هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر

٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢

الصفحة ١٣ من ٢٢

  1. عُرْوةُ، عن أخيه عبدِ الله بن الزُّبَير حديثٌ ثانٍ وثلاثونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن سفيانَ بنِ أبي زُهير، أنَّه قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلَّم - يقول: "تُفتحُ اليمن، فيأتي قومٌ يَبِسُّون، فيتحمَّلون بأهْليهمْ ومَن أطاعَهُم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون. وتُفتحُ الشام، فيأتي قومٌ يَبِسُّون، فيتحمَّلون بأهْليهمْ ومَن أطاعَهُم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون. وتُفتحُ العراق، فيأتي قومٌ يَبِسُّون، فيتحمَّلون بأهليهم ومَن أطاعَهُم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون" .

    ج ١٤ ص ٢٠٩
  2. قد ذكَرنا سفيانَ بنَ أبي زهير في "الصحابة" (٢) بما يغني عن ذكرِه هاهنا.

  3. وأما قولُه: "تُفتحُ اليمن" . فاليمنُ افتُتِحت في أيامِه - صلى الله عليه وسلم -، وافتُتِح بعضُها في أيام أبي بكرٍ بمقاتلةِ الأسودِ العَنْسيِّ المتنبِّئ الكذّاب بصنعاءَ، قتَله أبو بكرٍ في خلافتِه، كما قَتل مُسَيلِمةَ في بني حَنيفة، وقد قيل: إن الأسودَ العَنْسيَّ قُتِل والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مريضٌ مرضَه الذي مات منه سنةَ إحدى عشْرةَ. وهو الاكثرُ عندَ أهل السِّير (٣) . وأما الشامُ والعراقُ فكان افتتاحُهما في زمنِ عمرَ (٤) رضي الله عنه.

  4. وفي هذا الحديثِ عَلَمٌ من أعلام نبوتِه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه غَيبٌ كان بعدَه قد أخبرَ به، وهو لا يعلَمُ من الغيب إلا ما أظهَره اللهُ عليه وأوحَى به إليه، فقد افتُتِحت بعدَه الشامُ والعراقُ واليمنُ بعضُها، وقد خرَج الناسُ من المدينةِ إلى الشام وإلى اليمنِ وإلى العراق، وكان ما قالَه - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك لو صبَروا بالمدينةِ كان خيرًا لهم، قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصبِرُ أحدٌ على لأْوائِها وشدَّتها إلا كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يومَ القيامة" (١) .

    ج ١٤ ص ٢١٠
  5. وفي هذا الحديثِ: فضلُ المدينةِ على اليمن وعلى الشام وعلى العراق، وهذا أمرٌ مجتمَعٌ عليه، لا خلافَ بينَ العلماء فيه، وفي ذلك دليلٌ على أن بعضَ البقاع أفضلُ من بعض، ولا يوصَلُ إلى شيءٍ من ذلك إلا بتوقيفٍ من جهةِ الخبر، وأما القياسُ والنظرُ فلا مدخلَ له في شيءٍ من ذلك. وقد صحَّت الأخبارُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بفضل المدينة، وأجمَع علماءُ الأمةِ على أنّ لها فضلًا معروفًا، لمسجدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقبرِه فيها، وإنما اختلَفوا في الأفضل منها ومن مكةَ لا غيرُ، وقد بيّنا ذلك كلَّه في مواضعَ من هذا الكتاب، والحمدُ لله، واللهُ الموفِّق للصَّواب.

  6. وأما قولُه: "يَبِسُّون" . فمَن رواه: "يُبِسُّون" برفع الياء وكسرِ الباء، من: أبَسَّ يُبِسُّ، على الرباعيِّ، فقال: معناه: يُزيِّنون لهم البلدَ الذي جاؤوا منه ويُحبِّبونه إليهم، وَيدْعونهم إلى الرحيل إليه من المدينة. قالوا: والإبساسُ مأخوذٌ من إبساسِ الحَلُوبةِ عندَ حلابِها كي تَدُرَّ باللَّبن، وهو: أن تُجرِيَ يدَك على وجْهِها وصفحةِ عُنُقِها كأنك تُزيِّنُ ذلك عندَها وتُحسِّنُه لها، ومنه قولُ عِمرانَ بن حِطّان (٢) :

    والدهْرُ ذو دِرَّةٍ مِن غيرِ إبساسِ

    ج ١٤ ص ٢١١وإلى هذا ذهَب ابنُ وَهْب، قال: معناه: يُزيِّنون لهم الخروجَ من المدينة.

  7. وكذلك روايةُ ابنِ وَهْب: "يُبِسُّون" بالرفع من الرباعيِّ (١) . وكذلك روايةُ ابنِ حبيب، عن مُطرِّف، عن مالك: "يُبِسُّون" من الرباعيِّ. وفسَّر ابنُ حبيب (٢) الكلمةَ بنحو هذا التفسير، وأنكَر قولَ مَن قال: "إنها من السَّير" كلّ الإنكار.

