ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني

٤٣٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٩٣

الصفحة ١١ من ١١

  1. وممَّا يَدُلُّ على أنَّ الوَجْهَ ما ذكَرْنا، ما خرَّجه أبو داودَ (١) ، عن مُسَدَّدٍ، عن يحيى القَطَّانِ، عن الثوريِّ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: لما نهَى رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الأوعيةِ قالت الأنصارُ: إنَّه لا بُدَّ لنا، قال: "فلا إذنْ" .

    ج ٢ ص ٥٨٣
  2. وهذا حديثٌ صحيحٌ، وَيدُلُّ على ذلك أيضًا اختِلافُ الفقهاءِ في هذا الباب، مع عِلْمِهم بهذا الحديثِ وروايَتِهم له. وذكَر ابنُ القاسم (٢) ، عن مالكٍ، أنَّه كَرِه الانْتِباذَ في الدُّبَّاءِ والمُزَفَّتِ، ولا يَكْرَهُ غيرَ ذلك.

    قال أبو عمر: هذا لِما خَشِيَ من سُرعةِ الفسادِ إلى النَّبيذِ في هذينِ الظَّرْفَين. واللّهُ أعلمُ. وكَرِهَ الثورِيُّ الانتِباذَ في الدُّبَّاءِ والحَنتمِ، والنَّقيرِ، والمُزَفَّتِ. وقال الشافعيُّ: لا أكرَهُ من الأنْبِذَةِ، إذا لَمْ يكنِ الشرابُ يُسكِرُ، شيئًا بعدَ ما سُمِّي في الآثار؛ من الحَنْتَم، والنَّقِيرِ، والدُّبَّاءِ، والمُزَفَّت (٣) .

    قال أبو عمر: قد أحاط عِلْمُنا بأنَّ مالكًا، والثوريَّ، والشافعيَّ، روَوُا الآثارَ الناسخةَ المذكورةَ في هذا الباب، وعنهم رَوَيْناها، فلا وجهَ لكَراهِيَتِهم الانتِباذَ

    ج ٢ ص ٥٨٤في هذه الأوعيةِ مع دُرْعَتِهم إلى القولِ بما صَحَّ عندَهم من الآثارِ المسندةِ، إلَّا ما ذكَرْنا، وباللّه التوفيقُ.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا بأسَ بالانتِباذِ في جميع الأواني (١) . وحجَّتُهم الآثارُ التي ذُكِر فيها النَّسْخُ لما قبلَها، ورَوَوْا عن إنس أنَّه كان يُنْبَذُ له في جَرَّةٍ خَضْرَاءَ (٢) . وهو أحدُ من روَى النَّهْيَ عن نَبِيذِ الجَرِّ، فدَلَّ ذلك على أنَّه مَنْسُوخٌ.

  3. فأمَّا الآثارُ في هذا الباب، فحَدَّثَنَا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو العُتْواريِّ، قال: حدَّثني أبي، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرِ مرَّ به، فقال له: أين أصبحْتَ غاديًا يا أبا عبدِ الرَّحمن؟ قال: أردْتُ أبا سعيدٍ الخدريَّ. قال: فانطَلَقْتُ معه، فقال له ابنُ عمرَ: يا أبا سعيدٍ، ما حديثٌ بلَغَني عنك أنَّك تُحَدِّثُه عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في لحوم الأضَاحِيِّ وادِّخَارِها بعدَ ثلاثٍ، وفي زيارةِ القبورِ، وفي الأنْبِذَةِ؟ فقال أبو سعيدٍ: سمِعتُ رسولَ الله - عَزَّ وَجَلَّ - يقولُ: "نَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحيِّ وادِّخارِها بعدَ ثلاثٍ، فقد جاء اللهُ بالسَّعَةِ، فكُلوا، وادَّخِروا ما بدَا لكم، وكنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، فإن زُرْتُموها فلا تقولوا هُجْرًا، ونهَيتُكم عن الأنبذَةِ،

    ج ٢ ص ٥٨٥فاشرَبوا كما بَدا لكم، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ " (١) .

  4. وروَى واسعُ بنُ حَبَّانَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحوَه (٢) .

