(سالم بن أبي أمية) أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله
٢٩٥ فقرة، ج ١٣ ص ٣٢١
الصفحة ٣ من ٨
- ج ١٣ ص ٣٥٥
حديثٌ سادسٌ لأبي النَّضْر
مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، أنها قالت: كنتُ أنامُ بينَ يدَيْ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورجلايَ في قِبْلتِه، فإذا سجَد غمَزني فقبَضْتُ رِجْلَيّ، وإذا قام بسَطْتُهما. قالت: والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها مصابيح.
-
هذا من أثبَتِ حديثٍ يُرْوَى في هذا المعنى، وقد روَى القاسمُ عن عائشةَ مثله:
حدَّثناه خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بن السَّكَن، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنِ محمدٍ البغويُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ القَواريريُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه (٢) بنُ عمرَ، عن القاسم، قال: بلَغ عائشةَ أنَّ أبا هريرةَ يقول: إن المرأةَ تقطَعُ الصلاة. فقالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي، فتقَعُ رِجْلي بينَ يدَيه أو بحِذائِه فيَضْرِبُها فأقْبِضُها.
-
وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قالا: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن عبيدِ اللَّه، قال: سمِعْتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يُحدِّثُ عن عائشةَ، قالت: بئسَما عدَلْتُمونا بالحمار والكلب، لقد رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّي وأنا مُعترضةٌ بينَ يدَيه، فإذا أراد أن يَسْجُدَ غمَز رجلَيَّ فضمَمْتُهما إليَّ، ثم يَسْجُد (٣) .
- ج ١٣ ص ٣٥٦
وفيه من الفقهِ وُجوهٌ؛ منها: أنَّ المرأةَ لا تُبْطِلُ صلاةَ مَن صلَّى إليها، ولا صلاةَ مَن مرَّت بينَ يدَيه، وهذا موضعٌ اختلَفَت فيه الآثارُ واختلَف فيه العلماءُ أيضًا؛ فقالت طائفة: يَقطَعُ الصلاةَ على المُصلِّي إذا مرَّ بينَ يدَيه الكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ. وممّن قال هذا أنسُ بنُ مالك (١) ، وأبو الأحوص (٢) ، والحسنُ البصريُّ (٣) ، وحجةُ مَن قال بهذا القول حديثُ حُمَيد بنِ هلال، عن عبدِ اللَّه بنِ الصامت، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَقْطَعُ صلاةَ الرجلِ إذا لم يكُنْ بينَ يدَيه قيدُ آخِرَةِ الرَّحْل (٤) - الحمارُ، والمرأةُ، والكلبُ الأسودُ" . فقلت: ما بالُ الأسودِ من الأحمرِ من الأصفرِ من الأبيض؟ فقال (٥) : يا ابنَ أخي، سألتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كما سألْتَني، فقال: "الكلبُ الأسودُ شيطانٌ" (٦) .
-
وروَى يحيى بنُ أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس -أحسَبُه عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا صَلَّى أحدُكم إلى غيرِ سُتْرَة، فإنّه يَقطَعُ صلاتَه الكلبُ، والحمارُ، والمجوسيُّ، والمرأةُ، ويُجزئُ إذا مَرَّ بينَ يدَيه على قذفةِ حَجَر" (٧) .
- ج ١٣ ص ٣٥٧
ورُوِيَ عن عائشة، أنها قالت: لا يَقطعُ الصلاةَ إلا الكلبُ الأسودُ (١) . وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وقال: في نفسي من المرأةِ والحمارِ شيءٌ (٢) . وكان ابنُ عباسٍ وعطاءُ بنُ أبي رباح يقولان: يَقطعُ الصلاةَ الكلبُ الأسودُ، والمرأةُ الحائض (٣) .
-
وحُجةُ مَن قال هذا القول ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) ، حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن شعبة،
ج ١٣ ص ٣٥٨قال: حدَّثنا قتادة، قال: سمعتُ جابرَ بنَ زيدٍ يُحدِّثُ عن ابنِ عباس -رفَعه شعبةُ- قال: "يَقطعُ الصلاةَ المرأةُ الحائض، والكلب" .
وقال جمهورُ العلماء: لا يَقطعُ الصلاةَ شيءٌ. وهو قولُ مالك، والشافعيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوريِّ، وأبي ثور، وداود، والطبريِّ، وجماعة من التابعين (١) .
قال أبو عُمر: الآثارُ المرفوعةُ في هذا الباب كلُّها صحاحٌ من جهة النقل، غيرَ أن حديثَ أبي ذَرٍّ وغيرِه في المرأة، والحمار، والكلبِ منسوخٌ ومُعارَضٌ (٢) ، فممّا عارَضه أو نسَخه عندَ أكثر العلماء حديثُ عائشةَ المذكورُ في هذا الباب.