    وقال ابنُ بُكَير: "يَبِسُّون" بفتح الياء، وكذلك روايتُه، وفسَّره: يَسيرون. قال: من قوله: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} [الواقعة: ٥] ، يعني: سارَت. ويقال: سالَت. وذكَر حبيبٌ عن مالكٍ مثل تفسيرِ ابنِ بُكَير (٣) .

    وقال ابنُ القاسم، عن مالك (٤) : "يَبُسُّون" : يدْعُون. وأظنُّ روايةَ ابنِ القاسم بفتحِ الياء وضمِّ الباء (٥) ، وروايةُ ابنُ بُكَير بكسرِها، وكلُّ ذلك من الثلاثي.

    وقال ابنُ هشام: والبَسُّ أيضًا: المبالغةُ في فَتِّ الشيء، ومنه قيل في الدَّقيق المصنوع بالزيتِ ونحوِه: البَسِيسُ (٦) . قال الراجز:

    ج ١٤ ص ٢١٢اخْبِزا خَبْزًا وبُسَّا بَسًّا (١)

  8. يريد: اعمَلا بَسِيسًا.

    قال أبو عُمر: وقال غيرُه: "يَبِسُّون" : يُسرِعون السَّير، وقيل: يزجُرون دوابَّهم. وقال غيرُه: يبسون: يسألون عن البلدانِ ويتَشفَّون من أخبارِها ليتحمَّلوا إليها. وهذا لا يكادُ يعرفُه أهلُ اللغة، وأمّا الرباعيُّ فلا خلافَ فيه وفي معناه، وليس له إلا وجهٌ واحد، وأما الثلاثيُّ ففيه لغتان: بَسَّ يَبِسُّ، بكسرِ الباء، وَيبُسُّ بضمِّها (٢) . ومثلُ هذه الكلمةِ عندي: قتَر وأقتَر؛ فيه لغتان: قتَر على الثلاثيّ، وأقتَر على الرباعيّ، وفي الثلاثيّ لغتان في المستقبل منه: يقتِرُ بكسرِ التاء، ويقتُرُ بضمِّها. وقد قُرئ قولُه عزَّ وجلَّ: {لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: ٦٧] . على الثلاثة الأوجه: "يُقْتِروا" من الرباعيّ، و {يَقْتُرُوا} من الثلاثيّ، و "يَقْتِروا" منه أيضًا (٣) .

  9. وأمّا روايةُ يحيى بن يحيى في "يَبِسُّون" عندَ أكثرِ شيوخِنا الذين اعتمَدنا عليهم في التقييد، فعلى فتح الياء وكسرِ الباءِ من الثلاثيِّ، وفسّروه: يَسيرون، على نحو روايةِ ابن بُكَيرٍ وتفسيرِه، ولا يصحُّ في روايةِ يحيى بن يحيى غيرُ هذا الضبط، ومَن روَى في "موطأ يحيى" غيرَ ذلك فقد روَى ما لم يروِ يحيى. واللهُ أعلم.

  10. وكان ابنُ حبيب ينكِرُ روايةَ يحيى، ويحملُ عليه في ذلك. وقد رواه ابنُ بكير، وابنُ نافع، وحبيبٌ، وغيرُهم كذلك، ويقال: إن ابنَ القاسم رواه: "يَبُسَّون" بفتح الياءِ وضمِّ الباء (١) . فاللهُ أعلم.

    ج ١٤ ص ٢١٣
  11. وأما قولُه في هذا الحديث: "والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون" . فقيل فيه: خيرٌ لهم من أجْلِ أنها لا يدخُلُها الطاعونُ ولا الدجال. وقد قيل: إن الفتنَ فيها دونَها في غيرِها.

  12. وقيل: من أجْل فضْلِ مسجدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - والصلاةِ فيه، ومجاورةِ قبرِه - صلى الله عليه وسلم -. ولم يقلْ في هذا الحديث: "ينفي خَبَثَها" ، كما قال ذلك في حياتِه للفارِّ عن صُحبتِه وجِوارِه، وقد علِمنا أن جملةَ مَن خرَج بعدَه من أصحابِه لم يكونوا خَبَثًا، بل كانوا دُرَرًا، رضي اللهُ عنهم أجمعين.

  13. هشامٌ عن زوجتِه فاطمةَ بنتِ المُنذرِ بنِ الزُّبيرِ بنِ العوّام وهي بنتُ عمِّه ثلاثةُ أحاديث حديثٌ ثالثٌ وثلاثون لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ ابنةِ المنذر، أنّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ كانت إذا أُتِيَت بالمرأةِ وقد حُمَّت تدعو لها، أخَذت الماءَ فصَبَّتْهُ بينَها وبينَ جَيْبِها، وقالت: إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلَّم - كان يأمرُ أن نَبْرُدَها بالماء.

    ج ١٤ ص ٢١٤
  14. في هذا الحديث: التَّبرُّكُ بدعاءِ الإنسانِ الصالح، رجاءَ الشفاءِ في دُعائِه، وفي ذلك دليلٌ على أنّ الدعاءَ يصرِفُ البلاءَ، وهذا، إن شاء الله، ما لا يَشُكُّ فيه مسلم.

