سمي مولى أبي بكر

١٨٢ فقرة، ج ١٣ ص ٥٣٤

الصفحة ١ من ٥

  1. هو سُمَيٌّ مولى أبي بكر بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام المخزوميِّ، مدنيٌّ ثقةٌ ثَبْتٌ، روَى عنه جماعة من الأئمّة، ولا يختلفون في عدالتِه وأمانتِه، إلّا أنّ عليَّ بنَ المدينيِّ قال: قلتُ ليحيى بنَ سعيد: أسُمَيٌّ أثبتُ عندك أو القعْقاعُ بنُ حَكيم؟ قال: القعْقاعُ أحبُّ إليَّ منه (٢) .

    وقال عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبل: سألتُ أبي عن سُمَيٍّ، فقال: ثقة (٣) .

    ج ١٣ ص ٥٣٤
  2. روَى عنه مالك.

  3. وقُتل سُمَيٌّ رحمه اللَّه بقُدَيد، وكانت غزوةُ قُديدٍ في صفَرٍ سنة ثلاثينَ ومئة (٤) .

  4. أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: قال سفيان: أتيتُ المدينةَ فسألتُ عن سُمَيٍّ، قالوا: خرجَ إلى الغزو. قيل لسفيان: كأنّ سُمَيًّا قُتِل؟ قال: زَعَموا أنّ الخوارجَ قتلتْه (٥) .

    قال أبو عُمر: لمالكٍ عنه ثلاثةَ عشَرَ حديثًا، أحدُها مرسلٌ، وفي حديثٍ واحدٍ منها ثلاثةُ أحاديثَ، فتصيرُ خمسةَ عشرَ حديثًا.

  5. حديثٌ أولُ لسُمَيٍّ

    مالكٌ (١) ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بينما رجل يمشي بطريقٍ إذ اشتدَّ عليه العطَش، فوجَد بئرًا فنزَل فيها (٢) فشَرِبَ فخرَج، فإذا كلبٌ يلهَثُ يأكلُ الثَّرى من العَطَش، فقال الرجلُ: لقد بلَغَ هذا الكلبَ من العَطَش مثلُ الذي بَلَغ منِّي. فنزل البئرَ فملأ خُفَّه، ثم أمسَكَهُ بفيه حتّى رقيَ فسقَى الكَلْبَ، فشكَر اللَّهُ له، فغفَر له" . فقالوا: يا رسولَ اللَّه، وإنَّ لنا في البهائم لأجرًا؟ قال: "في كلِّ كبدٍ رَطبةٍ أجرٌ" .

    ج ١٣ ص ٥٣٥
  6. في هذا الحديث دليل على أنَّ الإساءةَ إلى البهائم والحيوان لا يجوزُ ولا يَحِلُّ، وأن فاعلَها يأثمُ فيها، لأنَّ النصَّ إذا ورد بأنّ في الإحسان إليهنَّ أجرًا وحسنات، قام الدليلُ بأنّ في الإساءة إليهن وِزرًا وذُنوبًا، واللَّهُ يعصِمُ مَن يشاء، وهذا ما لا شكَّ فيه ولا مَدفعَ له.

  7. وقد روَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "دخَلتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ ربَطتْها، فلا هي أطعَمتْها، ولا هي أطلَقتْها تأكلُ من خَشاشِ الأرض (٣) ، حتى ماتت، فعُذِّبت في ذلك" (٤) . فهذا يُبينُ لك ما قلنا، وهو أمرٌ لا تنازُع بينَ العلماء فيه.

  8. وفي هذا الحديث دليلٌ على وجوبِ نفقاتِ البهائم المملوكةِ على مالكيها، وهذا ما لا خلافَ فيه أيضًا، ولا في القضاء به. والحمدُ للَّه.

