هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر

٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢

الصفحة ٧ من ٢٢

  1. أخبَرنا أحمدُ بنُ عمر (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم (٣) ، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئل: أيُّ الرقابِ أفضلُ؟ فقال: "أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عندَ أهلِها" (٤) .

    ج ١٤ ص ١١٨
  2. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بن محمد (٥) ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم والحسنُ بنُ عبد اللَّه، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عليِّ بنِ الجارود، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ النُّعمان بنِ بشيرٍ المقدسيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويس، قال: حدَّثني مالكٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (٦) .

    ج ١٤ ص ١١٩قال ابنُ الجارود: وحدَّثنا مسرورُ بنُ نوح، قال: حدَّثنا ابنُ نُمير (١) ، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سُئلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَر مثلَه (٢) .

    قال ابنُ الجارود: وحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى (٣) ، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عن الرِّقاب: أيُّها أفضلُ؟ فقال: "أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عندَ أهلِها" . قال ابنُ الجارود: لا أعلمُ أحدًا قال: "عن عائشة" غيرَ مالك.

    قال: ورواه الثوريُّ، ويحيى القطّانُ، وابنُ عُيينة (٤) ، ووكيعٌ (٥) ، وغيرُ واحد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ.

    قال أبو عُمر: أمّا حديثُ الثوريِّ، فحدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه (٦) ، عن أبي مُراوح،

    ج ١٤ ص ١٢٠عن أبي ذرٍّ، قال: سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حسِبتُه قال: أيُّ الرقاب أفضلُ؟ أنا أشُكُّ - قال: "أنفَسُها عندَ أهلِها، وأغلاها ثمنًا" (١) .

  3. وأمّا حديثُ القطان، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، قال: حدَّثني أبي، أنَّ أبا مُراوح الغفاريَّ أخبَره، أن أبا ذَرٍّ أخبَره، قال: قلت: يا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أفضلُ - أو: أحبُّ - وأحبُّ إلى الله؟ قال: "إيمان بالله، وجهادٌ في سبيله" . قال: فأيُّ الرقاب أفضلُ؟ قال: "أنفسُها عندَ أهلِها، وأغلاها ثمنًا" (٢) .

  4. وأمّا حديثُ ابنِ عيينة، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٣) : حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروةَ، قال: أخبرني أبي، عن أبي مُراوح الغفاريِّ، عن أبي ذرٍّ، قال: قلت: يا رسولَ الله، أيُّ العمل أفضلُ؟ قال: "إيمان بالله، وجهادٌ في سبيلِه" . قلت: فأيُّ الرقابِ أفضلُ؟ قال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسُها عندَ أهلِها" .

  5. وذكَره البزارُ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بنُ أبانَ القرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ١٤ ص ١٢١
  6. وهكذا رواه حبيبٌ كاتبُ مالكٍ (٢) وسعيدُ بنُ داودَ الزَّنْبَريُّ (٣) ، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ.

  7. وليسَ في هذا الحديثِ معنًى يُشْكِلُ، ولا يحتاجُ إلى القولِ فيه، والحمدُ لله، وبه التوفيق.

  8. حديثٌ ثالثٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: جاءَت بَريرةُ فقالت: إنِّي كاتَبتُ أهلي على تسع أوَاقيَّ، في كلِّ عام أُوقيّةٌ، فأعينيني. فقالت عائشة: إنّ أحَبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم وبكونَ ولاؤُكِ لي، فعَلتُ. فذهبتْ بَريرةُ إلى أهلِها، فقالت لهم ذلك، فأبوْا عليها، فجاءت من عندِ أهلِها ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جالسٌ، فقالت لعائشة: إنِّي قد عرَضْتُ عليهم ذلك فأبَوا إلّا أن يكونَ الولاءُ لهم. فسمِع ذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألها، فأخبَرتْه عائشةُ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "خُذيها واشتَرطي لهُم الولاءَ، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" ، ففعلتْ عائشةُ. ثم قامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس، فحمِد اللهَ وأثنَى عليه، ثم قال: "أمّا بعدُ، فما بالُ رجال يَشترِطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ وإن كان مئةَ شرْط، قضاءُ الله أحَقُّ، وشرطُ الله أوثَقُ، وإنّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" .