  15. وفيه: تفسيرٌ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الحُمَّى مِن فَيحِ جهنم، فأبْرِدُوها بالماء" (٢) ؛ لأنَّ أسماءَ حكَت في فعلِها ذلك ما يدُلُّ على أن التبريدَ بالماء - واللهُ أعلم - هو: الصَّبُّ بينَ المَحْموم وبينَ جَيبِه، وذلك أن يُصَبَّ الماءُ بينَ طَوقِه وعُنقِه حتى يصِلَ إلى جسدِه، فمَن فعلَ كذلك، وكان معه يقينٌ صحيح رجَوْتُ له الشفاءَ من الحُمَّى إن شاء الله.

  16. ذكَر ابنُ وَهْب، عن مالكٍ وابنِ سِمْعان، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحُمَّى من فَيحِ جهنم، فأطفِئوها بالماء" . قال نافع: وكان عبدُ الله بنُ عمرَ يقول: اللهمَّ اكشِفْ عنا الرِّجْزَ (٣) .

  17. وهذا حديثٌ ليس في "الموطأ" عندَ أكثر الرواة، وهو فيه عندَ ابن القاسم، وابنِ وَهْب، وابنِ عُفَير (١) .

    ج ١٤ ص ٢١٥
  18. وذكَر ابنُ وَهْبٍ في صفةِ الغُسلِ للحُمَّى حديثًا مرفوعًا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال لرجلٍ شكا إليه الحُمَّى: "اغتسِلْ ثلاثةَ أيام قبلَ طلوعِ الشمسِ كلَّ يوم، وقلْ: باسم الله، وبالله، اذهَبي يا أُمَّ مِلْدَم. فإن لم تذهَبْ، فاغتسِلْ سبعًا" (٢) .

  19. وقد حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا همامٌ، عن أبي جَمْرةَ، قال: كنتُ أدفعُ الناسَ عن ابن عبّاس، فاحتَبسْتُ أيامًا، فقال: ما حبسَكَ؟ قلت: الحُمّى، قال: إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "إنّ الحُمّى من فَيْحِ جهنّمَ، فأبرِدُوها بماءِ زَمْزَم" .

  20. وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مخْلَد، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٤) : حدَّثنا ابنُ فُضَيل، عن يزيدَ بنِ أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّه كان إذا حُمَّ، بلَّ ثوبَه ثم لَبِسَه، ثم قال: إنّها من فَيْحِ جهنّمَ، فأبرِدُوها بالماء.

  21. حديثٌ رابعٌ وثلاثونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ بنتِ المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، أنها قالت: سألتِ امرأةٌ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلَّم - فقالت: أرأيتَ إحْدانا إذا أصاب ثوبَها الدَّمَ من الحيضَة، كيف تَصنَعُ؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "إذا أصاب ثوبَ إحْداكنَّ الدمُ من الحيضة، فلتَقْرُصْهُ، ثم لتَنْضَحْهُ بالماء، ثم لتُصَلِّ فيه" .

    ج ١٤ ص ٢١٦
  22. وقَع في كتاب يحيى ونسختِه في رواية ابنه، وغيره، عنه في هذا الحديث: مالكٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن فاطمة. وهذا خطأٌ بيِّنٌ وغَلَطٌ لا شكَّ فيه؛ لأنَّ عُروةَ لم يَرْوِه قطُّ عن فاطمةَ هذه، وهي: فاطمةُ بنتُ المنذرِ بنِ الزُّبير زوجُ هشام بنِ عُروة. وإنما الحديثُ في "الموطآت" كلِّها لهشام عن فاطمةَ امرأتِه (٢) . وكذلك رواه كلُّ مَن رواه عن هشام بن عُروة، مالكٌ وغيرُه (٣) ، وقد رمَى ابنُ وَضّاح من روايته: عن أبيه.

    قال أبو عُمر: ويُروَى: "فلْتَقْرُصْه" . بفتح التاءِ وضمِّ الراءِ وكسرِها أيضًا، ويُروَى على التكثير: "فلْتُقَرِّصْه" . بضمِّ التاء وكسرِ الراءِ وتشديدِها.

    قال أبو عُبيد (٤) : "فلتُقَرِّصْه" . يقول: فلتُقَطِّعْه بالماء، وكل مُقطَّع فهو مُقرَّصٌ، يقالُ منه: المرأةُ قد قرَّصتِ العجين: إذا قطَّعَتْه.

    ج ١٤ ص ٢١٧قال أبو عُمر: قولُ أبي عُبيدٍ عندي في هذا بعيدٌ، وخيرٌ منه قولُ الأخفش، سُئل عن هذه الكلمة، فأراهم كيف ذلك القَرْصُ، فضمَّ إصبَعيْه؛ الإبهامَ والسبّابة، وأخَذ بهما شيئًا من ثوبِه، فقال: هكذا يُفعَلُ بالماءِ في موضعِ الدم، ثم قال كما يَقرُصُ الرجلُ جاريتَه، هو كذلك القَرْصُ. قال: وأما القَرْسُ بالسِّينِ فهو قَرسُ البرد.