- ج ١٣ ص ٣٥٩
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بن عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: كان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي صلاتَه من الليل، وأنا مُعترضةٌ بينَه وبينَ القِبْلة كاعتراضِ الجِنازة (١) .
-
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ أبي رباح والزهريُّ، قالا: حدَّثنا عُروةُ بنُ الزبير، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي من الليل وأنا معترضةٌ فيما بينَه وبينَ القبلة (٢) . فسقَط بهذا الحديث أن تكونَ المرأةُ تَقطعُ الصلاة، وكيف تَقطعُ الصلاةَ بمُرورِها، وفي هذا الحديثِ أن اعتِراضَها في القبلةِ نفسِها لا يَضُرُّ؟
- ج ١٣ ص ٣٦٠
وروى شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيم، عن عُروة، عن عائشة، قالت: كنتُ بينَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وبينَ القبلة. قال شعبةُ: وأحسَبُها قالت: وأنا حائضٌ (١) .
قال أبو داود (٢) : رواه الزهريُّ، وعطاءٌ، وأبو بكر بنُ حفص (٣) ، وهشامُ بنُ عُروة (٤) ، وعراكُ بنُ مالك (٥) ، وأبو الأسود (٦) ، وتَميمُ بنُ سلمة (٧) ، كلُّهم عن عُروةَ، عن عائشةَ، ولم يذكُروا فيه: وأنا حائضٌ.
قال أبو داود: ورواه أيضًا إبراهيمُ عن الأسود عن عائشة (٨) ، وأبو
ج ١٣ ص ٣٦١الضُّحَى عن مسروق عن عائشة (١) ، والقاسم (٢) وأبو سلمة (٣) ، عن عائشة، ولم يذكروا: وأنا حائضٌ.
-
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قالا: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبَيد اللَّه، قال: سمعتُ القاسمَ يُحدِّثُ عن عائشة، قالت: بئسَما عدَلْتمونا بالحمار والكلب، لقد رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلِّي وأنا معترضةٌ بينَ يدَيه، فإذا أراد أن يَسجُدَ غمز رجلَيَّ، فضمَمْتُهما إليَّ، ثم يسجُدُ (٤) .
-
وأما الحمارُ، ففي روايةِ الزُّهريِّ، عن عُبيد اللَّه، عن ابن عباس، قال: جئتُ على حمارٍ، فمرَرْتُ بين يدَي الصُّفوف. وهذا الأغلبُ منه أنه مرَّ بينَ يدَي رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يذكُرْ سُتْرة. ولهذا سِيقَ الحديث، ولو مرَّ خلفَ السُّتْرة ما احتَجَّ بالحديث مَن ساقه لذلك. واللَّهُ أعلم.
-
وكذا رواه ابنُ عُيينةَ وغيرُه، عن الزُّهريِّ، وقال فيه مالكٌ، عن الزهريِّ بإسنادِه: أقبَلتُ راكبًا على أتان، فمرَرْتُ بينَ يدَي بعض الصفِّ، فلم يُنكِرْ ذلك عليَّ أحدٌ (٥) .
- ج ١٣ ص ٣٦٢
وقد روَى الليثُ، عن يحيى بن أيوبَ، عن محمدِ بنِ عمرَ بنِ عليٍّ، عن عباسِ بنِ عُبيدِ اللَّه بنِ عباس، عن الفضلِ بنِ عباس، قال (١) : أتانا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن في بادية- ومعه عباسٌ، فصلَّى في صحراءَ ليس بينَ يدَيه سُتْرَةٌ، وحمارةٌ لنا وكلبةٌ تَعْبَثان بينَ يدَيه، فما بالى بذلك.
-
ذكَره أبو داود (٢) ، عن عبدِ الملك بنِ شُعيبِ بنِ الليث، عن أبيه، عن جدِّه.
-
ففي هذا الحديث ما يدُلُّ على أن الحمارَ والكلبَ لا يَقطَعان الصلاة، ومن جهةِ النظَر لا يجبُ أن يُحكَمَ بقطع الصلاة لشيءٍ من الأشياء إلا بما لا تنازُعَ فيه، وقد تعارَضَت الآثارُ في هذا الباب واضطَرَبت، والأصلُ أن الحُكْم لا يجبُ إلّا بيقين.
-
وقد روَى مُجالدٌ، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقطَعُ الصَّلاةَ شيءٌ، وادْرَؤوا ما استطعْتم، فإنما هو شيطانٌ" (٣) .
-
وقد ذكَرْنا أخبارَ هذا الباب مُستَوعَبَة، وذكَرْنا ما للعلماء في ذلك في باب ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب (٤) .
