هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر
٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢
الصفحة ١ من ٢٢
- ج ١٤ ص ٢٢
وكان أحد الحفاظ الثقات العدول؛ أخبرنا عبد اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسن الأنصاري، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بن أبي بكر القاضي، قال: أخبرني عيسى بن سعيد بن زاذان، عن المُنذر بن عبد اللَّه، قال: رويتُ الشعرَ ثلاث عَشْرةَ سنة قبل أن أرْوي الحديث فلَقِي أبي هشامَ بنَ عُروة فقال له: إنَّ ابنَكَ يروي الشِّعْر؟ قال: نعم، قال: فأرْسِلهُ إليَّ، فقال لي أبي: اغدُ إلى هشام بن عُروة، فإنه قد استزارَكَ وهو بالعَقِيق؛ فأخذتُ حِمارًا ونَهَضْتُ إليه، فسلمتُ وجلست، فقال: بَلَغني أنك تروي الشعر، فلأي العَرَب أنت أرْوَى؟ قلتُ لبني سُلَيْم، قال: فتروي لفلان كذا، ولفلان كذا، فجعلَ يُنْشدني لشعراءَ من بني سُلَيْم لم أكن سمعتُ بهم، ثم قال لي: يا ابن أخي، اطلب الحديث، فمن ذلك اليوم رَوَيتُ الحديث.
قال الزُّبير (٢) : وحَدَّثني مُصْعب بن عُثمان، عن المُنذر بن عبد اللَّه، قال ما سمعتُ من هشام بن عُروة رَفَثًا قَط إلا يومًا واحدًا، فإن رَجُلًا من أهل البَصْرة كان يلزمه، فقال له: يا أبا المُنذر، نافع مولى ابن عُمر كان يُفَضِّل أباك على أخيه عبد اللَّه، فقال: كَذَب -واللَّه- نافع، وما يدري نافع عاض بَظْر أُمِّه! عبدُ اللَّه -واللَّه- خيرٌ وأفضلُ من عُروة.
-
حدثنا عبدُ الوارث بن سُفيان قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٣) : سمعتُ مُصعبُ بنُ عبد اللَّه، يقول: هشام بن عُروة أبو المنذر، قال وأُمّه أمُّ وَلَدٍ خُراسانية اسمها صافية.
ج ١٤ ص ٢٣قال أحمد بن زُهير (١) : وسمعتُ يحيى بن مَعِين. يقول: عُمر بن عبد العزيز وهشام بن عُروة والأعمش ولدوا في سنة إحدى وستين.
قال: ورأيتُ في كتاب عليّ بن المَدِيني: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: كان هشام بن عُروة يَخْضِب بالحُمْرة. قال يحيى (٢) : ومات هشام بن عُروة بعد الهَزِيمة - يعني هَزِيمة إبراهيم، كأنه يريد السنة التي بعدها، وكانت الهزيمة سنة خمس وأربعين ومئة.
قال (٣) : وسمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: مات هشام بن عُروة سنة ست وأربعين ومئة.
وقال المدائني (٤) : تُوفي هِشام بن عُروة سنة سبع وأربعين ومئة بعد خروج إبراهيم، وكان مُحمد وَعَدَهُ أن يوليه المدينة.
وقال الطبري: كان هشام بن عُروة من ساكني المدينة، وقَدِمَ بغداد في آخر عُمُره فمات بها في سنة ست وأربعين ومئة بعد أن هُزِمَ إبراهيم بن عبد اللَّه، فدُفِن في مَقْبُرة الخَيْزران. وقيل: مات بالكوفة سنة ثمان وأربعين ومئة. وقيل: توفي هشام بن عُروة سنة ست أو خمس وأربعين ومئة وهو ابن ست وتسعين سنة. وولد سنة خمسين، كل هذا قد قيل في مولده ووفاته رحمه اللَّه.
وقال يحيى بن معين: قال هشام بن عُروة: رأيتُ سَهْلَ بن سَعْد، وابنَ عُمر، وجابرَ بنَ عبد اللَّه، وأنسَ بنَ مالك. قال هشام: ومَسَحَ ابنُ عُمر على رأسِي ودَعَا لي وقَبَّلني، قال ورأيت عبد اللَّه بن عُمر وله جَمةٌ أو قال وَفْرةٌ.
