العلاء بن عبد الرحمن

٤٠٢ فقرة، ج ١٣ ص ٥

الصفحة ٩ من ١١

  1. ومن تدبَّر آثار هذا البابِ، بان لهُ الصَّوابُ، واللَّه يُؤتي فضلهُ من يشاءُ.

    ج ١٣ ص ٩٧
  2. وأمّا قولُهُ: "وأنا فَرَطُكُم على الحوضِ" . فالفَرَطُ والفارط (١) ، هُو الماشِي المُتقدِّمُ أمام القَوْم إلى الماءِ. هذا قولُ أبي عُبيدٍ، وغيرِهِ.

    وقال ابن وَهْبٍ: أنا فَرَطُكُم، يقولُ: أنا أمامكُم، وأنتُم ورائي تتبعُوني.

  3. واسْتَشهد أبو عُبيدٍ، وغيرُهُ على قولِهِ: الفارِطُ: المُتقدِّمُ إلى الماءِ. بقولِ الشّاعِرِ (٢) :

    فأثارَ فارِطُهُم غُطاطًا جُثَّما ... أصواتُهُ كتَراطُنِ الفُرْسِ (٣)

    وقال القُطامِيُّ (٤) :

    فاستَعجلُونا وكانوا من صَحابتِنا ... كما تَعجَّل فُرّاطٌ لوُرّادِ (٥)

    وقال غيرُه (٦) :

    فأثارَ فارطهم غطاطًا جثمًا ... أصواته كتراطن الفُرسانِ

    ج ١٣ ص ٩٨وقال لبِيدٌ (١) :

    فورَدْنا قبلَ فُرّاطِ القَطا ... إنَّ من وِردِي تغلِيسَ النَّهَلْ

    وقال آخرُ (٢) :

    ومَنْهلٌ وَردتُهُ التِقاطا

    لم ألق إذ وردتُهُ فُرّاطا

    إلّا القطا أوابِدًا غُطاطا

    وقال ابن هرمةَ (٣) :

    ذهب الذين أُحبُّهُم فرطًا ... وبقِيتُ كالمغمُورِ في خَلْفِ (٤)

  4. وقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حِينَ مات ابنُهُ إبراهيمُ: "لولا أنَّهُ وعدٌ صادِقٌ، وأنَّ الماضِي فَرَطٌ للباقِي" (٥) . وقال لهُ أيضًا: "الْحَقْ بفَرَطِنا عُثمان بن مَظْعُونٍ" (٦) .

    ج ١٣ ص ٩٩قال الخليلُ: الغَطاطُ: طيرٌ يُشبِهُ القَطا (١) ، والأوابِدُ: الطَّيرُ التي لا تبرحُ شِتاءً ولا صيفًا من بُلدانِها، والقَواطِعُ: التي تَقْطعُ من بلدٍ إلى بَلَدٍ في زمنٍ بعد زمنٍ.

  5. ورَوَى عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّهُ قال: "أنا فَرَطُكُم على الحوضِ" جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُمُ: ابن مسعُودٍ، وجابرُ بن سمُرةَ، والصُّنابِحُ بن الأعسرِ، وجُندُبٌ، وسهلُ بن سعدٍ، وغيرُهُم وقد ذكَرْنا أحادِيثَ الحوضِ في بابِ خُبَيبٍ من هذا الكِتابِ.

  6. وأمّا قولُهُ: "فليُذادنَّ" فمعناهُ: ليُبعَدنَّ، وليُطرَدنَّ.

    قال زُهيرٌ (٢) :

    ومن لا يَذُد عن حَوْضِهِ بسِلاحِهِ ... يُهدَّم ومن لا يَظْلِم النّاسَ يُظلَمِ

    وقال الرّاجِزُ:

    يا أخَويَّ (٣) نهنِها وذُودا ... إنِّي أرَى حَوْضكُما مَوْرُودا

    وأمّا رِوايةُ يحيى: "فلا يُذادنَّ" . على النَّهيِ. فقيل: إنَّهُ قد تابَعهُ على ذلك ابن نافع، ومُطرِّفٌ.