-
وأما قوله في حديثِنا في هذا الباب: "ورِجلايَ في قِبْلتِه، فإذا سجَد غمزَني فقبَضْتُ رِجليَّ" وفي حديث القاسم، عن عائشة: "غمَز رجْليَّ فضمَمْتُهما إليَّ" . ففيه دليلٌ على أنَّ المُلامَسة لا تنقُضُ الطَّهارة، ما لم يكُنْ معها اللَّذة، وهذا مما نزَع به واستدَلَّ جماعةٌ من أصحابِنا في باب المُلامَسة.
- ج ١٣ ص ٣٦٣
قرَأتُ على أبي عمرَ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ محمد، أنَّ أباه أخبَرَه قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرَ بنِ لُبابة، قال: حدَّثني قاسمُ بنُ محمد. قال: وحدَّثني محمد بن قاسم بن محمد، قال (١) : حدَّثنا أبي، قال: قال لي المُزَنيُّ: من أين قال مالكُ بنُ أنس: إنه مَن لمَس لشَهْوةٍ انتَقَض وُضوؤه، ومَن لمَس لغيرِ شهوةٍ لم ينتَقِضْ عليه وُضوؤه؟ فقلت له: قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] . فكان واجبًا بظاهرِ الآيةِ انتِقاضُ وُضوءِ كلِّ مُلامِسٍ كيف لامَس، فدلَّت السُّنةُ على أنَّ الوضوءَ على بعض الملامسِينَ دونَ بعض. فقال: وأين السُّنة؟ فقلت له: حديثُ عائشة: فقَدْتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فطلَبْتُه، فوضَعْتُ يدِي على قدَميه، وهو ساجدٌ يقول: "أعوذُ برِضاكَ من سخطِكَ، وبعَفْوِكَ من عقُوبَتِكَ، وبكَ منكَ، لا أُحْصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ" (٢) . قال قاسم: فلمّا وضَعَت يدَها على قدَمِه وهو ساجدٌ، وتمَادَى في سجُودِه -كان دليلًا على
ج ١٣ ص ٣٦٤أن الوُضوءَ لا يَنتقِضُ إلا على بعضِ المُلامِسينَ دونَ بعض. قال المُزنيُّ: فإني أقول: إنه كان على قدَمِه حائلٌ، شيءٌ كالثوبِ يَسْتُرُها أو نحوِه. قال قاسم: فقلتُ له: القدمُ قدمٌ بلا حائل حتى يثبُتَ الحائل (١) .
قال أبو عُمر: ما أدري كيف يجوزُ على مثل المُزَنيِّ -مع جلالتِه وفقهِه وسَعةِ فهمِه- مثلُ هذا الإدخالِ والاحتجاج، والأغلبُ أنَّ النائمَ مُشتَمِلٌ في ثوبِه مُلتَحِفٌ به، وإذا أمكن ذلك، وهو الأغلبُ، لم يجِبْ أن يُقطَعَ بمُلامَسةٍ فيها مباشرةٌ إلّا بيقين، ولا يقينَ في هذا الحديث؛ لإمكانِ سَترِ القدم واحتمالِه، وإذا احتمَلَ لم تكنْ فيه حجّةٌ؛ لأن الحُجّة ما لا تَنازُعَ فيه، ولا يَحتمِلُ تأويلَ الخصْم. وحديثُ هذا الباب أولى من الحديث الذي احتجَّ به قاسمٌ؛ لأنّ في حديثنا في هذا الباب أنّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَغْمِزُ رجلَ عائشةَ أو رجلَيها، فهو الملامِسُ في هذا الحديث، لو ثبَت أنه باشَرها أو شيئًا من جسدِها بالمُلامَسة؛ لأنه قد كان (٢) يَحتمِلُ أن يَغمِزَها على الثوب، أو يَضرِبَ رجلَها (٣) بكُمِّه، ونحو هذا. والحديثُ الذي احتَجَّ به قاسمٌ يَرْويه مالكٌ، عن يحيى بن سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التَّيميِّ، عن عائشة، وهو مُنقطِعٌ من هذا الوجه، ولكنه يَستنِدُ من طرقٍ صحيحة، سنذكُرُها في باب يحيى بنِ سعيدٍ من كتابِنا هذا إن شاء اللَّه.