  5. وأخبَرني أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا وهْبُ بنُ مسَرَّةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٣) : حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمادِ بن زيدٍ، قال: حَدَّثَنَا فَرقد السَّبَخيُّ، قال: حَدَّثَنَا جابرُ بنُ يزيدَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنِّي كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، وإنَّه قد أُذِنَ لمحمدٍ في زيار قبرِ أُمِّه، فزورُوها تُذَكِّرْكم الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن هذه الأوعية، وإنَّ الأوعيةَ لا تُحِلُّ شيئًا ولا تُحَرِّمُه، فاشْرَبوا فيها، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحيِّ فوقَ ثلاثٍ، فاحبِسوا ما بدا لكم".

  6. وأخبَرني عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (١) : حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا مُعَرِّفُ بنُ واصلٍ، عن محاربِ بنِ دِثَارٍ، عن ابن بُرَيْدَةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "نَهَيتُكم عن ثلاثٍ، وإني آمرُكم بهنَّ؛ عن زيارة القبورِ، فزُوروها، فإنَّ في زيارتها تذكِرَةً، ونَهَيتُكم عن الأشربةِ أن تشرَبوا إلَّا في ظروفِ الأدَم، فاشرَبوا في كلِّ وعاءٍ غيرَ ألَّا تشرَبوا مسكرًا، ونَهَيْتُكم عن لحوم الأضاحِيِّ أنْ تأكلُوها بعدَ ثلاثٍ، فكُلُوا، واستمتِعوا بها في أسْفارِكم" .

    ج ٢ ص ٥٨٦
  7. وروَى الثوريُّ، عن علقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن سليمانَ بنِ بُرَيْد، عن أبيه، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلَه، قال: "كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارة القبورِ، فقد أُذِن لمحمَّدٍ في زيار قبرِ أُمِّهِ، فزُورُوها ما بَدا لكم؛ فإنَّها تُذَكِّرُ الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحِيِّ أن تأكلُوها فوقَ ثلاثٍ، وإنَّما أردْنا بذلك أنْ يوسِّعَ أهلُ السَّعَةِ على من لا سعَةَ له، فكُلوا ممَّا بَدا لكم، ونَهَيْتُكم عن الظُّروفِ، وإنَّ الظُّروفَ لا تُحِل شيئًا ولا تُحرِّمُه، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" (٢) .

    قال أبو عمر: قد تقدَّم القولُ في أنَّ هذا القولَ إباحةٌ، فمَن شاء انتبَذ، ومَن شاء لَمْ يَنْتَبِذْ، ومَن شاء زارَ القبورَ، ومَن شاء لَمْ يَزُرْ.

  8. وروَى عبدُ الرَّحمن بنُ جابر، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "كنتُ قد

    ج ٢ ص ٥٨٧نَهَيْتُكم أنْ تَنتَبِذوا في الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ، والمُقَيَّرِ، والمُزَفَّتِ، فانْتَبِذوا، ولا أُحِلُّ مسكرًا" (١) .

  9. وروَى أبو بُرْدَةَ بنُ نِيارٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلَه أو نحوَه (٢) .

    ج ٢ ص ٥٨٨وقال عبدُ الله بنُ المغَفَّل: شَهِدْتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حينَ نهَى عن نبيذِ الجَرِّ، وشَهِدْتُه حينَ أمَر بشُرْبِه، فقال: "اجْتَنِبوا المسكرَ" (١) .

  10. أخبَرنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا أبو إسحاقَ محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ العباس، قال: حَدَّثَنَا ابنُ الطائيّ (٢) ، قال: حَدَّثَنَا زُهيرُ بنُ عبَّاد، قال: حدَّثني ضَمْرَةُ، عن عثمانَ بنِ عطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ بُرَيدَةَ، عن أبيه، أن رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحلَّ نَبِيذَ الجَرِّ بعدَ أن حَرَّمَه (٣) .

  11. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا حجَّاجُ بنُ منهالٍ وسليمانُ بنُ حربٍ، قالا:

    ج ٢ ص ٥٨٩حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيد، عن ربيعةَ بنِ النابِغَةِ، عن أبيه، عن عليِّ بنِ أبي طالب، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: "كنتُ نَهَيْتُكم عن الأوعيةِ، فانْتَبِذُوا فيما بَدا لكم، وإيَّاكم والمسكرَ، فكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ونَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، فإن زُرْتُموها فلا تقولوا هُجْرًا" (١) .

