هلال بن أسامة

٤٠ فقرة، ج ١٤ ص ٥

  1. وهو هلالُ بنُ أبي ميمونة، قال مصعبٌ: هو مولى عامرِ بنِ لؤيٍّ.

    قال أبو عُمر: روى عنه مالكٌ فقال: هلالُ بنُ أسامة. وروَى عنه يحيى بنُ أبي كثير، وزيادُ بنُ سعد فقالا: هلالُ بنُ أبي ميمونة. وروى عنه فُلَيحُ بنُ سُليمانَ فقال: هلالُ بنُ عليٍّ. وقيل: إنه هلال بنُ علي بنِ أسامة، وأبوه يُكْنَى أبا ميمونة، وبه يُعرف بالكُنية، وهو بها أشهَرُ.

    ج ١٤ ص ٥
  2. لمالكٍ عنه حديثٌ واحدٌ، اختَصَرهُ من حديثه الطَّويل.

  3. مالكٌ (٢) ، عن هلالِ بنِ أُسامة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عُمرَ بنِ الحكَم، أنه قال: أتيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنَّ لي جاريةً كانت تَرعَى غنمًا لي، فجئْتُها وقد فُقِدتْ شاةٌ، فسألتُها عنها، فقالت: أكلها الذِّئب. فأسِفتُ عليها، وكنتُ من بني آدم، فلَطَمْتُ حرَّ وَجْهِها، وعليَّ رقَبةٌ، أفأُعْتِقُها؟ فقال لها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أينَ اللَّه؟ " . فقالت: في السماء. فقال: "مَن أنا؟ " . فقالت: رسولُ اللَّه. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أعْتِقْها" .

  4. هكذا قال مالكٌ في هذا الحديث: عن هلال، عن عطاء، عن عمرَ بنِ الحكم. لم يختلفِ الرُّواةُ عنه في ذلك (٣) ، وهو وَهْمٌ عندَ جميع أهل العلم بالحديث، وليس

    ج ١٤ ص ٦في الصحابة رجلٌ يقال له: عمرُ بنُ الحكم. وإنما هو معاويةُ بنُ الحكم، كذلك قال فيه كلُّ مَن روَى هذا الحديثَ عن هلال وغيرِه، ومُعاويةُ بنُ الحكم معروفٌ في الصحابة، وحديثُه هذا معروفٌ له، وقد ذكَرناه في "الصحابة" ونسَبْناه (١) ، فأغْنانا عن ذكرِ ذلك هاهنا.

  5. وأما عمرُ بنُ الحكم (٢) ، فهو من التابعين: وهو عمرُ بنُ الحكم بن أبي الحكم، وهو من بني عَمْرِو بنِ عامرٍ من الأوس، وقيل: بل هو حليفٌ لهم. وكان من ساكني المدينة، تُوفي بها سنةَ سبعَ عشرة ومئة، وهو عمُّ والدِ عبدِ الحميد بنِ جعفرٍ الأنصاريِّ. وعمرُ بنُ الحكم بنِ سِنان، لأبيه صحبةٌ، وعمرُ بنُ الحكم بنِ ثَوْبان، هؤلاء ثلاثةٌ مِن التابعين كلُّهم يُسمَّى عمرَ بنَ الحكم، وهم مَدَنيُّون، وليس فيهم مَن له صحبة، ولا مَن يَروي عنه عطاءُ بنُ يسار، وليس في الصحابة أحدٌ يُسمَّى عمرَ بنَ الحكم، وإنما هذا معاويةُ بنُ الحكم لا شكَّ فيه.

  6. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال سمِعتُ أحمدَ بنَ عمرٍ والبزّارَ يقول: روَى مالكٌ عن هلالِ بنِ أبي ميمونة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عمرَ بنِ الحكم السُّلَميِّ، أنه سألَ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. فوهَم فيه، وإنما الحديثُ لعطاءِ بنِ يسار، عن معاويةَ بنِ الحكم السُّلَميّ. قال أبو بكر البزار: وليس أحدٌ من أصحاب النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقال له: عمرُ بنُ الحكم.

