(سالم بن أبي أمية) أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله

٢٩٥ فقرة، ج ١٣ ص ٣٢١

الصفحة ٥ من ٨

  1. وقد كان ابنُ شهابٍ يذهبُ في هذا الباب إلى استعمالِ العموم في كراهةِ الصُّوَرِ كلِّها، على ما ذكَرنا عنه في باب إسحاق من هذا الكتاب. وحديثُ نافع، عن القاسم بنِ محمدٍ بمثلِ حديثِ ابنِ شهاب، عامٌّ أيضًا في الثيابِ وغيرِها، وقد ذكَرنا ذلك في بابِ نافع من كتابنا هذا (٢) .

    ج ١٣ ص ٣٩٩
  2. وقد روَى عبدُ العزيز بنُ عِمران، عن مالكِ بنِ أنس، عن الزهريِّ وأبي النَّضْر جميعًا، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتبة، عن أبي طلحة، أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن التصاويرِ في البيوت. وهو غريبٌ لمالكٍ عن الزهريِّ خاصة، تفرَّد به عنه عبدُ العزيز بنُ عِمران، رواه عنه يعقوبُ بنُ محمدٍ الزهريُّ.

  3. وللعلماء في هذا الباب أقاويلُ ومذاهبُ؛ منها أنّه لا يجوزُ أن يُمسِكَ الثوبَ الذي فيه تَصاويرُ وتماثيل، سواءٌ كان منصوبًا أو مبسوطًا، ولا يجوزُ دخولُ البيتِ الذي فيه التَّصاويرُ والتماثيلُ في حيطانِه، وذلك مكروةٌ كلُّه؛ لقول رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه تصاويرُ" (٣) . فإن فعَل ذلك فاعلٌ بعدَ علمِه بالنهي عن ذلك، كان عاصيًا عندَهم، ولم يَحرُمُ عليه بذلك مِلْكُ الثوبِ ولا البيت، ولكنه يَنبغي له أن يَتنزَّهَ عن ذلك كلِّه ويكرَهَه ويُنابِذَه؛ لما ورَد من النهي فيه.

  4. وحجّةُ مَن ذهب هذا المذهبَ في الثياب وفي حيطانِ البيوتِ وغيرِها؛ حديثُ ابنِ شهابٍ وغيرِه، عن القاسم بنِ محمد، عن عائشة، قالت: دخَل عليَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا مُستَتِرةٌ لا بقِرام فيه صُوَرٌ (١) ، فتلَوَّن وجهُه، وتناوَل السِّترَ فهتَكَه، ثم قال: "إنَّ من أشَدِّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ الذينَ يُشَبِّهون بخَلقِ اللَّه" (٢) .

    ج ١٣ ص ٤٠٠
  5. وروَى نافعٌ هذا الخبر، عن القاسم بهذا المعنى، وزاد أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ البيتَ الذي فيه الصُّوَرُ لا تَدخُلُه الملائكةُ" (٣) . وقد ذكَرنا هذا الخبرَ من طُرقٍ في باب نافع من كتابنا هذا، وذكَرنا هناك اختلافَ ألفاظِ ناقِليه، وأنَّ زيادةَ مَن زاد فيه من الثِّقات الحُفّاظ إباحةَ ما يُتوَسَّدُ من ذلك ويُرتفَقُ به ويُمتهَنُ، يجبُ قبولُها، وإن كان ظاهرُ حديثِ مالكٍ في ذلك كراهيةَ عموم الصورِ على كلِّ حال، وإلى ذلك ذهب ابنُ شهاب، وهو راويةُ الحديثِ والعالمُ بمَخرِجه.

  6. ذكر ابنُ أبي شيبة (٤) ، عن عبدِ الأعلى، عن مَعمَر، عن الزهريِّ: أنه كان يكرَهُ التَّصاويرَ ما نُصِب منها وما بُسِط.

  7. وكان مالكٌ لا يَرى بذلك بأسًا في البُسُط والوَسائِد والثِّياب على حديثِ سهلِ بنِ حُنيف هذا، إلّا ما كان رَقْمًا في ثوب (٥) . وقد ذكَرنا مذهبَ مالك في الصورِ والتَّماثيل على كلِّ حال، ومذهبَ سائرِ فقهاءِ الأمصار فيها، في باب إسحاقَ بن أبي طلحةَ من هذا الكتاب (٦) ، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا، ونذكُرُ هاهنا ما جاء عن السلف من الصحابةِ والتابعين في ذلك مما بلَغَنا عنهم، لتتمَّ فائدةُ الكتاب إن شاء اللَّه:

    ج ١٣ ص ٤٠١حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان على بابي دُرْنُوكٌ (١) فيه الخيلُ ذواتُ الأجنحة، فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألقُوا هذا" (٢) .

