عطاء الخرساني، أبو عثمان

٦٥ فقرة، ج ١٣ ص ١٢١

الصفحة ١ من ٢

  1. وهو عطاء (١) بن أبي مسلم، وقيل (٢) : عطاء بن عبد اللَّه، وقيل: عطاءُ بن مَيْسرةَ، مولى المهلَّب بن أبي صُفْرة، وقيل: مولى لهُذيل. والأول أكثرُ وأشهرُ؛ أنه مولى المهلَّب بنِ أبي صُفْرة. أصلُه من مدينة بَلْخ من خُراسان، وسكَن الشام، وهو يُعَدُّ في الشاميِّينَ، وكان فاضلًا، عالمًا بالقرآن، عاملًا.

    ج ١٣ ص ١٢١
  2. روى عنه جماعةٌ من الأئمّة، منهم: مالكٌ، ومعمرٌ، والأوزاعيُّ، وسعيدُ بن عبد العزيز، وغيرُهم.

  3. وُلد سنة خمسينَ من التاريخ، وتوفِّي سنة خمس وثلاثينَ ومئةٍ، ذَكَر ذلك ضمْرةُ (٣) وغيرُه، عن عثمان بن عطاء.

  4. وذكر البُخاريُّ، عن عبد اللَّه بنِ عثمانَ بنِ عطاء، أنه سأله، فقال: نحن من أهل بَلْخ. قال: وعطاءٌ مولى المهلَّب بن أبي صُفْرة. ذكر ذلك في "التاريخ الكبير" (٤) وأدخله البخاري في كتاب "الضعفاء" (٥) له، وذكر حكاية أيوب (٦) ، عن القاسمِ بنِ عاصم، قال: قلت لسعيد بنِ المسيِّب: إنّ عطاءً الخراسانيَّ حدَّث عنك أنّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرَ الذي واقعَ امرأتَه في رمضانَ بعتقِ رقَبةٍ، أو بكفّارة الظِّهار؟ فقال سعيدٌ: كذب (٧) ، ما حدثته إنما بلَغني أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له: "تصدَّقْ، تصدَّقْ" . فأدخله البخاريُّ في كتاب

    ج ١٣ ص ١٢٢"الضُّعفاء" له من أجل هذه الحكاية، وليس القاسم بن عاصم ممّن يُجرِّح بقوله ولا بروايته مثل عطاءٍ الخراسانيِّ. وعَطاءٌ الخراسانيُّ أحدُ العلماء الفُضلاء وربّما كان في حفظه شيء، وله أخبار طيِّبةٌ عجيبةٌ في فضائله، ليس هذا موضعُ ذكْرِها، منها:

    ما أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ معروف، قال: حدَّثنا ضمرةُ عن ابن (١) أبي عَبْلةَ، قال: كان عَطاءٌ الخراسانيُّ يتكلَّم إذا صلى بكلماتٍ، فغاب يومًا فتكلَّم المؤذِّنُ فقال رجاءُ بنُ حَيوةَ: اسكُتْ، إنّا نكْرَهُ أن نسمعَ الخَيْرَ إلّا من أهلِه (٢) .

  5. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ (٣) الرَّمليُّ، قال: حدَّثنا ضمْرةُ، عن إبراهيمَ بن أبي عبْلَة، قال: كنّا نجلس إلى عطاءٍ الخراسانيِّ، فكان يدعو بدعواتٍ، فغاب فتكلَّم رجلٌ من المؤذِّنين. قال: فأنكَر رجاءُ بنُ حَيْوةَ صوتَه، فقال: مَن هذا؟ فقال: أنا يا أبا المِقْدام. فقال: اسكُتْ، فإنّا نكْرهُ أن نسمعَ الخَيْرَ إلّا من أهلِه (٤) .

    وقال يحيى بنُ معين: روى مالكٌ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، وعطاءٌ ثقةٌ (٥) ، قد رأى ابن عمر، وسمع منه (٦) .

  6. لمالكٍ عنه من مرفوعات "الموطأ" ثلاثةُ أحاديث؛ أحدُها مسندٌ، والاثنانِ مرسلان.

  7. حديثٌ أوّل لعطاءٍ الخُرسانيِّ

    مالكٌ (١) ، عن عطاء بن عبدِ اللَّه الخُراسانيِّ، أنه قال: حدَّثني شيخٌ بسُوقِ البُرَم بالكُوفة، عن كعبِ بنِ عُجْرة، أنه قال: جاءني رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا أنفُخُ تحت قِدْرٍ لأصحابي، وقد امتلأ رأسي ولحيَتي قَمْلًا، فأخَذ بجَبهتي، ثم قال: "احلِقْ هذا الشَّعَر، وصُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستّةَ مساكين" . وقد كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- علِمَ أنه ليس عندي ما أنسُكُ به.

