العلاء بن عبد الرحمن
٤٠٢ فقرة، ج ١٣ ص ٥
الصفحة ١ من ١١
- ج ١٣ ص ٥
وهُو العلاءُ (١) بن عبدِ الرَّحمنِ بن يعقُوب، مولى الحُرَقةِ، والحُرَقةُ: امرأةٌ من جُهَينةَ، وهي فَخِذٌ من أفخاذِ جُهَينةَ، يُنسبُ إليه الحُرَقِيُّون.
-
روى عنهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، منهُم: مالكٌ، وشُعبةُ، والثَّورِيُّ، وابنُ عُيينةَ.
-
وهُو من تابِعِي أهلِ المدِينةِ، سمِع أنس بن مالكٍ.
-
كان ابن معِينٍ لا يرضاهُ، وليسَ قولُهُ فيه بشيءٍ، قال أحمدُ بن زُهَيرٍ (٢) : سمِعتُ يحيى بن معِينٍ يقولُ: العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ ليسَ بذاك، قال (٣) : وسمِعتُ يحيى بن مَعِينٍ يقولُ: لم يَزلِ النّاسُ يتَّقُونَ حدِيث العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ.
قال أبو عُمر: ليتَ شِعرِي، مَنِ النّاسُ الذين كانوا يتَّقُونَ حَدِيثهُ؟ وقد حدَّث عنهُ هؤُلاءِ الأئمَّةُ الجلَّةُ، وجماعةٌ غيرُهُم كثِيرةٌ.
وقال عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل (٤) : سمِعتُ أبي يقولُ: العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ ثِقةٌ.
-
والعلاءُ من التّابِعِينَ بإدراكِهِ أنَس بن مالكٍ، وأبوهُ من التّابِعِينَ أدركَ أبا هريرةَ وأبا سعِيدٍ، وجدُّهُ يَعْقُوبُ أدركَ عُمر بن الخطّابِ، فهُو من كِبارِ التّابِعِين.
-
وذكرَ ابن إسحاقَ وعبدُ العزيزِ بن أبي حازِم وإسماعيلُ بن جعفرٍ وغيرُهُم، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، ومعنى حدِيثِهِم واحِدٌ، دخل بعضُهُ في
ج ١٣ ص ٦بعضٍ: أنَّ يعقُوبَ أباهُ كان مُكاتَبًا لأوسِ بن الحَدَثانِ النَّصرِيِّ، فتزوَّج جدُّهُ مولاةً لرجُلٍ من الحُرَقةِ، فولدت لهُ عبد الرَّحمنِ أبا العلاءِ هذا، ثُمَّ إنَّ يعقُوب قَضَى كِتابتهُ بعدما وُلِدَ عبدُ الرَّحمنِ، فقام (١) الحُرَقِيُّ فأخذ بيدِ عبدِ الرَّحمنِ، فقال: مولاي. وقال النَّصرِيُّ: مولاي. فارتَفعا إلى عُثمان بن عفّان، فقَضَى عُثمانُ بأنَّ الوَلاءَ للحُرَقِيِّ، وأنَّ ما ولدت (٢) أمُّ عبدِ الرَّحمنِ، ويعقُوبُ مُكاتبٌ فهو للحُرَقِيِّ، وما ولدَتْ بعدَ عِتقِهِ وأداءِ كِتابتِهِ، فهُو لأوسِ بن الحَدَثانِ النَّصرِيِّ.
-
وروى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن أبي النَّضرِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يعقُوب مولى الحُرَقةِ معنى ما تقدَّمَ من ولاءِ يَعقُوب وامرأتِهِ، إلّا أَنَّهُ جعلَ مكان الكِتابةِ تدبِيرًا.
قال أبو عُمر: لمالكٍ عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ عشرةُ أحادِيث مرفُوعةٍ، أحدُها مقطُوعٌ.
-
وتُوُفِّي العلاءُ في خِلافةِ أبي جعفرٍ، سنةَ سبعٍ (٣) وثلاثِينَ ومئةٍ.