    وقال آخرون: إنما يُكرَه من الصُّوَرِ ما كان في الحيطانِ وصُوِّر في البيوت، وأما ما كان رَقمًا في ثوبٍ فلا. واحتَجُّوا بحديثِ سهلِ بنِ حُنيفٍ وأبي طلحة، وهو حديثُ أبي النَّضر المذكورُ في هذا الباب فيه عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إلّا ما كان رَقمًا في ثوب" . فكل صورةٍ مرقُومةٍ في ثوب فلا بأسَ بها على كلِّ حال؛ لأنّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- استَثنى الرَّقْمَ في الثوب، ولم يَخُصَّ من ذلك شيئًا ولا نوعًا.

  8. وذكَروا عن القاسم، وهو راويةُ حديثِ عائشة، ما رواه ابنُ أبي شيبةَ (٣) ، عن أزْهَر، عن ابن عَون، قال: دخلتُ على القاسم، وهو بأعلى مكةَ في بيته، فرأيتُ في بيتِه حَجَلةً فيها تصاويرُ السُّنْدُس (٤) والعنقاء (٥) .

    وقال آخرون: لا يجوزُ استعمالُ شيءٍ من الصُّوَر، رَقمًا كان في ثوبٍ أو غير ذلك، إلّا أن يكونَ الثوبُ يوطَأُ ويُمتهنُ، فأمّا أن يُنصَبَ كالسِّتر ونحوِه فلا.

    ج ١٣ ص ٤٠٢قالوا: وفي حديثِ عائشةَ من روايةِ ابنِ شهاب ما يَخصُّ الثيابَ ويُعيِّنُها، وهو يُعارضُ حديثَ سهلِ بنِ حُنيفٍ وأبي طلحة، إلّا أنّا قد رَوَيْنا عن عائشةَ أنَّ ذلك من الثياب فيما يُنصَبُ دونَ ما يُبسَطُ، فبان بذلك وجهُ الحديثَين، وأنهما غيرُ متعارِضَين، وعائشةُ قد عَلِمتَ مخرجَ حديثها، ووقَفْتَ عليه.

  9. وذكَروا من الأثرِ ما رواه وكيعٌ وغيره، عن أسامةَ بنِ زيد، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ستَرتُ سهوةً (١) لي بسترِ فيه تَصاوير، فلما قدِم النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هتَكَه، فجعَلتُ منه مِنْبذَتَين (٢) ، فرأيتُ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- متَّكِئًا على إحداهما (٣) .

    قالوا: ألا تَرى أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كرِه من ذلك ما كان سِترًا منصوبًا، ولم يَكره ما اتَّكأ عليه من ذلك وامتَهَنه؟

    قال أبو عُمر: وقد يَحتملُ أن يكونَ السِّترُ لمّا هتَكَه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تغَيَّرَت صُوَرُه وتهتَّكَت، فلما صُنِع منه ما يُتَّكأُ عليه لم تَظهَرْ فيه صورةٌ بتمامها، وإذا احتُمِل هذا لم يكنْ في حديثِ عائشةَ هذا حُجَّةٌ على ابنِ شهابٍ ومَن ذهَب مذهبَه، إلّا أنَّ من سَلَفِ العلماءِ جماعةً ذهَبوا إلى أنَّ ما كان من رَقْم الصُّوَرِ فيما يُوطَأُ ويُمتَهَنُ ويُتَّكاُ عليه من الثيابِ لا بأسَ به.

  10. ذكَر ابنُ أبي شيبة (٤) ، عن حفصِ بنِ غِياث، عن الجَعْد، رجلٍ من أهلِ

    ج ١٣ ص ٤٠٣المدينة، قال: حدَّثتني ابنةُ سعد، أنَّ أباها جاء من فارِسَ بوَسائدَ فيها تَماثيل، فكنّا نَبسُطُها.

  11. وعن ابنِ فُضَيل، عن ليث، قال: رأيتُ سالمَ بنَ عبدِ اللَّه مُتَّكئًا على وِسادةٍ حمراءَ فيها تَماثيل، فقلت له في ذلك، فقال: إنما يُكرَه هذا لمن يَنصِبُه وَيصنَعُه (١) .