  7. وقد خرَّجَ بعضُ شُيُوخِنا مَعنًى لرِوايةِ يحيى ومن تابَعهُ، أي: لا يفعلُ أحدٌ فِعلًا يُطرَدُ به عن حوضِي.

  8. وممّا يُشبِهُ رِوايةَ يحيى هذه، ويشهدُ لها:
  9. ما حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا هاشمُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن دِينارٍ، عن أبي حازِم، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنا فَرَطُكُم على الحَوْضِ، من ورَدَ عليَّ شرِبَ، ومن شرِبَ لم يَظْمأ أبدًا، أبْصِروا (٢) لا يَرِدنَّ عليَّ أقوامٌ أعرِفُهُم ويَعرِفُوني (٣) ، ثُمَّ يُحالُ بَيْني وبينهُم" . وهذا في معنَى رِوايةِ يحيى.

  10. وقد ذكرَ البُخارِيُّ (٤) ، وغيرُهُ حدِيث سهلِ بن سعدٍ هذا، فقال: "وليرِدنَّ عليَّ الحوضَ قومٌ أعرِفُهُم ويَعرِفُونني، ثُمَّ يُحالُ بَيْني وبينهُم" .

  11. أخبرني أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، ويُونُسُ بن عبدِ اللَّه بن مُغِيثٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرجَ إلى المقبرةِ، فقال: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنِين، وإنّا إن شاءَ اللَّه بكُم لاحِقُونَ، ودِدتُ أنِّي قد رأيتُ إخْواننا" . قالوا: يا رسُولَ اللَّه، ألَسْنا بإخوانِكَ؟ قال: "بل أنتُم أصحابِي، وإخوانُنا الذين لم يأتُوا بعدُ، وأنا فرطُهُم على الحوضِ" . قالوا: يا رسُولَ اللَّه، كيفَ تعرِفُ من

    ج ١٣ ص ١٠١يأتي بعدكَ من أمَّتِك؟ قال: أرأيتَ لو كان لرجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحجَّلةٌ، في خيلٍ دُهم بُهم، ألا يَعرِفُ خيلهُ؟ " قالوا: بلى يا رسُولَ اللَّه، قال: " فإنَّهُم يأتُونَ يومَ القِيامةِ غُرًّا مُحجَّلِينَ من الوُضُوءِ، وأنا فَرَطُهُم على الحَوْضِ، فليُذادنَّ رِجالٌ عن حَوْضِي، كما يُذادُ البَعِيرُ الضّالُّ، أُنادِيهِم: ألا هلُمَّ، ألا هلُمَّ، فيُقالُ: إنَّهُم قد بدَّلُوا بعدكَ، فأقُولُ: فسُحقًا فسُحقًا " (١) .

  12. وأمّا قولُهُ: "فإنَّهُم يأتُونَ يومَ القِيامةِ غُرًّا مُحجَّلِين من الوُضُوءِ".

  13. ففيه دليلٌ على أنَّ الأُممَ أتباعَ الأنبِياءِ لا يتوضَّؤُونَ مِثل وُضُوئنا، على الوَجهِ، واليدينِ، والرِّجلينِ، لأنَّ الغُرَّةَ في الوَجْهِ، والتَّحجِيلَ في اليدينِ والرِّجلينِ (٢) .

  14. هذا ما لا مدفَعَ فيه على هذا الحدِيثِ، إلّا أن يَتأوَّل مُتأوِّلٌ هذا الحدِيث، أنَّ وُضُوءَ سائرَ الأُمم لا يُكسِبُها غُرَّةً ولا تحجِيلًا، وأنَّ هذه الأُمَّةَ بُورِكَ لها في وُضُوئها، بما أُعطِيت من ذلك، شَرفًا لها (٣) ولنبِيِّها -صلى اللَّه عليه وسلم-، كسائرِ فَضائلِها على سائرِ الأُمم.

  15. كما فُضِّل نبِيُّها -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمقام المحمُودِ وغيرِهِ على سائرِ الأنبِياءِ، واللَّه أعلمُ.

