سعيد بن أبي سعيد المقبري

٢١٠ فقرة، ج ١٣ ص ١٦٢

الصفحة ٢ من ٦

  1. فاحتجَّ بهذه الآثار مَن ذهَب مذهبَ الليث في وُجوب الضِّيافة. واحتجُّوا أيضًا بما رُوِي في تأويل قوله عزَّ وجلَّ: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: ١٤٨] . قال مجاهد: ذلك في الضِّيافة إذا لم يُضَفْ، فقد رُخِّص له أن يقول فيه. ذكَره وكيعٌ، عن ابنِ عيينة، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهد (٢) .

    وقال ابنُ جريج، عن مجاهد: نزلت في رجل ضاف رجلًا بفَلاةٍ من الأرض، فلم يُضِفْه، فنزلت: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} . ذكَر أنه لم يُضِفْه، لا يزيدُ على ذلك (٣) .

    قالوا: فهذه الآية تدلُّ على أن ذلك ظلمٌ، والظلمُ ممنوعٌ منه، فدلَّ على وجوبِ الضِّيافة.

    ج ١٣ ص ١٧٧
  2. واحتجَّ الآخَرون بحديث سعيد بن أبي سعيدٍ هذا، عن أبي شُرَيْح الكعبيِّ العَدَويِّ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- المذكور في أول هذا الباب.

  3. وقد رواه الليثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، كما رواه مالكٌ سواء (٤) . وفيه دليلٌ على أن الضِّيافة إكرامٌ وبرٌّ وفضيلةٌ لا فريضةٌ.

  4. ومما يدلُّ على ذلك أيضًا ما رواه عبدُ الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدَّثنا المِقدادُ بنُ الأسود، قال: جئتُ أنا وصاحبٌ لي، قد كادَت تذهبُ أبصارُنا وأسماعُنا من الجوع، فجعَلْنا نتعرَّضُ للناس، فلم يُضِفْنا أحد، فأتينا النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، أصابَنا جوعٌ شديدٌ، فتعرَّضْنا للناس، فلم يُضِفْنا أحدٌ، فأتيناك. فذهَب بنا إلى منزله، وعندَه أربعةُ أعْنُز، فقال: "يا مِقْدادُ، احلُبْهنَّ، وجَزِّئ اللَّبنَ لكلِّ اثنَين جزءًا" (١) .

    ج ١٣ ص ١٧٨
  5. ففي هذا الحديث أنَّ المقْدادَ وصاحبَه قد استَضافا، فلم يُضَيَّفا، ولم يأمُرْهما النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يأخُذا ممّن استَضافا قَدْرَ ضيافتِهما مع شدةِ حاجتِهما، فدلَّ ذلك أن الضِّيافةَ غيرُ واجبةٍ جملةً، أو كانت واجبةً في بعض الأوقاتِ فنُسِخَت، وأهلُ العلم يأمُرون بالضِّيافة، ويَندُبون إليها ويَستَحبُّونها، وهي عندَهم على أهل البَوادي أوكد (٢) .

  6. وقولهم: ليس على أهل الحَضَر ضيافةٌ، يدُلُّ على تأكيدِ سُنَّتها على أهلِ البادية، ومنهم مَن سوَّى بين البادلة والحاضرةِ في ذلك. وأما اختلافُهم في إيجابها فرضًا، فعلى ما تقدَّم ذكرُه، وأما الآيةُ فقد مضى عن مجاهدٍ فيها في هذا الباب ما ذكَرْنا.

    وقال سعيد، عن قتادةَ في قوله: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} الآية [النساء: ١٤٨] . قال: عذَر اللَّهُ المظلوم، كما تَسمَعون، أن يَدعوَ على مَن ظلَمه (٣) .

    ج ١٣ ص ١٧٩وقال ابنُ جُرَيْج، عن عبد اللَّه بن كثير: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} . قال: إلّا مَن أثَر ما قيل له (١) .

  7. فلم يقل هؤلاء: إنَّ الآيةَ نزلَت في الضِّيافة. ولا في قولهم شيءٌ يدُلُّ على أنّ الآية لم تنزِلْ في الضِّيافة.

