سعيد بن أبي سعيد المقبري
٢١٠ فقرة، ج ١٣ ص ١٦٢
الصفحة ١ من ٦
- ج ١٣ ص ١٦٢
يُكْنى بأبي سعدٍ (١) ، واسمُ أبيه أبي سعيدٍ كيسانُ، وهو مولى لبني جُنْدَع من بني ليثِ بن بكرِ بنِ عبدِ مناة، كان مكاتَبًا لرجلٍ منهم، فأدَّى كتابتَه في زمنِ عمرَ بنِ الخطابِ وعَتَقَ، ولهما جميعًا روايةٌ عن أبي هريرةَ وغيرِه من الصّحابة، ويقال: إنَّهما قد سَمِعا من سعدِ بنِ أبي وقّاص، وسماعُهما واحدٌ ممّن سَمِعا منه، أو قريبٌ بعضُه من بعضٍ، وكانا ثِقَتين، وسعيدٌ في الرِّواية أشهرُ من أبيه.
-
روى عنه من الأئمّة جماعة، منهم: مالكٌ، وابنُ أبي ذئبٍ، وابنُ عُيينة، والليث. وقيل: إنه اختَلَط قبل وفاتِه بأربع سنينَ، وسماعُ ابنِ أبي ذئبٍ منه قبلُ الاختلاط، وكذلك مالك.
-
واختُلف في وفاةِ سعيدِ بنِ أبي سعيد، فقيل: كانت وفاتُه بالمدينة، وكان بها سُكْناه. قبل سنة ثلاثٍ وعشرين ومئة في خلافة هشام قبلَ موتِ الزُّهري بعام، وقيل: سنة خمس وعشرين. وقيل: سنة ست وعشرين ومئة. وتوفي أبوه أبو سعيد في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل: في خلافة الوليد بنِ عبدِ الملك، وكان يقال له: المقبُريُّ، لأنه كان يسكن على المقبرة، وفي المقبرة لغتان مَقْبُرةٌ ومَقْبَرةٌ بالضم والفتح.
-
لمالكٍ عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ خمسةُ أحاديثَ؛ أحدها موقوفٌ، يستند مرفوعًا من وجوهٍ ثابتة.
- ج ١٣ ص ١٦٣
حديث أول لسعيد بن أبي سعيد
مالك (١) ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي شُريح الكَعْبيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن كان يؤمنُ باللَّه واليوم الآخر فليقُلْ خيرًا أو ليصمُتْ، ومَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ جارَه، ومَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ ضيفَه، جائزتُه يومٌ وليلة، وضيافتُه ثلاثةُ أيام، فما كان بعدَ ذلك فهو صدقة، ولا يَحلُّ له أن يَثْوي (٢) عندَه حتى يُحْرِجَه" .
-
لم يختلف الرواةُ لـ "الموطأ" في هذا الحديث عن مالك (٣) ، وهو حديثٌ صحيح، وقد رواه عن سعيد بن أبي سعيد جماعة، أجلُّهم يحيى بن أبي كثير (٤) ؛ لأنه في درجةٍ واحدةٍ (٥) مع سعيدِ بنِ أبي سعيد في أبي سَلَمة وغيرِه، وقد سمع أبو سعيدٍ من أبي شُريح الكَعْبيِّ هذا الحديثَ وغيرَه (٦) .
- ج ١٣ ص ١٦٤
وفي هذا الحديث آدابٌ وسننٌ؛ منها التأكيدُ في لزوم الصمت، وقولُ الخيرِ أفضلُ من الصمت؛ لأن قولَ الخير غَنيمةٌ، والسكوتَ سلامة، والغَنيمةُ أفضلُ من السلامة، وكذلك قالوا: قلْ خيرًا تَغنَمْ، واسْكُتْ عن شرٍّ تسْلَم. قال عمّارٌ الكَلْبيُّ (١) :
وقُلِ الخَيْرَ وإلّا فاصْمُتنْ ... إنَّه مَن لزِم الصمتَ سلِمْ
وقال آخر:
ومَن لا يَمْلِكُ الشَّفَتَيْن يَسْخُو ... بسوءِ اللفظِ مِن قالٍ وقيلِ (٢) (٣)
-
فمَن كانت هذه حالَه هو المأمورُ بالصمت، لا قائلَ الخيرِ وذاكرَ اللَّه، وقد ذكَرْنا هذا المعنى وكثيرًا مما قيل فيه من النَّظْم والنَّثر في كتاب "العلم" (٤) ، وتقصَّيتُه في كتاب "بهجة المجالس" (٥) ، والحمدُ للَّه. ورُوِي عن ابن مسعودٍ أنه قال: ما الشُّؤْمُ إلا في اللسان، وما شيءٌ حَقَّ بطول السجنِ منه (٦) .