  9. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: حدَّثنا مهديُّ بنُ

    ج ١٣ ص ٥٣٦ميمون، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي يعقوب، عن الحسن بن سَعْد، عن عبدِ اللَّه بنِ جعفر، قال: أردَفني رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذاتَ يوم خلفَه، فأسَرَّ إليَّ حديثًا لا أُخبرُ به أحدًا أبدًا، وكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحبُّ إليه ما استتَر به في حاجتِه هدفًا أو حائشَ نَخْل، فدخَل يومًا حائطًا من حيطانِ الأنصار، فإذا جملٌ قد أتاه فجَرجَر (١) ، وذرَفَت عيناه، فمسَح رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَراتَه وذِفْراه فسَكَن، فقال: "مَن صاحبُ الجمل؟ " فجاء فتًى من الأنصار فقال: هو لي يا رسولَ اللَّه. فقال: "أما تتَّقي اللَّهَ في هذه البهيمةِ التي ملَّكك اللَّهُ؟ إنه شكا إليَّ أنك تُجيعُه وتُدْئبُه" (٢) .

  10. ورُوِي هذا الخبرُ من حديث يعلى بن مُرَّة، عن أبيه، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمعنى حديثِ عبدِ اللَّه بنِ جعفر، وفيه: "فاستوصِ به خيرًا" . قال: فقال صاحبُه: لا جرَمَ واللَّه، لا أُكرِمُ مالًا كرامتَه أبدًا (٣) .

  11. وأمّا قولُه: "ذَرَفتْ عيناه" فمعناه: قطَرت دموعُهما قَطْرًا ضعيفًا، و "السَّراةُ" : الظَّهرُ. و "الذِّفْرَى" : ما وراءَ الأُذنين عن يمينِ النُّقرةِ وشمالها، تُثَنَّى: الذِّفْريان، وتُجمعُ: الذَّفارَى. قال ذو الرُّمَّة (٤) :

    ج ١٣ ص ٥٣٧والقُرْطُ في حُرَّةِ الذِّفْرَى مُعَلَّقةٌ ... تَباعَدَ الحَبْلُ منهُ فهْوَ يضطرِبُ

    والحائشُ: حائطُ النخل، والحديقةُ (١) منه.

  12. أخبرنا محمد (٢) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّه النيسابوريُّ صاحبُنا، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ الإسفَرايينيُّ، قال: حدَّثني خالي أبو عَوانةَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ الإسفَرايينيُّ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ أحمدُ بنُ بَكْرُويةَ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبَاب، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ بنِ الزُّبير، عن سُراقةَ بنِ مالكِ بنِ جُعشُم، أنه أتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في وجَعِه، فقال: يا رسولَ اللَّه، أرأيتَ الضالَّةَ تَرِدُ على حوضِ إبلي، هل لي فيها من أجرٍ إن سقَيتُها؟ قال: "نعم، في الكَبدِ الحرَّى (٣) أجرٌ" (٤) .

    قال أبو الحسن: هذا غريبٌ عن مالك، وإنما يَرويه أصحابُ الزُّهريِّ، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الرحمن بنِ مالكِ بنِ جُعْشُم (٥) ، عن أبيه، عن أخيه سُراقةَ بن جُعْشُم؛ كذلك رواهُ موسى بنُ عُقبةَ ومحمدُ بنُ إسحاقَ وغيرُهما، عن الزُّهريِّ (٦) .

  13. حديثٌ ثانٍ لسُمَيٍّ

    مالكٌ (١) ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بينما رجل يمشي بطريقٍ إذ وجَد غُصنَ شَوكٍ على الطريقِ فأخَّره، فشكَر اللَّهُ له، فغفَر له" . وقال: "الشُّهداءُ خمسة: المَطْعُونُ، والمَبْطُونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ الهَدْم، والشهيدُ في سبيل اللَّه" . وقال: "لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأول، ثم لم يجِدُوا إلا أن يَستهِمُوا عليه لاستَهمُوا، ولو يعلَمون ما في التهجير (٢) لاستبَقُوا إليه، ولو يعلَمون ما في العتَمَةِ والصُّبْحِ لأَتَوْهُما ولو حَبْوًا" .

