(سالم بن أبي أمية) أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله

٢٩٥ فقرة، ج ١٣ ص ٣٢١

الصفحة ٤ من ٨

  1. وفي هذا الحديث ما كانوا عليه من ضيقِ العيش والإقلال، ألا تَرى أنهم كانت يومئذٍ بيوتُهم دونَ مصابيح (٢) ، وفي قول عائشة رحمها اللَّه: والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها مصابيح. دليلٌ على انها إذ حدَّثَت بهذا الحديث كانت بيوتُهم فيها المصابيح، وذلك أنَّ اللَّهَ فتَح عليهم بعدَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من الدُّنيا، فوسَّعوا على أنفسِهم، إذ وسَّع اللَّهُ عليهم، وقولها: "يومئذ" تريد: حينئذٍ؛ لأنّا لو جعلْنا اليومَ النَّهارَ على المعهود، استَحال أن تكونَ المصابيحُ نهارًا في بيوتهم، فعلِمْنا أنها أرادَت بقولها: "يومئذٍ" أي: حينئذٍ. وهذا مشهورٌ في لسان العرب أنها كانت تُعبِّرُ باليوم عن الحين والوقت، كما تُعبِّرُ به عن النهار، واليومُ هو النهارُ كما قال الشاعر:

    أجدي (٣) هذا الليلُ لا يتردَّدُ ... وأيُّ نَهارٍ لا يكونُ له غدُ (٤)

    ج ١٣ ص ٣٧٨
  2. يقولُ إذا طال عليه الليل: أجِدًّا أن يكونَ ليلٌ لا يتردَّدُ، أو أن يكونَ يومٌ لا يكونُ له غدٌ، أو ليلٌ لا يكونُ له غدٌ؟! وهذا أشهرُ عندَهم من أن يُحتاجَ فيه إلى الاستِشهاد (٥) .

  3. حديثٌ سابعٌ لأبي النَّضْر

    مالكٌ (١) ، عن محمدِ بنِ المُنكَدِرِ وأبي النَّضْر، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص، عن أسامةَ بنِ زيد، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الطاعونُ رَجْزٌ أُرْسِل على طائفةٍ من بني إسرائيل" . مثلَ حديثِ محمدِ بنِ المُنكَدِر سواءً، إلّا أنَّ في حديث أبي النضر: "إذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرُجوا منها، لا يُخرِجُكم إلا فرارًا منه" .

    ج ١٣ ص ٣٧٩
  4. هكذا في "الموطأ" : "إلا فرارًا" . في حديث أبي النَّضْر، وقد جعله جماعةٌ من أهل العلم لحنًا وغلَطًا. والوجهُ فيه عندَ أهل العربية أنّ دخولَ "إلا" في هذا الموضع إنما هو لإيجابِ بعض ما بقي (٢) بالجملة، كأنه قال: لا تخرُجوا منها إذا لم يكن خُروجُكم إلا فرارًا، أي: إذا كان خُروجُكم فرارًا فلا تخرُجوا. والنصبُ ها هنا بمعنى الحال لا بمعنى الاستثثاء، واللَّهُ أعلم (٣) .

  5. وفي ذلك إباحةُ الخروج في (١) ذلك الوقتَ من موضع الطاعون للسفر على الجاري من العاداتِ إذا لم يكن القصدُ الفرارَ من الطاعون. وقد كان بعضُ شيوخِنا وشيوخ شيوخِنا يَروُونه في هذا الحديث: "لا يُخرِجُكم إلا فرارٌ منه" . بالرفع. وهذا إن صحَّ فمعنى (٢) قوله: "فلا تَخرُجوا منها، لا يُخرِجُكم إلا فرارٌ منه" . أي: فلا تَخرُجوا منها الخروجَ الذي يُخرِجُكموه إلا فرارٌ منه. وقد كان بعضُ الشيوخ ممّن رواه بالرفع يَرويه: "لا يُخرِجُكم الإفرارُ منه" . على المصدر. وهذا ينكِرُه أهلُ النحو في مصدر الفِرار (٣) . وأجازه بعضُ أهلُ اللغة على لغةٍ شاذّةٍ في الفِرار، واللَّهُ أعلم. وهذا المصدرُ خطأٌ عندَ أهل النحو واللغة، وغيرُ معروفٍ في الرواية.