  12. وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفضلِ الخفَّافُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الدَّقَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَهْلِ بنِ عسكرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرزاقِ، قال (٢) : حَدَّثَنَا معمرٌ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن عبدِ الله بنِ بريْدَةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، فزُورُوها فإنَّها تُذَكِّرُ الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن نَبِيذِ الجَرِّ، فانْتَبِذوا في كلِّ وعاءٍ، واجتَنِبوا كلَّ مسكرٍ، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحِيِّ فوقَ ثلاثٍ، فكُلوا، وادَّخِروا، وتَزَوَّدوا" .

  13. وحدَّثني أحمدُ بنُ قاسم بن عبد الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا شَريكُ بنُ عبدِ الله، عن سِماكِ بنِ حَرْب، عن ابنِ بُرَيْد، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهَى عن زيارةِ القبورِ، ولحومِ الأضاحيِّ أنْ تُحْبَسَ فوقَ ثلاثٍ، وعن الدُّبَّاءِ، والحَنْتَم، والنَّقِير، والمُزَفَّتِ، ثم قال: "إنِّي كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ، فزُوروها فإنَّها تُذَكِّرُ الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحيِّ فوقَ

    ج ٢ ص ٥٩٠ثلاثٍ، فكُلوا، وأطعِموا، وادَّخِرُوا، ونَهَيْتُكم عن الظُّروفِ، فانْتَبِذوا فيما بَدا لكم، واجْتَنِبوا كلَّ مسكرٍ " (١) .

  14. وروَى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن ابنِ بُرَيدةَ، عن أبيه، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رخَّصَ في الظُّروفِ بعدَ أنْ نهَى عنها (٢) . وانفرَد به محمدُ بنُ إسحاقَ، عن سلمةَ بن كُهَيْل، وليس لسلمةَ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عيرُ هذا الحديث (٣) .

    قال أبو عمر: احتجَّ بعضُ مَن أجاز شربَ النَّبيذِ الصلْبِ بأحاديثِ هذا الباب، وقالوا: هذه الأحاديثُ تَدُلُّ على أنَّ الذي نُهِيَ عنه من شربِ النَّبيذِ هو ما أُسكِرَ شاربُه منه، وما لَمْ يُسْكِرْه فليس بحرامٍ عليه.

    قالوا: والمسكِرُ مثلُ المحَنْتَم من الأطعمةِ، والمُبْشِم، والمُوخِم، والمُشْبع، وهو ما أشْبَعَ من الأطعمةِ وأتْخَمَ، ولا يقالُ لمن أكَل لُقْمَةً واحدةً: أكَل ما يُتْخِمُه ويُشْبِعُه. وأكثَروا من القولِ في هذا المعنَى ممَّا لا وجهَ لإيرادِه هاهنا.

    وقالوا: قد قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اشْرَبوا في الظُّروفِ كلِّها ولا تَسْكَروا" (٤) . بعد أنْ كان نَهاهم عن الانْتِباذِ في بعضِها.

    قالوا: ومُحالٌ أن يقولَ رسولُ الله: اشرَبوا ما لا يُسْكِرُ قليلُه ولا كثيرُه، وإيَّاكم أن تَسْكَروا، لأنَّ هذا غيرُ جائزٍ أن يُضافَ مثلُه إليه؛ لأنَّ الحلوَ الذي لا

    ج ٢ ص ٥٩١يُسْكِرُ كثيرُه ولا قليلُه، ليس يقالُ في مثلِه: اشرَبْ منه، ولا تَسْكَرْ. وأتَوْا بضُروبٍ من خَطَإ القولِ والتَّعَسُّفِ في الاحتجاج بما لا يلزَمُ.

  15. وفي قولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" (١) و "ما أسكَر كثيرُه فقليلُه حرامٌ" (٢) ما يَرفَعُ الإشكالَ فيما ذكَرُوه ويُوهِمُ أنّ النَّهْيَ عن شربِ قليلِ الجِنْسِ من المسكرِ وكثيرِه، لا عن الفعلِ من فِعْلِ الشارب، وخرَجَ القولُ في نَبيذِ الظُّرُوفِ على خَوْفِ الشِّدَّةِ فيه على ما وصَفْنا، وقد بَيَّنَّا هذا المعنَى في بابِ إسحاق.