    وقال أحمدُ بنُ خالد: ليس أحدٌ يقول فيه: عمرُ بنُ الحكم. غير مالك، وَهَم فيه، وكذلك رواه أصحابُه جميعًا عنه. قال: وإنما يقول ذلك مالكٌ في حديثه عن هلالِ بنِ أسامة، وقد رواه عن ابن شهاب، عن أبي سَلمة، عن معاويةَ بنِ الحكم السُّلّميِّ، كما رواه الناس.

    ج ١٤ ص ٧قال أبو عُمر: حديثُه هذا من روايةِ يحيى عن مالك مختصرٌ من حديثٍ فيه طولٌ، وقد ذكَرهُ بأكملَ من هذا عن مالكٍ قومٌ؛ منهم عبدُ اللَّه بنُ يوسف، وابنُ بُكَير، وكذلك رواه قتيبةُ (١) أيضًا والشافعيُّ (٢) عن مالكٍ بتمامِه، فيه ذِكْرُ الكُهّان والطِّيَرة.

  7. وقد روَى مالكٌ بعضَ ذلك الحديث، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلَمة، عن معاوية بنِ الحكم السُّلَميِّ، فذكر أمرَ الكُهّان والطِّيَرة، ولم يذكُر أمرَ الجارية، وقال فيه في روايتِهِ عن ابن شِهاب: معاويةُ بنُ الحَكَم (٣) ، كما قال الناس، وإنما قال مالكٌ: "عمرُ بن الحكم" في حديثه عن هلالِ بنِ أسامة، ولم يُتابِعْه أحدٌ على ذلك، وكلُّ مَن رواه عن هلال قال فيه: "معاويةُ بنُ الحكم" وهو الصواب، وباللَّه التوفيق.

  8. قرأتُ على أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ محمد، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحسينيَّ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفر الطحاويُّ، قال (٤) : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ يحيى المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (٥) : أخبَرنا مالكٌ، عن هلالِ بنِ أسامة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عُمرَ بنِ الحكم، أنه قال: أتيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنَّ جاريةً لي كانت تَرعَى غنمًا لي، فجِئْتها وفَقَدتُ شاةً من الغنم، فسألتُها عنها، فقالت: أكلها الذئب. فأسِفْتُ عليها، وكُنتُ امرأً من بني آدم، فلَطَمتُ وجهَها، وعليَّ رقبةٌ، أفأُعتِقُها؟ قال لها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أينَ اللَّه؟ " . قالت: في السماء. قال:

    ج ١٤ ص ٨"فمَن أنا؟ " . قالت: أنت رسولُ اللَّه. قال عُمر: يا رسولَ اللَّه، أشياءُ كنّا نصنعُها في الجاهلية، كنّا نأتي الكهّان. فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فلا تأتوا الكُهّان" . قال عمر: وكنّا نتطيّر. قال: "إنما ذلك شيءٌ يَجدُه أحدُكم في نَفْسِه، فلا يَصُدَّنّكم" .

    قال الطَّحاويُّ (١) : سمِعتُ المُزَنيَّ يقول: قال الشافعيُّ: مالكُ بنُ أنس يُسمِّي هذا الرجلَ عُمرَ بنَ الحكم، وإنما هو معاويةُ بنُ الحكم. قال الطَّحاويُّ: وهو كما قال الشافعيُّ.

    وقال الطَّحاويُّ (٢) : وقال مالكٌ: هلالُ بنُ أسامة. وإنما هو هلالُ بنُ عليٍّ، غيرَ أن قائلًا قال: هو هلالُ بنُ عليِّ بنِ أسامة، فإن كان كذلك، فإنما نسَبه مالكٌ إلى جدِّه.