  12. وعن ابن المبارك، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أنَّه كان يَتَّكئُ على المرافقِ فيها التماثيلُ؛ الطيرُ والرجالُ (٢) .

  13. وعن ابن عُلَيّة، عن سَلَمة بن عَلْقمة، عن محمد بن سيرين، قال: كانوا لا يرون ما وطئ وبُسِط من التصاوير مثل الذي نُصِبَ (٣) .

  14. وعن إسماعيلَ بنِ عُلَيّة أيضًا، عن أيوب، عن عكرمة، أنَّه كان يقول في التَّصاوير في الوسائدِ والبُسُطِ التي تُوطأُ: هو أذَلُّ لها (٤) .

  15. وعن أبي معاوية، عن عاصم، عن عكرمة، قال: كانوا يَكرهون ما نُصِب من التَّماثيل نَصْبًا، ولا يَرَون بأسًا بما وَطِئَتْه الأقدام (٥) .

  16. وعن ابنِ إدريس، عن هشام بن حسان، عن ابنِ سيرين: أنه كان لا يَرى بأسًا بما وُطِئ من التَّصاوير (٦) .

  17. وعن ابنِ يَمان، عن عثمانَ بنِ الأسود، عن عكرمةَ بنِ خالد، قال: لا بأسَ بالصورةِ إذا كانت تُوطَأُ (١) .

    ج ١٣ ص ٤٠٤
  18. وعن (٢) الربيع بنِ المُنذِر، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: لا بأسَ بالصورةِ إذا كانت تُوطَأُ (٣) .

  19. وعن عبدِ الرحيم بنِ سليمان، عن عبدِ الملك، عن عطاءٍ في التَّماثيل: ما كان مَبسوطًا يُوطَأُ ويُبسَطُ، فلا بأسَ به، وما كان منها يُنصَبُ، فإني أكرَهُها (٤) .

  20. وعن الحسنِ بنِ موسى الأشْيَب، عن حمادِ بنِ سَلَمة، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن سالم بنِ عبدِ اللَّه، قال: كانوا لا يَرونَ بما وُطِئ من التَّصاوير بأسًا (٥) .

    قال أبو عُمر: هذا أعدَلُ المذاهبِ وأوسَطُها في هذا الباب، وعليه أكثرُ العلماء، ومَن حمل عليه الآثارَ لم تَتعارَضْ على هذا التأويل، وهو أوْلى ما اعتُقِد فيه (٦) ، واللَّه الموفِّقُ للصواب.

  21. وقد ذهب قومٌ إلى أنَّ ما قُطِع رأسُه فليس بصورة:

    روَى أبو داودَ الطيالسيُّ، قال (٧) : حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، عن شُعبةَ مولى ابنِ

    ج ١٣ ص ٤٠٥عباس، قال: دخَل المِسوَرُ بنُ مَخرمةَ على ابنِ عباسٍ وهو مريض، وعليه ثوبُ إستَبرَق، وبينَ يديه كانونٌ عليه تصاوير، فقال المِسوَر: ما هذا يا ابنَ عباس؟ فقال ابنُ عباس: ما عَلِمتُ به، وما أُرَى رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهَى عن هذا إلّا للتَّكبُّر والتَّجبُّر، ولسنا بحمدِ اللَّه كذلك. فلمّا خرَج المسوَرُ أمَر ابنُ عباسٍ بالثوبِ فنُزع عنه، وقال: اقطَعوا رؤوسَ هذه التَّصاوير.

  22. وروَى ابن المبارَك قال: أخبرنا يونسُ بنُ أبي إسحاق، قال: حدَّثنا مجاهدٌ، قال: حدَّثنا أبو هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ جبريلَ أتاني البارِحة، فلم يَمنَعْه أن يَدخُلَ إليَّ إلّا أنّه كان في البيتِ تمثالُ رجال (١) ، وسِترٌ فيه تَماثيل، وكلبٌ" . فأمَر برأسِ التِّمثال أن يُقطَعَ، وبالسِّتْرِ أن يُشَقَّ، ويُجعلَ منه وِسادتان تُوطآن، وبالكلبِ أن يُخرَج (٢) .