    قال أبو عُمر: هؤلاء إنما فسَّروا اللَّفظة في اللغة، وأما المعنى المقصودُ إليه بهذا الحديثِ في الشَّريعة، فهو: غَسلُ دم الحيضِ من الثوبِ إذا أصابَه، والخبرُ بأنه يَجبُ غَسْلُه لنجاستِه، وحكمُ كلِّ دمٍ كدم الحيض، إلّا أن قليلَ الدم مُتجاوَزٌ عنه؛ لشرطِ الله عزَّ وجلَّ في نجاسةِ الدم أن يكونَ مُسفوحًا، فحينئذٍ هو رِجْسٌ. والرِّجسُ: النجاسةُ، وهذا إجماع من المسلمين أن الدمَ المَسفوحَ رِجْسٌ نجِسٌ، إلّا أن المسفوحَ وإن كان أصلُه الجاريَ في اللغة، فإنَّ المعنى فيه في الشريعةِ: الكثير، إذ القليلُ لا يكونُ جاريًا مسفوحًا، فإذا سقَطت من الدم الجاري نقطةٌ في ثوبٍ أو بدَنٍ، لم يكن حُكمُها حكمَ المسفوح الكثير، وكان حكمُها حُكمَ القليل، ولم يُلتفَتْ إلى أصلِها في اللغة.

  23. ذكر نُعيمُ بنُ حمّاد، عن ابنِ المبارك، عن مباركِ بنِ فَضالة (١) ، عن الحَسَن، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَقتُلُ القَمْلَ في الصَّلاة، أو قتَل القمْلَ في الصَّلاة. قال نُعيم: هذا أولُ حديثٍ سمِعتُه من ابنِ المبارك (٢) . ومعلومٌ أن في قتْل القمْل سَيْلَ يسير من الدم.

  24. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ بنِ عيسى، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داود، قال: أخبرنا أبو بكرٍ الأثرم، قال (٣) : حدَّثنا

    ج ١٤ ص ٢١٨عقبةُ بنُ مُكرَم، قال: أخبرنا يونسُ بنُ بُكير، قال: أخبرنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمن بنِ معمرٍ الأنصاريِّ، قال: أدرَكتُ فقهاءَنا يقولون: ما أذهبَه الحَكُّ من الدّم فلا يضُرُّ، وما أذهبَه الفَتْلُ ممّا يَخرُجُ من الأنفِ فلا يَضُرُّ.

    قال (١) : وحدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عِمْرانَ بنِ مُسلم، عن مُجاهد، عن أبي هريرة: أنَّه لم يكن يرَى بالقَطْرَةِ والقَطرتَين من الدم في الصلاةِ بأسًا.

    قال أبو بكر الأثرم (٢) : وقيل لأبي عبد الله - يعني: أحمدَ بنَ حنبل -: إلى أيِّ مذهبٍ تذهبُ في الدم؟ فقال: إذا كان فاحشًا. قيل له: في الثوب؟ فقال: في الثوب، وإذا خرَج من الجُرْح، قيل له: السائلُ أو القاطرُ؟ فقال: إذا فحُش، أذهَبُ إلى الفاحشِ على حديثِ ابنِ عبَّاس.

    قال (٣) : وقال أبو عبدِ الله: عدَّةٌ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تكلَّموا فيه؛ أبو هريرةَ كان يُدخلُ أصابعَه في أنفِه، وابنُ عُمرَ عَصَر بَثرَةً (٤) ، وابنُ أبي أوفَى تَنَخَّم دمًا (٥) ، وجابرٌ أدخَل أصابعَه في أنفِه (٦) ، وابنُ عبَّاس قال: إذا كان فاحشًا.

    ج ١٤ ص ٢١٩قال أبو بكر الأثرم (١) : أخبرنا معاويةُ بنُ عَمْرو، عن سفيان، عن عطاءِ بنِ السائب، أنه رأى عبدَ الله بنَ أبي أوفَى يتنخَّمُ دمًا عبيطًا (٢) وهو يُصلِّي.

    قال (٣) : وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: أخبرنا حُميدٌ، عن بكرِ بنِ عبدِ الله المزنيِّ، أن ابنَ عُمرَ عَصَر بَثرةً في وجهِه، فخرَج منها شيءٌ من دم وقَيح، فمسَحه بيدِه وصلَّى ولم يتوضّأ.

    قال أبو بكر (٤) : سمِعتُ أبا عبدِ الله يقول: البولُ والغائطُ غيرُ الدم، لأنَّ البولَ والغائطَ تُعادُ منهما الصلاةُ ويُغسَلُ قليلُهما وكثيرُهما. قال: والدمُ إذا فحُش تُعادُ منه الصلاةُ في الوقتِ وغيرِه، كما يُعادُ من قليلِ البولِ والعَذِرة.