    قال أبو عُمر: هذه ثلاثةُ أحاديثَ في واحد، كذلك يَرويها جماعةٌ من أصحاب مالك (٣) ، وكذلك هي محفوظةٌ عن أبي هريرة:

    أحدُها: حديثُ الذي نزَع غُصْنَ الشوكِ عن الطريق.

    ج ١٣ ص ٥٣٨
  14. والثاني: حديثُ الشهداء.

  15. والثالث: قولُه: "لو يعلَمُ الناسُ ما في النداء" إلى آخر الحديث. وهذا القسمُ الثالثُ سقَط ليحيى من باب، وهو عندَه في بابٍ آخر منها ما كان ينبغي أن يكونَ في بابِ العَتَمةِ والصبح. وقولُه: "ولو يعلَمُ الناسُ ما في النداء" إلى قوله: "ولو حَبْوًا"

  16. فلم يروِه عنه ابنُه عُبيدُ اللَّه في ذلك الباب، ورواه ابنُ وَضّاح، عن يحيى، وهو عند جماعةِ الرُّواة "للموطأ" (١) عن مالك، لا يختلفون في ذلك فيما علمتُ.

    ج ١٣ ص ٥٣٩
  17. وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ نزْعَ الأذى من الطُّرق من أعمال البرِّ، وأن أعمالَ البرِّ تُكفِّرُ السَّيئات، وتُوجِبُ الغُفرانَ والحسنات.

  18. ولا ينبغي للعاقل المؤمن أن يحتقِرَ شيئًا من أعمالِ البرِّ، فربما غُفِر له بأقلِّها؛ ألا ترى إلى ما في هذا الحديث من أنَّ اللَّهَ شكَر له إذ نزَعَ غُصنَ الشَّوك عن الطريق فغفَر له ذنوبَه؟ وقد قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الإيمانُ بضْعٌ وسبعونَ شعبةً، أعلاها لا إلهَ إلا اللَّه، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان" (٢) . وقال اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) } [الزلزلة: ٧ - ٨] . وقال الحكيم:

    ج ١٣ ص ٥٤٠ومتى تفعلُ الكثيرَ من الخيـ ... ـرِ إذا كنتَ تاركًا لأقلِّهْ (١)

  19. حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ خُمير وسعيدُ بنُ عثمان، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا النضرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا أبو زُميل، عن مالكِ بنِ مَرثد، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ، وأمرُك بالمعروفِ ونهيُك عن المنكر صدقة، وإرشادُكَ الرجلَ في أرضِ الضلالةِ صدقةٌ، ونظَرُك للرجل الرديء البصرِ صدقةٌ، وإماطتُك الحجرَ والشوكةَ والعَظْمَ عن الطريقِ صدقةٌ، وإفراغُك من دَلوِكَ في دَلوِ أخيكَ صدقةٌ لك" (٢) .

  20. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزّارُ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ بنِ سابق، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "حُوسِبَ رجلٌ فلم يُوجَدْ له من الخيرِ إلا غُصْنُ شوكٍ نحّاه عن الطريق، فغُفِرَ له" . هكذا رواه أبو معاويةَ عن هشام بهذا الإسناد، وخالَفه فيه غيرُه من أصحاب هشام.

  21. وأمّا قولُه: "الشهداءُ خمسة" . فهكذا جاء في الحديث، وقد جاء في غيرِه ما قد ذكَرناه في باب عبدِ اللَّه بنِ جابرِ (١) بنِ عَتِيكٍ من كتابنا هذا، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "الشهداءُ سبعةٌ سِوى القتل في سبيلِ اللَّه" (٢) . وهذه زيادةٌ، وقد مضَى القولُ في ذلك كلِّه ومعانيه في ذلك الباب من هذا الكتاب. والحمدُ للَّه.

