سمي مولى أبي بكر
١٨٢ فقرة، ج ١٣ ص ٥٣٤
الصفحة ٣ من ٥
- ج ١٣ ص ٥٦٦
وهكذا هو في "الموطأ" عندَ جماعة الرُّواة بهذا الإسناد (٤) .
- ج ١٣ ص ٥٦٧
ورواه ابنُ مهديٍّ، وبِشرُ بنُ عمر، عن مالك، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "السفرُ قطعةٌ من العذاب" ، الحديثَ مرسلًا (١) .
-
وكان وكيع يُحدِّثُ به عن مالك -هكذا أيضًا- مرسلًا حينًا، وحينًا يُسنِدُه كما في "الموطأ" عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وهذا إنما هو من نشاط المحدِّثِ وكَسَله؛ أحيانًا ينشَطُ فيُسنِدُ، وأحيانًا يَكسلُ فيرسِلُ، على حسبِ المذاكرة، والحديثُ مسنَدٌ صحيحٌ ثابت، احتاج الناسُ فيه إلى مالك، وليس له غيرُ هذا الإسناد من وجهٍ يَصحُّ.
-
روى عُبيدُ اللَّه بنُ المُنتاب، عن سُليمانَ بن إسحاقَ الطَّلْحيِّ، عن هارونَ الفَرْويِّ، عن عبدِ الملك بنِ الماجِشون، قال: قال مالكٌ: ما بالُ أهل العراق يسألوني عن حديث: "السفرُ قطعةٌ من العذاب" ؟ قيل له: لم يروِه أحدٌ غيرُكَ. فقال: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما حدَّثتُ به.
-
وقد رواه عصامُ بنُ روّادِ بنِ الجرّاح، عن أبيه، عن مالك، عن ربيعةَ، عن القاسم، عن عائشةَ. وعن مالك، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قالا: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "السفرُ قطعةٌ من العذاب، يمنَعُ أحدَكم (٢) طعامَه وشرابَه ولذَّتَه، فإذا قضَى أحدُكم حاجتَه، فليُعجِّلْ إلى أهلِه" .
-
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر غُندَرٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالدِ بنِ يزيدَ بمكة، قال: حدَّثنا عصامُ بنُ روَّاد بنِ الجرَّاح، قال:
ج ١٣ ص ٥٦٨حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن، عن القاسم، عن عائشة. وعن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١) .
قال أبو عُمر: الإسنادُ الأولُ لمالكٍ: عن ربيعة عن القاسم عن عائشة، غيرُ محفوظ، لا أعلمُ رواه عن مالك غيرَ روّاد هذا، واللَّهُ أعلم، وهو خطأ، وليس روَّادُ بنُ الجرّاح ممن يُحتجُّ به ولا يُعوَّلُ عليه.
-
والإسنادُ الثاني صحيح، وقد رواه خالدُ بنُ مَخْلَد، عن محمدِ بن جعفرٍ الوَرْكانيِّ، عن مالك، عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) . ولا يصحُّ لمالك عن سُهَيل، واللَّهُ أعلم، وإنما هو لمالكٍ عن سُمَيٍّ لا عن سهَيل، إلا أنَّه لا يبعُدُ أن يكونَ عن سُهيل أيضًا، وليس بمعروفٍ لمالك عنه.
- ج ١٣ ص ٥٦٩
ورُوي عن عَتيق بن يعقوبَ الزُّبيريِّ، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمرَ ابنِ عُبيد اللَّه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "السفرُ قطعةٌ من العذاب" الحديثَ (١) . ولا يَصحُّ هذا الإسنادُ أيضًا عندي، وهو خطأ، وإنما هو: لمالكٍ عن سُمَيٍّ، لا عن سُهَيل، ولا عن ربيعة، ولا عن أبي النضر، واللَّه أعلم.