  16. وأما قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث: "ونَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ، فزُوروها، ولا تقولوا هُجْرًا" فإنَّ العلماءَ اخْتَلَفوا في ذلك على وجْهَين:

    أحدُهما: أنَّ الإباحةَ في زيارة القبورِ إباحةُ عموم، كما كان النَّهيُ عن زيارتِها نَهْيَ عموم، ثم ورَد النَّسْخُ بالإباحةِ على العموم، فجائزٌ للنساءِ والرجالِ زيارةُ القبورِ على ظاهرِ هذا الحديث، لأنَّه لَمْ يَسْتَثْن فيه رجلًا ولا امرأةً.

  17. حدَّثني خلفُ بنُ القاسم الحافظ، قال: حَدَّثَنَا أبو عليٍّ سعيدُ بنُ السَّكَن، قال: حَدَّثَنَا يحيَى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، قال: حَدَّثَنَا حُميدُ بنُ الربيع الخَزَّازُ، قال: حَدَّثَنَا يحيَى بنُ اليمان، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن علقَمَةَ بنِ مَرثدٍ، عن ابنِ بُريدةَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زار قبرَ أُمِّه في ألفِ مُقَنَّع. قال: فما رأيتُ يومًا كان أكثرَ باكيًا من يومئذٍ (٣) .

    قال أبو عليٍّ: قال لي ابنُ صاعدٍ: كان حُمَيْدٌ لا يُحَدِّثُ بهذا الحديثِ إلَّا في كلِّ سنةٍ مرَّةً (٤) .

    ج ٢ ص ٥٩٢قال أبو عمر: زعَم قومٌ أنَّ يحيَى بنَ اليمانِ انفرَد بهذا الحديثِ؛ لأنَّ سائرَ أصحابِ الثوريِّ يَرْوُونَه، عن الثوريِّ، عن علقمةَ (١) مرسلًا، والذي قال: إنَّ حُميدَ بنَ الربيع انفرَد بتَوصيلِه؛ لأنَّ البَزَّارَ ذكَره، قال (٢) : حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: حَدَّثَنَا يحيَى بنُ اليمانِ، عن سفيانَ، عن علقمةَ مرسلًا. وذكَره البزَّارُ أيضًا (٣) ، عن حُميدِ بن الربيع مُتَّصِلًا كما ذكَرنا.

    وقال آخرون: إنَّما اقْتَضَتِ الإباحةُ زيارةَ القبورِ للرِّجالِ دونَ النساءِ، فجائزٌ للرجالِ زيارةُ القبور، وغيرُ جائزٍ ذلك للنِّساء؛ لِمَا خُصصَ بهِ في ذلك. واحتجُّوا لِما ذهبُوا إليه ممّا ذكَرنا عنهم، بحديثِ ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  18. وهو ما حَدَّثَنَاه أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبيدِ بنِ آدمَ بن أبي إياسٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو معنٍ ثابتُ بنُ نعيم، قال: حَدَّثَنَا آدمُ بنُ

    ج ٢ ص ٥٩٣أبي إياسٍ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ عن محمدِ بنِ جُحادَةَ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، قال: لعَن رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّائراتِ للقبورِ، والمتَّخِذِينَ عليها المساجدَ والسُّرُجَ (١) .

  19. وحَدَّثَنَا أبو القاسم عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن محمدِ بنِ جُحادةَ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباس، قال: لعَن رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّاراتِ القبورِ، والمتَّخِذين عليها المساجدَ والسُّرُجَ" (٢) .

  20. وحَدَّثَنَاه محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣) : حَدَّثَنَا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، عن محمدِ بنِ جُحادةَ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ. فذكَره سواءً.

    قال أبو عمر: ممكنٌ أنْ يكونَ هذا قبلَ الإباحةِ، وتَوَقِّي ذلك للنِّساءِ المتجالَّاتِ أحبُّ إليَّ، وأمَّا الشَّوابُّ فلا تُؤمَنُ الفتنةُ عليهنَّ وبهنَّ حيثُ خرَجن،

    ج ٢ ص ٥٩٤ولا شيءَ للمرأةِ أفضلُ من لُزومِ قعرِ بيتِها، ولقد كرِه أكثرُ العلماءِ خُروجَهُنَّ إلى الصلواتِ، فكيف إلى المقابر؟! وما أظنُّ سقوطَ فرضِ الجمُعةِ عنهنَّ إلَّا دليلًا على إمساكِهِنَّ عن الخروج فيما عدَاها، واللّهُ أعلمُ.