  9. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفر بن الوَرْد، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عبد الحكم، قال: أخبرنا مالك، عن هلالِ بنِ أسامة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عُمرَ بنِ الحكم، أنه قال: أتيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت: يا رسولَ اللَّه، إن لي جاريةً كانت تَرعَى غنمًا، فجئتُها وفَقَدْتُ شاةً من الغنم، فسألتُها عنها فقالت: أكَلها الذئبُ. فأسِفْتُ عليها، وكنتُ من بني آدم، فلَطَمتُ وجهَها، وعليَّ رقبةٌ، أفأُعتِقُها؟ فقال لها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أين اللَّه؟ " . قالت: في السماء. قال: "مَن أنا؟ " . قالت: أنت رسولُ اللَّه. قال: "أعْتِقْها" . فقال عُمر: يا رسولَ اللَّه، أشياءُ كنّا نصنعُها في الجاهلية، كنّا نأتي الكُهّان. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تأتُوا الكُهّان" . قال: وكنّا نتطيَّرُ. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما ذلك شيءٌ يَجدُه أحدُكم في نفسِه، فلا يَضُرُّكم" .

  10. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمد، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ اللَّه الزُّبَيديُّ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ الجارود، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ عبدِ الحكم، أن ابنَ وَهْبٍ أخبَره، قال: أخبَرنا مالك، عن هلال بنِ أسامة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عمرَ بنِ الحكم، أنه أتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذكرَ الحديثَ.

    قال أبو محمدِ بنُ الجارود: وكذلك حدَّثناه محمدُ بنُ يحيى، عن مُطَرِّف، عن مالك، عن هِلال، عن عطاء، عن عُمرَ بن الحكم. قال أبو محمد: وليس هو عُمرَ بنَ الحكم، إنما هو معاويةُ بنُ الحكم، وهو خطأٌ من مالك.

    ج ١٤ ص ٩
  11. وقرأتُ على عبدِ الوارث بن سُفيان، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل التِّرْمذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ اللَّه الأويسيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن ابنِ شهاب، قال: أخبَرني أبو سَلَمةَ بنُ عبد الرحمن، عن معاويةَ بنِ الحكم، أنه سأل رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الطِّيَرة، فقال: "شيءٌ يَجدُه أحدُكم، فلا يَصُدَّنَّكم" (١) .

  12. وأخبرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو الطاهر، عن ابن وَهْب، قال أخبرني مالكُ بنُ أنس وابنُ أبي ذئب ويونسُ بنُ يزيد وابنُ سِمْعان، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن مُعاويةَ بنِ الحكم السُّلَميِّ، قال: قلت؟ يا رسولَ اللَّه، أمورٌ كنّا نصنَعُها في الجاهلية، كنّا نأتي الكُهّان. قال: "فلا تأتُوا الكُهّان" . قال: قلت: كنّا نَتَطيَّرُ؟ قال: "ذلك شيءٌ يَجدُه أحدُكم في نفسه، فلا يَصُدَّنَّكم" (٣) .

  13. فهذا مالكٌ يقولُ في هذا الحديث، عن ابن شهاب: معاويةُ بنُ الحكم. كما سمِعه منه وحَفِظَهُ عنه، ولو سَمِعه كذلك من هلال لأدّاه كذلك، واللَّهُ أعلم. وربما كان هذا من هلال، إلا أن جماعةً رَوَوه عن هلال، فقالوا فيه: معاويةُ بنُ الحكم، فاللَّهُ أعلم.

    ج ١٤ ص ١٠
  14. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك وعبيدُ بنُ محمد، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين. وأخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصور، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ سَنجرَ الجُرْجانيُّ، قال: حدَّثنا أبو المغيرة، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كَثِير، عن هلال بن أبي مَيْمونة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن معاويةَ بنِ الحكم، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إنّا كنّا حديثَ عهدٍ بجاهليةٍ، فجاءَ اللَّهُ بالإسلام، وإنَّ رجالًا منّا يتَطيَّرون. قال: "ذلك شيءٌ يجدونَهُ في صُدورِهم، فلا يَضُرُّهم" . قال: يا رسولَ اللَّه، ورجالًا منّا يأتُون الكاهِنين. قال: "فلا تأتوهم" . قال: يا رسولَ اللَّه، ورجالًا منّا يخُطُّون. قال: "كان نبيٌّ من الأنبياءِ يَخُطُّ، فمَن وافَق خطَّه فذاك" (١) . قال: وبينا أنا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصلاة، عطَس رجلٌ من القوم، فقلتُ: يرحمكَ اللَّه. فحذَفَني القومُ بأبصارِهم، فقلت: واثُكْلَ أُمِّياه، إنَّكُم تنظُرون إليَّ؟ قال: فضرَبوا على أفخاذِهم، فلما رأيتُهم يُسَكِّتُوني، لكني سكَتُّ.