    قال أبو عُمر: الكلامُ في حديثِ بَريرَةَ قد سبق كثيرٌ من الناس إليه، وأكثَروا فيه من الاستنباط، فمنهم مَن جوَّد، ومنهم مَن خلَّط وأتى بما ليس له معنًى، كقول بعضهم: فيه إباحةُ البكاءِ في المحبّة؛ لبكاءِ زوجِ بَريرَة (٢) . وفيه: قبولُ الهديّة بعدَ الغضَب. وفيه: إباحةُ أكل المرأةِ ما تحبُّ دونَ بعلِها. وفيه إباحةُ سؤالِ الرجُل عما يَراه في بيته من طعام، إلى كثيرٍ من مثلِ هذا القول الذي لا معنَى له في الفقهِ والعلم عندَ أحدٍ من العلماء.

    ج ١٤ ص ١٢٢
  9. ونحن - بحمدِ الله وعونِه - نذكُرُ هاهنا ما في حديثها من الأحكام التي تُوجبُه ألفاظُه، ونُبيِّنُ ما رُويَ مما يُعارِضُه ويُوافقُه، ويوضِّحُ القولَ فيه بمبلَغ علمِنا، على مذاهبِ أهلِ العلم، مختصَرًا كافيًا، إلى ما قَدَّمْنا من القولِ في كثيرٍ من أحكام حديثِ بَريرَةَ في بابِ ربيعة (١) . وبالله عونُنا، لا شريكَ له.

    ج ١٤ ص ١٢٣
  10. في هذا الحديث من الفقه: استعمالُ عُموم الخطابِ في قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: ٣٣] ، لأنه دخل في ذلك الأمَةُ ذاتُ الزوج وغيرُها؛ لأنَّ بَريرَةَ كانت ذاتَ زوج خُيِّرَتْ تحتَه إذ أُعتِقَتْ.

  11. وفيه: جوازُ كتابةِ الأمَةِ دونَ زوجِها، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ زوجَها ليس له منعُها من السَّعْي في كتابتِها. ولو استدلَّ مُستدِلٌّ من هذا العنى بأنَّ الزوجةَ ليس عليها خدمةُ زوجِها، كان حسنًا.

  12. وفيه: دليلٌ على أنَّ العبدَ زوجَ الأمَةِ ليس له منعُها من الكتابَةِ التي تؤولُ إلى عتقِها وفراقِها له، كما أن لسيِّدِ الأمَةِ عِتْقَ أمَتِه تحتَ العبد، وإن أدَّى ذلك إلى إبطالِ نكاحِه، وكذلك له أن يبيعَ أمَتَه من زوجِها الحُرِّ، وإن كان في ذلك بُطلانُ نكاحِه.

  13. وفيه: دليلٌ على جوازِ نكاحِ العبدِ الحرة، لأنها إذا خُيِّرَتْ فاختارَتْه بَقيَتْ معه وهي حرةٌ وهو عبدٌ.

  14. وفيه: أن المُكاتَبَ جائزٌ له السؤالُ والسعْيُ في كتابتِه والتكسُّبُ بذلك، وجائزٌ لسيِّدِه أن يُكاتبَه وهو لا شيءَ معه، ألا تَرى أنَّ بَريرَةَ جاءت عائشةَ تُخبرُها بأنّها كاتبَت أهلَها وسألَتها أن تُعينَها، وذلك كان في أولِّ كتابتِها قبلَ أن تُؤدِّيَ منها شيئًا. كذلك ذكَر ابنُ شهاب، عن عُروةَ في هذا الحديث.