- ج ١٣ ص ١٦٥
وحدَّثنا أحمدُ بن فتح (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بن حامدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الطيب، قال: حدَّثنا داودُ بنُ بلال، قال: حدَّثنا عبدُ السلام بنُ هاشم، عن خالدِ بنِ فِزْر، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن ردَّ غَيظَه دَفَعَ اللَّهُ عنه عذابَه، ومَن حَفِظَ لسانَه سَتَر اللَّهُ عَورتَه، ومَن اعتَذَر إلى اللَّه قَبِل عُذْرَه" (٢) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا أبو الأحوص، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليقُلْ خيرًا أو ليَسكُتْ" .
-
حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المصريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةَ وعمرُو بنُ الحارث، عن يزيدَ بن عمرٍو المَعافريِّ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن صَمَتَ نَجا" (٤) .
ج ١٣ ص ١٦٦وقال الحسنُ رحمه اللَّه: أربعٌ لا مثلَ لهن: الصَّمتُ وهو أولُ العبادة، والتَّواضعُ، وذكرُ اللَّه، وقلةُ الشيء (١) .
-
وقد اختلَف العلماءُ فيما يُكتبُ على المرء من كلامه؛ فذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثنا مُعتمِرُ بنُ سليمان، عن طلحةَ بن عمرو، عن عطاء في قوله: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: ١٨] . قال: يُكتَبُ كلُّ شيء حتى ما يُعلِّلُ به الرجلُ صَبيَّه، والمرأةُ صبيَّها.
قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: ١٧] . قال: كاتبُ الحسناتِ عن يَمينِه، وكاتبُ السَّيئاتِ عن شماله؛ {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (٢) .
قال: وحدَّثنا خالدُ بنُ عبد اللَّه، عن عبدِ الملك بن أبي سليمان، عن أبي عُبيد اللَّه، عن مجاهد في قوله: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} . قال: يُكتبُ كلُّ شيء حتى أنينُه في مرضِه (٣) .
ج ١٣ ص ١٦٧قال: وحدَّثنا مُعتَمر، عن ليث، عن طلحةَ بنِ مُصرِّف، قال: ما ظَفِرتُ من أيوبَ بشيء إلا بأنينِه. قال ليث: فحدَّثتُ به طاووسًا وهو مريض، فما أنَّ حتى مات (١) .
فقال بهذا قوم، وخالَفهم آخرون فقالوا: لا يُكتبُ إلا الخيرُ والشر.
-
ذكر أبو بكر محمدُ بن إبراهيم بن المنذر، قال (٢) : حدَّثنا أبو حاتم محمدُ بنُ إدريسَ الرّازي، قال: حدَّثنا الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا هشام بنُ حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} . قال: يا غلام، اسقِني الماء، وأسْرِج الفَرس، لا يُكتَبُ إلا الخيرُ والشرُّ.
قال (٣) : وحدَّثنا أبو سعيد الهَرَويُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ المجيد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال أخبرنا النَّضرُ بنُ شُمَيْل، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ حسان، قال: سمعتُ عكرمةَ يحدِّث، عن ابن عباس قال: يُكتبُ عن الإنسان ما يتكلَّم به من خيرٍ وشرٍّ، وما سوى ذلك فلا يُكتَب.