    وقال الطَّحاويُّ (٢) : الضِّيافة من كَرامةِ الضيفِ على حديثِ أبي شُرَيْح الكَعبيِّ، وفيه دليلٌ على انتفاءِ وجوبِها. قال: وجائزٌ أنْ تكونَ كانت واجبةً عند الحاجة إليها، لقلةِ عددِ أهل الإسلام في ذلك الوقت، وتَباعُدِ أوطانهم، وأمّا اليوم فقد عمَّ الإسلام، وتقارَب أهلُه في الجوار. قال: وفي حديث أبي شُريح: "جائزتُه يومٌ وليلةٌ" . قال: والجائزةُ مِنْحةٌ، والمنحةُ إنما تكونُ عن اختيار، لا عن وجوب، وباللَّه التوفيق.

  8. ومما يدلُّ على أن الضِّيافةَ ليست بواجبةٍ فرضًا، قولُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ جارَه، ومَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ ضيفَه" . وقد أجمَعوا أنَّ إكرامَ الجارِ ليس بفرض، فكذلك الضيف.

  9. وفي هذا الحديث وما كان مثلَه دليلٌ على أن الضِّيافةَ من مكارم الأخلاق في الحاضرةِ والباديةِ. ويجوزُ أن يَحتَجَّ بهذا مَن سوَّى بين الضِّيافةِ في الباديةِ والحاضرة، إلّا أنَّ أكثرَ الآثارِ في تأكيدِها إنَّما وردَت في قوم مسافرين مُنِعوها (٣) .

  10. ومما يدُلُّ على أنها ليست بواجبةٍ فرضًا ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عاصم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ القَلانسيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، قال: حدَّثنا سفيانُ، وهو الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، إني مرَرْتُ برجل فلم يُضِفْني، ولم يَقْرِني، أفأجازِيه؟ قال: "لا، بل اقْرِه" (١) .

    ج ١٣ ص ١٨٠
  11. حدَّثنا يونسُ بنُ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْب (٢) ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مَخلَد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بن أبي كثير، قال: حدَّثنا العلاءُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حَقُّ الضَّيفِ ثلاثُ ليال، وما سِوَى ذلك فهو صدَقةٌ" .

  12. وروَى أبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (٣) .

  13. وروَى شريكٌ (٤) ، عن أبي إسحاق، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطاب يقول: إكرامُ الضيفِ يومٌ وليلةٌ، والضِّيافةُ ثلاثةُ أيام، فإنْ أصابَه بعدَ ذلك مرضٌ أو مطرٌ فهو دَينٌ عليه.

    ج ١٣ ص ١٨١قال أبو عُمر: ينبغي له أن يَتنزَّهَ عمّا كان من الضِّيافة صدقة، كما ينبَغي له التَّنزُّهُ عن الصدقة، وليست صدقةُ التطوع بمحرَّمةٍ على أحد، إلّا أنّ السؤالَ مكروهٌ على ما بيَّنا فيما سلف من هذا الكتاب (١) ، والحمدُ للَّه.

  14. حدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جابر، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ القطّانُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ الخَزّاز، عن نافع، قال: كان ابنُ عمرَ إذا قدِم مكةَ نزَل على أصهارِه، فيأتيه طعامُه من عند دار خالدِ بنِ أسيدٍ، فيأكُلُ من طعامِهم ثلاثةَ أيام، ثم يقول: احْبِسوا عنا صدقتكم. ويقول لنافع: أنْفِقْ من عندِك.

  15. وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَحِلُّ له أن يَثْويَ عندَه حتى يُحرِجَه" . يريدُ: أن يُقيمَ عندَه حتى يُحرِجَه، والثَّواء: الإقامة. قال عنترة (٢) :

    طالَ الثَّواءُ على رسومِ المنزِلِ

    وقال الحارثُ بنُ حِلِّزة (٣) :

    آذنَتْنا ببَيْنِها أسماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ

    وقال كُثَيِّر (٤) :

    أُريدُ الثَّواءَ عندَها وأظُنُّها ... إذا ما أطَلْنا عندَها المُكْثَ مَلَّتِ

    وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حتى يُحرِجَه" ؛ أي: يُضَيِّقَ عليه بإقامتِه عندَه حتى يَحْرَجَ وتَضيقَ نفسُه، هذا لا يَحِلُّ له.

  16. حديثٌ ثانٍ لسعيدِ بن أبي سعيد

    مالكٌ (١) ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ تُسافرُ مسيرةَ يوم وليلةٍ إلّا مع ذي مَحرَم منها" .

    ج ١٣ ص ١٨٢
  17. هكذا رواه جماعةُ الرواة لـ "الموطأ" عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرة (٢) .