    قال أبو عُمر: قد أجمَع العلماءُ على التجاوزِ والعفوِ عن دم البراغيثِ ما لم يتفاحَشْ، وهذا أصل في هذا الباب، وهذا الحديثُ أصلٌ في غَسلِ النجاساتِ من الثِّياب، ولا أعلمُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في غَسلِ النجاساتِ أبينَ من هذا الحديث، وعليه اعتمَد الفقهاءُ في غَسلِ النجاساتِ وجعَلوه أصلَ هذا الباب، إلّا أنهم اختلَفوا في وجوبِ غَسلِ النجاساتِ كالدِّماءِ والعَذِراتِ والأبوالِ وسائرِ النجاساتِ المعروفاتِ من الثياب والأبدان؛ فقال منهم قائلون: غَسلُها فَرضٌ واجبٌ ولا تُجزِئُ صلاةُ مَن صلَّى بثوبٍ نجِس، عالمًا كان بذلك أو ساهيًا عنه. واحتجُّوا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: ٤] . وظاهرُه تطهيرُ الثيابِ

    ج ١٤ ص ٢٢٠المعروفةِ عندَ العرب التي نزَل القرآنُ بذكرِها في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} [النور: ٦٠] . {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} [نوح: ٧] . وهذا كثيرٌ في القرآن وفي أشعارِ العربِ وكلامِها، وإن كانت قد تَكْني عن القَلْبِ وطهازبه وطهارةِ الجَيبِ بطهارةِ الثَّوب، فهذه استعارةٌ، والأصلُ في الثَّوب ما قلنا.

  25. وقد رُوِيَ عن ابن عباس، والحَسَن، وابن سيرين، في قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قالوا: اغسِلْها بالماء، وأنقِها من الدَّرَنِ ومن القَذَر (١) . واحتجُّوا بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بغَسلِ النجاساتِ من الثيابِ والأرضِ والبدَن؛ فمِن ذلك حديثُ أسماءَ هذا في غَسْلِ الثَّوبِ من دم الحيض، ليس فيه خصوصُ مقدارِ درهم ولا غيرِه، فهذا الأصلُ في تطهيرِ الثيابِ بالماءِ من النجاسات، ومنها حديثُ الصَّبِّ على بولِ الأعرابيِّ (٢) ، وهو الأصلُ في تطهيرِ الأرض، ومنها الصَّبُّ والنَّضحُ على الثَّوب الذي بال عليه الصبيُّ (٣) .

  26. وقد قلنا: إن النَّضْحَ المرادُ به الغسلُ. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أكثرُ عذابِ القبرِ في البول" (٤) . قال ذلك في الذي كان لا يَتنَزَّهُ ولا يَسْتَتِرُ من بولِه، والآثارُ في مثل هذا كلِّه كثيرةٌ جدًّا.

    ج ١٤ ص ٢٢١وقال بعضُ مَن يرَى غَسْلَ النجاسةِ فرضًا: لمّا أجمَعوا على أن الكثيرَ من النجاسةِ واجبٌ غَسْلُه من الثَّوبِ والبدَن، وجَب أن يكونَ القليلُ منها في حكم الكثير، كالحَدَثِ قياسًا، ونظرًا لإجماعِهم على أن قليلَ الحَدَثِ مثلُ كثيرِه في نقضِ الطهارةِ وإيجابِ الوُضوءِ فيما عدا النوم، وكذلك دمُ البُرغُوثِ ومثلِه، خارجٌ عن الدماءِ بشرطِ الله في الدم أن يكونَ مسفوحًا، وهو الكثيرُ الذي يجري، وهذا كلُّه أصلٌ وإجماعٌ. قالوا: فلهذا قلنا: إن من صلَّى وفي ثوبِه، أو موضعِ سجودِه وركوعِه، أو في بدَنِه نجاسةٌ، بطَلت صلاتُه؛ لأنَّ القليلَ والكثيرَ في ذلك سواء، قياسًا على الحَدَث.

    قالوا: ولمّا أجمَعوا، إلا مَن شذَّ ممّن لا يُعدُّ خلافًا على الجميع لخروجِه عنهم على أن مَن تعمَّد الصلاةَ بالثَّوبِ النَّجِس، تَفسُدُ صلاتُه ويصلِّيها أبدًا متى ما ذكَرها، كان من سَها عن غَسلِ النجاسةِ ونسِيَها في حُكم مَن تعمَّدها؛ لأنَّ الفرائضَ لا تَسقُطُ بالنِّسيانِ في الوُضوءِ والصلاة.

    قالوا: ألا ترَى أن مَن نسيَ مَسْحَ رأسِه، أو غَسْلَ وجهِه وصلَّى، في حُكم مَن تعمَّد تركَ ذلك في إعادةِ الصلاةِ سواء، وكذلك مَن نسيَ سجدةً أو ركعةً، في حكم مَن تعمَّد تركَها سواء، وكذلك مَن نسيَ الماءَ في رَحْلِه ولم يَطلُبْه، ونسيَ الثَّوبَ وهو معه وصلَّى عُريانًا، ونظائرُ هذا كثيرةٌ جدًّا، إلّا أنّ الناسيَ غيرُ آثم، والمتعمِّدَ آثم، فهذا الفرقُ بينَهما من جهةِ الإثم، وأمّا من جهةِ الحُكم فلا.