-
وأما اختلافُ العلماء في المُلامَسة التي تنقُضُ الطَّهارةَ وتُوجِبُ الوضوءَ على مَن أراد الصلاة - فاختلافٌ قديمٌ وجَدْناه عن (٤) السلَفِ والخلَف، ونحن نُورِدُ منه من وُجوه أقاويلِهم فيها ها هنا ما فيه كفايةٌ إن شاء اللَّه:
ج ١٣ ص ٣٦٥قال سفيانُ الثوريُّ وأبو حنيفة والأوزاعيُّ وأكثرُ أهل العراق وطائفةٌ من أهل الحجاز: المُلامَسةُ التي ذكَر اللَّهُ عزَّ وجلّ في كتابه في قوله: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} . أو "لَمَسْتم" (١) ، على ما قُرِئَ من ذلك كلِّه -هي الجماعُ نفسُه الموجبُ للغسل، وأدْنى ذلك مسُّ الختانِ الختانَ، وأما ما كان دونَ ذلك من القُبْلةِ والجسَّةِ وغيرِها، فليس من المُلامَسة، ولا يَنقُضُ الوُضوء. وهو مذهبُ ابن عباس، ومَسْروق، وعطاء، والحسن، وطاووس، ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب مثل ذلك (٢) .
وقال الثوريُّ: من قبَّل امرأتَه وهو على وُضوءٍ لم أرَ عليه وُضوءًا (٣) .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: مَن قبَّل امرأتَه أو لمَسها (٤) أو باشَرها لشهوةٍ أو لغيرِ شهوةٍ، فلا وُضوءَ عليه إلا أن يَنتَشِرَ، ومَن قصَد مسَّها لشهوةٍ ليس بينَهما ثوب، فمسَّها وانتشَر، فإنْ كان هذا انتقَض وضوؤُه عندَ أبي حنيفةَ وأبي يوسف (٥) . وقال محمدٌ: لا ينتَقِضُ وضوؤه إلا أن يَخرُجَ منه مَذْيٌ أو غيرُه (٦) .
-
وقد قال الأوزاعيُّ في الذي يُقبِّلُ امرأتَه: إن جاء يسألُني قلت: يتوضأ،
ج ١٣ ص ٣٦٦وإن لم يتوضَّأ لم أعِبْ عليه. وقال في الرَّجل يُدخِلُ رِجْلَيه في ثيابِ امرأتِه فيمَسُّ فرجَها أو بطَنْها: لا ينقِضُ ذلك وضوءَه (١) .
قال أبو عُمر: كأنّه (٢) ذهب إلى أن اللَّمسَ (٣) باليدِ لا بالرِّجل؛ لقول اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: ٧] . والمُباشرةُ عندَ مالكٍ بالجسدِ كاللمسِ باليد؛ يُراعون فيه اللَّذَّةَ على ما يأتي بعدُ واضحًا إن شاء اللَّه. وقال أبو ثور: لا وُضوءَ على مَن قبَّل امرأتَه أو باشَرها أو لمَسها.
قال أبو عُمر: فمما احتجَّ به من ذهب هذا المَذْهب أن قال: المُلامَسَةُ واللَّمس نظيرها في كتاب اللَّه المَسِيس والمَس والمماسة مثل المُلامسة، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: ٢٣٧] . وقد أجمَعوا على أنَّ رجلًا لو تزَوَّج امرأةً فمسَّها بيدِه، أو قبَّلها في فمِها أو جسدِها (٤) ، ولم يَخْلُ بها، ولم يُجامِعْها أنه لا يَجبُ عليه إلا نصفُ الصَّداق، كمَن لم يصنَعْ شيئًا من ذلك، وأن المَسَّ والمَسيسَ عُنيَ به ها هنا الجِماع، فكذلك اللَّمْسُ والمُلامَسة.
قالوا: وكذلك قال ابنُ عباس: إن اللَّه عزَّ وجلَّ حَيِيٌّ كريم، يَكني عن الجماعِ بالمَسيس، وبالمُباشرة، وباللَّمس، وبالرَّفَث، ونحو ذلك.
-
وذكَروا ما حدَّثناه إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا أبو صالح الفَرّاء، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن أبي إسحاقَ الشَّيبانيِّ، عن بُكَيرِ بنِ الأخنس، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن ابن عباس، قال: إنّ
ج ١٣ ص ٣٦٧اللَّهَ حَيِيٌّ كريمٌ يَكني؛ قال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: ٢٢٢] . فهذا بابٌ من الجماع، وقد كنَى، وقال: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فهذا بابٌ من الجماع، وقد كنَى، وقال: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: ١٨٧] . فهذا بابٌ من الجماع، وقد كنَى. وقال تبارك وتعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} . فهذا بابٌ من الجماع، وقد كنَى (١) .
-
وحدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٢) بنُ عبد الواحد البزّاز، قال: حدَّثنا أبو صالح محبوبُ بنُ موسى الفَرّاء، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفزاريُّ. فذكَره إلى آخرِه.
-
وحدَّثناه عبدُ الوارث أيضًا، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ حبيبٍ المصِّيصيُّ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، فذكرَه.
-
واحتَجُّوا من الأثرِ المرفوع بما رواه وكيعٌ وغيرُه، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عُروة، عن عائشة، أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبَّل امرأةً من نسائه، ثم خرَج إلى الصلاةِ ولم يَتوضَّأ. قال: قلت: مَن هي إلا أنت؟! فضحِكَتْ (٣) .