  18. ورواه بِشرُ بنُ عمر، عن مالك، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة (٣) . وكان سعيدُ بن أبي سعيد، فيما يقولون، قد سمِع من أبي هريرة، وسمع من أبيه عن أبي هريرة؛ كذا قال ابنُ مَعين (٤) وغيرُه، فجعلها كلَّها أحيانًا عن أبي هريرة.

    قال أبو عُمر: في هذا الحديث من الفقه: أنَّ المرأةَ لا يجوزُ لها أن تُسافرَ هذه المسافة فما فوقَها إلا مع ذي مَحرَم أو زوج. وقد اختلَفَت ألفاظُ أحاديث هذا الباب في مقدارِ المسافة، وسنذكرُ ذلك والمعنى فيه في آخر هذا الباب إن شاء اللَّه.

  19. واختلَف الفقهاءُ من هذا المعنى في ذي المَحرَم للمرأة؛ هل هو من السبيل الذي ذكر اللَّه عزّ وجلّ في الحجّ أم لا؟ فقالت طائفة: المَحرَم من السبيل الذي قال اللَّه عزّ وجلّ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] . فمَن لم يكن لها من النساء ذو محَرَم فتخرُج معه، فليست ممّن استطاع إلى الحج سبيلًا، لنهي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تُسافرَ المرأةُ إلا مع ذي محرم منها. وممّن ذهبِ إلى هذا إبراهيمُ النَّخعيُّ، والحسنُ البصريُّ (١) ، وأبو حنيفةَ وأصحابه، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ، وأبو ثَوْر (٢) .

    وقال الأثرم: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يُسألُ عن الرجل هل يكونُ مَحرَمًا لأمِّ امرأتِه يُخرجُها إلى الحجّ؟ فقال: أما في حجةِ الفريضة فأرجو؛ لأنها تخرُجُ إليها مع النساء ومع كل مَن أمِنَته، وأما في غيرِها فلا (٣) . وكأنه ذهَب إلى أنه لم يُذكَر في القرآن.

    قال أبو عُمر: يعني في قول اللَّه عزَّ وجلّ: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} الآية كلها [النور: ٣١] .

    قال الأثرم: قيل لأحمد: فيحُجُّ الرجلُ بأختِ امرأتِه؟ قال: لا، لأنها ليست منه بمَحرَم؛ لأنها قد تَحلُّ له. قيل له: فالأخُ من الرَّضاعة يكونُ مَحرَمًا؟ قال: نعم. قيل له: فيكونُ الصبيُّ مَحرَمًا؟ قال: لا، حتى يَحتلِم؛ لأنه لا يقومُ بنفسِه، فكيف تخرُجُ معه امرأةٌ في سفر؟ لا، حتى يَحتلِم وتجبَ عليه الحدود، أو يبلُغَ خمسَ عشرةَ سنة (٤) .

    وقال آخرون: جائزٌ للمراة أن تحُجَّ حجةَ الفريضة إذا كانت مع ثقاتٍ من ثقاتِ المسلمات والمسلمين.

    ج ١٣ ص ١٨٣
  20. فأما مالكٌ والشافعيُّ فقالا: تخرُجُ مع جماعة النساء. قال الشافعيُّ: وإذا خرَجَت مع حُرَّة مسلمةٍ ثقةٍ فلا شيء عليها. وقال الأوزاعيُّ: تخرُجُ مع قوم عُدول، وتتَّخذُ سُلَّمًا تصعَدُ عليه وتنزلُ، ولا يَقرَبُها رجلٌ إلا أن يأخُذَ برأسِ البعير وتضعُ رجلَها على ذراعِه. وقال ابنُ سيرين: تخرُجُ مع رجل من المسلمين لا بأسَ به (١) .

    ج ١٣ ص ١٨٤
  21. وروَى أيوب، عن محمد، أنه كان إذا سُئِل عن المرأة لم تحجَّ، وليس لها مَحرَمٌ؟ فربما قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: ١٠] . ويقول: رُبَّ مَن ليس بمَحرَم أوثَقُ من مَحرَم.

  22. ذكَره عبدُ الرزاق، عن مَعْمَر وابنِ التَّيميِّ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرين.