    ج ١٣ ص ٣٨٠
  6. ورواه ابنُ بُكَير، عن مالك، عن أبي النَّضْر، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص، عن أسامةَ بنِ زيد، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَ حديثِ ابنِ المنكدِر، إلا أنَّ في حديث أبي النَّضْر: "فإذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخرُجوا منها إلا فِرارًا منه" . وهذا لا وجهَ له إلا أن يُحملَ على ما ذكَرنا.

  7. وروَى القعنبيُّ، عن مالكٍ حديثَ محمدِ بنِ المنكدِر، وليس عندَه حديثُ

    ج ١٣ ص ٣٨١أبي النَّضْر (١) . وأكثرُ رُواة "الموطأ" جمَعوا في هذا الحديثِ عن مالكٍ أبا النضرِ ومحمدَ بنَ المنكدِر جميعًا.

  8. ورواه ابنُ أبي مريم (٢) ، وأبو مُصعب (٣) ، عن مالك، كما رواه يحيى سواءً، عن محمدِ بنِ المنكدر وأبي النضرِ جميعًا، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، أنه سمِعه يسألُ أسامةَ بنَ زيد. وقالا في آخرِه: قال أبو النَّضْر: "فلا تَخْرُجوا منها لا يُخرِجُكم إلا الفرارُ منه" . وهذا معناه كمعنى رواية يحيى سواءً في رواية مَن رواه بالرفع، وهذا أبينُ بالألف واللام، والمعنى سواءٌ، واللَّهُ أعلم.

  9. وأما ابنُ وَهْبٍ فجوَّده، ذكَر ابنُ وَهْب في "الموطأ" ، عن مالك، عن أبي النَّضْر، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاص، أنه سمِع أباه يسألُ أسامةَ بنَ زيد: أسمِعتَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يذكُرُ الطاعون؟ فقال: نعم. فقال: كيف سمعتَه؟ قال: سمعتُه يقول: "هو رِجْزٌ سُلِّطَ على بني إسرائيل، أو على قوم، فإذا سَمِعتُم به بأرض فلا تقدَموا عليه، وإذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخرُجوا فرارًا منه" (٤) .

  10. هكذا قال ابنُ وَهْب، عن مالك، في حديث أبي النَّضر مفرَدًا: "لا تَخرُجوا فِرارًا منه" . ولم يعطِفْه (٥) على حديث ابن المنكدر، بل ساقَه عن مالك، عن أبي النضر من أوله إلى آخرِه، وقال في آخرِه: "فلا تَخرُجوا فِرارًا منه" . وهذا هو الصوابُ المعروفُ الذي لا إشكالَ فيه.

    ج ١٣ ص ٣٨٢وقال ابنُ وَهْب أيضًا: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، أنَّ أبا النضر حدَّثه، عن عامرِ بنِ سعدِ بن أبي وقّاص (١) ، أنه سمِع أسامةَ بنَ زيدٍ يُخبِرُ سعدَ بنَ أبي وقّاص، وسأله عن الوجَع، فقال أُسامة: ذُكِر عندَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "هو رِجزٌ سُلِّطَ على مَن كان (٢) قبلكم، أو على بني إسرائيل، فإذا سَمِعتم به ببلدةٍ فلا تَدخُلوا عليه فيها، وإذا وقَع وأنتم بها فلا يُخرِجنّكم منها فرارٌ" . أو قال: "منه فرارًا" (٣) . وروايةُ ابنِ وَهْبٍ صحيحةُ المعنى مجتمعٌ عليها.