- ج ١٣ ص ٣٦٨
ووكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي رَوْقٍ، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبَّلها ولم يَتوضَّأ (١) .
ج ١٣ ص ٣٦٩قالوا: ولا معنَى لطَعْنِ مَن طعَن على حديثِ حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن عُروةَ في هذا الباب؛ لأن حبيبًا ثقةٌ، ولا يُشَكُّ أنه أدْرَك عُروةَ وسمِع ممّن هو أقْدَمُ من عُروة، فغيرُ مُسْتنكَرٍ أن يكونَ سمِع هذا الحديثَ من عُروة (١) ، فإن لم يكنْ سمِعه منه، فإن أهلَ العلم لم يزالوا يَرْوُون المُرسَل من الحديثِ والمُنقَطِع، ويَحتَجُّون به إذا تقارَب عصرُ المُرْسِلِ والمُرْسَلِ عنه، ولم يُعرَف المُرسِلُ بالرِّواية عن الضُّعفاء والأخذِ عنهم؛ ألا ترَى أنهم قد أجمَعوا على الاحتِجاج بحديثِ ابنِ عباس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-, وجُلُّه مَراسيل، والقولُ في روايةِ إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن عائشةَ مثلُ ذلك؛ لأنه لم يَلْقَ عائشةَ، وهو ثقةٌ فيما يُرسِلُ ويُسنِدُ. قالوا: وقد رُوِيَ هذا الخبر، عن عائشةَ من وجوه، وإن كان بعضُها مُرسَلًا، فإن الطُّرقَ إذا كثُرَت قوَّى بعضُها بعضًا (٢) .
- ج ١٣ ص ٣٧٠
وذكَروا ما روَى شعبةُ وغيرُه، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبير، قال: ذكَروا اللمسَ؛ فقال ناسٌ من الموالي: ليس الجِماعَ. وقال ناسٌ من العرب: اللمسُ: الجماعُ. فأتَيْتُ ابنَ عباس، فقلت: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلَفوا في اللَّمْس، وأخبرْتُه بقولهم، فقال: مع أيِّ الفريقَيْن كنتَ؟ قلت: مع الموالي. قال: غُلِب فريقُ الموالي؛ إنَّ اللمسَ والمُباشرةَ الجِماعُ، ولكن اللَّهَ يَكْنِي بما شاء (١) .
قالوا: والكتابُ والسُّنةُ والقياسُ والنظر، كلُّ ذلك يدُلُّ على أن المُلامسةَ المقصودَ إلى ذكرِها في آية الوضوءِ هي الجِماع.
قالوا: فأما الكتاب، فقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} . يريد: وقد أحدَثْتم قبلَ ذلك، {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية. فأوْجَب غسلَ الأعضاء التي ذكرَها بالماء، ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} . يريدُ الاغتسالَ بالماء، ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} . يريدُ الجِماعَ الذي يوجبُ الجنابة، {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} تتوضأون به من الغائط، أو تَغتسِلون به من الجنابة كما أمرتُكم في أول الآية {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: ٦] .
قالوا: فإنما أوْجَب في آخر الآية التيممَ على مَن كان أوْجَب عليه الوضوءَ والاغتسالَ بالماءِ في أولِها.
قالوا: وقولُ مَن خالَفنا: إنَّ اللَّهَ لما ذكَر طهارةَ الجُنُب في أول الآيةِ ثم ذكَر المُلامَسةَ في اَخرِ الآيةِ موصولًا بذكرِ الغائط. استدلُّوا بذلك على أنه غيرُ الجنابة، فليس كما قالوا، وإنما كان يكونُ ما قالوا دليلًا لو كان إنما أوْجَب على
ج ١٣ ص ٣٧١المُلامِس في آخرِ الآيةِ الطَّهارةَ التي أوْجَبها على الجُنُب في أولها، فكان يكونُ دليلًا على أنّ اللمسَ غيرُ الجنابة؛ لأنه قد أوْجَب الطهارةَ من الجنابةِ في أولِ الآية، فلم يكنْ لإعادةِ إيجابِ الطهارةِ منها في آخرِها معنًى يَصِحُّ ولكنه إنما أوْجَب عليه في أولِ الآيةِ الاغتسالَ بالماء، وأوْجَب عليه في آخرِها التيمُّمَ بدلًا من الماء، إذا كان مسافرًا لا يجِدُ الماءَ أو مريضًا. قالوا: فهذا المعنى أصحُّ وأشبهُ بالتأويل مما ذهَب إليه مَن خالَفنا.