    قالوا: ولمّا كان مَن تعمَّد تَرْكَ سنّةٍ من السُّننِ لم تَجبْ عليه بذلك إعادةُ صلاتِه؛ كمَن ترَك رفعَ اليدين، أو قراءةَ سورةٍ مع أمِّ القرآن، أو التسبيحَ، أو الذكرَ في الركوع والسجود، ونحوَ ذلك من سُنَن الصلاةِ وسُنَن الوضوء، علِمنا أن مَن ترَك غَسْلَ النجاسات، فقد ترَك فرضًا؛ لإجماعِهم على أن مَن ترَك ذلك عامدًا، وصلَّى بثوبٍ نجس، أنّ صلاتَه فاسدةٌ.

    ج ١٤ ص ٢٢٢قالوا: وبانَ بها كلِّه أن غَسلَ الثيابِ فرضٌ لا سُنة، واللهُ أعلم.

  27. فإن قيل: لمَ ادَّعَيتَ الإجماعَ فيمَن صلَّى بثوبٍ نجسٍ عامدًا أنه يُعيدُ في الوقتِ وغيرِ الوقت، وأشهبُ يقول: لا يُعيدُ العامدُ وغيرُ العامدِ إلّا في الوقت. ومنهم مَن يَروِيه عنه عن مالك؟ قيل له: ليس أشهبُ ولا روايتُه الشاذّةُ عن مالكٍ مما يُعدُّ خلافًا، فالصحابةُ وسائرُ العلماءِ يَمنعُ من ادِّعاءِ إجماعِهم؛ لأنَّ مَن شذَّ عنهم مأمورٌ باتِّباعِهم وهو محَجُوجٌ بهم.

    وقال المغيرةُ، وابنُ دينار، وابنُ القاسم، وعبدُ الملك: يُعيدُ العامدُ في الوقتِ وغيرِ الوقت. وهو الصحيحُ عن مالك (١) .

    قالوا: وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . فجمَعت الآيةُ تطهيرَ الثِّيابِ وما قاله أهلُ التفسيرِ من تطهيرِ القلب، وأفادتِ المعْنَيَين جميعًا.

    قالوا: ومَن حمَل الآيةَ على أكملِ الفوائدِ كان أولى، على أن القرآنَ ليس فيه آيةٌ تَنُصُّ أن الثيابَ القلوبُ، وقد سمَّى اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابِه الثيابَ ثيابًا، ولم يُسَمِّ القُلوبَ ثيابًا. فهذه جملةُ ما احتجَّ به مَن ذهَب إلى إيجابِ غَسْلِ النجاساتِ وإزالتِها من الثوبِ والأرضِ والبدنِ فرضًا. وهو قولُ الشافعيِّ، وأحمدَ، وأبي ثور. وإليه مال أبو الفرج المالكيُّ (٢) ، ولا يلتَفِتُ الشافعيُّ إلى تفسيرٍ يُخالفُ الظاهرَ إلا أن يُجمِعوا عليه.

    وقال آخرون: غَسْلُ النجاساتِ سُنَّةٌ مَسْنونةٌ من الثيابِ والأبدانِ والأرضِ؛ سَنَّ ذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وذكَروا قولَ سعيدِ بنِ جبير، أنه قال لمَن خالَفه في ذلك: اقرأْ عليَّ آيةً تأمرُ بغَسلِ الثياب.

    ج ١٤ ص ٢٢٣قالوا: وأمّا قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . فهذه كنايةٌ عن الكُفرِ وتطهيرِ القلبِ منه، ألا ترَى أنه عطَف على ذلك قولَه عزَّ وجلَّ: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: ٥] ، يعني: الأوثان، فكيفَ يأمرُه بتطهيرِ الثيابِ قبلَ تركِ عبادةِ الأوثان؟ قالوا: والعربُ تقول: فلانٌ نقيُّ الثوب، وطاهرُ الجَيْب. إذا كان مسلمًا عفيفًا؛ يَكنُون بذلك عن سلامتِه، ولا يُريدُون بذلك غَسْلَ ثوبِه من النجاسة.

    قالوا: ويَبعُدُ أن يكونَ الله عزَّ وجلَّ يَعطِفُ النهيَ عن عبادةِ الأوثانِ على تطهيرِ الثيابِ من النجاسات.

    قالوا: ودليلُ ذلك أن هذه السُّورةَ نزَلت قبلَ نُزول الشرائع؛ من وضوءٍ وصلاةٍ وغيرِ ذلك، وإنما أُريدَ بها الطهارةُ من أوثانِ الجاهليةِ وشِرْكِها، ومن الأعمالِ الخبيثة.

  28. حدَّثنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ (٢) ، حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة (٣) وعليُّ بنُ عبدِ الله ومحمودُ بنُ خِداش، قالوا: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن منصور، عن أبي رَزين في قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: عملَك أصلِحْه. قال: كان الرجلُ إذا كان حَسَنَ العمل، قيل: فلانٌ طاهرُ الثياب.