    ج ١٤ ص ١١قال: فلما انصرَف رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبأبي هو وأُمي، ما رأيتُ معلِّمًا قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تعليمًا منه، واللَّه ما ضرَبني، ولا كَهَرني (١) ، ولا سَبَّني، ولكن قال: "إن صلاتَنا هذه لا يَصلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هي للتَّسْبيح والتكبيرِ وتلاوةٍ للقُرآنِ" .

    قال: ثم اطَّلَعتُ غُنَيمةً لي تَرعاها جاريةٌ لي في ناحية أُحُد، فوجدْتُ الذئبَ قد أصاب منها شاةً، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يأسَفُون، فصَكَكتُها صَكّة، ثم انصرَفْتُ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبرتُه، فعظَّمَ عليَّ. قال: فقلت: يا رسولَ اللَّه، فهلّا أُعتِقُها؟ قال: "ائتِني بها" . قال: فجِئْتُ بها إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال لها: "أين اللَّهُ؟ " . فقالت: في السماء. فقال: "مَن أنا؟ " . فقالت: أنت رسولُ اللَّه. قال: "إنها مؤمنةٌ، فأعْتِقْها" (٢) .

    قال أبو عُمر: معاني هذا الحديث واضحةٌ يُستَغنَى عن الكلام فيها.

  15. وأما قوله: "أينَ اللَّهُ؟ " . فقالت: في السماء. فعلى هذا أهلُ الحقِّ؛ لقول اللَّه عزَّ وجلَّ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: ١٦] . ولقوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: ١٠] . ولقوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: ٤] .

  16. ومثلُ هذا في القرآن كثير، قد أتينا عليه في بابِ ابن شهابٍ في حديث التَّنزُّل (١) ، وفيه ردٌّ على المُعتزلة، وبيانٌ لتأويل قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] . ولم يَزل المسلمون في كلِّ زمانٍ إذا دَهَمَهُم أمرٌ، وكَرَبَهُم غمٌّ، يرفَعونَ وجوهَهُم وأيديَهُم إلى السماء، رغبةً إلى اللَّه عزَّ وجلَّ في الكَشْفِ عنهم.

    ج ١٤ ص ١٢
  17. حدَّثنا أحمدُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبيد، قال: سمِعتُ ابنَ عليّة يحدِّثُ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ، قال: حُدِّثتُ أن أبا الدرداءِ ترَك الغَزوَ عامًا، فأعْطَى رجلًا صُرَّةً فيها دراهم، فقال: انطلِقْ، فإذا رأيتَ رجلًا يسيرُ من القوم ناحية، في هيئتِه بَذاذةٌ، فادفَعْها إليه. قال: ففعل، فرفَع رأسَه إلى السماء وقال: اللهمَّ لم تَنسَ حُدَيْرًا، فاجعلْ حُدَيْرًا لا يَنْساك. قال: فرجَع الرجلُ إلى أبي الدرداء فأخبَره، فقال: وَلي النعمةَ ربُّها (٢) .

  18. وقد مضى في هذا المعنى ما فيه كفايةٌ وبيانٌ في باب ابنِ شهاب، عن أبي عبدِ اللَّه الأغرِّ وأبي سَلَمة، من هذا الكتاب (٣) (٤) .

  19. مالكٌ عن هاشم بن هاشم (١) حديثٌ واحدٌ

    وهو هاشمُ بنُ هاشم بنِ عُتبةَ بنِ أبي وقّاص، معروفٌ، مشهورُ النَّسبِ شريفٌ.

    ج ١٤ ص ١٣
  20. وقيل فيه: هاشمُ بنُ هاشم بنِ هاشم (٢) . روَى عنه مالكٌ، والدراوَرْديُّ، وشجاعُ بنُ الوليد أبو بدْرٍ السَّكُونيُّ، وأبو ضمْرة أنسُ بنُ عياض، ومكيُّ بنُ إبراهيم، وأبو أسامة، ومروانٌ الفَزَاريُّ.