- ج ١٤ ص ٢٤
وذكر الزُّبير، قال (١) : أخبرني عُثمانُ بنُ عبد الرحمن، قال: قال أميرُ المؤمنين المنصور لهشام بن عُروة حين دخلَ عليه هشام: يا أبا المُنْذر، تذكر يومًا دخلتُ عليك إنا وإخوتي مع أبي الخلائف - وأنت تَشربُ سَوَيقا بقَصَبةِ يَرَاع، فلما خَرَجنا من عندك قال لنا أبونا: اعرفوا لهذا الشيخ حَقَّهُ، فإنه لا يزال في قومكم بقية ما بَقِي؛ فقال هشام: لا أذكرُ يا أمير المؤمنين، فلما خرجَ قيل له: يُذَكِّرك أميرُ المؤمنين ما تَمُتُّ به إليه، فتقول لا أذكره! فقال: لم أكن أذْكُر، ولم يُعَوِّدني اللَّهُ في الصدق إلا خَيْرًا.
قال (٢) : وحدَّثني عَمِّي مُصْعب بن عبد اللَّه، عن جدي عبد اللَّه بن مُصْعب، عن هشام بن عُروة، قال: وَضَعَ عندي محمدُ بن عليّ بن عبد اللَّه بن العباس وصيتَهُ.
قال الزبير (٣) : تُوفي هشام بن عُروة بمدينة السلام عند أميرِ المؤمنين أبي جعفر المَنْصور في صَحَابتِه سنة ست وأربعين، وصَلَّى عليه المنصور، وكَبَّرَ عليه أربعًا وكَبَّرَ على مولًى له خَمْسًا وذلك في وقتٍ واحدٍ.
-
لمالك عن هشام بن عُروة من مَرْفوعات "الموطأ" ستةٌ وخَمْسون حديثًا، منها ستة وثلاثون مُسْنَدةً مُتَّصلةً، وسائِرُها مَراسيل تستندُ من وجوهٍ صحاحٍ أحاديث عُروةَ عن عائشةَ.
- ج ١٤ ص ٢٥
حديثٌ أولُ لهشام بنِ عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروةَ بن الزُّبير، عن أبيه، عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا اغتسلَ من الجَنابةِ بدَأ فغسَل يدَيه، ثم توضّأ كما يَتوضَّأُ للصَّلاة، ثم يُدخِلُ أصابعَه في الماء، فيُخلِّلُ بها أُصُولَ شَعَرِه، ثم يَصُبُّ على رأسِه ثلاثَ غَرَفات بيَدَيه، ثم يُفيضُ الماءَ على جِلْدِه كلِّه.
-
في هذا الحديث كيفيةُ غُسْلِ المُغْتَسل من الجَنابة، وهو مِن أحسنِ حديثٍ رُوِيَ في ذلك، وفيه فرْضٌ وسُنّةٌ:
فأما السُّنة فالوُضوءُ قبل الاغتسالِ من الجَنابة، ثبَتَ ذلك عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه كذلك كان يفعل، إلا أن المُغتسِلَ من الجَنابة، إذا لم يتوضَّأ، وعمَّ جميعَ جسدِه ورأسَه ويدَيه ورجلَيه وسائرَ بدَنِه (٢) بالماء، وأسبغَ ذلك وأكملَه بالغُسل ومُرورِ يدَيه، فقد أدَّى ما عليه إذا قصَد الغُسْلَ ونواه وتمَّ غُسلُه؛ لأنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ إنما افترَض على الجُنُب الغُسلَ دونَ الوضوء بقوله عزَّ وجلَّ: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: ٤٣] . وقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: ٦] . وهذا إجماعٌ لا خلافَ فيه بين العلماء، إلا أنهم مُجمِعون أيضًا على اسْتِحباب الوُضوء قبلَ الغُسْل للجُنُب؛ تأسِّيًا برسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنه أعْوَنُ على الغُسل وأهذَبُ فيه، وأما بعدَ الغُسل فلا.
-
وروى أيوبُ السَّختيانيُّ هذا الحديث، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، مثلَ رواية مالك، إلا أن في روايته: فيُخلِّلُ أصولَ شَعَرِه، مرَّتين أو
ج ١٤ ص ٢٦ثلاثًا، ثم يُفرغُ الماءَ على سائر جَسَدِه، فإن بَقِيَ في الإناء شيءٌ صَبَّه عليه. فقال أيوب: فقلت لهشام: فغسَل رجلَيه؟ فقال: وضوءَه للصلاة، وضوءَه للصلاة. يعني كَفاه من ذلك. وهذا الوضوءُ قبل الغُسل لا بعدَه.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصَر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٢) : حدَّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يتوضَّأ بعدَ الغُسْل من الجَنابة.