  11. وفي هذا الحديث إباحةُ الخبر عن الأمم الماضية من بني إسرائيلَ وغيرهم، ورُوِيَ عن عبدِ اللَّه بنِ مسعود أنه قال: ما زال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُحدِّثنا عمَّن خلا من الأمم، حتى لو مرَّت عُقابٌ تُقلِّبُ جناحَها فسألتُمونا عنها لأخبَرناكم. وقد مضَى تفسيرُ معنى الطاعون في مواضع من هذا الكتاب (٤) ، والحمد للَّه (٥) .

  12. حديثٌ ثامنٌ لأبي النَّضْر

    مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بن عُبَيد اللَّه، أنَّ أبا مُرّة مولى عَقيل بن أبي طالب أخبَره، أنه سمِع أمَّ هانئ بنتَ أبي طالب تقول: ذهبتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ الفتح، فوجَدْتُه يَغتَسِلُ وفاطمةُ ابنتُه تستُرُه بثوب. قالت: فسلَّمتُ. قال: "مَنْ هذه؟ " . فقلت: أنا أمُّ هانئ بنتُ أبي طالب. فقال: "مرحَبًا بأمِّ هانئ" . فلما فرَغ من غُسْلِه قام فصلَّى ثماني رَكعاتٍ مُلتَحفًا في ثوب واحد، ثم انصرَف، فقلت: يا رسولَ اللَّه، زعَم ابنُ أُمِّي عليٌّ أنه قاتلٌ رجلًا أجَرْتُه، فلانُ ابنُ هُبَيرة. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قد أجَرْنا مَنْ أجَرْتِ يا أمَّ هانئ" . قالت أمُّ هانئ: وذلك ضُحًى.

    ج ١٣ ص ٣٨٣
  13. وقد ذكَرْنا أبا مُرّة فيما سلف من كتابنا هذا (٢) ، وهو الذي يقال له: مولى أمِّ هانئ، اسمُه كثير (٣) ، وهو، إن شاء اللَّه، أصحُّ ما قيل فيه، وهو مَدَنيٌّ ثقة. وذكَرْنا أمَّ هانئ في كتاب "الصحابة" (٤) بما يُغني عن ذكرِها ها هنا، واسمُها هند، ويقال: بل اسمُها فاختة.

  14. وفي هذا الحديث صلاةُ الضُّحى، وقد مضى القولُ فيها مُستوعَبًا بما في ذلك من الأثر في باب ابن شهاب، عن عُروةَ من هذا الكتاب (٥) ، ومضَى القولُ

    ج ١٣ ص ٣٨٤أيضًا في معان من هذا الحديث مُجوَّدةً (١) من إسنادِه ومتنِه في باب موسى بنِ مَيْسرةَ من هذا الكتاب (٢) .

  15. وأما قوله: "قد أجَرْنا مَنْ أجَرْتِ يا أمَّ هانئ" . فقد استدلَّ به قومٌ على جوازِ أمانِ المرأة، وقالوا: جائزٌ أمانُها على كلِّ حال. وقال آخرون: أمانُها موقوفٌ على جواز الإمام، فإن أجازَه جاز، وإن ردَّه رُدَّ. واحتَجَّ مَن قال هذه المقالةَ بأنَّ أمانَ أمِّ هانئ لو كان جائزًا على كلِّ حالٍ دونَ إذن الإمام، ما كان عليٌّ ليريدَ قتلَ مَن لا يجوزُ قتلُه؛ لأمانِ مَن يجوزُ أمانه. وفي قوله: "قد أجَرْنا مَن أجَرْت" . دليلٌ على ذلك؛ لأنه لو كان أمانُ المرأة غيرَ محتاج إلى إجازةِ الإمام لقال لها: مَن أمَّنْتِه أنتِ أو غيرُكِ فلا (٣) سبيلَ إلى قتلِه، وهو آمِنٌ. ولما قال لها: "قد أمَّنّا مَن أمَّنْتِ، وأجَرْنا مَن أجَرْت" كان دليلًا على أنَّ أمانَ المرأة موقوفٌ على إجازةِ الإمام. فهذه (٤) حُجّةُ مَن ذهَب هذا المذهب. قالوا: وهذا هو الظاهر في معنى هذا الحديث، واللَّهُ أعلم.