    قال أبو عُمر: ليس المَحرَمُ عند هؤلاء من شرائطِ الاستطاعة، ومن حجَّتِهم الإجماعُ في الرجل يكونُ معه الزادُ والراحلة، وفيه الاستطاعة، ولم يمنَعْه فسادُ طريق ولا غيرُه، أنَّ الحجَّ عليه واجب. قالوا: فكذلك المرأة؛ لأنَّ الخطابَ واحد، والمرأةُ من الناس.

  23. وفي هذا الحديث أيضًا: دليلٌ على صحةِ ما ذهبَ إليه مالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما، في تقدير المسافة التي يجوزُ فيها للمُسافر قصْرُ الصَّلاة وتحديدِها؛ لأنهم قالوا: لا تُقصَرُ الصلاةُ في مسافة أقلَّ من يوم وليلة. وقدّروا ذلك بثمانيةٍ وأربعين ميلًا، وهي أربعةُ بُرُد (٢) . وهو قول ابن عباس وابنِ عمر (٣) . والأصل في ذلك حديثُ أبي هريرة هذا عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بما ذكَرنا.

  24. واستدلُّوا من هذا الحديث بأن كلَّ سَفَرٍ يكونُ دونَ يوم وليلة فليس بسفرٍ حقيقة، وأنَّ حُكْمَ مَن سافَره حكمُ الحاضر؛ لأنَّ في هذا الحديث دليلًا على إباحة السفرِ للمرأةِ فيما دونَ هذا المقدار مع غير ذي محرم، فكان ذلك في حُكْمِ خُروج المرأةِ في حوائجِها إلى السوق، وما قرُب من المواضع المأمون عليها فيها في البادية والحاضرة، وأما اليومُ والليلةُ فظَعْنٌ وسفرٌ وانتقال يكون فيه الانفراد، وتعترضُ فيه الأحوال، فكان في حُكْم الأسفار الطِّوال، لأنَّ كلَّ ما زاد على اليوم والليلة من المدة في نوع اليوم والليلة، وفي حكمها، واللَّه أعلم.

    ج ١٣ ص ١٨٥
  25. وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب، واختلفت فيه الآثار؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ ما ذكرنا عنهما، وهو قول ابن عباس وابن عمرَ على ما وصفنا، وبه قال أحمد، وإسحاق (١) . وحجَّتُهم الاستدلال بحديث هذا الباب على حسبما اجتلَبنا، وهو حديثُ مالك المذكور، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وكذلك رواه ابن أبي ذِئْب بمَعْنَى رواية مالك في تحديد مَسِيرِ يوم وليلة، وربما قال: مسيرةَ يوم فما فوقَه. إلا أنه قال فيه: عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبيه (٢) . كما قال بشرُ بنُ عمر، عن مالك (٣) .

  26. وكذلك رواه شيبانُ، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (٤) (٥) .

  27. ورواه سُهيلُ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثله (١) ، على اختلاف عن سُهيل في ذلك:

    وقد رُوِيَ هذا الحديث عن سُهيل بن أبي صالح، عن سعيدِ بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تسافرِ امرأةٌ بَريدًا إلا مع زوج أو ذي مَحرم" (٢) .

    ج ١٣ ص ١٨٦
  28. ورواه ابنُ عَجْلان، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُريِّ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تسافرِ امرأةٌ إلّا ومعها ذو مَحْرَم" (٣) . لم يقل يومًا ولا غيرَه.

  29. والألفاظُ عن سُهيل في هذا الحديث مضطربةٌ لا تقومُ بها حجةٌ من روايتِه (٤) .

    وقالت طائفة: لا تُقصَرُ الصلاةُ إلا في مسيرةِ يومين، وكلُّ سفر يكونُ دون ليلتين فللمراة أن تُسافِرَ بغير مَحْرَم. هذا قولُ الحسن البصريِّ والزهريِّ.

  30. ومن حجَّتهم ما رواه شعبةُ وغيرُه، عن عبد اللك بن عُمير، عن قَزَعة مولَى زيادٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا تسافرِ المرأةُ مسيرةَ ليلتين إلّا مع زوج أو ذي مَحْرَم" (١) .

    ج ١٣ ص ١٨٧
  31. ورواه مِسعَرٌ، عن عبد الملك بن ميسرة، عن قَزَعة، عن أبي سعيد، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تسافرِ امرأةٌ فوقَ يومين إلّا ومعها زوجُها أو ذو مَحْرَم منها" (٢) .