قال (٤) : وحدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو النُّعمان، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن يزيدَ بن حازم، عن عكرمة، قال: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} . قال: لا يُكتَبُ عليه إلا ما يُؤجَرُ فيه ويُؤزَرُ فيه. قال: لو قال رجلٌ لامرأته: تعالي حتى نفعلَ كذا وكذا. أكان يُكتبُ عليه؟
ج ١٣ ص ١٦٨قال حمادُ بن شعيب: وسمعتُ الكلبيَّ يقول: يُكتبُ كلُّ شيء، فإذا كان يومُ الاثنين والخميس، ألقي منه: أطْعِمْني واسْقِني، وكتب البقية.
-
وذكَر عن الأحنف وجهًا رابعًا، قال: صاحبُ اليمين يكتبُ الخير، وهو أمينٌ على صاحب الشمال، فإذا أصاب العبدُ الخطيئة، قال: أمْسِك. فإن استَغفَر اللَّهَ نهاه أن يَكتُبها، وإن أبي إلا أن يُصِرَّ عليها كتَبها (١) .
وقال عطاء: كانوا يَكرَهون فُضولَ الكلام. وقال شُفَيٌّ الأصْبَحيُّ: مَن كثُر كلامُه، كثُر خطاياه (٢) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا غُنْدَر، عن شعبة، عن عمرو بنِ مُرّة، عن عبدِ اللَّه بنِ الحارث، عن أبي كثير، عن عبدِ اللَّه بن عمرو، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إيّاكم والظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامة، وإيَّاكم والفُحْشَ، فإنَّ اللَّهَ لا يُحبُّ الفُحْشَ والتَّفحُّش، وإيَّاكم والشُّحَّ، فإنّه أهلكَ من كان قبلكم، أمَرهم بالقَطيعة فقَطعوا، وأمَرهم بالبُخل فبَخِلوا، وبالفُجورِ ففَجَروا" . فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: "أن يَسلَمَ المسلمون من لسانِك ويَدِك" . وذكَر تمام الحديث.
- ج ١٣ ص ١٦٩
وذكر مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسلم، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخطاب رأى أبا بكرٍ الصديقَ وهو آخِذٌ بلسانِه يَمُدُّه وهو يقول: ها، إنّ ذا أوْرَدني الموارد.
-
ورواه الدَّراوَرْدي (٢) ، عن زيدِ بنِ أسلم، عن أبيه مثلَه، وزاد فيه: وقال: "ليس شيءٌ من الجسد إلا وهو يَشْكو اللسانَ إلى اللَّه" .
-
وروَى حمادُ بنُ زيدٍ، عن أبي الصَّهْباء، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ يَرفَعُه، قال: "إذا أصبَحَ ابنُ آدم، أصبَحتِ الأعضاءُ تستعيذُ من شرِّ اللِّسان وتقول: اتَّقِ اللَّهَ فينا، فإنَّك إنِ استَقمتَ استَقَمنا، وإن اعوَجَجتَ اعوَجَجنا" .
-
حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بن حامد بن ثَرَثال البغداديُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الطيبِ بنِ حمزةَ البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
ج ١٣ ص ١٧٠عُبَيد بنِ حِساب (١) ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا أبو الصَّهْباء، عن سعيدِ بن جبير، عن أبي سعيد الخُدريِّ يرفَعُه، فذكَره (٢) (٣) .
-
وأخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ المبارك، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن أبي الصَّهْباء، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذكره بمعناه مرفوعًا.
قال ابن مهدي: رأيتُ سفيانَ الثوريَّ حاثيًا بين يَدَي حمادِ بنِ زيدٍ يكتُبُ هذا الحديث (٤) .
قال أبو يوسفَ يعقوبُ بنُ المبارك: هكذا وجدتُه في كتابي؛ عن أبي يعقوبَ الكاغَديِّ (٥) ، وحدَّثناه يحيى بنُ زكريا، عن يعقوبَ الدَّوْرقيِّ، فلم يَجُزْ به أبا سعيدٍ الخُدْريّ.
ج ١٣ ص ١٧١قال: وحدَّثناه إسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن أبي الصَّهْباء، عن سعيدِ بنِ جبير، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ موقوفًا (١) .
-
وروَى شعبةً، عن الأعمش، عن صالح بنِ خَبّاب، عن حُصَيْن بنِ عقبةَ، عن سلمانَ، قال: ما من شيء أحقُّ بطولِ السِّجن من اللسان (٢) .
