبُّنا، لو كان مِمَّن تَصِحُّ وتُمكِنُ منهُ محبَّةٌ.

  12. وقد مَضَى هذا المعنى في بابِ عبدِ اللَّه بن يزِيد واضِحًا، عِندَ قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اشْتكتِ النّارُ إلى ربِّها. . . " الحدِيث (٣) . والحمدُ للَّه.

  13. ومن هذا قولُ عُمر بن الولِيدِ بن عُقبةَ (٤) :

    بكى أُحُدٌ إن فارقَ اليومَ أهلهُ ... فكيفَ بذِي وَجْدٍ من القَوْمِ (٥) آلِفُ

    وقد قيلَ: معنى قولِهِ: "يُحِبُّنا" ، أي: يُحِبُّنا أهلُهُ، يَعني الأنصار السّاكِنِينَ قُربهُ، وكانوا يُحِبُّونَ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ويُحِبُّهُم؛ لأنَّهُم آوَوْهُ، ونَصرُوهُ، وأقامُوا دِينهُ، فخرَجَ قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- على هذا التَّأوِيلِ، مخرجَ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: ٨٢] يُرِيدُ: واسأل (٦) أهلَ القَرْيةِ (٧) ، ومثلُه:

    ج ١٢ ص ٥٥٤{وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} (١) [يوسف: ٨٢] ، وهذا معرُوفٌ في لِسانِ العربِ، وقد تكونُ الإرادةُ للجبلِ مجازًا أيضًا، فيكونُ القولُ في حُبِّ الجبلِ، كالقولِ في إرادةِ الجِدارِ أن ينقضَّ سواءً (٢) ، ومن حمل ذلك على المجازِ، جعلهُ كقولِ الشّاعِرِ (٣) :

    يُرِيدُ الرُّمحُ صدرَ أبي براءٍ ... ويرغبُ عن دِماءِ بني عَقيلِ

    وزعمَ أنَّ العرب خُوطِبَتْ من ذلك بما تَعرِفُهُ بينَها من مُخاطَباتِها، ومفهُوم كلامِها، فهذا كلُّهُ مذهبُ من حملَ هذهِ الألفاظ، وما كان مِثلها في الكِتابِ والسُّنَّةِ على المجازِ المعرُوفِ من لِسانِ العربِ.

  14. والمذهبُ الآخرُ: أنَّ ذلك حَقِيقةٌ، ومن حملَ هذا على الحقِيقةِ، جعلَ للجِدارِ إرادةً يَفْهمُها من شاءَ اللَّه، وجعلَ لكلِّ شيءٍ تسبِيحًا حَقِيقةً لا يَفْقهُها (٤) النّاسُ، بقولِهِ عزَّ وجلَّ: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: ١٠] ، وقولِهِ: {إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: ٤٤] وجعل للسَّماواتِ والأرضِ بُكاءً (٥) وقولًا، في مِثلِ هذا المعنى صحِيحًا.

  15. والقولُ في كِلا المذهبينِ يتَّسِعُ، وقد أكثر النّاسُ في هذا المعنى (٦) ، وباللَّه التَّوفِيقُ.

  16. وأمّا قولُهُ: "إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها" ، يعني: المدينة، ففيه تصريحٌ بتحريم المدينة وأنها لا يجوز الاصطياد فيها، وفي ذلك ما يُبطلُ

    ج ١٢ ص ٥٥٥قولَ الكوفيِّين ويشهدُ لصحّةِ قول أهل المدينة (١) ، وقد رَوَى هذا المعنى أبو هريرةَ، ورافعُ بن خدِيج، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  17. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢) : حدَّثنا قُتيبةُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن مُضَر، عن ابن الهادِ، عن أبي بكرِ بن محمدٍ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمان، عن رافع بن خَدِيج، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مَكَّةَ" .

    وقال أحمدُ بن زُهيرٍ (٣) : حدَّثنا مُصعبُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي حازِم، عن كثِيرِ بن زيدٍ، عن الولِيدِ بن رباح، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكَّةَ" .

  18. ورواهُ جابرٌ، وسعدُ بن أبي وقّاصٍ أيضًا كذلك:
  19. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٤) : حدَّثنا محمد بن عِمْرانَ بن أبي ليلى، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا ابن أبي ليلى،

    ج ١٢ ص ٥٥٦عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ ابراهيمَ حرَّمَ مَكَّةَ" (١) .

  20. أخبَرنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي بكرٍ، سَمِع الفُضَيلَ (٢) بنَ سُليمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي يحيى، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بن سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أبيهِ قال: قال رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما بينَ لابَتي المدينةِ حرامٌ، كما حرَّمَ إبراهيمُ مكَّةَ، اللَّهُمَّ اجعَلِ البَرَكة فيها بَرَكتينِ، وبارِكْ لهم في صاعِهمْ ومُدِّهم، وإنِّي أحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها" . يعني المدينةَ (٣) .

  21. وأمّا ابنُ عبّاسٍ، وأبو شُريح الكَعْبي، فرَوَيا أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ حرَّمَها، ولم يُحرِّمها النّاسُ (٤) .

  22. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٥) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٦) :

    ج ١٢ ص ٥٥٧حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جرِيرٌ، عن منصُورٍ، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ فتح مكَّةَ: "إنَّ هذا البلَدَ حرَّمهُ اللَّه يومَ خلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، فهُو حرام بحُرْمةِ اللَّه إلى يَوْم القِيامةِ، لا يُعضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يَلْتقطُ لُقَطتَهُ إلّا من عرَّفَها. . . " وذكر تمامَ الحدِيثِ.