-
وقد زاد فيه بعضُ الضعفاء عن مالك: "وليتخِذْ لأهلِه هديةً، وإن لم يجِدْ إلا حَجرًا فليُلقِه في مِخْلاتِه" (٢) . قال: والحجارةُ يومئذٍ تُضرَبُ بها القداحُ. وهذه زيادةٌ منكرةٌ لا تَصحُّ، والصحيحُ ما في "الموطّأ" (٣) بإسنادِه ولفظه، واللَّهُ أعلم.
-
وقد رواه ابنُ سمعانَ قاضي المدينة، عن زيدِ بن أسلَم، عن جُمْهان، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنّ السفرَ قطعةٌ من العذاب، يمنَعُ أحدَكم نومَه وطعامَه وشرابَه، فإذا قضَى أحدُكم نَهمتَه من سفرِه، فليُعجِّلْ إلى أهله" (٤) . وابنُ سمعانَ هذا هو: عبدُ اللَّه بنُ زيادِ بنِ سُليمانَ بنِ سَمعان، قاضي المدينة، كان مالكٌ يرميه بالكذب، حدَّث به عن ابن سَمعانَ بقيةُ بنُ الوليد.
-
وقد رويناه عن الدَّراورديِّ، عن سُهَيل بإسنادٍ صالح، لكنه لا تَقوَى الحُجَّة به.
-
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بن محمد (٥) ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أبو عمرو عثمانُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو المصعبِ
ج ١٣ ص ٥٧٠أحمدُ بنِ أبي بكر بنِ الحارث بنِ زُرارةَ بنِ مصعبِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوف، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمدٍ الدَّراورديُّ، عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "السفَرُ قطعةٌ من العذاب، فإذا فرَغ أحدُكم من مخرجِه، أو من سفرِه، فليعجِّل الكرَّةَ إلى أهلِه، وإذا عرَّستُم فتجنَّبوا الطريق، فإنها مأوَى الهوامِّ والدوابِّ" (١) .
-
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ طولَ التغرُّب عن الأهل لغيرِ حاجةٍ وَكيدةٍ من دينٍ أو دنيا، لا يصلُحُ ولا يجوز، وأنَّ مَن انقضَت حاجتُه، لزِمه الاستعجالُ إلى أهله الذين يَمونُهم ويقوتُهم؛ مخافةَ ما يُحدِثُه اللَّهُ بعدَه فيهم، قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كفَى بالمرءِ إثمًا أن يُضيِّعَ مَن يقُوتُ" (٢) .
-
وقد روينا عن مالك، من حديثِ سُمَيٍّ، حديثًا يدخلُ في هذا الباب: حدَّثناه خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو القاسم عثمانُ بنُ محمدِ بنِ عثمانَ البغداديُّ الدبّاغُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ المَنْبِجيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا حاجبُ بنُ سليمان، قال: حدَّثنا وكيعُ بنُ الجرّاح، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر،
ج ١٣ ص ٥٧١عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو يعلَمُ الناسُ ما للمسافر، لأصبَحوا على ظهرِ سفر، إن اللَّهَ لينظُرُ إلى الغريب في كلِّ يوم مرتين" .
-
وهذا حديثٌ غريبٌ لا أصلَ له في حديث مالكٍ ولا في غيره، واللَّهُ أعلم.
-
ومما يدخلُ في هذا الباب أيضًا من روايةِ مالكٍ وغيره: "سافِروا تَصحُّوا" ، وقد ظنَّه قومٌ معارضًا لحديث: "السفرُ قطعةٌ من العذاب" . وليس كذلك؛ لاحتماله أن يكونَ العذابُ -وهو التعبُ والنصبُ هاهنا- مستديمًا للصحة.
-
وحدَّثنا خلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عُبيدِ بنِ آدمَ بنِ أبي إياس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحَسَن بن قُتيبةَ العسقلانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عيسى المدنيُّ الأصمُّ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بنُ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "سافِرُوا تَصِحُّوا وتَسلَمُوا" (١) .