-
وروى الحكم، عن أبي وائل، عن ابن مسعودٍ مثله (٣) .
-
ومن هاهنا أخذ (٤) القائل قوله:
وما شيء إذا فكَّرت فيه ... أحقَّ بطولِ سَجنٍ من لسان (٥)
-
ومن الآداب أيضًا والسُّنن في هذا الحديث الحضُّ على برِّ الجار وإكرامِه؛ بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ومَن كان يُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخرِ فلْيُكرِمْ جارَه" . وقد ثبَت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من حديثِ مالكٍ وغيرِه، أنَّه قال: "ما زال جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظَنَنْتُ
ج ١٣ ص ١٧٢أنّه سيُورِّثُه " (١) . واللَّه عزّ وجلّ قد أوْصَى بالجارِ ذي القُربى والجار الجُنُب (٢) . قالوا: الجارُ ذو القُربى: جارُك من قَرابتِك. والجارُ الجُنُبُ قالوا: الجارُ المجانِبُ. وقالوا: الجارُ من غيرِ قَرابتِك من قوم آخَرين.
-
وروَى الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ قال: جاء رجلٌ يَشكُو جارَه، فأمَر النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُناديًا يُنادي: "ألا إنَّ أربعين دارًا جار، فلا يَدخُلُ الجنةَ مَن خاف جارُه بَوائِقَه ". قال الزهريُّ: أربعين دارًا يمينًا وشمالًا، وبينَ يدَيه ومن خلفِه.
-
ذكَره سُنَيدٌ، عن محمدِ بنِ كثير، عن الأوزاعيِّ (٣) .
قال سُنَيد: وأخبرنا حجاجٌ، عن ابن أبي ذئب، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي شُرَيح الكَعبيِّ، أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "واللَّه لا يُؤمِنُ، واللَّه لا يُؤمِنُ، واللَّه لا يُؤمِنُ ". قالها ثلاثًا، قالوا: وما ذاك يا رسولَ اللَّه؟ قال: " الجارُ الذي لا يأمَنُ جارُه بوائِقَه ". قالوا: وما بَوائِقُه؟ قال: " شرُّه" (٤) .
- ج ١٣ ص ١٧٣
وفيه الحضُّ على إكرام الضَّيف وإجازته، وفي ذلك دليلٌ على أن الضِّيافةَ ليست بواجبة، وأنها مستحبةٌ مندوبٌ إليها غيرُ مفترَضة؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "جائِزتُه" . والجوائز لا تجبُ فرضًا؛ لأنها إتحافُ الضيف بأطيبِ ما يُقدَرُ عليه من الطعام. قال ابنُ وَهْب: وسمِعتُ مالكًا يقول في تفسير: "جائزتُه يومٌ وليلة" . قال: يُحسِنُ ضيافتَه ويُكرِمُه.
-
وروَى ابنُ لهيعة، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبةَ بن عامر، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا خيرَ فيمَن لا يُضيفُ" .
-
رواه ابنُ وَهْب (١) ، وقُتيبة، والوليدُ بن مسلم، عن ابن لهيعة.
-
وروَى أبو تَوْبة الربيعُ بنُ نافع، عن بقيّة (٢) ، عن الأوزاعيِّ، أنه قال له: يا أبا عمرو، الضيفُ ينزلُ بنا، فنُطعِمُه الزَّيتون والكامَخ (٣) ، وعندَنا ما هو أفضلُ منه، العسلُ والسمن؟ فقال: إنما يفعلُ هذا مَن لا يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخر.
قال أبو عُمر: لا أعلَمُ خلافًا بينَ العلماء في مدح مُضِيف الضَّيْف وحمدِه والثناءِ بذلك عليه، وكلُّهم يندُبُ إلى ذلك، ويجعَلُه من مكارم الأخلاق وسُنن المُرسَلين؛ لأنه ثبَت أنّ إبراهيمَ عليه السلام أولُ مَن ضيَّف الضيف (٤) ، وحضَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على الضِّيافة، وندَب إليها.