قال أبو عُمر: وقال أكثرُ أهل الحجاز وبعضُ أهل العراق: اللمسُ: ما دونَ الجماع؛ مثلُ القُبْلة، والجَسّة، والمُباشرةِ باليد، ونحو ذلك مما دونَ الجماع. وهو مذهبُ مالك وأصحابه، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ وأصحابِه، وأحمدَ بنِ حَنْبل، وإسحاق (١) ، إلا أنهم اختَلَفوا في معنى اعتبارِ اللَّذَّةِ على ما نذكُرُه بعدُ في هذا الباب إن شاء اللَّه.
-
وممّن رُوِيَ عنه أنَّ اللمسَ ما دونَ الجماع: عمرُ، وابنُ مسعود، وابنُ عمرَ، وجماعةٌ من التابعين بالمدينةِ والكوفة والشام (٢) .
-
وروَى مالكٌ (٣) ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أنه كان يقول: قُبلةُ الرجل امرأتَه وجَسُّها بيدِه من الملامَسة، فمَن قبَّلها أو جسَّها بيدِه وجبَ عليه الوضوء.
-
ورواه الدَّراوَرْديُّ، عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم،
ج ١٣ ص ٣٧٢عن أبيه، عن (١) عمرَ، قال: القُبْلةُ من اللَّمَم، فتوضَّؤوا منها (٢) . وهذا عندَهم خطأً، وإنما هو عن ابن عمر صحيح (٣) لا عن عمر.
-
وروَى الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عُبيدة بن عبدِ اللَّه بن مسعود، قال: قال عبدُ اللَّه بنُ مسعود: القُبْلةُ من اللَّمس، ومنها الوضوءُ، واللَّمسُ ما دونَ الجِماع (٤) .
-
وذكر عبد الرزاق (٥) ، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عَبيدةَ مثلَه، وعن سعيدِ بنِ المسيبِ مثلَه.
-
وحكى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، والليث، وعبدِ العزيز بنِ أبي سلمة: في قُبلة الرجل امرأتَه الوضوء (٦) .
-
وحكَى الزَّعفَرانيُّ والربيعُ والمُزنيُّ، عن الشافعيِّ، أنه قال: مَن لمَس امرأتَه أو قبَّلها وجبَ عليه الوضوء (٧) . قال الزَّعْفرانيُّ عنه: ولو ثبَت حديثُ مَعبَدِ بنِ نُباتةَ في القُبْلةِ لم أرَ فيها شيئًا، ولا في اللَّمس؛ فإن مَعْبدَ بنَ نُباتةَ يروي عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاء، عن عائشة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه كان يُقبِّلُ ولا يَتوضَّأ. ولكن لا أدري
ج ١٣ ص ٣٧٣كيف معبَدُ بنُ نُباتة هذا؟ فإن كان ثقةً فالحجّةُ فيما روَى عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .
قال أبو عُمر: قد استَدَل أصحابُنا على صحة ما ذهَبوا إليه في أن المُلامَسةَ ما دونَ الجماع بأدلةٍ يطُولُ ذكرُها؛ منها أن قالوا: المُلامسةُ لم يُرِدِ اللَّهُ بذكرِها في آية الوضوء الجِماع؛ لأنه أفرَدها من ذكرِ الجنابة بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} . فجاء بالشّرطِ وجوابِه، ثم استأنَف فقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} . فجاء بالشّرْط وجوابِه، فدلَّ ذلك على أنّ الملامسةَ غيرُ قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا} . وانتَفى بذلك أن تكونَ المُلامسةُ الجماعَ، ودخلَت في باب الحدَث الموجبِ للوُضوءِ والتَّيمُّم؛ لأنه جمَعها في الذِّكر مع الغائط، وجاء بجوابٍ واحدٍ لذلك الشرط، كما جاء في قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} . فجاء بالشرط وجوابه، ثم استأنَف ذكرَ الجماع بحكم مفرَد، فقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} . فجاء بالشرطِ وجوابِه تامًّا. قالوا: وهذا هو المفهومُ من كلام العرب.
قالوا: ولهذا كان ابنُ مسعودٍ وعمرُ يذهبان إلى أن الجُنُب لا يَتيَمَّم؛ لأنه أُفرِد بحُكْم الغُسْل، ولم يَريا الجِماعَ من المُلامسة. وقد ذكَرْنا وجْهَ قولهما، وما يردُّه من السُّنة في باب عبدِ الرحمن بنِ القاسم من كتابنا هذا (٢) ، والحمدُ للَّه.