  23. وذكَر ابنُ أبي شيبة (٣) ، عن ابنِ عُليّة، عن أيوب، عن عكرمة، قال: إنّما الصورةُ الرأسُ، فإذا قُطِع فلا بأس.

  24. وعن يحيى بن سعيد، عن سلمةَ أبي بشر، عن عكرمةَ في قوله: {الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: ٥٧] . قال: أصحابُ التصاوير (١) .

    ج ١٣ ص ٤٠٦
  25. وذهبَ جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الصورةَ المكروهةَ في صنعتِها واتِّخاذِها ما كان له رُوحٌ. وحجتُهم حديثُ القاسم، عن عائشة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "مِن أشَدِّ النّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ المصَوِّرونَ، يقالُ لهم: أحيُوا ما خَلَقتُم" (٢) . ففي هذا دليلٌ على أنَّ الحياةَ إنَّما قُصِد بذكرِها إلى الحيوانِ ذواتِ الأرواح.

  26. وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا هَوْذةُ بنُ خَليفة، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن سعيدِ بنِ أبي الحسن، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ إذ جاءَه رجل، فقال: إنِّي أردْتُ أن أُنَمِّي مَعيشتي من صَنعةِ يدي، وإنِّي أصنعُ هذه التصاوير. فقال ابنُ عباس: لا أُحدِّثُك إلّا ما سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول، سمِعتُه يقول: "مَن صَوَّرَ صورَةً فإنَّ اللَّهَ مُعذِّبُه يومَ القيامةِ حتى يَنفُخَ فيها الرُّوح، وليس بنافخٍ فيها أبدًا" . قال: فكبَا لها الرجلُ كَبوةً شديدة، واصفَرَّ وجهُه، ثم قال: وَيْحَك! إنْ أبيْتَ إلا أن تَصنع، فعليك بهذا الشجر، وكلِّ شيءٍ ليس فيه رُوحٌ (٣) .

  27. وقد كان مجاهدٌ يكْرَهُ صُورةَ الشّجَر. ولا أعلَمُ أحدًا تابعَهُ على ذلك.

    ج ١٣ ص ٤٠٧
  28. ذكَر ابنُ أبي شيبةَ (١) عن عبد السّلام، عن ليث، عن مجاهد، أنّه كان يكْرَهُ أن يُصوَّرَ الشّجرُ المُثْمر.

  29. وممّا يدلُّ على أنّ الاختلافَ في هذا البابِ قديمٌ، ما ذكَره ابنُ أبي شيبة (٢) ، عن ابنِ عُليّة، عن ابنِ عون، قال: كان في مجْلِس محمّد بنِ سِيرينَ وسائدُ فيها تماثيلُ عصافير، فكان أناسٌ يقولون في ذلك؟ فقال محمد: إنّ هؤلاءِ قد أكثَروا علينا، فلو حوّلتُموها. وهذا من وَرَع ابنِ سِيرين رحمَه اللَّه.

  30. حديثٌ عاشرٌ لأبي النَّضْر

    مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضر مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، عن سليمانَ بنِ يسار، عن المقدادِ بنِ الأسود، أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب أمَره أن يسألَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الرجل إذا دنا مِن أهلِه فخرَج منه المَذْي، ماذا عليه؟ قال عليٌّ: فإن عندي ابنتَه، وأنا أسْتَحيي أن أسألَه. قال المقداد: فسألتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، فقال: "إذا وجَد ذلك أحدُكم فلْينضَحْ فرجَه، وليتوضأْ وضوءَه للصلاة" .

    ج ١٣ ص ٤٠٨
  31. هذا إسنادٌ ليس بمتّصل؛ لأن سليمانَ بنَ يسارٍ لم يسمع من المقداد، ولا من عليٍّ، ولم يرَ واحدًا منهما (٢) . ومولدُ سليمانَ بنِ يسارٍ سنةَ أربع وثلاثين، وقيل: سنةَ سبع وعشرين. ولا خلافَ أنَّ المقدادّ توفِّي سنةَ ثلاثٍ وثلاثين (٣) .

  32. وهو المقدادُ بنُ عَمْرٍو الكِنْديُّ يُكْنَى أبا مَعْبَد، تبنَّاه الأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ الزهريُّ، فنُسِب إليه. وقد ذكَرنا أخبارَ المقدادِ وسنَّه ونسَبَه في كتاب "الصحابة" (٤) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا، وبين سليمانَ بنِ يسارٍ وعليٍّ في هذا الحديثِ ابنُ عباس (٥) ، وسماعُ سليمانَ بنِ يسارٍ من ابنِ عباسٍ غيرُ مدفوع.