    قال: وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن ابنِ جُريج، قال: حدَّثنا عطاءٌ، عن ابن عباس قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال في كلام العرب فلان نَقِيّ الثِّياب (٤) .

  29. ورواه بُندار (١) ، عن يحيى القطان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابنِ عباسٍ في قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: في كلام العرب: أنقِها. وهذا خلافُ حديثِ مُسدَّد.

    ج ١٤ ص ٢٢٤
  30. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: من الإثم (٢) .

    قال: وأخبرنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأجلح، عن عكرمةَ: لا تَلْبَسْها على معصية (٣) .

  31. وذكَر معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: كلمةٌ تقولُها العرب: طهِّرْ ثيابَك. أي: من الذَّنْب (٤) .

  32. وذكر حَجّاجٌ (٥) ، عن ابن جُريج، عن مجاهد: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: لستَ بساحرٍ ولا كاهن، فأعرِضْ عَمّا قالوا (٦) .

    قال ابنُ جُريج: وأخبرني عطاءٌ، عن ابنِ عباس، أنه سمِعه يقول في: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: من الإثم. يقول: هي في كلام العرب (٧) .

  33. وذكر إسماعيل (١) ، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو أسامة (٢) ، عن الأجلح، قال: سمِعتُ عكرمةَ سُئلَ عن قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: أُمِر ألا يَلبسَ ثوبَه على غَدْرَة، أما سمِعتَ قولَ غَيْلانَ بنِ سَلَمةَ الثقفيّ:

    إنِّي بحمدِ الله لا ثَوبَ فاجرٍ ... لبِستُ ولا من غَدْرةٍ أتقنَّعُ (٣)

    قال أبو عُمر: معروفٌ عندَ العربِ أنها تَكْني بطهار الثوبِ عن العَفاف، وبفضْلَةِ الثوبِ وسَعِتِه عن العطاء.

    ج ١٤ ص ٢٢٥
  34. أخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الكِنديُّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ عُبيدِ الله بنِ خاقان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي سعدِ الورّاق، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ معاوية، قال: سمِعتُ الأصمعيَّ، قال: سمِعتُ طلحةَ بنَ محمدِ بنِ سعيدِ بنِ المسيِّبِ يُحدِّثُ عن أعرابيٍّ قال: بنو سيّار؛ فلانٌ فارسُهم، وفلانٌ لسانُهم، وفلانٌ أوسَعُهم عليهم ثوبًا؛ يعني: أكثرُهم عليهم فضلًا، وهو قولُ رُؤبةَ لأبيه (٤) :

    وهْوَ عليكَ واسعُ العِطاف (٥)

    وقال عَنْتَرة:

    نفَى الذَّمَّ عن أثوابِه مثلَ مانفَى ... أذى درَنًا عن جِلْدِه الماءُ غاسل (٦)

  35. أراد نَفَى الماءُ أذَى غاسلٍ دَرَنًا.

    قالوا: وأما ما احتجَّ به من خالَفنا من إجماعِهم على أن مَن تعمَّد الصلاةَ بثوبِ نجِس فيه نجاسةٌ كثيرةٌ أنه عليه إعادتُها في ثوبٍ طاهر، فإنما ذلك لأنه استخفَّ وعانَد.

    قالوا: وقد وجَدْنا من السُّنَن ما تفسُدُ الصلاةُ بتركِها عمْدًا؛ من ذلك الجِلسةُ الوُسطى، هي عندَنا سُنّةٌ وعندَكم، ومَن تعمَّد ترْكَها فسَدت صلاتُه، فغيرُ نكيرٍ أن يكونَ مثلَ ذلك مَن تعمَّد الصلاةَ في الثوبِ النجِس.

    قال أبو عُمر: الفرقُ بينَ غَسلِ النّجاسةِ عندَنا وبينَ الجِلْسةِ الوُسطى، أن الصلاةَ تفسُدُ بالسَّهوِ عن الجِلسةِ الوُسطى، إذا لم يذكُرْ ذلك إلا بعدَ خروجِ الوقت، ولا تفسُدُ صلاةُ مَن سهَا فصلَّى بثوبٍ نجِسٍ إذا خرَج الوقتُ؛ فلهذا لا يَصِحُّ الانفصالُ بما ذكَر هذا القائلُ على مذهبِ مالك.

    قال أبو عُمر: أمّا حكايةُ أقوالِ الفقهاءِ في هذا جملة؛ فجملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِه إلا أبا الفرج: أن إزالةَ النجاسةِ من الثيابِ والأبدانِ واجبٌ بالسُّنةِ وجوبَ سُنَّةٍ وليس بفرض (١) .

    قالوا: ومَن صلَّى بثوبٍ نجِسٍ أعاد في الوقت، فإن خرَج الوقتُ فلا شيءَ عليه.