  21. واحتجَّ مَن أباحَ زيارةَ القبورِ للنساءِ بما حَدَّثَنَاه عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المنهال، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حَدَّثَنَا بِسطامُ بنُ مسلمٍ، عن أبي التَّيَّاح يزيدَ بنِ حُميد، عن عبدِ الله بن أبي مُليكةَ، أنَّ عائشةَ أقبلَتْ ذاتَ يومٍ من المقابرِ، فقلتُ لها: يا أُمَّ المؤمنينَ، من أين أقبلتِ؟ قالت: من قبرِ أخي عبدِ الرَّحمن بنِ أبي بكرٍ. فقلتُ لها: أليس كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهَى عن زيار القبورِ؟ قالت: نعم، كان نهَى عن زيارتِها، ثم أمَر بزيارتِها (١) .

    ج ٢ ص ٥٩٥قال أبو بكرٍ: وحَدَّثَنَا قَبيصةُ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ أبي مُليكةَ، قال: زارَتْ عائشةُ قبرَ أخيها في هَودج (١) .

    قال أبو بكرٍ: وحَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا نوحُ بنُ درَّاج، عن أبانَ بن تَغلِبَ، عن جعفرِ بنِ محمد، قال: كانت فاطمةُ بنتُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزورُ قبرَ حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ كلَّ جمُعةٍ، وعلَّمتْه بصخرةٍ (٢) .

    قال أبو بكرٍ: وسمِعتُ أبا عبدِ الله، يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ، يُسألُ عن المرأةِ تزورُ القبرَ، فقال: أرجُو إن شاء اللهُ ألا يكونَ به بأسٌ؛ عائشةُ زارَتْ قبرَ أخيها.

    ج ٢ ص ٥٩٦قال: ولكنَّ حديثَ ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعَن زَوَّارَاتِ القبورِ. ثم قال: هذا أبو صالح ماذا؟ كأَنّه يُضعِّفُه. ثم قال: أرجو إن شاء اللهُ إلا يكونَ به بأسٌ، عائشةُ زارَتْ قبرَ أخيها. فقيل لأبي عبدِ الله: فالرجالُ؟ قال: أمَّا الرجالُ فلا بأسَ به (١) .

    قال أبو عمر: قد رُوِيَ حديثُ لعْنِ زوَّاراتِ القبورِ من غيرِ روايةِ أبي صالحٍ ومن غيرِ حديثِ ابنِ عباسٍ.

  22. حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ بنُ بحرٍ، قال: حَدَّثَنَا موسَى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: حَدَّثَنَا أبو عوانةَ، عن عمرَ بنِ أبي سلمةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: لعَن رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زوَّارَاتِ القبورِ (٢) .

  23. وبه عن موسى بنِ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الجبارِ بنُ الوردِ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي مُليكةَ يقول: ركِبَتْ عائشةُ، فخرَج إلينا غُلامُها، فقلتُ: أين ذهبَتْ أُمُّ المؤمنين؟ قال: ذهَبت إلى قبرِ أخيها عبدِ الرَّحمنِ تُسلِّمُ عليه (٣) .

  24. حديثٌ ثانيَ عشرَ لربيعة مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمن، عن غيرِ واحدٍ من عُلمائِهم، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ (٢) لبلالِ بنِ الحارثِ المُزَنيِّ معادِنَ القَبَليَّةِ (٣) ، وهي من ناحيةِ الفُرْع (٤) ، فتلك المعادنُ لا يُؤخَذُ منها إلَّا الزكاةُ إلى اليوم.

    ج ٢ ص ٥٩٧
  25. هكذا هو في "الموطَّأ" عندَ جميع الرواةِ مرسلًا، ولم يُختلَفْ فيه عن مالكٍ (٥) .

  26. وهذا الحديثُ روَاه الدَّراوَرْدِيُّ، عن ربيعةَ، عن الحارثِ بنِ بلالِ بنِ الحارثِ المُزَنيِّ، عن أبيه، حَدَّثَنَاهُ إبراهيمُ بنُ شاكرٍ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أيوبَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّارُ، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ سَلمان، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّراوردِيُّ، عن ربيعةَ. فذكَره (٦) .

  27. وروَاه كثيرُ بنُ عبدِ الله بنِ عمرِو بن عوفٍ المزنيُّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وكثيرٌ مُجتمَعٌ على ضعفِه، لا يُحتجُّ بمثلِه.