-
وروى جُميعُ بنُ عُمَير (٣) ، والقاسمُ بنُ محمد (٤) ، والأسودُ بنُ يزيد (٥) ، عن عائشة وصفَها غُسلَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الجَنابة نحوَ حديثِ هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، بمعنًى واحدٍ مُتقارب. وفي حديث جُميع بنِ عُمَير: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتوضَّأُ وضوءَه للصلاة، ثم يُفيضُ على رأسِه ثلاثَ مِرَارٍ، ونحن نُفيضُ على رؤوسِنا خمسًا من أجل الضَّفْر.
- ج ١٤ ص ٢٧
وأما حديثُ ميمونةَ في صفة غُسل رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ داود، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن كُرَيب، قال: حدَّثنا ابنُ عباس، عن خالتِه ميمونة، قالت: وضَعتُ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- غُسْلًا يغتسلُ به من الجَنابةِ، فأكفَأ الإناءَ على يدِه اليُسْرَى، فغسَلها مَرّتين أو ثلاثًا، ثم صبَّ على فَرْجِهِ، فغسَل فرجَه بشمالِه، ثم ضَرَبَ بيدِه الأرضَ فغسَلها، ثم مَضْمَضَ واستنشَقَ، وغسَلَ وجهَه ويدَيه، ثم صَبَّ على رأسِه وجَسَدِه، ثم تَنحَّى ناحيةً فغسَل رجلَيه، فناولْتُه المِنْديلَ فلم يأخُذْه، وجعل ينفِضُ الماءَ عن جَسَدِه. قال الأعمش: فذكرتُ ذلك لإبراهيم، فقال: كانوا لا يَرون بالمنديل بأسًا، ولكن كانوا يَكْرَهون العادة.
-
هذا الحديثُ لصحتِه يردُّ ما رواه شُعبةُ مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أنه كان إذا اغتسَلَ من الجنابة غسَل يدَيه سبعًا، وفَرْجَهُ سبعًا. وشعبةُ هذا ليس بالقويِّ، وقد رُوِيَ عن ابن عمر قال: كانت الصلاةُ خمسين، والغُسلُ من الجنابة سبْعَ مِرَارٍ، وغُسْلُ الثوب من البولِ سَبْعَ مِرَارٍ، فلم يَزلْ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسألُ حتى جُعلتِ الصلاةُ خمسًا، والغُسْلُ من الجَنابة مرةً، وغُسْلُ الثوب من البولِ مرةً. وإسنادُ هذا الحديث أيضًا عن ابنِ عمرَ فيه ضَعْفٌ ولينٌ، وإن كان أبو داودَ قد خَرَّجه، وخرَّج الذي قبلَه عن شُعبة مولى ابن عباس (٢) .
- ج ١٤ ص ٢٨
وأما قولُهُ في حديث عائشة: يتوضَّأُ وضوءَه للصَّلاةِ. فيحتملُ أنها أرادت: بدأ بمواضِع الوُضوء. والدليلُ على ذلك أنه ليس في شيءٍ من الآثارِ الواردة عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غُسْل الجنابة، أنه أعادَ غَسْلَ تلك الأعضاء، ولا إعادة المَضمضة، ولا الاستنشاق. وأجمَع العلماءُ على أنَّ ذلك كُلَّه لا يُعاد؛ مَن أوجَبَ منهم المَضْمَضَةَ والاستنشاق، ومَن لم يُوجِبْهما. وقد مَضَى القولُ في ذلك في باب زيدِ بنِ أسْلَم، والحمدُ للَّه (١) .
-
واختلفَ قولُ مالك في تَخْليلِ الجُنُب لحيتَه في غُسْلِه من الجَنَابة؛ فروى ابنُ القاسم عنه أنه قال: ليس ذلك عليه. وروى أشهَبُ عنه أن عليه تخليلَ لحيتِه من الجنابة (٢) .