    ج ١٣ ص ١٢٣
  8. لم يختلف الرواة عن مالك في هذا الحديث (٢) ، ويقولون: إن الشيخَ الذي روَى عنه عطاءٌ الخُراسانيُّ هذا الحديثَ عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى. وهذا بعيدٌ؛ لأن عبدَ الرحمن بن أبي ليلى أشهَرُ في التابعين من أن يقول فيه عطاء: حدَّثني شيخٌ. وأظنُّ القائلَ بأنه عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى لمّا عرَف أنه كوفيّ، وأنه الذي (٣) يَروي الحديثَ عن كعبِ بنِ عُجْرة، ظن أنه هو، واللَّه أعلم.

  9. وقد رَوَى هذا الحديث عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرةَ، جماعةٌ؛ منهم: الشعبيّ (٤) ، وأبو قلابة (٥) ، ومُجاهد (٦) ، والحكمُ بنُ عُتَيْبة (٧) ، وغيرُهم،

    ج ١٣ ص ١٢٤وكلُّهم قال فيه: "انسُكْ بشاةٍ، أو صُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطْعِمْ" .

  10. وقد ذكرنا كثيرًا من ألفاظِ المحدِّثين في هذا الحديث، والحكمَ في ذلك عندَ العلماء، في باب حُميدِ بنِ قيسٍ من كتابنا هذا. وقال في هذا الحديث بعضُهم عن داود، عن الشعبيِّ: "أمعك دمٌ؟ " قال: لا (١) . وقال بعضُهم فيه عن الحكم بن عُتَيبة: فحلَقتُ رأسي ونسَكتُ (٢) . وهذا متعارِضٌ، وأصحُّ ما فيه التَّخييرُ في النُّسُك والإطعام والصيام.

  11. وقد روَى هذا الحديث عبدُ اللَّه بنُ معقل، عن كعب بن عُجرة، وقد يكون ذلك الشيخَ الذي ذكره عطاءٌ الخراسانيّ، فهو كوفيٌّ، لا يبعُدُ أن يَلقاه عطاءٌ، وهو أشبه عندي. واللَّه أعلم.

  12. حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عبيد اللَّه بن محمد بن حَبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ البَغَويُّ، قال (٣) : حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعد، قال: أخبرنا شُعبة، قال: أخبرني عبدُ الرحمن ابن الأصبهانيّ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّه بنَ مَعْقِل، قال: جلَسْتُ إلى كعبِ بن عُجْرةَ في هذا المسجد، يعني مسجدَ الكوفة، فسألتُه عن هذه الآية: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: ١٩٦] . فقال: حُمِلتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والقملُ يتناثرُ على وجهي، فقال: "ما كنتُ أرَى الجهدَ بلغَ بكَ هذا، ما عندَك شاةٌ؟ " قال: قلت: لا. فنزلت هذه الآية: {فَفِدْيَةٌ مِنْ

    ج ١٣ ص ١٢٥صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. فقال: "صُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستةَ مساكين؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاع مِن طعام" . قال: فنزلت هذه الآيةُ فيَّ خاصّة، وهي لكم عامّة.

  13. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١) : أخبَرنا محمدُ بنُ المثنَّى ومحمدُ بنُ بَشّار، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ الأصبَهانيِّ، عن عبدِ اللَّه بنِ مَعْقلٍ، قال: قعَدْتُ في هذا المسجد إلى كعبِ بنِ عُجرةَ، فسألتُه عن هذه الآية: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} . فقال كعب: فيَّ نزلت، وكان بي أذًى من رأسي، فحُملتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والقملُ يتناثرُ على وجهي، فقال: "ما كنتُ أرَى أنَّ الجَهدَ بلَغ منك ما أرَى، أَتَجِدُ شاةً؟ " . قلت: لا. قال: فنزلت هذه الآية: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} . فالصومُ ثلاثةُ أيام، والصدقةُ على ستةِ مساكين؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من طعام، والنُّسُكُ شاةٌ.