    ج ١٣ ص ٥٤١
  22. أخبَرني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ جعفر بنِ محمدِ بنِ عيسى البغداديُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الشهداءُ خمسةٌ؛ المطعونُ، والمبطونُ، والغريقُ، وصاحبُ الهدْم، والشهيدُ في سبيل اللَّه" (٣) .

  23. وروى مالكٌ (٤) ، عن عبدِ اللَّه بنِ عبد اللَّه بنِ جابرِ بنِ عَتِيك، عن عتيكِ (٥) بنِ الحارثِ بنِ عَتيك، عن جابرِ بنِ عَتيك، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الشهداءُ سبعةٌ

    ج ١٣ ص ٥٤٢سِوى القتل في سبيل اللَّه؛ المطعونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ ذات الجَنْب، والمبطونُ، والحَرِقُ، والذي يموتُ تحتَ الهدْم، والمرأةُ تموتُ بجُمْع ". يعني: كلُّهم شهيدٌ.

  24. وقد تقدَّم تفسيرُ معاني هذا الباب مُمهَّدًا في بابِ عبدِ اللَّه بن جابرٍ (١) من هذا الكتاب فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا، والحمدُ للَّه.

  25. وفي هذا الحديث أيضًا: فضلُ النداءِ، وهو الأذانُ، وفضلُ الصفِّ الأول، وفضلُ البُكُور بالهاجرةِ إلى الصلاةِ في المسجدِ في الجمُعةِ وغيرِها، ولا أعلمُ خلافًا بين العلماءِ أنّ مَن بكَّر وانتظَر الصلاة -وإن لم يُصَلِّ في الصفِّ الأول- أفضلُ ممن تأخَّر ثم تخطَّى إلى الصفِّ الأول، وفي هذا ما يُوضِّحُ لك معنى فضل الصفِّ الأول أنَّه ورَد من أجلِ البُكُور إليه والتقدُّم -واللَّهُ أعلم- وفضْل شهودِ العَتَمة والصُّبح في جماعة، وقد مضَت هذه المعاني مكرَّرةً في غيرِ موضع من كتابِنا هذا، فلا معنى لتكريرِها بعدُ هاهنا.

  26. وفي هذا الحديثِ أيضًا: جوازُ تسميةِ العِشاءِ بالعَتَمة، وهو موضعُ اختلافٍ بينَ أهلِ العلم، فمَن كرِهَ ذلك احتجَّ بأنّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ سمّاها العِشاءَ بقوله: {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} [النور: ٥٨] ، واحتُجَّ أيضًا بحديثِ أبي سَلَمة، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "لا تَغلِبنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتِكم هذه، إنما هي العِشاءُ، وإنما يُسمُّونها العَتَمة لأنهم يُعتِمون بالإبل" (٢) . ومَن أجازَ

    ج ١٣ ص ٥٤٣تسميةَ العشاءِ بالعَتَمة، فحُجَّتُه حديثُ سُمَيٍّ المذكورُ في هذا الباب، واللَّهُ الموفِّقُ للصواب.

  27. وأما قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأول ثم لم يجدُوا إلا أن يَستهِموا عليه لاستَهَموا" ، فإنما أراد: الاستهامَ على الصفِّ الأول لا على الأذان، وعليه رجَع الضميرُ في "عليه" .

    وقال ابنُ حبيب: إنما ذلك في الموضع الذي لا يُؤذِّنُ فيه إلا واحدٌ، كالمغرب والجمُعة، مع كثرةِ المؤذِّنين.

    قال أبو عُمر: يحُضُّهم على ذلك لئلا يُزهَدَ في الأذان، فتبطُلَ السُّنةُ فيه بالتواكُلِ وقلَّةِ الرغبة، وقد روَى أبو حمزةَ السُّكَّريُّ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتَمَنٌ، اللهمَّ أرْشِدِ الأئمّةَ، واغفِرْ للمؤذِّنين" ، قالوا: يا رسولَ اللَّه، لقد تَركْتَنا بعدَكَ نتَنافَسُ في الأذان، فقال: "إنّ بعْدَكُم قومًا سفِلتهُم مؤذِّنوهُم" (١) . وهذا حديثٌ انفردَ به أبو حمزةَ هذا، وليس بالقويِّ (٢) ، وباللَّه التوفيق (٣) .