    وقال مالكٌ في يسيرِ الدم: لا تُعادُ منه الصلاةُ في وقتٍ ولا بعدَه، وتعادُ من يَسيرِ البولِ والغائط. ونحوُ هذا كلِّه من مذهبِ مالكٍ قولُ الليثِ بنِ سَعْد (٢) .

    ج ١٤ ص ٢٢٦
  36. ومن حُجَّتِهم على استحبابِ الإعادةِ في الوَقْت؛ لأنَّ فاعلَ ذلك مع بقاءِ الوقتِ مستدرِكٌ فضلَ السُّنة في الوقت، ألا ترَى أن مَن صلَّى وحدَه ثم أدرَك

    ج ١٤ ص ٢٢٧الجماعةَ يُصلِّي تلك الصلاةَ في وقتِها، يُندَبُ إلى إعادةِ تلك الصلاةِ معهم إذا كانت ظُهرًا أو عِشاءً بإجماع، وفي غيرِهما اختلافٌ، ولو وجَدهم يَجمَعون تلك الصلاةَ بعدَ خروج الوقتِ لم يَأمرْه أحدٌ بالدخولِ معهم، وفي هذا دليلٌ على أن استِدراكَ فضلِ السُّنة في مثل هذا إنما ينبغي أن يكونَ في الوقتِ لا في بعدِه.

  37. وممّا استدلَّ به مَن لم يُبطِلْ صلاةَ مَن صلَّى وفي ثوبِه نجاسةٌ، وجعَل غَسْلَ النجاسةِ بسُنّةٍ لا بفَرضٍ ما رواه حمّادُ بنُ سَلَمة، عن أبي نَعامةَ قيسِ بنِ عَبايَة، عن أبي نضْرة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دخَل الصلاةَ ونعلاه في رجلَيْه، ثم خلَعهما، فخلَع الناسُ نِعالَهم، فلما انصرَف قال لهم: "لِمَ خلَعْتُم نِعالَكم؟ " . قالوا: لمّا رأيناك خلَعتَ خلَعْنا. فقال: "إنما خلَعتُهما لأنَّ جبريلَ أخبرني أن فيهما قَذَرًا" (١) . ففي هذا الحديثِ ما يدلُّ على أن غَسلَ القَذَرِ ليس بواجبٍ فرضًا، ولا كونُه في الثوبِ يُفسدُ الصلاة؛ لأنه لم يذكُرْ إعادة.

    وقال الشافعيُّ (٢) : قليلُ الدَّم والبولِ والعَذِرَة وكثيرُ ذلك كلُّه سواء، تُعادُ منه الصلاةُ أبدًا، إلا ما كان نحوَ دم البراغيثِ وما يَتعافاه الناسُ، فإنَّه لا يُفسِدُ الثوبَ ولا تُعادُ منه الصلاة. ونحوَ قولِ الشافعيِّ في هذا كلِّه قال أبو ثور، وأحمدُ بنُ حنبل (٣) ، إلا أنهما لا يُوجبانِ غَسْلَ الدم حتى يتفاحَشَ. وهو قولُ الطبريِّ، إلا أنَّ الطبريَّ قال: إن كانتِ النجاسةُ قدرَ الدِّرهم أعادَ الصلاةَ أبدًا. ولم يَحُدَّ أولئك شيئًا، وكلُّهم يرَى غَسْلَ النجاسةِ فرضًا.

  38. وقولُ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ في هذا الباب كقولِ الطبريِّ في مراعاةِ قَدرِ الدِّرْهم من النَّجَاسة. وقال محمدُ بنُ الحَسَن: إن كانتِ النجاسةُ رُبُعَ الثوبِ فما دون، جازتِ الصلاة (١) .

    ج ١٤ ص ٢٢٨
  39. وأما قولهُم مفسَّرًا في هذا الباب؛ فقال مالكٌ في الدم اليسير: إن رآه في ثوبِه وهو في الصلاةِ مضَى فيها، وفي الكثير يَنزِعُه ويستأنفُ الصلاة، وإن رآه بعدَ فراغِه أعاد ما دام في الوقت (٢) .

  40. وقال في البول والرَّجيع والمنيِّ والمذْي وخُرْءِ الطيرِ التي تأكلُ الجِيَف: إن ذكَره وهو في الصلاةِ في ثوبِه قطَعها واستقبَلها، وإن صلَّى أعاد ما دام في الوقت، فإذا ذهَب الوقتُ لم يُعِدْ (٣) .

    قال ابنُ القاسم (٤) : والقيءُ عندَ مالك ليس بنجس، إلا أن يكونَ القيءُ قد تغيَّر في جوفِه، فإن كان كذلك فهو نجسٌ.

    وقال الشافعيُّ (٥) في الدَّم والقَيْح: إذا كان قليلًا كدم البراغيثِ وما يَتعافاه الناسُ لم يُعِدْ، ويعيدُ في الكثير من ذلك.

    قال (٦) : وأما البولُ والعَذِرَةُ والخمرُ، فإنه يُعيدُ في القليلِ من ذلك والكثير. والإعادةُ عندَه واجبةٌ لا يُسقِطُها خروجُ الوقت.