  16. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمّد (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عِياضُ بنُ

    ج ١٣ ص ٣٨٥عبد اللَّه، عن مَخْرَمة بنِ سُليمان، عن كُرَيْب، عن ابن عباس، قال: حدَّثَتْني أمُّ هانئ بنتُ أبي طالب أنها أجارَت رجلًا من المشركين يومَ الفتح، وأتت النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكَرَتْ ذلك له، فقال: "أجَرْنا مَن أجَرْتِ، وأمَّنّا مَن أمَّنْت" .

  17. وأما مَن قال بجواز أمانِ المرأة على كلِّ حالٍ بإذنِ الإمام وبغيرِ إذنِه، فمن حجتِهم قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المسلمون تَتكافأُ دِماؤُهم، ويَسعَى بذِمَّتِهم أدْناهم، وهم يَدٌ على مَنْ سِواهم" (١) . قالوا: فلما قال: "أدناهم" . جاز بذلك أمانُ العبد، وكانت المرأةُ الحرةُ أحْرَى بذلك.

  18. واحتجوا أيضًا بما حدَّثناه عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: إن كانت المرأةُ لتُجيرُ على المسلمين فيجوز.

  19. ورواه (٣) الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: إن كانت المرأةُ لتُجيرُ على المسلمين (٤) .

  20. ومن حجتِهم أيضًا ما حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ البَزّاز (٥) ، قال: حدَّثنا محبوبُ بنُ موسى،

    ج ١٣ ص ٣٨٦قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن أبي سعد، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مُرَّة، عن أبي البَخْتَريِّ، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ذِمّةُ المسلمين واحدةٌ، وإن أجارَتْ عليهم جاريةٌ فلا تَخْفِرُوها (١) ، فإنَّ لكلِّ غادرٍ لواءً يومَ القيامة يُعرَفُ به" (٢) .

  21. فهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على جوازِ أمانِ المرأةِ على كلِّ حال.

  22. وقد اختلَف العلماءُ أيضًا في أمانِ العبد؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما والثوريُّ والأوزاعيُّ والليثُ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور وداودُ بنُ عليٍّ: أمانُه جائزٌ، قاتَل أو لم يُقاتِل (٣) . وهو قولُ محمدِ بنِ الحسن.

    وقال أبو حنيفة: أمانُه غيرُ جائزٍ إلا أن يُقاتِل. وهو قولُ أبي يوسف (٤) ، ورُوِيَ عن عمرَ معناه:

    ج ١٣ ص ٣٨٧حدَّثنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا محبوبُ بنُ موسى الفَرّاء (٢) ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ (٣) ، عن ابن أبي أُنيْسة، عن عمرِو بنِ شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لما كان يومُ الفتح خطَب رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-وهو مُسنِدٌ ظهرَه إلى جِدار الكعبة، فحَمِد اللَّه، وأثنَى عليه، ثم قال: "المؤمنونَ يَدٌ على مَنْ سِواهم، تَتكافَأُ دِماؤُهم، ويَسْعَى بذمَّتِهم أدْناهم، ويَعقِدُ عليهم أولاهم، ويَرُدُّ عليهم أقْصاهم، ولا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عَهْده" (٤) .

  23. ورُوِيَ من حديث عليِّ بنِ أبي طالب، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُه (٥) .

  24. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ (٦) ، قال:

    ج ١٣ ص ٣٨٨حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلان، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي مُرّةَ (١) مولى عَقيل، عن أمِّ هانئ، قالت: أتاني يومَ الفتح حَمَوان لي فأجَرْتُهما، فجاء عليٌّ (٢) يريدُ قتلَهما، فأتَيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-وهو في قُبَّتِه بالأبطَح بأعلى مكة. فذكَر حديثًا فيه: فقلت: يا رسولَ اللَّه، إني أجَرْتُ حَمويْن لي، وإن ابنَ أمِّي عليًّا أراد قتلَهما. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس ذلكَ له، قد أجَرْنا مَن أجَرْتِ، وأمَّنّا مَن أمَّنْتِ" .