- ج ١٣ ص ٣٧٤
وتقديرُ الآية في مذهب مَن أنكَر أن تكونَ المُلامسةُ الجِماعَ ممَّن يَرى التيمُّمَ للجُنُب، أن يكونَ فيها تقديمٌ وتأخيرٌ (١) ، كأنه قال عزَّ وجلَّ: يا أيُّها الذين آمنوا إذا قُمتُم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحدٌ منكم من الغائطِ أو لامَسْتُم النساءَ فاغْسِلوا وُجوهَكم وأيديَكم إلى المرافق، وأرجلَكم إلى الكعبين، وامسَحُوا برؤوسِكُم، وإن كنتُم جنبًا فاطَّهروا، وإن كنتم مَرْضَى أو على سفَر ولم تَجِدوا ماءً فتيَمَّموا صعيدًا طيِّبًا، فامسَحوا بوجوهِكم وأيديكم منه (٢) . فدخَل في التيمُّم الجُنبُ وغيرُه على هذا الترتيب من التقديم والتأخير. قالوا: والتقديمُ والتأخيرُ في كتاب اللَّه كثيرٌ لا يُنكِرُه عالم.
قال أبو عُمر: ثم اختلَف القائلون بأن اللَّمْسَ ما دونَ الجِماع؛ فقال بعضُهم: إنّما اللَّمسُ الذي يجبُ منه الوضوءُ أن يلمِسَ الرجلُ المرأةَ لشهوة، فإن لمَسها لغيرِ شهوةٍ فلا وُضوءَ عليه. هذا مذهبُ مالكٍ وأصحابه، وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُوية (٣) ، ورُوِيَ ذلك عن النَّخعيِّ، والشَّعبيِّ (٤) . ورواه شعبةُ، عن الحكم وحمادٍ (٥) , واحتج إسحاقُ فقال: أخبرنا محمدُ بنُ بكر، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرنا عبدُ الكريم، أنه سمِع الحسنَ يقول: كان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-
ج ١٣ ص ٣٧٥جالسًا في مسجدٍ في الصلاة، فقبَض على قدم عائشةَ غيرَ متلَذِّذ (١) . وضعَّف حديثَ حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه كان يُقَبِّلُها ولا يَتوَضَّأ. وقال: ليس بصحيح، ولا نظُنُّ (٢) أن حبيبًا لقيَ عُروةَ. قال: وقد يُمكِنُ أن يُقَبِّلَ الرجلُ امرأتَه لغير شهوةٍ بِرًّا بها وإكرامًا لها ورحمةً، ألا تَرى إلى ما جاء عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قدِم من سفر، فقبَّل فاطمة. وهذا (٣) حديثٌ يَرويه الفضلُ بنُ موسى، عن الحسين بنِ واقد، عن يزيدَ النحْويِّ، عن عكرمة (٤) . قال: فالقبلةُ تكونُ لشهوةٍ ولغير شهوة.
-
وروَى عيسى بنُ دينار، عن ابن القاسم، عن مالك في المريض تَغْمِزُ امرأتُه رجلَيه أو رأسَه: لا وُضوءَ فيه إلا أن يَلتَذَّا. قال: ولا وُضوءَ عليهما وإن تمَاسّا، إلّا أن يَلتَذّا.
قال: والجسّةُ من فوق الثوبِ ومن تحتِه سواءٌ إن كان للذَّة. وقال عليُّ بنُ زياد، عن مالك: إن كان الثوبُ كثيفًا فلا شيءَ عليه، وإن كان خفيفًا فعليه الوضوء. وجملةُ مذهب مالك أن مَن التَذَّ من الملامسَين فعليه الوضوءُ؛ المرأةُ والرجلُ في ذلك سواء (٥) .
وقال عبدُ الملك بنُ الماجشون: مَن تعمَّد مسَّ امرأتِه بيدِه لمُلاعبةٍ فليتوضَّأ التذَّ أم لم يلتَذَّ.
- ج ١٣ ص ٣٧٦
وقد قال الشافعيُّ (١) بمصر: إذا أفْضَى الرجلُ بيدِه إلى امرأته، أو ببعض جسدِه، لا حائلَ بينَها وبينَه لشهوةٍ ولغيرِ شهوةٍ وجَب عليه الوضوء، وكذلك إن لَمَستْه هي وجَب عليها وعليه الوضوء، وسواءٌ في ذلك أيُّ بدَنَيْهما أفضَى إلى الآخرِ إذا مسَّت البشرةُ البشرةَ إلا الشَّعَرَ خاصةً، فلا وضوءَ على مَن مسَّ شعَرَ امرأتِه؛ لشهوةٍ كان أو لغيرِ شهوةٍ، والشَّعرُ مُخالفٌ للبشرة، ولو احْتاط فتوضَّأ إذا مسَّ شعرَها كان حسنًا، ولو مسَّها بيدِه أو مسَّته بيدِها من فوقِ الثوب فالتَذَّا لذلك أم لا يَلتَذَّا لم يكنْ عليهما شيءٌ حتى يُفضِيا إلى البشرة. قال: ولا معنى للذةٍ من فوق الثوبِ ولا من تحتِه، ولا معنى للشهوةِ في القُبْلة، وإنما المعنى للفعل.