  21. ذكره أبو حاتم الرازيُّ وغيرُه (٣) .

  22. ويروي هاشمُ بنُ هاشم، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، وعامرِ بنِ سعدٍ، وعائشةَ بنتِ طَلْحة، وعبدِ اللَّه بنِ نِسْطاس.

  23. وحديث مالكٍ عنه:
  24. مالكٌ (٤) ، عن هاشم بن هاشم بن عُتبةَ بن أبي وَقّاص، عن عبدِ اللَّه بن نِسْطاس، عن جابرِ بنِ عبد اللَّه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن حَلَف على مِنْبري آثمًا، تَبَوَّأ مقعَدَه من النّار" .

    قال مصعبٌ الزُّبيريُّ: عبدُ اللَّه بنُ نِسْطاسٍ يَرْوي عن أبيه، عن جابر، ونِسْطاسٌ مولى أُبيِّ بنِ خلف، كان جاهليًّا (٥) .

  25. لم يختلفِ الرُّواةُ عن مالك في إسنادِ هذا الحديث ومَتْنِه (١) ، إلا أن أكثرَ الرواةِ عن مالك يقولون فيه: "مَن حلَف على مِنْبري هذا بيمين آثمة" . كذا قال ابنُ بُكَير (٢) ، وابنُ القاسم (٣) ، والقَعْنَبيُّ (٤) ، وغيرُهم (٥) . وقال يحيى: "مَن حلَف على مِنْبري آثمًا" . والمعنى واحدٌ، وفيه اشتراطُ الإثم، فالوعيدُ لا يقعُ إلا مع تعمُّدِ الإثم في اليمين، واقتطاع حقِّ المُسلم بها، وهذا المعنى موجودٌ في هذا الحديث، وفي حديثِ العلاء، على ما مَضَى في بابه من هذا الكتاب (٦) .

    ج ١٤ ص ١٤
  26. ومذهبُنا في الوعيدِ أنه غيرُ نافذٍ في هذا وفي كلِّ ما أوعَد اللَّهُ أهلَ الإيمان عليه النارَ والعذاب، فإنّ اللَّهَ بالخيار في عَبْدِه المُذنِب؛ إن شاءَ أن يغفِرَ له غَفَرَ له، وإن شاء أن يُعذِّبَه عذَّبه؛ لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: ٤٨، ١١٦] . والتوبةُ تَمحُو السيِّئات كلَّها، كُفْرًا كانت أو غيرَ ذلك؛ قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ٣٨] . إلا أنَّ حُقوق الآدميِّين لا بدَّ فيها بين

    ج ١٤ ص ١٥المُسلمين من القِصاصِ بالحسنات والسيئات، وقد بيّنّا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا هذا، والحمدُ للَّه.

  27. وأما اليمينُ على منبر النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو غيرِه من المنابر، فقد اختلفَ العلماءُ في ذلك؛ فذهَبَ ذاهِبون إلى أن اليمينَ عندَ المنبرِ وفي الجامع لا يكونُ في أقلَّ من رُبُع دينارٍ أو ثلاثةِ دَرَاهم، فإذا كان رُبُع دينارٍ أو ثلاثةَ دراهم، أو قيمةَ ذلك عَرْضًا، فما زاد، كانت اليمينُ فيه في مَقطَع الحقِّ بالجامع من ذلك البَلَد، وهذه جملةُ مذهب مالك.

    قال مالكٌ: يحلِفُ المسلمُ في القَسامة واللِّعان، وفيما له بالٌ من الحُقوق، يريدُ رُبُعَ دينارٍ فصاعدًا، في جامع بلدِه، في أعظم مواضعِه، وليس عليه التَّوجُّهُ إلى القبلة. هذه روايةُ ابنِ القاسم (١) .

  28. ورَوَى ابنُ الماجِشون (٢) ، عن مالك، أنه يحلِفُ قائمًا مُستقبِلَ القِبْلة.

  29. ولا يعرِفُ مالكٌ اليمينَ عندَ المنبر إلا منبرَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقط، يُحلَفُ عندَه في رُبُع دينار فأكثرَ (٣) .