  15. روى ابنُ وَهْب، عن يونسَ والليث، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشة،

    ج ١٤ ص ١٢٤قالت: جاءَتْ بَريرةُ إليَّ فقالت: يا عائشةُ، إنِّي كاتَبتُ أهلي على تسع أواقيَّ، في كلِّ عام أُوقيّة، فأعينيني. ولم تكنْ قضَت من كتابتِها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجِعي إلى أهلِك، فإنْ أحَبُّوا أن أُعطِيَهم ذلك جميعًا، ويكونَ ولاؤُكِ لي، فعلتُ. فذهَبتْ بَريرَةُ إلى أهلِها، فعرَضَت ذلك عليهم، فاسبوا، وقالوا: إن شاءَت أن تَحتسبَ عليكِ فلتفعَلْ، ويكونَ ولاؤُك لنا. فذكَرَتْ ذلك لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "لا يمنَعُكِ ذلك منها، ابتاعي وأعتِقي، فإنّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" . ففعَلتُ، وقام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس، فحمِدَ الله، ثم قال: "أما بعد، فما بالُ رجالٍ يَشترطونَ شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشتَرط شرطًا ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مئةَ شرْط؛ قضاءُ الله أحَقُّ، وشَرطُ الله أوثَقُ، وإنّما الولاءُ لمَن أعْتقَ" (١) .

  16. ففي حديثِ ابنِ شهاب هذا عن عُروة، أن بَريرَةَ لم تكنْ قضَتْ من كتابتِها شيئًا حتى جاءَتْ تستعينُ عائشة.

  17. وفي هذا دليلٌ على إجازةِ كتابةِ الأمَةِ وهي غيرُ ذاتِ صَنْعَة ولا حِرْفَة ولا مال، إذ ظاهِرُ هذا الخبرِ أنها ابتدَأتْ بالسؤال من حينَ كُوتِبَتْ، ولم يقل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ سمِع أنها كوتِبَتْ: هل لها كَسبٌ يُعلَمُ أو: عَمَلٌ واجبٌ أو: مالٌ؟ ولو كان هذا واجبًا لسألَ عنه ليقعَ حُكمُه عليه؛ لأنه بُعِثَ مُبيِّنًا ومُعلِّمًا، - صلى الله عليه وسلم -.

  18. وهذا يُبيِّنُ ما رواه ابنُ وَهْب (٢) ، عن مسلم بن خالد، عن العلاءِ بنِ

    ج ١٤ ص ١٢٥عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كَسْبِ الأمَة، إلّا أنْ يكونَ لها عملٌ واجبٌ، أو كَسْبٌ يُعرَفُ وجهُه.

  19. وقد روَى شُعبةُ، عن محمد بن جُحادة، عن أبي حازم، عن أبي هريرةَ، قال: نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كَسْب الإماء (١) .

  20. وهذا وما كان مثلَه يكونُ خوفًا عليهنَّ أن يكتسبنَ بفروجِهنَّ.

  21. وروَى أحمدُ بنُ حنبل (٢) ، عن هاشم بن القاسم، عن عكرمةَ بنِ عمار، عن طارقِ بنِ عبد الرحمن القُرشيِّ، قال: جاء رفاعةُ بنُ رافع إلى مجلسِ الأنصار فقال:

    ج ١٤ ص ١٢٦نهانا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كَسْبِ الأمَة إلا ما عمِلتْ بيدِها. وقال هكذا بأصابعِه؛ نحوَ الخبزِ والغَزْل والنَّفْش (١) .

  22. وهذا نحوُ ما جاء عن عثمانَ رضي الله عنه من النهي عن ذلك؛ لئلا يَكْسِبْنَ بفروجِهنَّ (٢) ، على ما كُنَّ يصنَعنَ بإذن مواليهنَّ وبغيرِ إذنهم في الجاهليةِ من البغاء.

  23. وأمّا المُكاتبة، فليسَت من ذلك في شيء، لأنها قد أُبيح لها السؤال، لانفرادِها بكسبِها دونَ مَواليها.

  24. ونُدِب الناسُ إلى عونِ المُكاتَبين؛ لما في ذلك من فكِّ الرِّقاب من الرِّقِّ، وسنُبيِّنُ هذا ونوضحُه إن شاء الله.