قال أبو عبدِ اللَّه محمدُ (٢) بنُ نصْر المَرْوَزيُّ: فهذا مذهبُ الشافعيِّ فيمن وافَقَه من أصحابه. وهو قولُ مكحول، والأوزاعيِّ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيز، وجماعة (٣) . هكذا حكَى المَرْوَزيُّ عنهم.
-
وأما الطبريُّ، فذكَر عن الأوزاعيِّ ما تقدَّم ذكرُنا له، وكذلك ذكَر الطَّحاوي (٤) أيضًا عن الأوزاعيِّ، كما حكى الطبريُّ أن لمسَ المرأةِ لا وُضوءَ فيه على حال.
وقال المروزيُّ في (٥) قول الشافعيِّ هذا: هو أشبَهُ بظاهرِ الكتاب؛ لأن اللَّهَ عزَّ وجلّ قال: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} . وأ يقل: لشهوةٍ ولا من غيرِ (٦) شهوةٍ. قال: وكذلك الذين أوجَبوا في ذلك الوضوءَ من أصحابِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يشتَرِطوا الشهوة. قال: وكذلك عامةُ التابعين. قال: وقد احتَج بعضُ مَن ذهَب هذا المذهبَ بأن قال: قد اجْتمَعَتِ الأمةُ أنَّ رجلًا لو استَكْرَه امرأةً فمسَّ ختانُه ختانَها، وهي لا تَلتَذُّ بذلك،
ج ١٣ ص ٣٧٧أو كانت نائمة، فلم تَلْتَذَّ ولم تَشْتَه - أن الغُسلَ واجبٌ عليهما. قالوا: فكذلك مَن مسَّ امرأتَه لشهوةٍ أو لغيرِ شهوة، أو قبَّلها لشهوةٍ أو لغيرِ شهوةٍ، انتقَضَت طهارتُه، ووجَب عليه الوضوءُ؛ لأن المعنى في الجسَّةِ واللَّمْس والقُبْلةِ للفعلِ لا للَّذَّة.
قال أبو عُمر: القولُ الصحيحُ في هذا الباب ما ذهَب إليه مالكٌ والقائلون بقوله، واللَّهُ أعلم؛ لأن الصحابةَ رضي اللَّهُ عنهم لم يَأتِ عنهم في معنى المُلامَسة إلا قولان؛ أحدُهما، الجِماعُ. والآخر، ما دونَ الجماع. والقائلون منهم بأنه ما دونَ الجماع (١) إنما أرادوا ما يَلتَذُّ به مما ليس بجماع، ولم يُريدوا من اللَّمسِ اللَّطمَ واللَّمسَ بغيرِ لذَّةٍ؛ لأن ذلك ليس من جنس (٢) الجِماع، ولا يُشبِهُه، ولا يؤولُ إليه، ولمّا لم يَجُزْ أن يقال: إن اللَّمسَ أُريد به اللَّطمُ وغيرُه. لتبايُن ذلك من الجماع، لم يَبْقَ إلا أن يقال: إنه ما وقَع به الالتذاذُ؛ لإجماعِهم على أنَّ من لطمَ امرأتَه، أو داوَى جُرحَها، أو المرأةُ تُرضِعُ ولدَها، أن (٣) لا وُضوءَ على هؤلاء، واللَّهُ أعلم.
قال أبو عبد اللَّه بنُ نصر: فأما ما ذهَب إليه مالكٌ من مراعاةِ الشهوةِ واللذةِ لمن لمَس امرأتَه من فوق الثوب، وتَلذَّذ بمسِّها (٤) أنه قد وجَب عليه الوضوء، فقد وافقَه على ذلك الليثُ بنُ سعد. قال المَروَزيُّ: ولا نَعلَمُ أحدًا قال ذلك غيرَهما. قال: ولا يَصِحُّ ذلك في النظر؛ لأن مَن فعَل ذلك فهو غيرُ لامِسٍ لامرأتِه، وغيرُ مماسٍّ لها في الحقيقة، إنما هو لامِسٌ لثوبها.
-
وقد أجمَعوا أنه لو تلَذَّذ واشتَهَى دونَ أن يلمِسَ لم يجِبْ عليه وضوءٌ، فكذلك مَن مس من فوق (٥) الثوب؛ لأنه غيرُ لامسٍ للمرأة. هذا (٦) جملةُ ما احتَج به
ج ١٣ ص ٣٧٨المَروَزيُّ لمذهبِ الشافعيِّ الذي اختارَه في ذلك. وفي المسألة نظرٌ، ومَن تدبَّر ما أورَدْناه اكتَفى بما وصَفنا (١) ، واللَّهُ الموفِّقُ للصَّواب، والهادي إليه لا شَريكَ له.