قال ابنُ عبد الحَكَم: وهو أحبُّ إلينا؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُخلِّلُ شَعرَه في غُسْلِ الجَنابة. واختلافُ الفُقهاء في ذلك على هذين القَوْلين، وفي حديث عائشةَ هذا ما يَشهدُ لصحةِ قَوْل مَن رأى التَّخليلَ؛ لأنَّ قولها فيه: فيُدخِلُ أصابعَه في الماء، فيُخلِّلُ بها أصولَ شَعَرِه: يَقْتَضي عمومُه شعرَ لحيتِهِ ورأسِهِ، وإن كان الأظهَرُ فيه شَعَرَ رأسِه، واللَّهُ أعلم.
- ج ١٤ ص ٢٩
واختَلف العلماءُ في الجُنُب يَغْتَسلُ في الماء، وَيعُمُّ جسدَه ورأسَه كلَّه بالغَسْلِ، أو ينغمِسُ في الماء ويَعُمُّ بذلك جميعَ جَسَدِه دونَ أن يَتدَلَّك:
فالمشهورُ من مذهبِ مالك: أنه لا يُجزئُه حتى يتدلَّك؛ لأنَّ اللَّهَ أمرَ الجُنُبَ بالاغتسال، كما أمَر المتوضِّئَ بغَسْل وجهِه ويدَيه إلى المِرْفقَين، ولم يكُنْ بدٌّ للمُتوضِّئ من إمرارِ يَدَيه مع الماءِ على وَجْهِه وعلى يَدَيه، فكذلك جميعُ جسدِ الجُنُب، ورأسُه في حكم وجهِ المُتوضِّئ وحكم يدَيه (١) . وهذا قولُ المُزَنيِّ واختيارُه، وفي بعض رواياتِ حديثِ ميمونة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غسَل جسدَه من الجنابة. وقال أبو الفرج: وهذا هو المعقولُ من لفظِ الغَسْل؛ لأنَّ الاغتسالَ في اللغة هو الافتعال، ومتى لم يُمِرَّ يدَيه فلم يفعَلْ غيرَ صَبِّ الماء، ولا يسميه أهلُ اللسان غاسلًا بل يُسمُّونَه صابًّا للماء ومُنغَمِسًا فيه. قال: وعلى نحو ذلك جاءت الآثارُ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابةٌ، فبُلُّوا -أو اغسِلوا- الشَّعَر، وأنْقُوا البَشَرة" (٢) . قال: وإنقاؤُه -واللَّه أعلم- لا يكونُ إلا بتَتبُّعِه، على حدِّ ما ذكرناه.
قال أبو الفَرَج: وتخريجُ هذا عندي، واللَّه أعلمُ، أنه لمّا كان المُعتادُ من المُغْتَمِسِ في الماءِ وصابِّه عليه، أنهما لا يَكادان يَسْلَمان من تَنكُّبِ الماء مواضعَ المُبالغةِ المأمور بها، وجَب لذلك عليهما أن يُمِرَّا أيديَهما. قال: فأمّا إن طال مُكْثُ الإنسان في ماءٍ، أو والَى بينَ صبِّه عليه من غير أن يُمِرَّ يدَيه على بَدَنهِ، فإنه ينوبُ له عن إمرارِ يدَيه. قال: وإلى هذا المعنى، واللَّه أعلم، ذهَب مالكٌ رحمه اللَّه (٣) .
- ج ١٤ ص ٣٠
هذا كلُّه قولُ أبي الفَرَج، وقد عادَ إلى جوازِ الغُسل للمُنغَمِس في الماء، إذا أسبَغ وعمَّ؛ وعلى ذلك جماعةُ الفقهاء وجمهورُ العلماء. وقد رُوِي ذلك عن مالكٍ أيضًا نصًّا:
أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبّان، قال: حدَّثنا سَلمةُ بنُ شَبِيب، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ محمد، قال: سألتُ مالكَ بنَ أنس عن رجل اغتَمَس في ماءٍ وهو جُنُبٌ، ولم يتوضَّأ وصلَّى. قال: مَضَت صلاتُه. فهذه الروايةُ فيها أنه لم يَتدَلَّكْ ولا توضَّأ، وقد أجزَأه عندَ مالك، لكنَّ المعروفَ من مذهبه ما وصَفْنا من التَّدلُّك. وقد رُوِيَ عن الحسن وعطاءٍ مثلُ ذلك، ورُوِي عنهما خلافُه (١) .