    قال مالكٌ (٤) : ومَن أَبَى أن يحلِفَ عندَ المِنْبر، فهو كالناكِلِ عن اليمين. ويُجلَبُ في أيمان القَسامةِ عند مالكٍ مَن كان من عَمَل مكةَ إلى مكة، فيحلِفُ بينَ الرُّكْن والمقام، ويُجلَبُ في ذلك إلى المدينة مَن كان من عَمَلِها، فيحلفُ عند المنبر (٥) .

  30. ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الباب كمذهب مالك؛ في المنبر بالمدينة، وبينَ الركن والمقام بمكةَ في القَسامةِ واللِّعان، وأما في الحُقوق، فلا يحلِفُ عندَه عند المنبَر في أقلَّ من عشرينَ دينارًا (١) .

    ج ١٤ ص ١٦
  31. وذكَر (٢) عن سعيدِ بن سالم القَدّاح، عن ابن جُريج، عن عِكْرمةَ، قال: أبصر عبدُ الرحمن بنُ عوف قومًا يحلِفون بينَ المقام والبيت، فقال: أعلى دم؟ قيل: لا. قال: أفعلَى عظيمٍ من الأمر؟ قيل: لا. قال: لقد خشيتُ أن يتهاونَ الناسُ بهذا المقام.

  32. هكذا رواه الزَّعْفرانيُّ، عن الشافعيِّ: يتهاونَ الناس. ورواه المزنيُّ والربيعُ في كتاب اليمين مع الشاهد، فقالا فيه: خَشِيتُ أن يَبْهأَ الناسُ بهذا المقام (٣) . وهو الصحيح عندَهم. ومعنى: يبهأُ: يأنسُ الناسُ به، يقال: بَهَأتُ به؛ أي: أنِسْتُ به (٤) . ومنبرُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في التعظيم مثلُ ذلك؛ لما ورد فيه من الوعيدِ على مَن حلَف عندَه بيمينٍ آثمةٍ، تعظيمًا له.

  33. ودكَر (٥) حديثَ مالك، عن هاشم بن هاشم، وحديثَ مالك (٦) ، عن داودَ بن

    ج ١٤ ص ١٧الحُصَين، أنه سمع أبا غَطَفانَ بنَ طَريفٍ المُرِّيَّ، قال: اختَصمَ زيدُ بنُ ثابت وابنُ مُطيع إلى مروانَ بنِ الحكَم في دارٍ، فقضَى باليمين على زيدِ بنِ ثابتٍ على المنبر، فقال زيدٌ: أحْلِفُ له مكاني. فقال مروان: لا واللَّه، لا واللَّه، إلا عندَ مقاطع الحقوق. فجعل زيدٌ يحلفُ إنَّ حقَّه لحقٌّ، ويأبى أن يحلِفَ على المنبر، فجعَل مروانُ يعجَبُ من ذلك. قال مالك: كرِه زيدٌ صبرَ اليمين (١) .

    قال الشافعيُّ (٢) : وبلَغني أن عمرَ بنَ الخطاب حلَف على المنبر في خصومةٍ كانت بينَه وبينَ رجل، وأن عثمانَ رضي اللَّه عنه رُدَّت عليه اليمينُ على المِنْبر، فافتَدى منها، وقال: أخافُ أن تُوافقَ قدرَ بلاء، فيقال: بيمينِه.

    قال الشافعيُّ: واليمين على المِنْبر ما لا اختلافَ فيه عندَنا بالمدينةِ ومكةَ في قديم ولا حديث. قال الشافعيُّ: فعابَ قولَنا هذا عائب، ترَك فيه موضعَ حُجَّتنا بسُنَّة رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والآثارِ بعدَه عن أصحابه، وزعَم أن زيدَ بنَ ثابتٍ كان لا يرى اليمينَ على المنبر، وأنّا روَينا ذلك عنه، وخالَفْناه إلى قولِ مروانَ بغيرِ حُجَّة.