-
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل بنِ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ القاسم وعليُّ بنُ أحمدَ بنِ إسحاق والفضلُ بنُ عُبيدِ اللَّه الهاشميُّ، قالوا: حدَّثنا محمدُ بنُ الحَسَن بن قُتيبة، قال: حدَّثنا أبو علقمةَ الفَرْويُّ عبدُ اللَّه بنُ عيسى الأصمُّ، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، عن مالكِ بنِ أنس، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "سافِروا تَصِحُّوا وتَسلَمُوا" .
- ج ١٣ ص ٥٧٢
وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ موسى بن هارونَ الزُّهريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ حماد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ العَوَقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الرحمن بنِ زرارة، عن عبدِ اللَّه بنِ دينار، عن ابنِ عُمر، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سافِروا تصِحُّوا وتغنَموا" (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا موسى بنُ عيسى الخُتُّليُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ رُشَيد، قال: حدَّثنا بِسطامُ بنُ حَبيب، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سافِروا تَصِحُّوا وتُرزَقُوا" (٢) .
- ج ١٣ ص ٥٧٣
حديثٌ تاسعٌ لسُمَيٍّ
مالكٌ (١) ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بنِ عبد الرحمن، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "العُمرةُ إلى العمرةِ كفّارةٌ لما بينَهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلّا الجنة" .
-
هذا حديثٌ انفرد به سُمَيٌّ ليس يَرويه غيرُه، واحتاج الناسُ إليه فيه، وسُمَيٌّ ثقةٌ ثَبْتٌ حجةٌ فيما نَقَل. وقد روَى هذا الحديثَ سهيلُ بنُ أبي صالح، عن سُمَيٍّ، عن أبيه أبي صالح.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سُهَيل بنِ أبي صالح، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلّا الجنة، والعمرةُ إلى العمرةِ تُكفِّرُ ما بينَهما" (٢) .
-
وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا حمزة بنُ محمد بن عليٍّ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ محمدِ بنِ عبد الوهّاب البصريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الملك، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ المختار، عن سُهيل، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلّا الجنة، والعُمرةُ إلى العمرةِ تُكفِّرُ ما بينَهما" (٣) .
ج ١٣ ص ٥٧٤قال أبو عُمر: قولُه: "العُمرةُ إلى العُمرةِ تُكفِّر ما بينَهما" ، مثلَ قوله: "الجمُعة إلى الجمُعة كفّارةٌ لما بينَهما ما اجتُنِبت الكبائر" ، وقد مضى القولُ في هذا المعنى مجوَّدًا في باب زيد بن أسلَم، عن عطاء بن يَسار، عن الصُّنابِحي (١) من هذا الكتاب.
-
وأما الحجُّ المبرور، فقيل: هو الذي لا رياءَ فيه ولا سمعة ولا رَفَث فيه ولا فسوق، ويكون بمال حلال، واللَّه أعلم، وبه التوفيق.