  28. حديثٌ ثالثٌ لسُمَيٍّ

    مالكٌ (١) ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بنِ عبد الرحمن، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا قالَ الإمامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين، فإنّه مَنْ وافقَ قولُه قولَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِه" .

    ج ١٣ ص ٥٤٤
  29. هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عندَ جماعةِ رُواتِه بهذا الإسناد (٢) .

  30. وروَى ابنُ وَهْب فيه، عن مالك، إسنادًا آخرَ: عن نُعيم بنِ عبدِ اللَّه المُجْمِر، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا قال الإمامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين، فإنه مَن وافقَ قولُه من أهل الأرض قولَ أهل السماء غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِه" .

  31. في هذا الحديث دليلٌ على أن الإمامَ لا يقولُ: آمين، وأن المأمومَ يقولُها دونَه، وهذا الحديثُ يُفسِّرُ عندَ أصحابنا قولَه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنُوا" (٣) .

  32. يريد: إذا دعا بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، إلى آخر السورة؛ لأنَّ الداعيَ يُسمَّى مؤمِّنًا، كما يُسمَّى المؤمِّنُ داعيًا، واستدَلُّوا بقول اللَّه عزَّ وجلَّ لموسى وهارون: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: ٨٩] ، وإنما كان هارونُ مؤمِّنًا وموسى الداعي، فيما قال أهلُ العلم بتأويل القرآن.

    وقال بعضُ مَن يقولُ بأنّ الإمامَ يقول: آمين إذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ} : لم يُرِدْ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بما جاء عنه في هذا الحديث أنَّ الإمامَ لا يقول: آمين؛ لأنه قد صحَّ عنه قولُه: "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنُوا" ، وصحَّ عنه أنَّه كان إذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ} قال: "آمين" ورفَع بها صوتَه (١) ، وإنما أراد بما جاء عنه في حديث سُمَيٍّ هذا أن يُعرِّفَهم بالموضع الذي يقولونَ فيه: آمين، وهو إذا قال الإِمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} ، ليكونَ قولُهما معًا، ولا يتقدَّموه بقول: آمين. واللَّهُ أعلم. واحتجُّوا بقول بلال: يا رسولَ اللَّه، لا تَسبِقْني بآمين. وقد مضَى هذا الخبرُ فيما سلَف من هذا الكتاب في باب أبي الزِّناد، وباب ابنِ شهاب، ومَضَى من القول في معنى هذا الحديث هناك ما فيه كفايةٌ، والحمدُ للَّه (٢) .

    ج ١٣ ص ٥٤٥
  33. وفي هذا الحديث: دلالةٌ على أنّ المأمومَ لا يقرأُ خلفَ الإِمام إذا جهَر؛ لا بـ: "أُمِّ القرآن" ولا بغيرِها؛ لأنَّ القراءةَ بها لو كانت عليهم لأمَرهم إذا فرَغوا من "فاتحة الكتاب" أن يُؤمِّنَ كلُّ رَجُلٍ منهم بعدَ فراغِه من قراءتِه؛ لأنَّ السُّنة فيمَن قرأ بـ "أُمِّ القرآن" أن يُؤمِّنَ عندَ فراغِه منها، ومعلومٌ أن المأمومينَ إذا اشتغَلُوا بالقراءةِ خلفَ الإِمام، لم يكادوا يسمَعون فراغَه من قراءةِ "فاتحة الكتاب" ، فكيف يُؤمَرون بالتأمين عندَ قول الإِمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} ويُؤمَرون بالاشتغال عن استماع ذلك؟ هذا ما لا يَصحّ.