  33. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ ناصح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ سعيد (٦) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال:

    ج ١٣ ص ٤٠٩أخبَرني مخرمةُ بنُ بُكير، عن أبيه، عن سليمانَ بن يسار، عن ابنِ عباس، قال: قال عليُّ بنُ أبي طالب: أرسلتُ المقدادَ بنَ الأسودِ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسألُه عن المَذي يخرجُ من الإنسان، كيف يفعل؟ فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "توضأ وانضَحْ فرجَك" (١) .

  34. وقد رُوِي هذا الخبرُ عن ابنِ عباس، عن عليٍّ من غير هذا الوجه:

    حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن عمرِو بنِ دينار، عن عطاء، عن ابنِ عباس، أنه سمِع عليَّ بنَ أبي طالب بالكوفة يقول: كنتُ رجلًا أجِدُ من المذي أذًى، فأمَرتُ عمارًا يسألُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لأنّ ابنتَه كانت تحتي. فقال: "يكفيك منه الوضوء" . هكذا قال: عطاء، عن ابنِ عباس، عن عليٍّ (٢) . وخالَفه الحُمَيديُّ وغيرُه، فجعَله عن عطاء، عن عائشٍ البكريِّ، عن عليٍّ.

  35. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (٣) ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٤) : حدَّثنا

    ج ١٣ ص ٤١٠سفيان، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: أخبرني عطاء، قال: سمعتُ عائشَ بنَ أنسٍ يقول: سمعتُ عليًّا على المنبرِ يقول: كنتُ أجدُ من المذي شدّة، فأردتُ أن أسألَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكانت ابنتُه عندي، فاستحيَيتُ أن أسألَه، فأمَرتُ عمارًا فسأله، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما يكفي منه الوضوءُ" .

  36. وهكذا رواه معمرٌ عن عمرِو بنِ دينار، [عن عطاء] (١) ، عن عائشِ بنِ أنس، عن عليٍّ (٢) .

  37. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّد (٣) ، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابنِ جريج، قال: أخبَرني عطاء، عن عائشِ بنِ أنسٍ البكريِّ، قال: تذاكَر عليٌّ والمقدادُ وعمارُ بنُ ياسرٍ (٤) المذي، فقال عليٌّ: إني رجلٌ مَذّاءٌ، وأنا أستحيي أن أسألَه من أجل ابنتِه تحتي. فقال لأحدِهما: سلْه. قال عطاء: سمّاه لي عائشٌ، ونَسِيتُ اسمَه. فسأله فقال: "ذلك المذيُ، ليغسلْ ذاك منه" . قال عطاء: "ما ذاك منه؟ " قال: ذكَره. "ويتوضأ فيُحسِن وضوءَه -أو يتوضأ مثلَ وضوئِه للصلاة- وينضَحْ فرجَه" (٥) .

  38. ففي هذا الحديث بيانُ أنَّ عليًّا والمقدادَ وعمارَ بنَ ياسر، تذاكَروا المَذْيَ؛ فلذلك ما يجيءُ في بعض الآثار عن عليٍّ: فأمرتُ المقدادَ. وفي بعضها: فأمَرتُ عمارًا. وجائزٌ أن يأمرَ أحدَهما، وجائزٌ أن يأمُرَ كلَّ واحدٍ منهما أن يسألَ له فسأل، فكان الجوابُ واحدًا، فحدَّث به مرّةً عن عمار، ومرّةً عن المقداد، هذا كلُّه غيرُ مدفوع؛ لإمكانِه وصحتِه في المعنى، وحسبُك أنهم ثلاثتَهم قد اشترَكوا في المذاكرةِ بهذا الحديثِ وعلمِه والخبرِ عنه.