    قال الشافعيُّ: هذا مروانُ يقول لزيد -وهو عندَه أحظَى أهل زمانِه وأرفعُهم منزلةً- لا واللَّه إلا عندَ مقاطع الحقوق. قال: فما منع زيدَ بنَ ثابت، لو لم يعلم أن اليمينَ على المنبر حقٌّ، أن يقول: مقاطعُ الحقوق مجلسُ الحكم؟ كما قال أبو حنيفةَ وأصحابه: ما كان زيدٌ ليمتنعَ من أن يقولَ لمروانَ ما هو أعظمُ من هذا، وقد قال له: أتُحلُّ الرِّبا يا مروان؟ فقال مروان: أعوذُ باللَّه، وما هذا؟ قال: فالناسُ يَتبايَعون الصُّكوكَ قبلَ أن يَقبِضُوها. فبعَث مروانُ الحرسَ يَنتَزِوعونها من أيدي الناس (٣) .

  34. فإذا كان مروانُ لا يُنكِرُ على زَيْدٍ بهذا، فكيف يُنكِرُ عليه في نفسِه أن يقول: لا تلزَمُني اليمينُ على المنبر؟ لقد كان زيدٌ من أعظم أهل المدينةِ في عَيْن مَرْوانَ وآثرِهم عندَه، ولكنَّ زيدًا علم أنَّ ما قضَى به مروانُ هو الحقُّ، وكرِه أن يصبرَ يمينَه على المِنْبر.

    قال الشافعيُّ: وهذا الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا، والذي نقل الحديثَ فيه كأنه تَكَلُّفٌ، لاجتماعنا على اليمين عندَ المنبر.

    قال (١) : وقد روى الذين خالَفونا في هذا حديثًا يُثبِتونَه عندَهم عن منصور، عن الشعبيّ، وعن عاصم الأحول، عن الشعبيِّ، أنَّ عمرَ جلَب قومًا من اليمن، فأدخَلهم الحِجْرَ فأحلَفهم (٢) . فإن كان هذا ثابتًا عن عُمرَ، فكيف أنكَروا علينا أن يحلِفَ مَن بمكةَ بين الركنِ والمَقام، ومَن بالمدينةِ على المنبر، ونحن لا نَجْلِبُ أحدًا من بلدِه؟! ولو لم يُحتَجُّ عليهم بأكثرَ من روايتِهم، أو بما احتَجُّوا به علينا عن زيد، لكانت الحُجَّةُ بذلك لازمة، فكيف والحُجَّةُ فيها ثابتةٌ عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعن أصحابِه بعدَه، وهو الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا (٣) .

    ج ١٤ ص ١٨
  35. وذكَر (٤) حديثَ أبي بكرٍ الصدِّيق في قصةِ قيسِ بنِ مَكْشوح، فقال: أخبَرني مَن أثِقُ به، عن الضحاك بن عُثمان، عن المقبُريِّ، عن نوفل بن مُسَاحِقٍ العامريِّ،

    ج ١٤ ص ١٩عن المهاجر بن أبي أمية، قال: كتب إليَّ أبو بكرٍ أن أبعثَ إليه بقيسِ بنِ مكْشُوح في وَثاق، فبَعثْتُ به إليه، فجعَل قيسٌ يحلِفُ ما قتل داذَوَيهِ، وأحْلَفَهُ أبو بكرٍ خمسينَ يمينًا مُردَّدةً عندَ منبر رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باللَّه ما قتَله، ولا علم له قاتلًا، ثم عَفا عنه.

  36. وذكَر (١) حديثَ مالك، عن هاشم بن هاشم، المذكورَ في هذا الباب مثل لفظِ ابنِ بُكَير، وابنِ القاسم، والقَعْنَبيِّ، سواء.

  37. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعد، قال (٢) : حدَّثنا أبو ضَمْرة، قال: حدَّثني هاشمُ بنُ هاشم بن عتبةَ الزُّهريُّ، عن عبدِ اللَّه بنِ نِسْطاس، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّه يقول: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَحلِفُ رجلٌ على يمينٍ آثِمَةٍ عندَ هذا المنبر إلا تَبوَّأ (٣) مقعَدَه من النار، ولو على سِواكٍ أخضر" .