- ج ١٣ ص ٧
حدِيثٌ أوَّلُ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ
مالكٌ (١) ، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: دخَلْنا على أنسِ بن مالكٍ بعدَ الظُّهرِ، فقامَ يُصلِّي العصرَ، فلمّا فرغَ من صلاتِهِ ذكَرْنا تَعجِيلَ الصَّلاةِ (٢) أو ذكَرَها، فقال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "تلكَ صلاةُ المُنافِقِينَ، تلكَ صلاةُ المُنافِقِينَ" . ثلاثًا "يجلِسُ أحدُهُم حتّى إذا اصفرَّتِ الشَّمسُ، فكانت بينَ قَرْنيِ الشَّيطانِ، أو على قَرْنِ الشَّيطانِ، قامَ فنقَرَ أربعًا، لا يَذكُرُ اللَّه فيها إلّا قليلًا" .
-
لم يُختَلَف في إسنادِ هذا الحدِيثِ على مالك، ولا في لفظِهِ في "المُوطَّأ" فيما علِمتُ (٣) .
-
وفي هذا الحدِيثِ دليلٌ على سَعَةِ الوَقْتِ، وأنَّ النّاسَ كانوا يُصلُّونَ في ذلك الزَّمانِ على قَدْرِ ما يُمكِنُهُم من سَعَةِ الوَقْتِ فتختلِفُ صلاتُهُم؛ لأنَّ بَعضهُم كان يُصلِّي في أوَّل الوقتِ، وبعضهُم في وسطِهِ، وبعضهُم رُبَّما في آخِرِهِ. وقد قال -صلى اللَّه عليه وسلم- في أوَّلِ الوقتِ وآخِرِهِ: "ما بينَ هذينِ وَقْتٌ" (٤) .
-
وأمّا تأخِيرُ صلاةِ العَصْرِ حتّى تصفرَّ الشَّمسُ، فمكرُوهٌ لمن لم يَكُن لهُ عُذرٌ، بدليلِ هذا الحدِيثِ وغيرِهِ.
- ج ١٣ ص ٨
وقد ذكَرْنا ما في وَقْتِ صلاةِ العصرِ من السَّعةِ، وما للعُلماءِ في ذلك من المذاهِبِ، في مَواضِع من كِتابِنا هذا، منها (١) : حدِيثُ زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، وبُسرِ بن سعِيدٍ، والأعرج، عن أبي هريرةَ. ومنها: حدِيثُ ابن شِهابٍ، عن أنسٍ.
-
وذكَرْنا مواقِيت الصَّلواتِ كلِّها مُمهَّدةً مَبْسُوطةً، في بابِ ابن شِهابٍ، عن عُروةَ، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا.
-
وقد رَوَى هذا الحدِيث ابن أبي حازِم، عن العلاءِ، بأتمِّ ألفاظٍ.
-
حدَّثناهُ يُونُسُ بن عبدِ اللَّه بن مُغِيثٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَرْوانَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي حازِم، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، أَنَّهُ دخلَ على أنسِ بن مالكٍ هُو وعُمرُ (٢) بن ثابتٍ بالبَصْرةِ، قال: حِينَ سلَّمنا من الظُّهرِ. قال: وكانَ خالدُ بن عبدِ اللَّه بن أَسِيْد والِيًا عَلَينا، وكان يُحَيِّن (٣) وقتُ الصَّلاةِ، فلمّا انصرَفنا من الظُّهرِ، دخَلْنا على أنسِ بن مالكٍ، ودارُهُ عِندَ بابِ المسجِدِ، فقال: ما صلَّيتُما؟ قُلنا: صلَّينا الظُّهر. قال: فقُوما فصلِّيا العَصْرَ. قال: فخرَجْتُ أنا وعُمرُ (٤) بن ثابتٍ إلى الحُجْرةِ فصلَّينا العصرَ، ثُمَّ دعانا فدَخْلنا عليه، فقال: سمِعتُ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "تلكَ صلاةُ المُنافِقِين، تلكَ صلاةُ المُنافِقِين، ينتظِرُ أحدُهُمُ الشَّمسَ حتّى
ج ١٣ ص ٩إذا اصفرَّتْ وكانت على قَرْنيِ الشَّيطانِ، قامَ فنَقَرها أربعًا، لا يَذكُرُ اللَّه فيها إلّا قليلًا" (١) .
قال أبو عُمر: قد كان عُمرُ بن عبدِ العزيزِ وهُو بالمدِينةِ عَرَّضَ لرَجُلٍ (٢) صلَّى معهُ مِثلَ هذا مع أنسٍ أيضًا.