  25. في هذا الخبرِ وخبرِ مالكٍ قبلَه (٣) أنَّ الذي أجارَتْه أمُّ هانئ ولدُ هُبَيرةَ بنِ أبي وَهْبِ بنِ عَمْرو (٤) بنِ عائذِ بنِ عِمرانَ بنِ مخَزوم، واحدًا كان أو اثنين؛ لأنّ في حديثِ أبي النَّضْر ما يَدُلُّ على أنه كان واحدًا، وفي حديثِ المَقبُريِّ اثنان. وهُبَيرةُ بنُ أبي وَهْب زوجُها وولدُه حَموٌ لها، وقد قيل: إن الذي أجارتْه يومئذٍ وأراد عليٌّ قتلَه الحارثُ بنُ هشام، وعبدُ اللَّه بنُ أبي ربيعة، وكلاهما من بني مخزوم. وقيل فيه غيرُ ذلك (٥) .

  26. وأما قولُ مَن قال: إنه جَعْدةُ بنُ هُبيرةَ، أو أنّ أحدَهما جَعْدةُ بنُ هُبيرة. فما أدْري ما هو؛ لأن جَعْدةَ بنَ هُبيرةَ ابنُها لا حَمُوها، ولم تكن تحتاجُ إلى إجارةِ

    ج ١٣ ص ٣٨٩ابنِها، ولا كانت مثلُ تلك المُخاطَبة تَجري بينَها وبينَ أخيها عليٍّ في ابنِها، واللَّهُ أعلم. ولم يَذكُر أهلُ النسَب فيما علِمتُ لهُبيرةَ ابنًا يُسمَّى (١) جَعْدةَ من غير أمِّ هانئ، ولا ذكَروا له بنينَ من غيرِ أمِّ هانئ، واللَّهُ أعلم.

  27. وذكر البزارُ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مِسكين بنِ نُمَيْلَة (٣) ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسّان، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلال، عن كثيرِ بنِ زيدٍ، عن الوليدِ بنِ رَباح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يُجيرُ على الناس أدْناهم" .

  28. وروي عن مالك (٤) ، عن عبدِ اللَّه بنِ دينار، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يُرفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامَة" ، الحديث (٥) .

    وقال أبو العباس بنُ سُرَيْج (٦) القاضي: الرَّجلان اللذان أجارَتْهما أمُّ هانئ

    ج ١٣ ص ٣٩٠يومَ الفتح؛ جَعْدَةُ بنُ هُبَيرةَ المَخْزوميُّ، ورجلٌ آخرُ معه، وكانا من الشِّرذِمةِ الذين قاتلوا خالدًا، ولم يَقبَلوا الأمان، ولا ألقَوْا السلاح، فأراد عليٌّ قتلَهما، فأجارَتْهما أمُّ هانئ، وكانا من أحمائها، فأجارَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مَن أجارَت. هكذا قال، وقد مضَى القولُ فيه، وأيما كان، فالحديثُ إنما سيق لجوازِ جوارِ المرأةِ لا لغيرِ ذلك.

    قال أبو عُمر: وعلى جوازِ أمانِ المرأةِ جمهورُ علماءِ المسلمين، أجاز ذلك الإمامُ أو لم يُجِزْه، على ظواهرِ الأخبارِ المذكورة في هذا البابِ عن أمِّ هانئ، وعائشة، وغيرِهما، وممَّن قال ذلك مالكٌ وأصحابُه، إلا عبدَ الملكِ بنَ الماجِشون. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابهما، والثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْر (١) .