-
ذكَر دُحَيم (٢) ، عن كثيرِ بنِ هشام، عن جعفرِ بنِ بُرْقان، عن ميمونِ بنِ مِهْران، قال: إذا اغتسَلتَ من الجنابةِ فادْلُكْ جلدَك وكلَّ شيءٍ نالَتْه يدُك.
قال: وحدَّثنا الوليد (٣) ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ في الجنُبِ يَنْغمِسُ في نهر. قال: يُجزِئُه.
قال: وحدَّثنا أبو حفص (٤) ، أنه سألَ الأوزاعيَّ عن جُنُبٍ طرَح نفسَه في نهر وهو جُنُب، لم يَزِدْ على أن انغمَسَ مكانَه. قال: يُجزِئُه.
-
وعن الشعبيِّ ومحمدِ بنِ عليٍّ وعطاءٍ والحسنِ البصريِّ، قالوا: إذا اغتمَس الجُنُبُ في نهرٍ اغْتِماسةً أجزَأه (٥) .
ج ١٤ ص ٣١وقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابُهما والثوريُّ والأزاعيُّ: يُجزِئُ الجُنُبَ إذا انغمَسَ في الماء وإن لم يَتدَلَّك. وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وأبو ثور، وإسحاقُ، وداودُ، والطبريُّ، ومحمدُ بنُ عبدِ الحكم، وهو قولُ الحسنِ البصريِّ، وإبراهيمَ النخعيِّ، وعامرٍ الشعبيِّ، وحمادِ بنِ أبي سُليمان، وعطاء؛ كلُّ هؤلاء يقول: إذا انغمَس في الماء، وقد وجَب عليه الوضوء، فعمَّ الماءُ أعضاءَ الوضوء، ونَوى بذلك الطَّهارة، أجْزَأه، وحُجَّتُهم أن كلَّ مَن صَبَّ عليه الماءَ فقد اغتسلَ، والعربُ تقول: غسَلَتْني السماء (١) .
-
وقد حكَت عائشةُ وميمونةُ صفةَ غُسْل رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم تَذْكُرا فيه التَّدلُّك، ولو كان واجبًا ما ترَكه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنه المُبينُ عن اللَّه مُرادَه، ولو فعَله لنُقِل عنه كما نُقِل تخليلُ أُصولِ الشعَرِ بالماء، وغَرْفُه على رأسِه، وغيرُ ذلك من صفةِ غُسْلِه ووضوئِه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
ذكَر عبدُ الرزاق (٢) ، عن معمَر، عن أبي إسحاق، عن رجل يقال له: عاصم. أن رَهْطًا أتوا عمرَ بنَ الخطاب، فسألوه عن الغُسْل من الجنابة فقال: أما الغسلُ، فتوضّأ وضوءَك للصلاة، ثم اغسِلْ رأسَك ثلاثَ مرات، وادْلُكْه، ثم أفِضِ الماءَ على جلدِك.
-
وأما غَسْلُ المرأةِ رأسَها في الجَنابة، وصفةُ غُسلِها من ذلك، فقد جاء عن عائشةَ ما ذكَرنا من قولها: وأما نحن فنُفيضُ على رؤوسنا خمسًا من أجلِ الضَّفْر. وقد أنكَرتْ على عبدِ اللَّه بن عمرِو أمرَه النساءَ أن يَنْقُضْنَ رُؤوسَهن عندَ الغُسْل،
ج ١٤ ص ٣٢وقالت: ما كنتُ أزيدُ على أن أُفرِغَ على رأسي ثلاثَ غَرَفاتٍ مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ رواه أيوبُ، عن أبي الزبير، عن عُبيدِ بنِ عُمَير، عن عائشة: أنه بلَغها عن عبدِ اللَّه بنِ عَمْرو (١) .
-
وفي حديث أمِّ سَلَمة، أنها قالت: يا رسولَ اللَّه، أنقُضُ رأسي عندَ الغُسْل. فقال: "يَكْفيكِ أن تَصُبِّي على رأسِكِ ثلاثَ مرات" (٢) .
وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: لكلِّ صَبَّةٍ عَصْرَةٌ.
وقال مالك: اغتسالُ المرأةِ من الحيضِ كاغتسالِها من الجَنابة، ولا تَنقُضْ رأسها.