  16. وقد يجُوزُ أن يكونَ الأنبِياءُ يتوضَّؤُونَ فيَكْتَسِبُونَ (٤) بذلك الغُرَّةَ والتَّحجِيلَ، ولا يتوضَّأُ أتباعُهُم ذلك الوُضُوءَ.

  17. كما خُصَّ نبِيُّنا -صلى اللَّه عليه وسلم- بأشياءَ دُونَ أُمَّتِهِ، منها: نِكاحُ ما فوقَ الأربع، والموهُوبةِ بغيرِ صَداقٍ، والوِصالُ، وغيرُ ذلك، فيكونُ ذلك من فضائلِ هذه الأُمَّةِ، أن

    ج ١٣ ص ١٠٢تُشبِه كلُّها الأنبِياءَ، كما جاءَ، عن موسى عليه السَّلامُ، أَنَّهُ قال: "أجِدُ أُمَّةً (١) كلَّهُم كالأنبِياءِ، فاجعَلْها أُمَّتِي، قال: تلكَ أُمَّةُ أحمد" . في حدِيثٍ فيه طُولٌ (٢) .

  18. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن القاسم بن شعبانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن العبّاسِ بن أسلمَ، قال: حدَّثنا ابن أبي ناجِيةَ، قال: حدَّثني زِيادُ بن يُونُس، عن مَسْلمةَ بن عليٍّ، عن إسماعيلَ بن (٣) رافع، عن سالم بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، سمِعهُ يُحدِّثُ عن كعبٍ، أنَّهُ سمِع رجُلًا يُحدِّثُ: أنَّهُ رأى في المنام أنَّ النّاس جُمِعُوا للحِسابِ، ثُمَّ دُعِي الأنبِياءُ، مع كلِّ نبِيِّ أُمَّتُهُ، وأنَّهُ رأى لكلِّ نبِيٍّ نُورَينِ يَمْشِي بينهُما، ولمنِ اتَّبعهُ من أُمَّتِهِ نُورًا واحِدًا يَمْشِي به، حتّى دُعِي محمدٌ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإذا شعرُ رأسِهِ ووجهُهُ نُورٌ كلُّهُ، يراهُ كلُّ من نظرَ إليه، وإذا لمنِ اتَّبعهُ من أمَّتِهِ نُورانِ كنُورِ الأنبِياءِ. فقال كعبٌ، وهُو لا يشعُرُ أنَّها رُؤيا: من خَبَّرَك بهذا الحديثِ، وما عِلمُكَ (٤) به؟ فأخبرهُ أنَّها رُؤيا، فناشَدهُ كعبٌ: اللَّه (٥) الذي لا إله إلّا هُو، لقد رأيتَ ما تقُولُ في منامكَ (٦) ؟ فقال: نعم واللَّه لقد رأيتُ ذلك. فقال كعبٌ: والذي نفسِي بيدِهِ، أو قال: والذي بعثَ محمدًا بالحقِّ، إنَّ هذه لصِفةُ أحمد، وأُمَّتِهِ، وصِفةُ الأنبِياءِ في كِتابِ اللَّه، لكأنَّما قَرأتهُ من التَّوراةِ (٧) .

  19. وقد قيلَ: إنَّ سائر الأُمم كانوا يَتَوضَّؤُون، واللَّه أعلمُ، وهذا لا أعرِفُهُ من وجهٍ صحِيح.