  25. وفي هذا رَدٌّ على مَن قال: لا تجوزُ كتابةُ المكاتَب حتى يكونَ له مالٌ. واحتجَّ بقول الله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: ٣٣] . رُوِيَ عن جماعة؛ منهم: ابنُ عباس وعطاءٌ، في قول الله عزَّ وجلَّ: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} قال: المال (٣) . وعن عَمْرو بن دينار: المالُ والصلاح (٤) . وقال مجاهد: الغِنَى والأداء (٥) .

  26. وكان ابنُ عمرَ يكرَهُ أن يُكاتِبَ عبدَه إذا لم تكن له حِرفة (١) .

    وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ في قوله: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} قال: صدقًا ووفاءً (٢) .

    وقال عكرمةُ: قوةً. وقال الثوريُّ: دينًا وأمانة.

    وقال الشافعيُّ (٣) : إذا جمع القوةَ على الاكتساب والأمانة.

    قال الشافعيُّ (٤) : وليس الخيرُ هاهنا المالَ في الظاهر؛ لمعنيَين، أحدُهما: أنَّ المالَ يكونُ عندَه لا فيه، والثاني: أنَّ المالَ الذي في يدِهِ لسيِّدِه، فكيف يُكاتِبُه بمالِه؟ ولكن يكونُ فيه الاكتسابُ الذي يفيدُه المال. قال: وسواءٌ ذو الصَّنعةِ وغيرِها من عبدٍ أو أمَة. ذكَر ذلك كلَّه المُزَنيُّ عن الشافعيِّ في "المختصر الكبير" .

    ج ١٤ ص ١٢٧
  27. وذكَر الربيعُ، عن الشافعيِّ، قال (٥) : قد يكونُ المكاتَبُ قويًّا على الأداءِ بما فرَض اللهُ له في الصدَقات، فإنَّ الله فرَض فيها للرِّقاب، وهم عندنا المُكاتَبون.

    قال (٦) : ولهذا لم أكرَهْ كتابةَ الأمةِ غيرِ ذاتِ الصَّنعَة، مع رغبةِ الناس في الصدقةِ على المُكاتَبين تطوعًا. قال: ولا تُشبِهُ الكتابةُ أن تكلَّفَ الأمَةُ الكسبَ؛ لأنها لا حقَّ لها حينئذٍ في الصدقات، ولا رغبةَ للناس في الصدقةِ عليها كرغبتِهم في الصدقةِ على المُكاتَبة.

  28. وذكَر سعيدُ بنُ منصور، عن هُشَيْم (٧) ، عن يونُسَ بنِ عُبيد، قال: كنّا جلوسًا عندَ الحسن وعندَه أخوه سعيدُ بنُ أبي الحسن، فتذاكَرْنا هذه الآية: {فَكَاتِبُوهُمْ

    ج ١٤ ص ١٢٨إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}. فقال سعيد: إن كان عندَه مالٌ فكاتِبْه، وإن لم يكنْ عندَه مال، فلا تُعَلِّقْه صحيفة يغدُو بها على الناس ويروح، فيسألُهم فيحرِجُهم فيُؤثِمُهم. فقال الحسن: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} : صدقًا وأمانة، مَن أعطاه كان مأجورًا، ومن سُئِل فرَدَّ خيرًا كان مأجورًا (١) .

    قال أبو عُمر: قد رخَّص مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، في مكاتبةِ مَن لا حِرفةَ له، وإن كان قد اختَلف قولُ مالكٍ في ذلك (٢) . وكرِه الأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاق مكاتبةَ مَن لا حرفةَ له (٣) ، ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عمر، وابنِ عمر، ومسروق (٤) . والحجَّةُ في السُّنةِ لا فيما خالفَها.

  29. وفي حديث بَريرَةَ هذا دلالةٌ على أنَّ قولَ الله عزَّ وجلَّ: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . أنَّه الكسبُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسألْ بَريرَة: أمعكِ مالٌ أم لا؟ ولم يَنهَها عن السؤال، وقد يكونُ الكسبُ بالمسألة، وقد قيل: المسألةُ آخِرُ كسبِ المؤمن (٥) . وقد كُوتبَت بَريرَةُ ولم يُعلَمْ لها كسبٌ واجب، واللهُ أعلم، ولم ينكِرْه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.