-
وقد ذكَرْنا تأخِير بني أُميَّةَ للصَّلاةِ مُمهَّدًا، في بابِ ابن شِهابٍ، عن عُروةَ، من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن عَمرِو بن يحيى، عن خالدِ بن خلّادٍ، أَنَّهُ قال: صلَّينا مع عُمرَ بن عبدِ العزيزِ الظُّهرَ يومًا، ثُمَّ دخَلْنا على أنسِ بن مالكٍ، فوَجْدناهُ قائمًا يُصلِّي العصرَ، فقُلنا: إنَّما انصَرْفنا الآن من الظُّهرِ مع عُمرَ. فقال: إنِّي رأيتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي هذه الصَّلاةَ هكذا، فلا أترُكُها أبدًا (٣) .
- ج ١٣ ص ١٠
حدِيثٌ ثانٍ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ
مالكٌ (١) ، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّهُ سمِعَ أبا السّائبِ مولى هشام بن زُهْرَةَ يقولُ: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ، غيرُ تمام" . قال: فقُلتُ: يا أبا هريرةَ، إنِّي أكُونُ أحيانًا وراءَ الإمام. قال: فغمَزَ ذِراعِي، وقال: اقْرَأ بها في نفسِكَ يا فارِسِيُّ، فإنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "قال اللَّه عزَّ وجلَّ: قسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عَبْدِي نِصفينِ، فنِصفُها لي، ونِصفُها لعبدِي، ولعَبْدِي ما سألَ" . قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اقرؤُوا، يقولُ العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقولُ اللَّه: حَمِدني عبدِي. يقولُ العبدُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يقولُ اللَّه: أثْنَى عليَّ عبدِي. يقولُ العبدُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يقولُ اللَّه: مجَّدَني عبدِي. يقولُ العبدُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فهذه الآيةُ بيني وبين عَبْدِي، ولعبدِي ما سألَ. يقولُ العبدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فهؤُلاءِ لعبدِي، ولعبدِي ما سألَ" .
-
ليسَ هذا الحدِيثُ في "المُوطَّأ" إلّا عن العَلاءِ عِندَ جميع الرُّواةِ (٢) .
- ج ١٣ ص ١١
وقدِ انفرد مُطرِّفٌ في غيرِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، عن ابن شِهابٍ، عن أبي السّائبِ مولى هشام بن زُهرةَ، عن أبي هريرةَ بهذا الحدِيثِ، وساقهُ كما في "المُوطَّأ" سواءً (١) .
-
ولا يُحفظُ لمالك عن ابن شِهابٍ، إنَّما يُحفظُ، لمالك عن العلاءِ.
قال الدّارقُطنيُّ: وهُو غرِيبٌ من حدِيثِ مالكٍ، عن ابن شِهابٍ، لم يروِهِ غيرُ مُطرِّفٍ، تفرَّد عنهُ به أبو سَبْرةَ (٢) بن عبدِ اللَّه المدنِيُّ، وهُو صحِيحٌ من حدِيثِ الزُّهرِيِّ، حدَّث به عنهُ عُقَيلٌ هكذا عن أبي السّائبِ (٣) ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٤) .
قال أبو عُمر: وهكذا يَروِي مالكٌ هذا الحدِيث، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي السّائبِ، عن أبي هريرةَ.
-
وتابَعهُ جماعةٌ، منهُم: محمدُ بن عَجْلانَ (٥) ، وابنُ جُريج (٦) ، والولِيدُ بن
ج ١٣ ص ١٢كثِيرٍ (١) ، ومحمدُ بن إسحاقَ، فرَوَوهُ عن العلاءِ، عن أبي السّائبِ، عن أبي هريرةَ، كما رواهُ مالكٌ، إلّا أنَّ ابن إسحاقَ قال فيه: عن أبي السّائبِ مولى عَبدِ اللَّه بن هشامِ بن زُهْرةَ.
قال عليُّ بن المدِينيِّ: هشامُ بن زُهْرةَ هُو جَدُّ زُهْرةَ بن معبد (٢) بن عبدِ اللَّه بن هشام القرشي، الذي رَوَى عنهُ أهلُ مِصر.