  29. وقال عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيز بن أبي سلمةَ الماجِشون: لا يجوزُ أمانُ المرأةِ إلا أن يُجيزَه الإمام. فشذَّ بقولِه ذلك عن هذا الجمهور (٢) ، واللَّهُ المُوفِّق للصواب، وهو المُستعانُ، وهو حَسْبي ونِعْمَ الوكيل.

  30. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزّارُ، قال (٣) : حدَّثنا رجاءُ بنُ محمد، قال:

    ج ١٣ ص ٣٩١حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن موسى، قال: حدَّثنا بشيرُ بنُ المهاجِر، عن عبد اللَّه بنِ بُرَيدةَ عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما نقَضَ قومٌ العهْدَ إلّا كان القتلُ بينهم، ولا ظهَرَتْ فاحشةٌ في قوم إلا سُلِّطَ عليهمُ الموتُ (١) ، ولا منَعَ قومٌ الزكاةَ إلّا حبَسَ اللَّهُ عنهمُ القطْرَ" . لا يُروى مرفوعًا عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هذا الحديثُ إلّا عن بُرَيدةَ بهذا الإسناد (٢) ، واللَّهُ أعلم.

  31. حديثٌ تاسعٌ لأبي النَّضْر

    مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبة، أنه دخَل على أبي طَلْحةَ الأنصاريِّ يَعودُه، قال: فوجَدنا عندَه سهلَ بنَ حُنيف. قال: فدعا أبو طلحةَ إنسانًا، فنزَع نَمَطًا (٢) كان تحتَه. فقال له سهلٌ: لِمَ نزعتَه؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها ما قد علِمتَ. قال سهلٌ: أوَلم يقل: "إلّا ما كان رَقْمًا (٣) في ثَوب؟ " قال: بلى، ولكنه أطيَب لنفسي.

    ج ١٣ ص ٣٩٢
  32. لم يختلفِ الرواةُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث ومتنِه في "الموطأ" (٤) . وفيه عن عُبيد اللَّه، أنه دخَل علي أبي طلحةَ. فأنكَر ذلك بعضُ أهل العلم، وقال: لم يَلقَ عُبيدُ اللَّه أبا طلحةَ. وما أدري كيف قال ذلك، وهو يَرْوي حديثَ مالكٍ هذا؟ وأظنُّ ذلك، واللَّهُ أعلم، من أجلِ أنَّ بعضَ أهلِ السِّير قال: توفِّي أبو طلحةَ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ في خلافةِ عثمانَ، وعُبيدُ اللَّه لم يكنْ في ذلك الوقت ممَّن يَصِحُّ له سَماع.

    قال أبو عُمر: اختُلِف في وفاة أبي طلحة، وأصحُّ شيء في ذلك ما رَواه أبو زُرعة، قال (٥) : سمِعتُ أبا نُعَيم يحدِّثُ، عن حمّادِ بنِ سلمة، عن ثابت، عن

    ج ١٣ ص ٣٩٣أنس، قال: سرَد أبو طلحةَ الصومَ بعدَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعين سنة. فكيف يجوزُ أن يقال: إنه مات سنةَ أربعٍ وثلاثين (١) . وهو قد صام بعدَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعين سنة؟ وإذا كان ذلك كما ذكرنا، صحَّ أن وفاتَه لم تكنْ إلّا بعدَ خمسينَ سنةً من الهجرة، واللَّهُ أعلم.

  33. وأما سهلُ بنُ حُنيف، فلا يَشُكُّ عالمٌ بأن عُبيدَ اللَّه بنَ عبدِ اللَّه لم يَرَه، ولا لقِيه، ولا سمِع منه، وذِكْرُه في هذا الحديث خطأٌ لا شكَّ فيه؛ لأن سهلَ بنَ حُنيف توفِّي سنةَ ثمانٍ وثلاثين، وصلَّى عليه عليٌّ، رضي اللَّه عنه، ولا يُدْرِكُه (٢) في الأغلب عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه؛ لصِغَر سنِّه يومئذٍ، والصوابُ في ذلك، واللَّهُ أعلم، عثمانُ بنُ حُنيف، لا سهلُ بنُ حُنيف.