  38. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٤) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ هاشم بن عُتبة بنِ أبي وقّاص، عن عبدِ اللَّه بنِ نِسْطاس مولى كثيرِ بنِ الصَّلْت، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، أنه سمع رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "مَن حلَف من غير سببٍ على مِنْبري هذا، ولو كان سِواكًا أخضر، تَبوَّأ مقعَدَه من النار" (٥) .

  39. ففي هذه الآثار دليلٌ على أن اليمينَ تكونُ على المنبر لا في مجلس الحُكْم، واختلَف الفقهاءُ في اليمين على المنبر، وفي مِقْدارِ ما يُحلَفُ عليه عندَ المنبر، على حَسَبِ ما قدَّمنا، ونَزيدُ ذلك بيانًا، فنقول: مذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ ألا يُحلَفَ على المنبرِ في مسجدٍ من المساجد الجوامع، إلا على منبر النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمدينة، وأما ما عَداها فيَحلِفُ في الجامع، ويَحلِفُ قائمًا، ولا يُحْلَفُ على منبر رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا في المسجدِ الجامع بغيرِه من البُلْدان، إلا في ثلاثة دراهم فصاعدًا، ولا يُحلَفُ في القَسامةِ والدِّماءِ والحقوقِ التي تكونُ بين الناس، إلا في المسجدِ الجامع دونَ المنبر من ذلك المِصْر، إلا بالمدينة، فإنه يَحلِفَ في القَسامةِ واللِّعانِ على منبر النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وفي ثلاثة دراهمَ فصاعدًا (١) .

    وقال الشافعيُّ (٢) : مَن ادَّعى مالًا، أو ادُّعِي عليه، فوجَبَت اليمينُ في ذلك، نُظِر، فإن كان عشرينَ دينارًا فصاعدًا، فإن كان بالمدينةِ حلَف على منبر النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإن كان بمكةَ حلَف بين الرُّكنِ والمقام، إذا كان ما يَدَّعيه المُدَّعي عشرينَ دينارًا فصاعدًا. قال: ويَحلِفُ في ذلك على الطلاق، والحدودِ كلِّها، وجراحِ العَمْد، صَغُرَتْ أو كَبُرتْ، وجراح الخطأ، إن بلَغ أرْشُها عشرينَ دينارًا. قال: ولو أخطأ الحاكمُ في رجل عليه اليمينُ على منبر النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو بين الركنِ والمقام، فأحلَفه في مكانٍ آخرَ بمكةَ أو بالمدينة، ففيها قولان:

    أحدُهما: ألّا تُعادَ عليه اليمين.

    ج ١٤ ص ٢٠
  40. والآخر: أن تُعادَ عليه. واختارَ كثيرٌ من أصحابه ألّا تُعادَ عليه.

    قال الشافعيُّ (٣) : وإن كان ذلك في بيتِ المَقْدس، أحلَفْناه في مواضع

    ج ١٤ ص ٢١الحُرْمة من مسجدِها، وأقرب المواضع من أن يُعَظِّمَها، قياسًا على الركن والمقام والمنبر (١) . قال: ولا يُجلَبُ أحدٌ من بلدٍ به حاكمٌ إلى مكةَ ولا إلى المدينة، ويحكمُ عليه حاكمُ بلدِه.

    وقال مالك: لا يُجلَبُ إلى المدينة للأيْمانِ مَن بَعُد عنها إلا في الدِّماء؛ أيمانِ القَسامة. قال مالك: ويَحلِفُ الناسُ في غير المدينة في مسجدِ الجماعاتِ ليَعظُمَ ذلك (٢) .

    قال أبو عُمر: قد مضى في هذا الباب عن أبي بكر وعمرَ رضي اللَّه عنهما أنهما جَلَبا إلى المدينةِ ومكةَ في الأيمان في الدِّماء، فقولُ مالكٍ في ذلك أولى؛ لما جاء عنهما. وباللَّه التوفيق.

    وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يجبُ الاستْحلافُ عند منبرِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على أحد، ولا بين الرُّكنِ والمقام على أحد، في قليل الأشياء، ولا في كثيرها، ولا في الدِّماء ولا في غيرِها، ولكنَّ الحُكّامَ يَسْتَحلفُونَ مَنْ وَجبتْ عليه اليمينُ في مجالِسِهم (٣) .