  14. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن عبدِ الرحمن ابن الأصبَهانيِّ، عن عبدِ اللَّه بن مَعقِل، قال: كنّا في المسجد جُلوسًا، فجلَس إلينا كعبُ بنُ عُجْرةَ فقال: فيَّ أُنزِلت هذه الآية: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} . قال: قلت: كيف كان شأنُك؟ قال: خرَجْنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُحرِمين، فوَقَعت القملُ في رأسي ولحْيَتي وشارِبي حتى وَقَع في حاجِبي، فذكَرْتُ ذلك للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "ما كنتُ أرَى بلَغ منك هذا، ادعُ الحلّاق" .

  15. فدعا الحلاقَ فحلَق رأسي، قال: "هل تَجِدُ من نَسيكَةٍ؟ " قلت: لا. قال: "فصُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستةَ مساكين، بينَ كلِّ مسكينَينِ صاعٌ" . قال: فنزلَت فيَّ خاصة، وللناس عامة (١) .

    قال أبو عُمر: أما الشيخُ الذي روَى عنه عطاءٌ الخُراسانيُّ بالكوفة هذا الحديث، فبعيدٌ أن يكون ابن أبي ليلى، وممكنٌ أن يكون عبد اللَّه بن مَعْقِل (٢) الكوفيّ، ولا يَبعُدُ أن يَلْقاه عطاءٌ، وهو الأشبَه عندي، واللَّهُ أعلم.

    ج ١٣ ص ١٢٦
  16. وقد مضى القول في معنى هذا الحديث ممهدًا مبسوطًا في باب حُميد بن قيس من هذا الكتاب (٣) ، والحمدُ للَّه، وبه التوفيق (٤) .

  17. حديثٌ ثانٍ لعطاءٍ الخُراسانيِّ

    مالكٌ (١) ، عن عطاءِ بن عبدِ اللَّه الخُراسانيِّ، عن سعيد بن المسيِّب، أنَّه قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يضربُ نحْرَه وينتِفُ شعْرَه، ويقول: هلَكَ الأبعدَ. فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وما ذاك؟ " . قال: أصبْتُ أهلي وأنا صائمٌ في رمضانَ. فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هل تَستطيعُ أن تُعتِقَ رَقَبة؟ " . فقال: لا. فقال: "هل تستطيعُ أن تُهدِيَ بَدَنةً؟ " فقال: لا. قال: "فاجلِس" . فأُتيَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَرَقٍ، فقال: "خُذْ هذا فتصَدَّقْ به" . فقال: ما أحدٌ أحوجُ منِّي. فقال: "كُلْه، وصُمْ يومًا مكانَ ما أصبْتَ" .

    ج ١٣ ص ١٢٧
  18. هكذا هذا الحديث في "الموطأ" عندَ جماعةِ الرُّواة مرسلًا (٢) .

  19. وقد رُوِي معناه متصلًا من وُجوهٍ صحاح، وقد ذكَرْناها في باب ابنِ شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (٣) ، إلا أن قوله في هذا الحديث: "هل تستطيعُ أن تُهدِيَ بَدَنةً؟ " غير محفوظٍ في الأحاديثِ المسنَدة الصِّحاح، ولا مَدخلَ للبُدْن أيضًا في كفارةِ الواطئ في رمضانَ عندَ جمهورِ العلماء، وذِكْرُ البَدَنةِ هو الذي أُنكِرَ على عطاء في هذا الحديث.

  20. وأما ذكرُ الرَّقبةِ وذكرُ الصدقةِ بالعَرَق وسائرُ ما ذكَرْنا في هذا الحديث فمحفوظٌ من حديثِ أبي هريرة وحديثِ عائشة، من راويةِ الثِّقات الأثبات، والحمدُ للَّه.

  21. وقد روَى القاسمُ بنُ عاصم البَصْريُّ، ويقال فيه: التَّميميُّ. ويقال: الكَلبيُّ. وليس بشيء، ويُمكنُ أن يكونَ كُلَيبيًّا، فكُلَيبٌ في تميم، وكَلْبٌ في قُضاعة، وأين قضاعةُ من تميم (١) ؟! فروَى القاسمُ بنُ عاصم هذا، عن سعيدِ بن المسيِّب أنه كذَّب عطاءً الخُراسانيَّ في حديثه هذا، وعطاءٌ الخُراسانيُّ عندي فوق القاسم بن عاصم في الشهرةِ بحَمْل العلم والفضل، وليس مثلُه عندَ أهل الفهم والنظر ممّن يُجرَحُ به عطاءٌ ويُدفَعُ ما رواه.