  34. وكذلك رواه محمدُ بنُ إسحاق، عن أبي النضر سالم، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، قال: انصرفتُ مع عثمانَ بنِ حُنيفٍ إلى أبي طلحةَ نعودُه، فوجَدنا تحتَه نَمَطًا (٣) .

  35. وساق الحديثَ بمعنى حديثِ مالك، عن أبي النَّضْر (١) .

    ج ١٣ ص ٣٩٤
  36. فصحَّ بهذا وَهمُ مالكٍ في سهلِ بنِ حُنيف. وكذلك وَهَمَ أبو النَّضْر في روايتِه له عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن أبي طلحةَ، ولم يُدخِلْ بينَهما ابنَ عباس. والصّحيحُ في هذا الحديث روايةُ الزهريِّ له عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي طلحةَ. كذا قال عليُّ بنُ المدينيِّ وغيرُه، وهو عندي كما قالوه، واللَّهُ أعلم (٢) .

  37. فأما روايةُ ابنِ شهابٍ له، فحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الخصيب (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الحسن بن أبي شُعيب، قال: حدَّثنا يحيى بنُ

    ج ١٣ ص ٣٩٦عبدَ اللَّه، قال: حدَّثنا أبو الحارث محمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن أبي ذئبٍ العامريُّ المدينيُّ، عن محمدِ بنِ مسلم بنِ شهابٍ الزهريِّ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عتبةَ، عن عبدِ اللَّه بنِ عباس، عن أبي طلحةَ صاحبِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه تَصاويرُ" (١) .

    ج ١٣ ص ٣٩٥
  38. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الطاهر محمدُ بنُ أحمدَ القاضي الذُّهليُّ، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكَشِّيُّ (٢) ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ أبي ذئب، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي طلحة، قال: قال رسوُل اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ" (٣) .

  39. وقد خالَف الأوزاعيُّ ابنَ أبي ذِئب في هذا الحديث:

    حدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد. وحدَّثنا أحمدُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا بحرُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: أخبرني الزهريُّ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه بنِ عُتبة، قال: حدَّثني أبو طلحةَ الأنصاريُّ،

    ج ١٣ ص ٣٩٧أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ" (١) .

    قال أبو عُمر: هذا عندَهم خطأٌ من الأوزاعيِّ، وكان في حفظِه شيء، لم يكن بالحافظ (٢) . وقد تابَع ابنَ أبي ذئبٍ عبدُ العزيز بنُ أبي سلمةَ الماجِشون ومعمر:

    ج ١٣ ص ٣٩٨حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الطاهر محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بن نصرِ بنِ بُجَيْر القاضي الذُّهليُّ، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكَشِّيُّ (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ رَجاء (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ الماجِشون، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن ابنِ عباس، عن أبي طلحة، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ" (٣) .

  40. وحديثُ مَعمر رواه عليُّ بنُ المدينيُّ وغيرُه، عن عبدِ الرزاق، عن معمر، عن الزهريِّ، قال: أخبرني عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه، أنه (٤) سمِع ابنَ عباس يقول:

    ج ١٣ ص ٣٩٩سمعتُ أبا طلحةَ يقول. فذكَره (١) . وقد يحتمِلُ أن يكونَ حديثُ ابنِ شهابٍ في هذا الباب غيرَ حديثِ أبي النَّضْر؛ لأن في حديثِ ابنِ شهابٍ عمومَ الصُّوَر دونَ استثناء شيءٍ منها، وفي حديثِ أبي النَّضْر استثناءُ ما كان رَقْمًا في ثوب، وفيه جمعُ سهلِ بنِ حُنيفٍ في ذلك مع أبي طلحة، فهو غيرُ حديثِ أبي النَّضْر، واللَّهُ أعلم.