قال أبو عُمر: قد ثبَت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يُخلِّلُ أصولَ شَعَرِه في غُسْلِه، ويُتبعُ ذلك بصَبِّ الماء عليه؛ فالواجبُ على كلِّ ذي شَعَر من رجل أو امرأة، أن يَفْتَقِدَ ذلك حتى يُوصِلَ الماءَ إلى البَشَرة، فإن لم يصلْ إلّا بالنَّقْض، نُقِضَ حتى يصلَ الماءُ إلى البَشَرة ويَجريَ عليها؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابةٌ، فاغسِلوا الشَّعَر" . ويُروَى: "فأرْوُوا الشَّعَرَ، وأنْقُوا البَشَرة" ، فإن وصَل الماءُ إلى جلدِ الرأس، فلا وجهَ لنَقْض الشَّعَر حينَئذ.
-
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبرنا
ج ١٤ ص ٣٣عطاءُ بنُ السائب، عن زاذان، عن عليٍّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن تَركَ موضِعَ شَعَرةٍ من جَنابةٍ لم يَغْسِلْها، فُعِل به كذا وكذا (١) من النار" . قال عليٌّ: فمِن ثمَّ عادَيْتُ رأسي. ثلاثًا، وكان يَجُزُّ شَعَرَه.
-
وكان ابنُ عُيَينة يقولُ في تأويل الحديث: "وأنْقُوا البَشرَ" : أنه أرادَ غَسْلَ الفَرْج وتَنظيفَه، وأنه كَنَى بالبشرةِ عن الفَرْج، وما رأيتُ هذا التفسيرَ لغير ابنِ عُيَينة.
وقال ابنُ وَهْب: ما رأيتُ أعلمَ بتفسيرِ الأحاديثِ من ابنِ عُيَينة.
-
وحديث: "بُلُّوا الشَّعَرَ، وأنْقُوا البَشَرَ" . إنَّما يدورُ على الحارثِ بنِ وجيه، وهو ضعيف؛ حدَّثناه عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدَثنا الحارثُ بنُ وجيه، قال: حدَّثنا مالك بن دينار عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:
ج ١٤ ص ٣٤"إن تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابة، فاغسِلوا الشَّعَرَ، وأنْقُوا البَشَرَ" . قال أبو داود: هذا حديثٌ ضعيف.
-
وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ الدِّينَوَريُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ اللَّه بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَميُّ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ وجيه، عن مالكِ بنِ دينار، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعَر، وأنْقُوا البَشَرَ" .
-
وذكر عبدُ الرزاق، قال (١) : أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلم، قال: سمِعتُ عليَّ بنَ حسين يقول: ما مسَّ الماءُ منك وأنتَ جُنُبٌ، فقد طَهُر ذلك المكان.
-
واختلف الفقهاءُ في الغُسْل للجَنابة، وفي الوضوء من غير نيَّة:
فقال مالكٌ وربيعةُ والشافعيُّ والليثُ وداودُ والطبريُّ وأحمدُ وأبو ثور وإسحاقُ وأبو عُبيد (٢) : لا يُجزئُ الطهارةُ للصلاة، والغُسلُ من الجَنابة، ولا التيمُّمُ إلا بنيَّة. وحُجَّتُهم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمالُ بالنِّيات، وإنما امرئ ما نَوى" (٣) . وقال اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: ٥] . والإخلاص: النِّية في التَّقرُّب إليه، والقصدُ بأداءِ ما افتُرِضَ على المؤمن.
وقال أبو حنيفة وأصحابُهُ والثَّوريُّ: تُجزِئُ كلُّ طهارةٍ بماءٍ بغيرِ نيَّة، ولا يُجزئُ التَّيممُ إلا بنيَّة.
ج ١٤ ص ٣٥وقال الأوزاعيُّ والحسنُ بنُ حيٍّ: يُجزئُ الوضوءُ والتَّيمُّمُ بغيرِ نيَّة (١) .
-
وروَى أبو المغيرة عبدُ القدوس، عن الأوزاعيِّ، وسُئِل عن رَجلٍ يُعلِّمُ آخرَ التَّيمُّمَ ولا يَنْوي التَّيمُّمَ لنفسه، فحضَرَت الصَّلاةُ. قال: يُصَلِّي بتَيمُّمِه، كما لو توضَّأ وهو لا يَنوي الصَّلاةَ كان طاهرًا.