  20. وأمّا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، فقال: "هذا وُضُوئي، ووُضُوءُ الأنبِياءِ قبِلي" (١) . فحدِيثٌ ضعِيفٌ لا يجِيءُ من وجهٍ صحِيح، ولا يُحتجُّ بمِثلِهِ، فكيفَ أن يُعارَض به مِثلُ هذا الحدِيثِ، الذي قد رُوِي من وُجُوهٍ صِحاح ثابتةٍ، من أحادِيثِ الأئمَّةِ؟

    ج ١٣ ص ١٠٣
  21. وحدِيثُ: "هذا وُضُوئي، ووُضُوءُ الأنبِياءِ قبلِي" . فإنَّما يدُورُ على زَيْدِ بن الحوارِي العمِّيِّ، والِدِ عبدِ الرَّحِيم بن زيدٍ، هُو انفردَ به، وهُو ضعِيفٌ ليسَ بثِقةٍ، ولا مِمَّن يُحتجُّ به. وقدِ اختُلِفَ عليه فيه أيضًا، فرَواهُ عبدُ اللَّه بن عَرادةَ (٢) ، عن زيدِ بن الحَوارِي العمِّيِّ، عن مُعاويةَ بن قرةَ، عن عُبَيدِ بن عُميرٍ، عن أُبيِّ بن كَعْبٍ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  22. ورواهُ عبدُ اللَّه بن عبدِ الوهّابِ الحَجَبِيُّ، عن عبدِ الرَّحِيم بن زيدٍ، عن أبيهِ، عن مُعاويةَ بن قُرَّةَ، عن ابن عُمرَ، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) . وهُو حدِيثٌ لا أصلَ لهُ، وعبدُ الرَّحِيم، وأبوهُ زيدٌ مَتْرُوكانِ.

  23. والحدِيثُ حدَّثناهُ محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي داودَ، قال: حدَّثنا أبو الطاهر أحمدُ بن عَمرِو بن السَّرح ومحمدُ بن عبدِ اللَّه بن عَمرٍو الغَزِّيُّ (٤) ، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بن مَسْلمةَ بن قَعْنبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عَرادةَ (٥) ، عن زيدِ بن حوارِي، عن مُعاويةَ بن قُرَّةَ، عن

    ج ١٣ ص ١٠٤عُبيدِ بن عُميرٍ (١) ، عن أُبيِّ بن كَعْبٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دعا بوضوء، فتَوضَّأ مرَّةً مرَّةً، ثُمَّ قال: "هذا وظِيفةُ الوُضُوءِ، الذي لا يَقْبلُ اللَّه صَلاةً إلّا به" . ثُمَّ توضَّأ مرَّتينِ مرَّتينِ، فقال: "هذا وضُوءٌ مَن تَوضَّأهُ أعطاهُ اللَّه كِفْلين من الأجرِ" . ثم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال (٢) : "هذا وُضُوئي ووُضُوءُ الأنبِياءِ من قَبلي" (٣) .

  24. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ (٤) بُكيرٍ الحدّادُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ اللَّه الكَشِّيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عبدِ الوهّابِ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحِيم بن زيدٍ العمِّيُّ، عن أبيهِ، عن مُعاويةَ بن قُرَّةَ، عن ابن عُمرَ قال: توضَّأ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرَّةً مرَّةً، وقال: "هذا وظِيفةُ الوُضُوءِ الذي لا يَقْبلُ اللَّه صلاةً إلّا به" . ثُمَّ توضَّأ مرَّتينِ مرَّتينِ، وقال: "هذا الفَضْلُ من الوُضُوءِ، ويُضعِفُ اللَّه الأجرَ لصاحِبِهِ مرَّتينِ" . ثُمَّ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: "هذا وُضُوئي، ووُضُوءُ خليلِ اللَّه إبراهيم، ووُضُوءُ الأنبِياءِ من قبِلي، ومن قال بعدَ فراغِهِ: أشهدُ أن لا إله إلّا اللَّه وحدهُ لا شرِيكَ لهُ، لهُ المُلكُ، ولهُ الحمدُ، وهُو على كلِّ شيءٍ قدِيرٌ، فتح اللَّه لهُ من الجنّةِ ثمانيةَ أبوابٍ" (٥) . هذا كلُّهُ مُنكرٌ في الإسنادِ والمتنِ.

  25. وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ كان يتوضَّأُ مرَّةً مرَّةً.

    ج ١٣ ص ١٠٥
  26. رواهُ ابن عبّاسٍ (١) ، وغيرُهُ من حدِيثِ الثِّقاتِ.