- ج ١٣ ص ١٧٤
واختلَف العلماءُ في وجوبها فرضًا؛ فمنهم مَن أوجَبها، ومنهم مَن لم يُوجبها، وكلُّ مَن لم يُوجبْها يَندُبُ إليها ويَسْتَحبُّها. وممن أوجَبها الليثُ بنُ سعد، قال ابنُ وَهْب (١) : سألتُ الليثَ عن عبدٍ مملوكٍ تمُرُّ به فيقدِّمُ إليك طعامًا، لا تَدري هل أمَرَه سيدُه أم لا؟ فقال الليثُ: الضِّيافةُ حقٌّ واجبٌ، وأرجو ألّا يكونَ به بأسٌ.
وقال مالكٌ: لا تجوزُ هبةُ العبد المأذون له، ولا دعوتُه، ولا عاريّتُه، ولا يجوز له إخراجُ شيء من مالِه بغير عِوَض إلا أن يأذَن له سيدُه (٢) . وهو قول الشافعيِّ والحسن بن حيٍّ.
وقال الليث: لا بأسَ بضيافتِه (٣) .
-
وقد روَى الربيع، عن الشافعيِّ أنه قال: الضيافةُ على أهل الباديةِ والحاضرة، حقٍّ واجبٌ في مكارم الأخلاق.
وقال مالكٌ: ليس على أهل الحَضَر ضيافةٌ. وقال سُحنون: إنما الضِّيافة على أهل القرى، وأما الحَضرُ فالفندقُ ينزلُ فيه المسافر.
-
ومن حجة من ذهَب هذا المذهب ما حدَّثناه عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بن يوسف، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ محمدِ بنِ العلاءِ القُشَيريُّ القاضي، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكَشِّيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا إبراهيم بنُ عبدِ اللَّه ابن أخي
ج ١٣ ص ١٧٥عبدِ الرّزاق، قال: حدَّثنا عبدُ الرّزاق، عن سفيان، عن عُبَيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الضيافةُ على أهل الوَبَر، وليست على أهل المدر" (١) .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ لا يصحُّ، وإبراهيمُ ابنُ أخي عبد الرزاق متروكُ الحديث، منسوبٌ إلى الكذب، وهذا مما انفرد به، ونُسِب إلى وضعِه.
-
ومما احتجَّ به بعضُ مَن ذهب مذهبَ الليث في الضِّيافة حديثُ شعبة، عن منصور، عن الشعبيِّ، عن المِقْدام أبي كريمة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليلةُ الضَّيف حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلم، فإن أصبحَ بفنائِه، فإنّه دَينٌ، إن شاء اقتضاه، وإن شاء ترَكَه" (٢) .
-
وروى الليثُ، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، قال: قلنا: يا رسولَ اللَّه، إنك تبعثُنا، فنمُرُّ بقوم لا يقرُوننا، فما ترى؟ فقال لنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن نزلتُم بقوم فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضَّيف فاقبَلوا، فإن لم يفعَلوا فخُذُوا منهم حقَّ الضيفِ الذي ينبغي" .
-
حدَّثناه محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسين، قال: حدَّثنا موسى بن هارون، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا الليث، فذكره (٣) .
- ج ١٣ ص ١٧٦
وروَى عبدُ الرحمن بن أبي عوف الجُرَشيُّ، عن المِقْدام بن مَعْدي كَرِبَ، أن رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أيُّما رجلٍ أضاف قومًا فلم يَقْرُوه، كان له أن يُعقِبَهم بمثلِ قِرَاه" (١) .
-
وروَى معاويةُ بنُ صالح، عن أبي طلحة (٢) ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (٣) .
-
وروَى المثنَّى بنُ الصَّبّاح، عن عطاء (٤) ، عن جابر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه.
-
وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ اللَّه بنِ أبي مَطَر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ مروان، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب أبو أيوب، قال: حدَّثنا الوليد، قال: حدَّثنا حريزُ بنُ عثمانَ
ج ١٣ ص ١٧٧الرَّحبيُّ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي عوفٍ الجُرشيِّ، عن المقدام بن مَعْدي كَرِبَ الكنديِّ، عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن نَزَل بقوم فعليهم أنْ يَقْرُوه" (١) .