- ج ١٣ ص ٥٧٥
حديثٌ عاشرٌ لسُمَيٍّ
مالكٌ (١) ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنَّه سَمع أبا بكر بنَ عبد الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام يقول: كنتُ أنا وأبي عند مروانَ بنِ الحَكَم وهو أميرُ المدينة، فذُكِر له أنَّ أبا هريرةَ يقول: مَن أصبَح جُنُبًا أفطر ذلك اليومَ، فقال مروان: أقسمتُ عليكَ يا عبدَ الرحمن، لَتذهبنَّ إلى أُمَّي المؤمنينَ عائشةَ وأمِّ سلمةَ فلَتسألنَّهما عن ذلك، فذهبَ عبدُ الرحمن وذهبتُ معه، حتى دخلْنا على عائشة فسلّمَ عليها، ثم قال: يا أمّ المؤمنين، إنّا كنّا عند مروانَ فذُكرَ له أنَّ أبا هريرة يقول: مَن أصبحَ جُنُبًا أفطرَ ذلك اليومَ؟ قالت عائشة: ليس كما قال أبو هريرة يا عبدَ الرحمن، أترغَبُ عما كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصنَع؟ قال عبدُ الرحمن: لا واللَّه. قالت عائشة: فأشهَدُ على رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان يُصبحُ جُنُبًا من جماع غيرِ احتلام ثم يصومُ ذلك اليومَ. قال: ثم خرجنا حتى دخلْنا على أمِّ سَلَمة فسألها عن ذلك، فقالت مثلَ ما قالت عائشة. قال: فخرَجنا حتى جئنا مروانَ بنَ الحكم، فذكر له عبدُ الرحمن ما قالتا، فقال مروان: أقسمْتُ عليكَ يا أبا محمد لَتَركبنَّ دابَّتي فإنها بالباب، فلَتذهَبنَّ إلى أبي هريرة، فإنه بأرضِه بالعقيق، فلَتُخبرنَّه ذلك. فركب عبدُ الرحمن وركبتُ معه حتى أتَيْنا أبا هريرة، فتحدَّث معه عبدُ الرحمن ساعةً، ثم ذكر له ذلك، فقال أبو هريرة: لا علمَ لي بذلك، إنما أخبَرنيه مُخبرٌ.
-
هذا الإسنادُ أثبتُ أسانيد هذا الحديث، وهو حديثٌ جاء من وجوهٍ كثيرةٍ متواترةٍ صِحاح.
-
في هذا الحديث: دخولُ الفقهاء على السلطانِ ومذاكرتُهم له بالعلم.
- ج ١٣ ص ٥٧٦
وفيه: ما كان عليه مروانُ من الاهتبال (١) بالعلم ومسائل الدين، مع ما كان فيه من الدنيا. ومروانُ عندَهم أحدُ العلماء، وكذلك ابنُه عبدُ الملك.
-
وفيه: ما يدلُّ على أنَّ الشيءَ إذا تُنُوزع رُدَّ إلى من يُظَنُّ به أنَّه يوجَدُ عندَه علمٌ منه، وذلك أنَّ أزواجَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أعلمُ الناس بهذا المعنى بعدَه من أجله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وفيه: أنَّ مَن كان عندَه علمٌ في شيء وسمع خلافَه، كان عليه إنكارُه، من ثقةٍ سَمع ذلك أو غيرِ ثقة، حتى يتبيَّنَ له صحّةُ خلافِ ما عندَه.
-
وفيه: أنَّ الحجَّةَ القاطعةَ عند الاختلاف فيما لا نصَّ فيه من الكتاب سنةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وفيه: إثباتُ الحجَّة في العمل بخبر الواحدِ العدل، وأنَّ المرأةَ في ذلك كالرجل سواءً، وأنَّ طريقَ الإخبار في هذا غيرُ طريق الشهادات.
-
وفيه: طلبُ الحجَّةِ وطلبُ الدليل والبحثُ عن العلم حتى يَصحَّ فيه وجهُ العمل، ألا ترَى أن مروانَ حينَ أخبَره عبدُ الرحمن بنُ الحارث عن عائشةَ وأمِّ سلمةَ بما أخبَره به في هذا الحديث، بعَث إلى أبي هريرةَ طالبًا للحُجَّةِ، وباحثًا عن موقعها، ليعرِفَ من أين قال أبو هريرةَ ما قاله من ذلك.
-
وفيه: اعترافُ العالِم بالحقِّ وإنصافُه إذا سمع الحجَّة، وهكذا أهلُ الدين والعلم أولو إنصافٍ واعتراف.
-
وفيه: الحكمُ الذي من أجله ورَد هذا الحديث، وذلك أنَّ الجُنُبَ إذا أصابتْه جنابةٌ من الليل في رمضانَ لم يضُرَّه أن يُصبحَ جُنُبًا، ولم يُفسِدْ ذلك صيامَه، ولا قدَح في شيء منه، وهذا موضعٌ للعلماء فيه اختلافٌ وتنازُعٌ، قد ذكَرنا ذلك
ج ١٣ ص ٥٧٧كلَّه في باب أبي طُوالة عبدِ اللَّه بن عبد الرحمن بن مَعمرٍ من هذا الكتاب (١) ، ولم نرَ تكريرَه هاهنا.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: حدَّثني قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عامرِ بنِ أبي أُميةَ أخي أمِّ سَلَمة، عن أمِّ سَلَمة، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصبحُ جُنُبًا ثم يصومُ ذلك اليوم (٢) .