  23. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (١) : حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وهبُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمِعتُ يُونُس بن يزِيد يُحدِّثُ، عن الزُّهرِيِّ، عن مُسلِم بن يزِيد أحدِ بني سعدِ (٢) بن بكرٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا شُريح الخُزاعِيَّ ثُمَّ الكعبِيَّ يقولُ: ثُمَّ قامَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأثْنَى على اللَّه بما هُو أهلُهُ، ثُمَّ قال: "أمّا بعدُ، فإنَّ اللَّه حرَّمَ مكَّةَ ولم يُحرِّمها النّاسُ، وإنَّما أحَلَّها لي ساعَةً من النَّهارِ أمسِ (٣) ، وإنَّها اليومَ حرامٌ كما حرَّمها أوَّل مرَّةٍ (٤) .

    قال عبدُ الملكِ بن عبدِ العزيزِ ابنُ الماجِشُونِ: التَّحرِيمُ للصَّيدِ بالمدِينةِ حقٌّ، لقولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكَّةَ، وإنِّي أحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها".

    ج ١٢ ص ٥٥٨قال عبدُ الملكِ: وحدُّ ذلك ما لوِ التَقْتِ الحرَّتانِ عليه، كانتِ البُيُوتُ شاغِلةً منه (١) ، وما فوقَ ذلك وأسفَلَ فمُباحٌ.

    قال: وقال مالكٌ: أكرهُ ما قرُبَ جِدًّا من فَوْقٍ، وأسفَلَ (٢) .

    قال (٣) : وبلَغَنا أنَّ سعدًا أخذَ ثوب من فعل ذلك وفأسهُ، فكلِّم فيه، فقال: لا أدعُ ما أعْطانِيهِ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٤) .

    قال: وبَلَغنا أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال لمولًى لقُدامةَ بن مَظْعُونٍ، يُدْعى سالمًا: إذا رأيتَ من يَقْطعُ من الشَّجرِ، يعني من شجَرِ المدِينةِ، شيئًا، فخُذ فأسهُ. قال: وثَوْبهُ يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ؟ قال: لا، ولكِن فأسهُ (٥) .

    قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ: أنَّهُ لا يجُوزُ أخذُ فأسِ منِ اصْطادَ بالمدِينةِ اليومَ ولا ثوبِهِ، وقدِ احتجَّ بذلك من زعَمَ أنَّ تحرِيم صَيْدِها مَنسُوخٌ بذلك.

  24. وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ الحدِيث عن سعدٍ وعُمر في ذلك ضعِيفُ الإسنادِ، ولا يُحتجُّ به، وقد ثبتَ تحرِيمُها (٦) من الطُّرُقِ الصِّحاح.

  25. وليسَ في سُقُوطِ وُجُوبِ الجَزاءِ على منِ اصْطادَ فيها، ما يُسقِطُ تحرِيمها، لما قدَّمناهُ من الحُجَّةِ في ذلك، في بابِ ابن شهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، وثَمَّ اشْبَعنا القوَلَ في هذه المسألةِ.

  26. ولم يَكُن في شرِيعةِ إبراهيمَ جزاءُ صَيْدٍ، فيما قال أهلُ العِلم، والنَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما حرَّم المدِينةَ، كما حرَّم إبراهيمُ مكَّةَ.

    ج ١٢ ص ٥٥٩
  27. ووُجُوبُ الجزاءِ في صَيْدِ الحَرَم شيءٌ ابْتَلَى اللَّه به هذه الأُمَّةَ، ألا تَرَى إلى قولِهِ عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} [المائدة: ٩٤] . ولم يكُن قبلَ ذلك، واللَّهُ أعلمُ.

  28. والصَّحابةُ فَهِمُوا المُرادَ في تحرِيم صَيْدِ المدِينةِ، فتَلقَّوهُ بالوُجُوبِ، دُونَ جَزاءٍ، كذلك قال أبو هريرةَ (١) ، وزيدُ بن ثابتٍ (٢) ، وأبو سعِيدٍ (٣) .

  29. ذكرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سُليمانَ بن بلال، عن سعدِ بن إسحاقَ بن كعبِ بن عُجرةَ، عن زينب بنتِ كعبِ بن عُجرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حرَّمَ ما بينَ لابَتَيِ المدِينةِ، وأَنَّهُ حرَّمَ شَجَرها أن يُعضَدَ. قالت زينبُ: فكانَ أبو سعِيدٍ يَضْرِبُ بنِيهِ إذا اصطادوا فيها، ويُرسِلُ الصَّيدَ (٤) .

    قال: وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا عاصِمٌ الأحولُ، قال: قُلتُ لأنَسِ بن مالكٍ: حرَّم رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدِينةَ؟ قال: نعم (٥) .

  30. وقد قالت فِرقةٌ: في صيدِ المدِينةِ الجزاءُ (١) . واحتجُّوا بأنَّهُ حَرَمُ نبِيٍّ، كما مكَّةُ حَرَمُ نبِيٍّ، واعتلُّوا بقولِهِ: "إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها" .

    ج ١٢ ص ٥٦٠
  31. والوجهُ (٢) : ما قدَّمنا، وهُو قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حنِيفةَ، وأكثرِ أهلِ العِلم.

  32. والأصلُ أنَّ الذِّمَّةَ برِيئَةٌ، فلا يجِبُ فيها شيءٌ إلّا بيقِينٍ.

  33. وأمّا حرمُ المدِينةِ، وكم يبلُغُ من المسافةِ، ومعنى "لابَتَيها" وهُما الحرَّتانِ، فقد مضى في كِتابِنا هذا، في بابِ ابن شِهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، والحمدُ للَّه.

  34. [آخر المجلد الثاني عشر من هذه الطبعة المحققة، نسأل اللَّه سبحانه عونه على إنجازه] .