  30. وفي هذا الحديث دليلٌ على إجارر أخذِ السيدِ نجومَ المكاتَبِ (١) من مسألةِ الناس؛ لتركِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - زجرَها عن مسألةِ عائشة، إذ كانت تستعينُها في أداءِ نَجْمِها، وهذا يردُّ قولَ مَن كَرِه كتابةَ المكاتَبِ الذي يسألُ الناس، وقال: تُطعِمُني أوساخَ الناس! وليس كما قال، ولا كما ظنَّ؛ لأنَّ ما طاب لبَريرَةَ أخذُه، كان لسيدِها قبضُه منها في الكتابة؛ لأنه داخلٌ عليه من غيرِ الجهةِ التي دخَل عليها. وقد بيَّنا هذا المعنى في باب ربيعةَ (٢) عندَ ذكرِ اللحم الذي تُصُدِّقَ به على بَريرة، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هو عليها صدقةٌ، ولنا هديةٌ" . وكيف لا يبدُرُ الناسُ إلى إعطاءِ المكاتَب، ويَطيبُ له ما أُعطيَ، فيصيرُ مالَه ويُؤدِّيه عن نفسِه، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد حَضَّ على إعطائِه، وندَب إلى ذلك.

    ج ١٤ ص ١٢٩
  31. روَى سهلُ بنُ حنيف وغيرُه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "مَن أعان غازيًا في سبيل الله، أو غارمًا في عُسرتِه، أو مُكاتبًا في رقبتِه، أظلَّه اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه" (٣) .

  32. وقد روَى عبدُ الرحمن بنُ عَوسَجة، عن البراءِ بنِ عازب، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ الله، علِّمْني عملًا يُدخلُني الجنة. قال: "لئن كنتَ أقصَرتَ في الخطبة، لقد أعرضْتَ في المسألة، أعتِقِ النَّسَمة، وفُكَّ الرقبة" . قال: أو ليسا واحدًا؟ قال: "لا، عِتقُ النَّسمةِ أن تُفرِدَ عتقَها، وفَكُّ الرقبةِ أن تُعينَ في ثمنِها" . وذكَر تمامَ الحديث (١) .

    ج ١٤ ص ١٣٠
  33. ولو كان غيرَ جائزٌ للسيدِ أن يأخُذَ من مُكاتَبِه ما تُصُدِّقَ به عليه، لكان محظورًا أيضًا على كلِّ غنيٍّ أن يأخُذَ من الفقيرِ ما تُصُدِّق به عليه، ولو كان ذلك كذلك ما انتفَع الفقيرُ بشيء يأخُذُه من المال، ولضاق عليه التصرُّفُ فيه والانتفاعُ به، وهذا ما لا يخفَى فسادُه على أحد، وحسبُك برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ كان قد حرَّم الله عليه الصَّدَقة، ولم يمتَنعْ لذلك من قبولِ هديةِ بَريرةَ مما تُصدِّق به عليها.

  34. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام بن ثعلبة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار بُندار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر غُنْدَرٌ، قال: حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه أُتيَ بلَحْم قالوا: إنه تُصدِّقَ به على بَرِيرَة، فقال: "هو لها صدقةٌ، ولنا هديّةٌ" (١) .