  27. وأجمعتِ الأُمَّةُ أنَّ من تَوضَّأ مرَّةً واحِدةً سابِغةً أجزأهُ، وكيفَ كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَوضَّأُ مرَّةً مرَّةً، فيرغَبُ بنفسِهِ عن الفَضْلِ الذي قد ندَبَ غيرهُ إليه؟ أو كيفَ كان يتوضَّأُ مرَّةً، أو مرَّتينِ، ويُقصِّرُ عن ثلاثٍ، إذا كانتِ الثَّلاثُ وُضُوءَ إبراهيم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد أُمِرَ أن يتَّبِعَ مِلَّةَ إبراهيم حنِيفًا! وليسَ يَشْتغِلُ أهلُ العِلم بالنَّقلِ بمِثلِ حدِيثِ عبدِ الرَّحِيم بن زيدٍ العمِّيِّ، وأبيهِ، وقد أجمعُوا على تَرْكِهِما.

  28. وأمّا قولُهُ في هذا الحدِيثِ: "من قال بعدَ فَراغِهِ" يعني من وُضُوئهِ "أشهدُ أن لا إله إلّا اللَّه. . . " إلى آخِرِ الحدِيثِ. فرُوِي بأسانِيدَ صالحةٍ، وإن كانت مَعلُولةً من حدِيثِ عُمر، وحدِيثِ عُقبةَ بن عامرٍ (٢) .

  29. وهكذا يَصْنعُ الضُّعفاءُ، يخلِطُونَ ما يُعرفُ، بما لا يُعرفُ، واللَّه المُستعانُ.

  30. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٣) : حدَّثنا يحيى بن زكرِيّا بن أبي زائدةَ، عن

    ج ١٣ ص ١٠٦أبي مالكٍ الأشجعِيِّ، عن أبي حازِم، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تَرِدُونَ (١) عليَّ غُرًّا مُحجَّلِين من الوُضُوءِ، سيماء أُمَّتي ليسَ لأحدٍ غيرِها" .

  31. رَوَى الولِيدُ بن مُسلِم، عن صَفْوان بن عَمرٍو، قال: أخبرني يزِيدُ بن خُمَير (٢) ، عن عَبدِ اللَّه بن بُسرٍ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أُمَّتي يومَ القِيامةِ غُرٌّ من السُّجُودِ، مُحجَّلُونَ من الوُضُوءِ" (٣) .

  32. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وأحمدُ بن محمدٍ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالوا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا نُعيم بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا ابن المُباركِ، قال: حدَّثنا ابن لهيعةَ، قال: حدَّثني يزِيدُ بن أبي حبِيبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن جُبَيرٍ، سمِعَ أبا ذرٍّ وأبا الدَّرداءِ، قالا: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنا أوَّلُ من يُؤذَنُ لهُ في السُّجُودِ يوم القِيامةِ، وأوَّلُ من يُؤذنُ لهُ برفع رأسِهِ، فأنظُرُ بين يديَّ، فأعرِفُ أُمَّتي من بينِ الأُمم، وأنظُرُ عن يَمِيني، فأعرِفُ أُمَّتي من بينِ الأُمم، وأنظُرُ عن شمالِي، فأعرِفُ أُمَّتي من بينِ الأُمم، وأنظُرُ من خَلْفِي فأعرِفُ أُمَّتِي" . فقال رجُلٌ: يا رسُولَ اللَّه، وكيفَ تعرِفُ أُمَّتكَ من بينِ الأُمم، ما بينَ نُوح إلى أُمَّتِكَ؟ قال: "غُرٌّ مُحجَّلُونَ من آثارِ الوُضُوءِ، ولا يكونُ من الأُمم كذلك أحدٌ غيرُهُم" (٤) ، وذِكرُ تمام الحدِيثِ.

    ج ١٣ ص ١٠٧قال ابن المُباركِ: وأخبَرنا يحيى بن أيُّوبَ البَجِليُّ، قال: سمِعتُ رجُلًا يُحدِّثُ عن أبي زُرعةَ بن عَمرِو بن جرِيرٍ، سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: الحِلْيةُ تبلُغُ حيثُ انْتَهى الوُضُوءُ (١) .