-
قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ (٣) ، قال: حدَّثثي محمدُ بن العَجْلانِ، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن يَعقُوبَ مولى الحُرَقةِ، عن أبي السّائبِ مولى هشام بن زُهْرةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيُّما رَجُلٍ صلَّى صَلاةً بغيرِ قِراءةِ أُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ، غيرُ تمام" . قال: قُلتُ: إنِّي لا أستطِيعُ (٤) أقرأُ معَ الإمام. قال: اقرأ بها في نَفسِكَ، فإنَّ اللَّه يقولُ: "قَسمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدِي، فأوَّلهُا لي، وأوسَطُها بَيْني وبينَ عبدِي، وآخِرُها لعَبدِي، ولهُ ما سألَ. قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال: حَمِدني عبدِي. قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال: أثْنَى عليَّ عبدِي. قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مجَّدَني عَبْدِي، فهذا لي. قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: أخلَصَ العِبادةَ لي واسْتَعانني عليها، فهذه بَيْني وبينَ عَبْدِي، ولهُ ما سألَ.
ج ١٣ ص ١٣قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى قولِهِ: {وَلَا الضَّالِّينَ} هذا لعبدِي، ولعبدِي ما سألَ (١) .
-
وهكذا رواهُ قُتَيبةُ وغيرُهُ، عن اللَّيثِ، عن ابن عَجْلانَ (٢) .
-
وانتهى حدِيثُ ابن جُرَيج إلى قولِهِ: "اقْرَأ بها (٣) في نفسِكَ. لم يَزِد، وقال فيه: حدَّثني العلاءُ، أنَّ أبا السّائب أخبَرهُ، أَنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ. فذكرهُ بلفظِ حدِيثِ مالكٍ إلى حيثُ ذكَرْنا.
قال أبو عُمر: ورواهُ شُعبةُ (٤) وسُفيانُ الثَّورِيُّ (٥) وسُفيانُ بن عُيَينةَ ورَوْحُ بن القاسم (٦) وعبدُ العزيزِ بن أبي حازِم (٧) ، كلُّهُم، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ (٨) .
- ج ١٣ ص ١٤
وليسَ هذا باختِلافٍ، والحدِيثُ صحِيحٌ للعلاءِ، عن أبيهِ، وعن أبي السّائبِ، جميعًا عن أبي هريرةَ، قد جمعهُما عنهُ أبو أُوَيسٍ، وغيرُهُ.
قال عليُّ بن المدِينيِّ: وكذلك رواهُ ابن عَجْلانَ، عن العَلاءِ، عن أبيهِ، وأبي (١) السّائبِ، جميعًا، عن أبي هريرةَ (٢) . يعني كما رواهُ أبو أُوَيسٍ.
-
قرأتُ على يُونُس بن عبدِ اللَّه بن محمدٍ، أنَّ محمد بن مُعاويَةَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابِيُّ. وحدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن زكرِيّا النَّيسابُورِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن عبدِ الخالقِ البزّارُ؛ قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن يَعقُوبَ مولى الحُرَقةِ، قال: سمِعتُه من أبي، ومن أبي السّائبِ جَميعًا، وكانا جَلِيسينِ لأبي هريرةَ، قالا: قال أبو هريرةَ: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ" . وذكر الفِريابِيُّ الحدِيث بطُولِهِ. وأمّا البزّارُ فاختصَرَهُ، ولم يزِد على قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ صَلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتحةِ (٣) الكِتابِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام" (٤) .
-
وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ قاسم بن أصبغ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيس، قال: حدَّثنا أبي، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: سمِعتُه من أبي، ومِن (٥) أبي السّائبِ جميعًا،
ج ١٣ ص ١٥وكانا جَلِيسينِ لأبي هريرةَ، قالا: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام" . فقُلتُ: يا أبا هريرةَ، إنِّي أكُونُ أحيانًا وراءَ الإمامِ؟ فغَمَزَ ذِراعِي، وقال: اقْرَأ بها في نفسِكَ يا فارِسِيُّ. وساقَ الحدِيثَ على وجهِهِ، كما رواهُ مالكٌ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ وأحمدُ بن زُهَيرٍ، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أوَيسٍ، فذكرَهُ بإسنادِهِ سواءً.
قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: قال عليُّ بن المدِينيِّ: وكان هذا الحدِيثُ عِندَ عبّادِ بن صُهيبٍ عن الرَّجُلينِ جميعًا، فأبانَ ذلك في هذا الحدِيثِ، أنَّ الذي رواهُ ابن عُيينةَ عن العلاءِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، كما رواهُ، ولم يكُن مُعارِضًا لحدِيثِ مالكٍ.
-
هكذا حكى إسماعيلُ، عن عليٍّ.