    ج ١٤ ص ١٣١
  35. واختلَف العلماءُ في الكتابة: هل تجبُ فرضًا على السيدِ إذا ابتَغاها العبدُ وعَلِم فيه خيرًا؟ فقال عطاءٌ وعَمْرُو بنُ دينار: ما نَرى ذلك إلا واجبًا (٢) . وهو قولُ الضحاك بن مزاحم، قال: هي عَزْمة (٣) . وإلى هذا ذهَب داودُ، واحتجَّ بظاهرِ القرآنِ في الأمرِ بالكتابةَ، واحتجَّ أيضًا بأن سيرينَ أبا محمدِ بنِ سيرينَ سأل أنسَ بنَ مالك، وهو مولاه، الكتابة، فأبى أنسٌ، فرفَع عليه عمرُ الدِّرَّة، وتلا: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} ، فكاتبَه أنسٌ (٤) . وقال داود: ما كان عمرُ ليرفعَ الدِّرَّة على أنس فيما له مباحٌ ألا يفعلَه. وحُجةُ قائلي هذه المقالةِ ظاهرُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . وهذا أمر، وحقيقتُه الوجوب، إذا لم يُتَّفقْ على أنه أُريدَ به الندب.

    وقال مالكٌ: والثوريُّ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأصحابُهم: ليستِ الكتابةُ بواجبة، ومَن شاءَ كاتَبَ، ومَن شاءَ لم يُكاتِبْ. وهو قولُ الشعبيِّ، والحسن البصريِّ، وجماعة (٥) .

  36. ومن حُجتِهم: أنه لما لم يكنْ عليه واجبٌ أن يبيعَه ولا يهبَه، بإجماع، وفي الكتابةِ إخراجُ ملكِه عن يدِه بغيرِ تراضٍ ولا طيبِ نفس منه، كانت الكتابةُ أحرَى ألا تجبَ عليه، وكان ذلك دليلًا على أنَّ الآيةَ على الندب لا على الإيجاب. ويحتملُ أن يكونَ فعلُ عمرَ لأنسَ على الاختيارِ والاستحسان، لا على الوجوب.

    وقال إسحاقُ بنُ راهُويةَ (١) : لا يسعُ السيدَ إلّا أن يُكاتبَه إذا اجتمع فيه الأمانةُ والخير، من غيرِ أنْ يُجبرَه الحاكمُ عليه، وأخشَى أن يأثمَ إن لم يفعل.

    ج ١٤ ص ١٣٢
  37. وأمّا قولهُا: "إنِّي كاتبتُ أهلي على تسع أواقيَّ، في كلِّ عام أوقيّة" . ففيه دليلٌ على أنَّ الكتابةَ تكونُ بقليل المال وكثيره، وتكونُ على أنجُم. وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ العلماء، كلُّهم يقولُ - فيما علمتُ -: إنَّ الكتابةَ حكمُها أن تكونَ على أنجُم معلومة. قال الشافعيُّ: أقلُّها ثلاثة (٢) .

  38. واختلَفوا في الكتابة إذا وقعَت على نَجْم واحد، أو وَقَعت حالّةً، فأكثرُ أهل العلم يُجيزونَها على نجم واحد.

    وقال الشافعيُّ (٣) : لا تجوزُ على نجم واحد، ولا تجوزُ حالّةً البتة.

    قال أبو عُمر: ليست كتابةً إذا كانت حالّةً، وإنّما هو عتقٌ على صفة، كأنّه قال: إذا أدَّيتَ إليَّ كذا وكذا فأنتَ حرّ.

  39. وقد احتجَّ بهذا الحديث - أعني: بقوله فيه: "في كلِّ عام أُوقيّةٌ" - مَن أجاز النجومَ في الدُّيونِ كلِّها على مثل هذا، في كلِّ شهرٍ كذا، وفي كلِّ عام كذا، ولا يقول: في أولِ الشهرِ أو وسَطِه أو آخرِه. وأبَى من ذلك آخرونَ حتى يُسمّيَ الوقتَ من الشهرِ والعام، ويكونَ محدودًا معروفًا.

  40. والحجةُ في هذا الحديث لمن نزَع به صحيحة، لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقلْ لها: إنها كتابةٌ فاسدةٌ، إذ لم يعرِفْ متى يأخذُ النجمَ أو الأُوقيّةَ من العام. وحسبُهم في ذلك أنّ العامَ إذا انقَضى أو انسَلخ الشهر، وجَب النجمُ، ومَن أدّاه قبل ذلك قُبِل منه.

    ج ١٤ ص ١٣٣