-
ورَوَى عبدُ اللَّه بنُ المبارك والفِرْيابيُّ وعبدُ الرزاق (٢) ، عن الثوريِّ، قال: إذا علَّمتَ الرجلَ التَّيمُّمَ لم يُجزئْكَ إلا أن يكونَ نَوَيْتَه، وإن علَّمتَه الوضوءَ أجْزَأك وإن لم تَنْوِه. وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه.
-
واختُلف عن زُفَرَ في التَّيمُّم بغير نيَّة؛ فرُويَ عنه مثلُ قول الحسن بنِ حيٍّ (٣) والأوزاعيِّ (٤) . ورُوِي عنه مثلُ قول أبي حنيفةَ والثوريِّ في الفرق بين الوضوءِ والتَّيمُّم.
-
وحُجَّة مَن أسقَط النِّيةَ ولم يُراعِها في الوضوءِ بالماءِ، أنَّ الوضوءَ ليس فيه فَرض ونافلة فيَحتاجَ المُتوضئُ فيه إلى نيَّة.
قالوا: وإنما يُحتاجُ إلى النِّية فيما فيه من الأعمال فَرضٌ ونَفْل؛ ليُفرَّقَ بالنِّية بين ذلك. وأما الوضوءُ، فهو فرضٌ للنافلةِ والفَرِيضةِ، ولا يصنعُه أحدٌ إلا لذلك، فاستُغْنيَ عن النِّية.
ج ١٤ ص ٣٦قالوا: وأما التَّيمُّمُ فهو بَدلٌ من الوُضوء، فلا بدَّ فيه من النِّية. ومن جمَع في ذلك بين التَّيمُّم والوضوء، فحُجَّتُه في ذلك واحدة. ومن حُجَّتهم أيضًا الإجماعُ على إزالةِ النَّجاساتِ من الأبدانِ والثيابِ بغيرِ نيَّة، وهي طهارةٌ واجبةٌ فرضًا عندَهم، قالوا: فكذلك الوضوء.
قال أبو عُمر: القولُ الصحيحُ قولُ مَن قال: لا تُجزئُ طهارةٌ إلا بنيَّة وقَصْدٍ؛ لأنَّ المفترَضات لا تُؤدَّى إلا بقصدٍ إلى أدائِها، ولا يُسمَّى الفاعلُ على الحقيقةِ فاعلًا إلا بقَصْدٍ منه إلى الفِعْل، ومحالٌ أن يتأدَّى عن المرءِ ما لم يقصِدْ إلى أدائِه ويَنْوِيه بفعلِه، وأيُّ تقرُّب يكونُ من غير مُتقرِّب ولا قاصدٍ، والأمرُ في هذا واضحٌ لمن أُلهِم رُشْدَه، ولم تَمِلْ به عَصَبيَّتُه.
-
واختلف الفقهاءُ فيمَن اغتسل للجُمُعة وهو جُنُبٌ ولم يذكُرْ جَنابتَه:
فقالت طائفة: يجزئُه؛ لأنه اغتسَل للصلاةِ واستِباحتِها، وليس عليه مراعاةُ الحَدَث ونوعِه، كما ليس عليه أن يُراعيَ حَدَثَ البَوْلِ من الغائطِ من الرِّيح، وغيرَ ذلك من الأحداث، وإنما عليه أن يتوضَّأ للصلاةِ، فكذلك الغُسْلُ للصلاةِ يومَ الجُمُعة يُجزئُه من الجنابة. وإلى هذا ذهَب المُزَنيُّ صاحبُ الشافعيِّ، وهو قولُ جماعةٍ من أصحاب مالك؛ منهم أشهبُ، وابنُ وَهْب، وابنُ كِنانةَ، ومُطرِّفٌ، وعبدُ الملك، ومحمدُ بنُ مَسْلمة (١) .
وقال آخرون: لا يُجزئُ الجُنُبَ الغُسلُ للجُمُعة إذا لم يَذكُرْ جنابتَه، ولا يُجزئُه عن الجَنابةِ إلا الغُسلُ الذي يُعتدُّ به لها بقَصْدٍ منه إلى ذلك، ونيَّة ورَفْع لجَنابتِه بإرادةِ ذلك وذِكرِه لها؛ لأنَّ الفرائضَ لا تُؤدَّى إلا بذلك، ولأن الغُسلَ
ج ١٤ ص ٣٧للجُمعةِ سنَّةٌ واستِحباب، ومحالٌ أن تُجزئَ سُنّةٌ عن فرض، كما لا يُجزئُ ذلك في شيءٍ من الصلاةِ وسائرِ الأعمال التي فيها الفَرضُ والنَّفلُ.