    ج ٢ ص ٥٩٨
  28. ذكَره البزَّارُ (١) ، ولفظُه عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنَّه أقطَع بلالَ بنَ الحارثِ المعادنَ القَبَليَّةَ جَلْسيَّها وغَوريَّها (٢) ، وحيثُ يصلُحُ الزرعُ من قُدْسٍ (٣) ، ولم يُعطِه حقَّ مُسلم.

  29. روَاه أبو أُوَيْسٍ، عن كثيرٍ، عن أبيه، عن جدِّه (٤) ، وعن ثورِ بنِ زيدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ (٥) ، وليس يرويه عن أبي أُويس، عن ثورٍ. وانفرَد أبو سَبْرةَ المدنيُّ (٦) ، عن مُطرِّفٍ، عن مالكٍ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ علقمةَ، عن أبيه،

    ج ٢ ص ٥٩٩عن بلالِ بنِ الحارثِ بمثلِه سواءً. ولم يُتابَعْ أبو سَبرةَ على هذا الإسنادِ، وإسنادُ ربيعةَ فيه صالحٌ حسنٌ، وهو حُجَّةٌ لمالكٍ ومَن ذهَب مذهبَه في المعادن.

  30. واختلَف العلماءُ فيما يَخرُجُ من المعادن؛ فقال مالكٌ (١) : لا شيءَ فيما يَخرُجُ من المعادنِ غيرَ الذَّهبِ والفضةِ، ولا شيءَ فيما يَخرُجُ منها من الذَّهبِ والفضةِ حتى يكونَ الذَّهبُ عشرينَ مثقالًا، والفضةُ مئتي درهم، فتجبُ فيها الزكاةُ مكانَه، وما زادَ فبحسابِ ذلك ما دام في المعدِن نَيلٌ، فإنِ انقطَع ثم جاءَه بعدَ ذلك نَيلٌ، فإنَّه يُبتَدَأُ فيه مقدارُ الزكاةِ مكانَه.

    قال (٢) : والمعدِنُ بمنزلةِ الزرع، لا يُنتظرُ به حولٌ. قال: وما وُجدَ في المعدِنِ من الذَّهبِ والفضةِ من غيرِ كبيرِ عملٍ، فهو بمنزلةِ الرِّكازِ، فيه الخُمُسُ.

    قال (٣) : والمعدِنُ في أرضِ العربِ والعجمِ سواءٌ.

    قال (٤) : والمعدِنُ في أرضِ الصُّلحِ لأهلِها، لهم أنْ يصنَعوا فيه ما شاؤوا، ويُصَالحون لمن أذِنوا له فيه على ما شاؤوا، من خُمُسٍ أو غيرِه.

    قال: وما افتُتِح عَنوةً فهو إلى السُّلطانِ يصنَعُ فيها ما شاءَ.

  31. واختلَف قولُ الشافعيِّ فيما يخرُجُ من المعادنِ؛ فمرَّةً قال بقولِ مالكٍ في ذلك، ومرَّةً قال: ما يَخرُجُ منها فائدةٌ يُستأنفُ بها حولٌ. وهو قولُ اللَّيثِ بنِ سعدٍ (٥) .

    ج ٢ ص ٦٠٠وقال الأوزاعيُّ (١) : في ذهبِ المعدنِ وفضَّتِه الخمسُ، ولا شيءَ فيما يَخرُجُ منه غيرَهما.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: في الذَّهبِ، والفضةِ، والحديدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، الخُمُسُ. واختلَف قولُه - أعني أبا حنيفةَ - في الزِّئْبقِ يَخرُجُ من المعادنِ؛ فمرَّةً قال: فيه الخُمُسُ. ومرَّةً قال: ليس فيه شيءٌ؛ كالقيرِ، والنِّفْط (٢) .

  32. وقد أوضَحنا هذه المسألةَ في بابِ ابنِ شهابٍ، عندَ قولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "والمعدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" (٣) . وتقصَّيْنا القولَ فيها هنالكَ، والحمدُ لله.

  33. [أَخرُ المجلّد الثاني من هذه الطبعة المحقَّقة، والحمدُ لله وحدَه، وصَلَواته على من لا نبيَّ بعدَه. ويليه المجلّد الثالث، وأوله: بابُ الزاي، يسَّر الله إتمامَه] .