    ج ١٣ ص ١٢٨
  22. وقد اختُلِف عن القاسم في حكايته تلك؛ فروَى سعيدُ بن منصور، عن إسماعيل بن عُليّة، عن خالد الحذّاء، عن القاسم بن عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيِّب: ما حديثٌ حدَّثناه عنك عطاءٌ الخُراسانيُّ؟ قال: ما هو؟ قلت: في الذي وقَع على امرأتِه في رمضان. فذكَر الحديثَ هكذا، قال فيه: حدَّثنا عنك عطاءٌ الخُراسانيُّ (٢) .

  23. وروَى أبو صالح، عن الليث بن سعدٍ، عن عمرو بن الحارث، عن أيوبَ السَّختيانيِّ، عن القاسم، أنه قال لسعيدِ بن المسيِّب: إن عطاءَ بن أبي رباح حدَّثني، أن عطاءً الخُراسانيَّ حدَّثه عنك في الرجل الذي أتى رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد أفطَر

    ج ١٣ ص ١٢٩في رمضان، أنه أمَره بعتقِ رقبة، فقال: لا أجِدُها. فقال: "فأهْدِ جَزُورًا" . قال: لا أجِدُها. قال: "فتَصَدَّقْ بعشرينَ صاعًا مِن تمرٍ" . قال سعيد: كذَب الخُراسانيُّ، إنما قلت: "تصَدَّقْ، تصَدَّقْ" (١) . ففي هذه الرواية أن القاسمَ هذا قال لسعيد: إن عطاءَ بن أبي رباح حدَّثني أن عطاءًا لخُراسانيَّ حدَّثه عنك، وفي الرواية الأولى أن القاسمَ هذا قال لسعيد: ما حديثٌ حدَّثناه عنك عطاءٌ الخُراسانيُّ؟ وهذا اضطرابٌ وباطل.

  24. وروَى حمادُ بنُ زيد هذا الحديث (٢) عن أيوب، قال: حدَّثني القاسمُ بنُ عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيِّب: إن عطاءً الخُراسانيَّ حدَّثني عنك أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر الذي واقَع امرأتَه في رمضانَ بكفارةِ الظِّهار. فقال: كذب، ما حدَّثته، إنما بلَغني أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له: "تَصَدَّقْ، تَصَدَّقْ" . فهذه مثل رواية خالدٍ الحذّاء (٣) .

  25. وأما قولُ حمادِ بن زيدٍ في حديثه: إن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر الذي واقَع امرأتَه في رمضانَ بكفّارةِ الظِّهار. فإن الروايةَ الثابتةَ عن أبي هريرة، من رواية ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر الذي وقَع على امرأتِه في رمضانَ بالكفارة على ترتيب كفارة الظِّهار (٤) .

  26. هكذا رواه ابنُ عيينة، ومعمر، والأوزاعيُّ، والليثُ بن سعد، ومنصورُ بنُ المعتمر، وغيرُهم، عن ابن شهاب، بإسناده على ترتيب كفارة الظِّهار.

  27. ورواه مالكٌ، وأبو أُوَيْس، وابنُ جريج، عن ابن شهابٍ بإسناده المذكور على التَّخيير، وقد ذكرنا ذلك كلَّه في باب ابن شهاب من هذا الكتاب (١) ، فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا.

    ج ١٣ ص ١٣٠
  28. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان ويعيشُ بنُ سعيد، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ أبي العوّام، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارون، قال: أخبرنا الحَجّاجُ بنُ أرطاة، عن إبراهيم بن عامر، عن سعيدِ بن المسيِّب، وعن الزهريِّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: بينما نحن عندَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ جاءه رجلٌ يَنتِفُ شعرَه، ويَدعو وَيْلَه، فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما لَكَ؟ " . قال: قد (٢) وقَع على امرأتِه في رمضان. قال: "أعْتِقْ رَقَبةً" . قال: لا أجِدُها. قال: "صُمْ شَهْرَين مُتتابِعَيْن" . قال: لا أستطيعُ. قال: "أطْعِمْ ستِّين مسكينًا" . قال: لا أجِدُ. قال: فأُتِيَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَرَقٍ فيه خمسةَ عشرَ صاعًا من تمرٍ، فقال: "خُذْ هذا فأطْعِمْه عنك ستِّين مسكينًا" . قال: يا رسولَ اللَّه، ما بينَ لابَتيْها أهلُ بيتٍ أفقرُ منّا. قال: "كُلْه أنت وعِيالُك" (٣) .