    وقال آخرون: لا يَقصُرُ المسافرُ الصلاةَ إلا في مسيرة ثلاثةِ أيام فصاعدًا، وكلُّ سفر يكون دون ثلاثة أيام فللمرأة أن تُسافرَه بغير محرم. هذا قول الثوريِّ، وأبي حنيفة وأصحابه، وهو قولُ ابن مسعود. قال أبو حنيفة: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومَشْيِ الأقدام (٣) .

  32. ومن حجَّتِهم ما رواه عُبيدُ اللَّه بنُ عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يَحلُّ لامرأةٍ أن تُسافرَ مسيرةَ ثلاثة أيام إلّا مع مَحْرَم" (٤) . ورواه عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (٥) .

  33. وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:

    ج ١٣ ص ١٨٨"لا تسافر المرأةُ سفرًا ثلاثةَ أيام فصاعِدًا إلّا ومعَها زوجُها، أو ابنُها، أو ذو مَحْرَم منها" (١) . وبعضُ أصحاب الأعمش يقول فيه بإسناده: "فوقَ ثلاث" .

  34. وروى سُهيل: عن أبيه وسعيد المقبُريِّ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مثلَه سواء. هذه روايةُ وُهَيب، عن سُهيل (٢) .

  35. وروَى رَوْحُ بنُ القاسم، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله بمعناه (٣) .

  36. والروايةُ الأولى عن سُهيل رواها حمادُ بنُ سلمة (٤) وعبدُ العزيز بن المختار (٥) ، عن سُهيل.

  37. وروَى بكرُ بنُ خُنَيس، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تسافر امرأةٌ في الإسلام مسيرةَ بَريدٍ إلّا مع زوج أو ذي مَحرَم" (٦) فحصَل حديثُ سُهيل في هذا الباب مضطرِبًا في إسنادِه ومتنِه.

  38. وقد روَى سفيانُ بنُ حمزة، عن كثير بن زيدٍ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرة، أنّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يا نساءَ المؤمنات، لا تخرُج امرأةٌ مسيرةَ ليلة إلّا ومعها ذو مَحرَم" .

    ج ١٣ ص ١٨٩
  39. وقد اضطَربتِ الآثارُ المرفوعةُ في هذا الباب كما ترَى في ألفاظِها، ومحملُها عندي، واللَّه أعلم، أنها خرَجت على أجوبة السائلين، فحدَّث كلُّ واحدٍ بمعنى ما سمع، كأنه قيل له -صلى اللَّه عليه وسلم- في وقت ما: هل تسافرُ المرأةُ مسيرةَ يومٍ بلا مَحرم؟ فقال: لا. وقيل له في وقت آخر: هل تسافرُ المرأةُ مسيرةَ يومين بغير مَحرَم؟ فقال: لا. وقال له آخر: هل تسافرُ المرأةُ مسيرةَ ثلاثة أيام بغير مَحرَم؟ فقال: لا. وكذلك معنى الليلة، والبريد، ونحو ذلك، فأدَّى كلُّ واحدٍ ما سمع على المعنى، واللَّهُ أعلم. ويجمعُ معاني الآثار في هذا الباب، وإن اختلَفَت ظواهرُها، الحظرُ على المرأة أن تسافرَ سفرًا يخافُ عليها الفتنةُ بغيرِ مَحرَم؛ قصيرًا كان أو طويلًا، واللَّه أعلم.

  40. ومن حجَّة مَن ذهَب في هذه المسالة مذهبَ أبي حنيفة، أنَّ الثلاثةَ الأيام سفرٌ مجتمعٌ على تقصيرِ الصلاة فيه، والأصلُ في الصلاة التَّمامُ باليقين، فالواجبُ ألا تُقصَرَ إلا بيقين، واليقينُ ما أجمَعوا عليه في الثلاثة الأيام؛ لأنَّ ما دون ذلك مُخْتَلَفٌ فيه. وهو قول ابن عُليّة، وهذا وإن كان نظرًا واحتياطًا، فليس بجيّد من طريق الاتِّباع، وأولى ما قيل في هذا الباب من طريق الاتِّباع مذهبُ ابن عمر، وابن عباس، وأهل المدينة، والشافعيِّ، واللَّه الموفق للصّواب.

    وقال الأوزاعيُّ: عامّةُ العلماءِ يقولون: يقْصُر المسافرُ في مسيرةِ اليوم التامِّ. قال: وبه نأخُذُ. وفي هذا الباب شُذوذٌ ترَكْنا حكايتَه تعلَّق به داودُ (١) .