-
وأما الروايةُ عن أبي هريرة، أنَّه مَن أصبحَ جُنُبًا فقد أفطرَ ذلكَ اليوم، فقد ذكرنا بعضَها في باب أبي طُوالة أيضًا.
-
وأخبرنا محمدُ بنُ أبان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى. وحدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق (٣) ، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمِعتُ أبا هريرة يقول: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أدركَهُ الصُّبحُ جُنُبًا فلا صَوْمَ له" ، قال: فانطلقتُ أنا وأبي، فدخلنا
ج ١٣ ص ٥٧٨على عائشة وأمِّ سلَمة، فسألناهما عن ذلك، فأخبرتانا أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصبح جُنُبًا من غير حُلم ثم يصوم؛ قال: فدخلنا على مَرْوان، فأخبرناه بقولهما وقول أبي هريرة، فقال مَرْوان: عزمتُ عليكما لَمَا ذهبتما إلى أبي هريرة فأخبرتمُاه، قال: فلقينا أبا هريرة عند باب المسجد، فقال له أبي: إنَّ الأميرَ عَزمَ علينا في أمرٍ لنذكره لك، قال: وما هو؟ قال: فحدَّثَه أبي، قال: فتلوَّن وجهُ أبي هريرة، ثم قال: هكذا حدَّثني الفَضْل بن عبّاس، وهنَّ أعلم. قال الزُّهري: فحوَّلَ الحديثَ إلى غيره (١) .
قال عبدُ الرزاق (٢) : وأخبرنا ابنُ جريج، قال: أخبَرني عمرُو بنُ دينار، أنَّ يحيى بنَ جعدةَ أخبَره، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرو بنِ عبدٍ القارِّيِّ، أنَّه سمع أبا هريرة يقول: وربِّ هذا البيت، ما أنا قلت: "مَن أدرَكه الصبحُ جُنُبًا فلْيُفطِرْ" ، ولكنْ محمدٌ قالهُ.
قال ابنُ جريج (٣) : قلت لعطاء: أيبيتُ الرجلُ جُنُبًا في شهر رمضانَ حتى يُصبح، يتعمَّدُ ذلك ثم يصوم؟ قال: أما أبو هريرةَ فكان ينهَى عن ذلك، وأما عائشةُ فكانت تقول: ليس بذلك بأسٌ. فلما اختلَفا على عطاء قال: يُتِمُّ صومَ يومِه ذلك ويُبدِلُ يومًا.
قال أبو عُمر: قد ثبَت أنَّ أبا هريرةَ لم يسمَعْ ذلك من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واختُلِف عليه فيمَن أخبَره بذلك؛ ففي رواية سُمَيٍّ، عن أبي بكر بنِ عبد الرحمن
ج ١٣ ص ٥٧٩عنه، أنَّه قال: أخبَرنيه مُخبرٌ، ولم يُسَمِّ أحدًا. وفي رواية الزهريِّ، عن أبي بكر بنِ عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّه قال: أخبرني بذلك الفضلُ بنُ عبَّاس (١) ؛ كذلك روَى جعفرُ بنُ ربيعة، عن عراكِ بنِ مالك، عن أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّه قال: أخبَرني بذلك الفضلُ بنُ عبَّاس (٢) .
-
وكذلك رواه يعلى بنُ عقبة (٣) ، وعكرمةُ بنُ خالد (٤) ، وعبدُ الملك بنُ أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، كلُّهم عن أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّه قال: حدَّثنيه الفضلُ بنُ عبَّاس.