  29. وهكذا رواه الجمهورُ من أصحاب الزهريِّ على هذا الترتيب. وقال فيه معمر: قال الزهريُّ: وإنما كان هذا رخصةً له خاصة، فلو أن رجلًا فعل ذلك اليوم لم يكن له بُدٌّ من التكفير (١) . وقد ذكرنا ما للفقهاء في تأويل أمْرِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إيّاه بأكلِ ذلك العَرَق من التمرِ هو وعِيالُه، وفي وجوب الكفارةِ عليه إذا أيسَر، في باب ابن شهاب، بما يُغني عن ذكرِه هاهنا.

    ج ١٣ ص ١٣١
  30. وأما ذِكْرُ البَدَنة في هذا الحديث فهو موجودٌ من حديثِ مجاهدٍ وعطاء، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيها اضطرابٌ. ولا أعلمُ أحدًا كان يُفْتي بذلك من أهل العلم إلا الحسنَ البصريِّ، فإنه قال: إذا لم يجدِ المُجامعُ في رمضان -يعني عامِدًا غير معذور- رَقبةً أهدَى بَدَنةً إلى مكة (٢) .

  31. وقد حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يزيدَ المعلِّم، قال: حدَّثنا موسى بن معاوية الصُّمادِحيُّ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسولَ اللَّه، إني وقَعْتُ على أهلي في رمضان. قال: "بِئْسما صنَعْتَ، أعْتِقْ رَقَبةً" . قال: لا أجِدُها. قال: "انْحَرْ بَدَنةً" . قال: لا أجِدُها. قال: "اذْهَبْ فتَصدَّقْ بعشرينَ صاعًا، أو أحدٍ وعشرينَ صاعًا من تَمْر" . قال: لا أجِدُ. قال: "فجِئْني أتَصَدَّقْ عنك" . قال: ما بينَ لابتَيْها أهلُ بيتٍ أحوَجُ إليه منِّي. قال: "اذْهَب فكُلْه أنتَ وأهلُك" (٣) .

  32. ففي هذا الحديث أنه قال له: "انْحَرْ بَدَنَة" . إذ قال: لا أجِدُ رقبةً. وهكذا روايةُ عطاء.

    ج ١٣ ص ١٣٢
  33. وذكَر البخاريُّ في "التاريخ" ، قال (١) : حدَّثنا ابنُ شَريك، قال: حدَّثني أبي، عن ليث، عن عطاء ومُجاهد، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أعتِقْ رَقَبةً" . ثم قال: "انْحَرْ بَدَنةً" . قال البخاريُّ: ولا يُتابَعُ عليه.

    قال البخاريُّ (٢) : وقال عارِمٌ، عن أبي عَوانة، عن إسماعيلَ بنِ سالم، عن مجاهد، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه.

  34. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرتيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبد الحميد، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن إسماعيل بن سالم، عن مجاهد: أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر الذي أفْطَر يومًا في رمضانَ بكفارةِ الظِّهار.

  35. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبد الحميد، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا ليثٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (٣) .

  36. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أحمدَ الخَلّال، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ بن عبدِ الواحد البَزّار، قال: حدَّثنا أبو الجُماهِر محمدُ بنُ عثمان، قال: سمعتُ سعيدَ بن بشير يقول: عن قتادة، عن سعيدِ بن المسيِّب، أن الرجلَ الذي وقَع على أهلِه في رمضانَ في عهدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سلمانُ بنُ صَخْر أحدُ بني بياضَة، فقال له النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تصَدَّقْ" (١) .

    قال أبو عُمر: أظنُّ هذا وهمًا؛ لأن المحفوظَ أنه ظاهرَ من امرأتِه، ثم وقَع عليها، لا أنه كان ذلك منه في رمضان (٢) ، واللَّه أعلم.

    ج ١٣ ص ١٣٣
  37. حديثٌ ثالثٌ لعطاءٍ الخُراسانيِّ

    مالكٌ (١) ، عن عطاءِ بنِ عبدِ اللَّه الخُراسانيِّ، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تَصافَحوا يَذهَبِ الغِلُّ، وتَهادَوا تَحابُّوا وتَذهَبِ الشَّحْناء" .

    ج ١٣ ص ١٣٤
  38. وهذا يتَّصلُ من وجوهٍ شتّى حسانٍ كلّها.

  39. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو طالب محمدُ بنُ زكريّا المَقدِسيُّ بها، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بن حَمّاد، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس، حدَّثنا سليمانُ بنُ حيّان، قال: حدَّثنا الأجْلَحُ، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما مِن مسلمَين يَلتقيان فيتصافحان، إلّا غُفِر لهما قبل أن يَفترِقا" (٢) .

  40. أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيبة، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ وابنُ نُمَيْر، عن الأجْلَح، عن أبي إسحاق، عن البَراء، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكَره حرفًا بحرف.