  34. وقد أجمعَ العلماءُ على أنّه لا يُقرأُ مع الإِمام فيما جهَرَ فيه بغير فاتحةِ الكتاب، والقياسُ أنّ فاتحةَ الكتاب وغيرَها سواءٌ في هذا الموضع؛ لأنّ عليهم - إذا فرَغَ إمامُهم منها أن يُؤمِّنُوا، فوجَبَ عليهم أن لا يشتَغِلُوا بغير الاستماع، واللَّهُ أعلم.

    ج ١٣ ص ٥٤٦
  35. وأجمعَ العلماءُ على أنّ مرادَ اللَّه -عزَّ وجلَّ- من قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: ٢٠٤] يعني: في الصّلاة، وقد مضى القولُ في معنى هذا الحديث كلِّه، واختلافُ العلماء في تأمينِ الإِمام وحُجَّةُ كلِّ فريقٍ منهم من جهة الأثرِ والنّظرِ في ذلك ممهَّدًا مبسوطًا في باب ابنِ شهاب عن سعيد وأبي سَلَمةَ من هذا الكتاب (١) ، فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا.

  36. حديثٌ رابعٌ لسُمَيٍّ

    مالكٌ (١) ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بنِ عبد الرحمن، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن قال: سبحانَ اللَّه وبحمدِه في يوم مئةَ مرّة، حُطَّتْ خطاياهُ، وإن كانت مثلَ زَبَدِ البحْر" .

    ج ١٣ ص ٥٤٧
  37. هذا من أحسنِ حديثٍ يُروَى عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في فضائل الذِّكر، والآثارُ في هذا الباب كثيرةٌ جدًّا بمعانٍ مُتقاربة، وبركتُها وفائدتُها العملُ بها، ورَحِم اللَّهُ الشّعبيَّ حيث قال: كُنا نَسْتعينُ على حفظِ الحديث بالعمل به (٢) .

  38. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن ومحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ سُليمانَ المَرْوزيُّ أبو بكر، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معْشَر، عن مسلم بنِ أبي مريم، عن صالح مولى وَجْزةَ، عن أُمِّ هانئ بنت أبي طالبِ قالت: جئتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنّي امرأةٌ قد ثقُلْتُ، فَعلِّمْني شيئًا أقولُه وأنا جالسةٌ، قال: "قولي: اللَّهُ أكبرُ مئةَ مرّة، فهو خيرٌ لكِ من مئةِ بدَنَةٍ مُجَلَّلةٍ مُتقبَّلة، وقولي: سبحان اللَّه مئةَ مرّة، فهو خيرٌ لكِ من مئةِ فَرسٍ مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ تَحمِلُها في سبيل اللَّه، وقولي: الحمدُ للَّه مئةَ مرّة، فهو خيرٌ من مئةِ رَقَبةٍ تعتقُها من وَلدِ إسماعيل، وقولي: لا إلهَ إلّا اللَّهُ مئةَ مرّةٍ لا تَذَرُ ذَنْبًا ولا يُشْبِهُهُ عَمَلٌ" (٣) .

  39. حديثٌ خامسٌ لسُمَيٍّ

    مالكٌ (١) ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، في يوم مئةَ مرة، كانت له عَدْلَ عَشْرِ رقاب، وكُتِبت له مئةُ حسنة، ومُحِيت عنه مئةُ سيئة، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به، إلّا أحدٌ عمل أكثرَ من ذلك" .

    ج ١٣ ص ٥٤٨
  40. في هذا الحديث دليلٌ على أن الذِّكرَ أفضلُ الأعمال، ألا ترى أنّ هذا الكلامَ إذا قيل مئةَ من يَعدِلُ عَشْرَ رقاب إلى ما ذُكِر فيه من الحسَناتِ ومحْوِ السيِّئاتِ؟! وهذا أمرٌ كثير، فسُبحانَ المُتفضِّل المُنْعِم، لا إلهَ إلّا هو العليمُ الخبيرُ.