    ج ١٣ ص ٤١١
  39. وذكَر عبدُ الرزاق (١) عن ابنِ جُريج، قال: قال قيسٌ لعطاء: أرأيتَ المذيَ، أكنتَ ماسحَه مسحًا؟ قال: لا، المذيُ أشدُّ من البولِ يُغسَلُ غسلًا. ثم أنشأ (٢) يُحدِّثنا حينئذٍ؛ قال: أخبرني عائشُ بنُ أنسٍ أخو بني سعدِ بنِ ليث، قال: تذاكرَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ وعمارُ بنُ ياسر والمقدادُ بنُ الأسود - المذي، فقال عليٌّ: إني رجلٌ مذّاءٌ، فاسألوا عن ذلك النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فإني أستحيي أن أسألَه عن ذلك لمكانِ ابنتِه منِّي، ولولا مكانُ ابنتِه منِّي لسألتُه. قال عائش: فسألَه أحدُ الرَّجُلين -عمارٌ أو المقداد، فسمَّى لي عائشٌ الذي سأل النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك منهما، فنَسيتُه- فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ذلكم المذيُ، إذا وجَده أحدُكم، فلْيغسلْ ذلك منه، ثم ليتوضأ فيُحسِنْ وضوءَه، ثم ليَنْضَح (٣) في فرْجِه" . قال ابنُ جُريج: فسألتُ عطاءً عن قولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَغسلْ ذلك منه" . قلت: حيثُ المذيُ يَغسِلُ منه، أم (٤) ذَكَرَه كلَّه؟ فقال: بل حيثُ المذيُ منه قطُّ. فقلتُ لعطاء: ارأيتَ إن وجَدتُ مذيًا، فغسَلتُ ذكَري كلَّه، أنضَحُ في ذلك فرجي؟ قال: لا، حسبُك.

    ج ١٣ ص ٤١٢وقال مالكٌ: المذيُ عندَنا (١) أشدُّ من الوَدْي؛ لأن الفرجَ يُغسلُ من المذي، والوديُ عندَنا بمنزلةِ البول.

    قال مالكٌ: وليس على الرجل أن يغسلَ أُنثيَيه من المذي، إلا أن يظنَّ أنه قد أصابَهما منه شيء (٢) .

    قال مالكٌ: والوديُ يكونُ من الجَمام (٣) ، يأتي بإثْرِ البول، أبيضُ خاثرٌ. قال: والمذيُ تكونُ معه شهوةٌ، وهو رقيقٌ إلى الصُّفرة، يكونُ عندَ ملاعبةِ الرجل أهلَه، وعندَ حدوثِ الشهوةِ له (٤) .

    قال أبو عُمر: يحتملُ قولُ مالك: المذيُ عندَنا أشدُّ من الودي (٥) . لأن الوديَ يُستنجَى منه بالأحجار، والمذيَ لا بدَّ من غسلِه، ولا تُطهِّرُ منه الأحجارُ، فقد قال بهذا قومٌ من أصحاب مالكٍ وغيرِهم، وقال بعضُهم: تُطهِّرُه الأحجارُ، إلا عندَ وجودِ الماءِ خاصة. وفي هذا القول ضعفٌ (٦) ، والأولُ أوْلى بقولِ مالك؛ لأنَّ الفرْجَ يُغسلُ من المذي، ولأنَّ الأصلَ في النجاسات الغسلُ، إلا ما خصَّت السُّنةُ من المعتاداتِ بالاستنجاء (٧) ؛ ولمّا لم يُتعدَّ بالأحجارِ إلى غير المخرَج، وجَب ألا يُتعدَّى بها إلى غيرِ المعتادات.

    ج ١٣ ص ٤١٣وقال الشافعيُّ (١) : لا يجوزُ الاستنجاءُ من الدم الخارج من الدُّبر، ولا من المذي، كما لا يجوزُ للمستحاضةِ أن تستنجيَ بغيرِ الماء. وأبو حنيفةَ على أصلِه في جوازِ إزالةِ النجاساتِ بكلِّ ما أزالَها (٢) .

    وقال بعضُ أصحابِ مالك (٣) : المذيُ يُغسلُ منه الذَّكرُ كلُّه، ولا يُغسلُ من الودي إلا المخرَجُ وحدَه، وما مسَّه.

  40. وكلا (٤) الوجهين قد تنازَع فيه العلماء؛ فمَن ذهب إلى غسل الذَّكر كلِّه (٥) جعَله عبادةً تعبَّد بها النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "يغسلُ ذَكرَه" . ولم يقل: بعضَ ذَكرِه؛ لأنّ عُمومَ هذا اللفظ يُوجبُ غسلَ الذَّكر كلِّه، ما مسَّ منه الأذى، من أجل الأذى، ويكونُ غَسلُ سائرِه عبادةً كسائرِ العباداتِ في الغسل وغيرِه، وسنذكرُ اختلافَ الآثارِ بذلك في آخرِ هذا الباب إن شاء اللَّه.