قال أبو عُمر: أمّا حدِيثُ ابن عُيينةَ: فحدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ صَلاةٍ لا يُقرأُ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ" . قال عبدُ الرَّحمنِ: فإنِّي أسْمَعُ قِراءةَ الإمام. فغَمَزني بيدِهِ أبو هريرةَ وقال: يا فارِسِيُّ، أو يا ابن الفارِسِيِّ، اقرأها في نفسِكَ (١) .
- ج ١٣ ص ١٦
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى العَدَنِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قال اللَّه: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَيْني وبينَ عَبْدِي" . فذكرَ نحو حدِيثِ مالكٍ، بمعناهُ سواءً.
-
ولا أعلمُ لهذا الحدِيثِ في "المُوطَّأ" ولا في غيرِهِ إسنادًا غير هذا.
-
ورُوِي عن محمدِ بن خالدِ بن عَثمةَ وزِيادِ بن يُونُس، جميعًا عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن محمُودِ بن الرَّبِيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حدِيثِ ابن عَثمةَ: "كلُّ صَلاةٍ لا يُقرأُ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ" (١) . وفي حدِيثِ زِيادِ بن يُونُس: "من لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ، فصلاتُهُ خِداجٌ" .
-
وهذا غرِيبٌ من حدِيثِ مالك، ومحفُوظٌ من حدِيثِ الزُّهرِيِّ، من رِوايةِ ابن عُيَينةَ، وجماعةٍ عنهُ، إلّا أنَّ لفظ أكثرِهِم في حدِيثِ عُبادةَ بن الصّامِتِ: "لا صَلاةَ لمن لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ" . هكذا.
قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ" . فإنَّ هذا يُوجِبُ قِراءةَ فاتحةِ الكِتابِ في كلِّ صلاةٍ، وأنَّ الصَّلاةَ إذا لم يُقرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ.
-
والخِداجُ: النَّقصُ والفسادُ، من ذلك قولُهُم: أخْدَجتِ النّاقةُ، وخدَّجت، إذا ولدت قبلَ تمام وَقْتِها، وقبلَ تمام الخلقِ. وذلك نِتاجٌ فاسِدٌ.
-
وأمّا نحوِيُّو أهلِ البصرةِ فيقولُونَ: إنَّ هذا اسمٌ خرَجَ على المصدرِ، يقولُون: أخْدَجتِ النّاقةُ ولَدَها ناقِصًا للوَقتِ، فهي مُخدِجٌ، والولدُ مُخدَجٌ، والمصدرُ الإخداجُ، وأمّا خَدَجت: فرَمَت بوَلدِها قبلَ الوَقتِ ناقِصًا، أو غير ناقِصٍ، فهي خادِجٌ، والولدُ
ج ١٣ ص ١٧خدِيجٌ، ومخدُوجٌ، ومنهُ سُمِّيت خَدِيجةُ، وخَدِيجٌ، والمصدرُ: الخِداجُ. قالوا: ويُقالُ: صَلاةٌ مُخدَجةٌ، أي: صلاةٌ ناقِصةُ الرُّكُوع والسُّجُودِ.
-
هذا كلُّهُ قولُ الخليلِ، والأصمعِيِّ، وأبي حاتِم، وغيرِهِم.
وقال الأخفشُ: خَدَجتِ النّاقةُ: إذا ألقَتْ ولدَها لغيرِ تمام، وأخْدَجت: إذا قَذَفت به قبلَ الوِلادةِ، وإن كان تامَّ الخَلْق.
-
وقد زعمَ من لم يُوجِب قِراءةَ فاتحةِ الكِتابِ في الصَّلاةِ، وقال: هي وغيرُها سواءٌ، أنَّ قولهُ: "خِداجٌ" يدُلُّ على جَوازِ الصَّلاةِ، لأنَّهُ النُّقصانُ، والصَّلاةُ النّاقِصةُ جائزةٌ.
-
وهذا تحكُّمٌ فاسِدٌ، والنَّظرُ يُوجِبُ في النُّقصانِ (١) ألّا تجُوز مَعهُ الصَّلاةُ، لأنَّها صلاةٌ لم تتِمَّ، ومن خرجَ من صلاتِهِ وهي لم تتِمَّ بَعدُ، فعليه إعادتُها تامَّةً، كما أُمِرَ، على حَسَبِ حُكمِها، ومنِ ادَّعى أنَّها تجُوزُ مع إقرارِهِ بنَقْصِها، فعليه الدَّليلُ، ولا سبِيلَ لهُ إلَيهِ من وجهٍ يُلزِمُ، واللَّه أعلمُ.