-
وهذا القولُ أصحّ في النظر، وهو قولُ مالك، والشافعيِّ، وداودَ بنِ عليٍّ، وأحمدَ بنِ حنبل، وإليه ذهَب ابنُ القاسم صاحبُ مالك، وابنُ عبدِ الحكم، وروَياه عن مالك (١) .
-
وأما حديثُ مالك، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة: كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من إناءٍ واحد (٢) . فليس عندَ يحيى في "الموطأ" (٣) ؛ ولذلك لم يَذكُرْه هاهنا، وعندَه في ذلك حديثُ ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشة. وقد تقدَّم ذكرُه وما فيه من الأحكام في باب ابنِ شهاب من هذا الكتاب (٤) ، وقد جمَعهما عنه ابنُ بُكَير وغيرُه؛ حديثُ هشام وحديثُ ابن شهاب، ورواه القَعْنبيُّ عن مالك، عن هشام أو ابنِ شهاب -على الشكّ- ولم يقل لفظَهما (٥) (٦) .
- ج ١٤ ص ٣٨
حديثٌ ثانٍ لهشام بنِ عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: قالت فاطمةُ ابنةُ أبي حُبَيش: يا رسولَ اللَّه، إني لا أطهُرُ، أفأدعُ الصلاة؟ فقال لها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما ذلك عِرْقٌ وليسَ بالحَيْضة، فإذا أقبَلتِ الحَيضةُ، فاترُكي الصلاة، فإذا ذهبَ قدْرُها فاغْسِلي عنكِ الدَّمَ وصلِّي" .
-
هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالك جماعة رواةُ "الموطأ" فيما علِمْتُ، لم يختلِفوا في إسنادِه ولفظِه (٢) ، وكذلك لم يختلفِ الرواةُ عن هشام في إسنادِه، واختلَفوا عنه في بعض ألفاظه.
-
وممن رواه عن هشام بهذا الإسنادِ: حمّادُ بنُ زيد، وأبو حنيفة، وأبو معاوية، وابنُ عُيينة، وحمّادُ بنُ سَلَمة، ومحمدُ بنُ كُنَاسة، وبعضُهم يذكرُ فيه ألفاظًا لا يذكُرُها غيرُه منهم، وربما أوجَبت تلك الألفاظُ أحكامًا.
-
فروايةُ حمّادِ بنِ زيد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أن فاطمةَ بنتَ أبي حُبيش استفتتِ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إني أُستحاضُ فلا أطهرُ، أفأدعُ الصلاة؟ فقال: "إنما ذلك عِرْقٌ وليست بالحَيْضة، فإذا أقبَلتِ الحيضةُ، فدَعي الصلاةَ، فإذا أدبَرت فاغسلي عنك أثرَ الدَّم وتوضَّئي، فإنما ذلك عِرْقٌ وليست بالحيضة" . فقيل لحماد: فالغُسلُ؟ فقال: ومَن يشُكُّ في ذلك! غُسلًا واحدًا بعدَ الحَيضة (٣) .
- ج ١٤ ص ٣٩
وأما روايةُ أبي حنيفة: فحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم بن سهل الحافظُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين بنِ صالح السَّبيعيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسن (١) بنِ سَماعة، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَين (٢) ، واسمُ دُكين: عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو حنيفة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ بنتَ أبي حُبَيش، قالت: يا رسولَ اللَّه، إني أحيضُ في الشهر والشهرين، فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هذا عِرْقٌ من دمِك، فإذا أقبَلت حَيضتُكِ فدعي الصلاة، وإذا أدبَرت فاغتسلي لطُهرِكِ" .
-
وأما روايةُ أبي معاوية: فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثني الحسينُ بنُ إسماعيلَ المَحامليُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا أبو معاوية، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إني امرأةٌ أستحاضُ فلا أطهرُ، أفأدَعُ الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عِرْقٌ وليس بالحَيْضة، فإذا أقبَلت حَيضتُك، فدَعي الصلاة، فإذا أدبَرت فاغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي" . قال هشام: قال أبي: "ثم توضَّئي لكلِّ صلاةٍ حتى يجيءَ ذلك الوقت" (٣) .