  33. حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ رحِمهُ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمان الأعناقِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارونَ، عن حمّادِ بن سَلَمةَ، عن عاصِم، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّه، أنَّهُم قالوا: يا رسُولَ اللَّه، كيفَ تَعرِفُ من لم تَرَ من أُمَّتِكَ؟ قال: "غُرٌّ مُحجَّلُونَ بُلقٌ، من آثارِ الوُضُوءِ" (٢) .

  34. فهذه الآثارُ كلُّها تَشْهدُ لما قُلنا، وباللَّه توفِيقُنا.

  35. وأمّا قولُهُ في حدِيثنا في هذا البابِ: "فسُحقًا" فمعناهُ: فبُعْدًا. والسُّحقُ والبُعدُ، والإسحاقُ والإبعادُ سواءٌ بمعنًى واحِدٍ، وكذلك النَّأيُ والبُعدُ، لَفْظتانِ بمعنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ سُحقًا وبُعدًا هكذا إنَّما تجِيءُ بمعنى الدُّعاءِ على الإنسانِ، كما يقول (٣) : أبعدَهُ اللَّه، وقاتَلهُ اللَّه، وسَحَقهُ اللَّه، ومحَقهُ، وأسْحَقهُ أيضًا، ومن هذا قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: ٣١] يعني بعِيدٍ.

  36. وكلُّ من أحدَثَ في الدِّينِ ما لا يرضاهُ اللَّه، ولم يأذن به اللَّه، فهُو من المطرُودِينَ عن الحوضِ، المُبعدِين عنهُ، واللَّهُ أعلمُ.

    ج ١٣ ص ١٠٨
  37. وأشدُّهُم طردًا، من خالَفَ جماعةَ المُسلِمِينَ، وفارَقَ سبِيلهُم (١) ، مِثلَ الخَوارِج، على اختِلافِ فِرَقِها، والرَّوافِضِ على تبايُنِ ضلالِها، والمُعتزِلةِ على أصنافِ أهوائها، فهؤُلاءِ كلُّهُم مُبدِّلُون (٢) ، وكذلك الظَّلَمةُ المُسرِفُونَ في الجَوْرِ والظُّلم، وتَطمِيسِ الحقِّ، وقَتلِ أهلِهِ، وإذلالِهِم (٣) ، والمُعلِنُونَ بالكبائرِ، المُستخِفُّونَ بالمعاصِي، وجميعُ (٤) أهلِ الزَّيغ والأهواءِ والبِدَع، كلُّ هؤُلاءِ يُخافُ عليهم أن يكونُوا عُنُوا بهذا الخبرِ.

  38. ولا يُخلَّدُ في النّارِ إلّا كافِرٌ جاحِدٌ، ليس في قلبِهِ مِثقالُ حبَّةِ خَرْدلٍ من إيمانٍ، واللَّه المُسْتَعان (٥) .

  39. وقد قال ابن القاسم رحِمهُ اللَّه: قد يكونُ من غَيرِ أهلِ الأهواءِ، من هُو شرٌّ من أهلِ الأهواءِ، وكان يُقالُ (٦) : تمامُ الإخلاصِ تجنُّبُ المعاصِي (٧) .

  40. حدِيثٌ تاسِعٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ

    مالكٌ (١) ، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن مَعبدِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن أخِيهِ، عن عبدِ اللَّه بن كعبٍ، عن أبي أُمامةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "منِ اقْتَطعَ حقَّ امرِئٍ مُسلِم بيمِينِهِ، حرَّمَ اللَّه عليه الجنَّةَ، وأوجَبَ لهُ النّار" . قالوا: وإن كان شيئًا يسِيرًا يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "وإن كانَ قَضِيبًا من أراكٍ" . قال ذلك ثلاث مرّاتٍ.

    قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا بني كعبِ بن مالكٍ في بابِ ابن شِهابٍ.

    ج ١٣ ص ١٠٩