زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥
الصفحة ١ من ٤٠
- ج ٣ ص ٥
قال أبو عُمر: زيدُ بن أسْلَم، يُكْنَى أبا أُسامة، وأبوه أسلم يُكْنَى أبا خالد، بابنه خالد بن أسلم، وهو من سَبْي عين التَّمْر، وهو أول سَبْي دخلَ المدينةَ في خلافة أبي بكر، بَعثَ به خالدُ بن الوليد، فأسلموا وأنجبوا كُلُّهم، منهم: حُمران بن أبان، ويسار مولى قيس بن مَخْرَمة، وأفْلَح مولى أبي أيوب، وأسلمُ مولى عُمر. وكان أسلم من جِلَّة الموالي علمًا، ودينًا وثقةً.
-
وزيدُ بن أسلم أحد ثقات أهل المدينة، وكان من العُلماء العبّاد الفُضلاء، وزعموا أنه كان أعلمَ أهل المدينة بتأويلِ القرآن بعد محمد بن كعب القُرَظيّ. وقد كان زيد بن أسلم يُشَاوَر في زمن القاسم وسالم.
-
روَى ابن وَهْب، قال: أخبرني أسامة بن زيد بن أسلم أنّه كان جالسًا عند أبيه إذ أتاه رسولٌ من البَصْرة، وكان أميرًا لهم، فقال: إن الأمير يقول لك: كم عِدّة الأمة تحت الحُرِّ؟ وكم طلاقُه إياها؟ وكم عِدّة الحُرّة تحت العبد؟ وكم طلاقه إيّاها؟ قال أبي: عِدّة الأَمة المطلقة حيضتان، وطلاق الحر الأمةَ ثلاث، وطلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدتها ثلاث حِيَض. ثم قام الرسول، فقال أبي: إلى أين تَذْهب؟ فقال: أمرني أن آتيَ القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله فأسألهما. فقال أبي: أقسمتُ عليك إلَّا ما رجعتَ إليَّ، فأخبرتني بما يقولان لك. قال: فذهب، ثم رجع، فأخبره أنهما قالا كما قال، وقال الرسول: قالا: قل له: ليس في كتاب الله، ولا سُنة من رسول الله، ولكن عَمِلَ به المُسلمون.
ج ٣ ص ٦وقال مالك: كان زيدُ بن أسلم من العُلماء الذين يَخْشَون الله، وكان يَنْبَسط إليَّ، وكان يقول: ابن آدم، اتقِ الله يحبكَ الناسُ وإن كَرِهوا.
قال أبو عُمر: توفي زيد بن أسلم سنة ست وثلاثين ومئة، في عَشْر ذي الحجة، وفي هذه السنة استُخْلِف أبو جعفر المنصور.
-
وكان علي بن حُسين بن علي يتخطى الحِلَق إلى زيد بن أسلم وكان نافع بن جُبير يثقل ذلك عليه، فرآه ذات يوم يتخطى إليه، فقال: أتتخطى مجالسَ قومك إلى عبد آل عُمر بن الخطاب؟ فقال عليُّ بن حُسين: إنّما يجالس الرجلُ من ينفعه في دينه.
-
وكان عُمر بن عبد العزيز رحمه الله يُدْني زيد بن أسلم ويقرّبه، ويجالسُه، وحجب الأحوص الشاعر يومًا، فقال:
خليلي أبا حفص هل أنت مُخبري ... أفي الحق أن أُقصىَ ويُدْنَى ابنُ أسلما
فقال عمر: ذلك الحق.
-
أخبَرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن محمد بن عَمْرو القاضي المالكي، قال: حَدَّثَنَا محمد بن علي، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن المنذر الحِزامي قال: أخبرني زيد بن عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لما وضعَ مالك "الموطأ" ، جعل أحاديث زيد بن أسلم في آخر الأبواب، فأتيتُه، فقلت: أخَّرت أحاديث زيد بن أسلم، جعلتها في آخر الأبواب، فقال: إنّها كالسراج تُضِيءُ لما قبلها.
-
لمالك عن زيد بن أسْلَم من مرفوعات "الموطأ" أحدٌ وخمسون حديثًا؛ منها مسندةٌ ثلاثة وعشرون حديثًا. ومنها حديثٌ منقطع؛ قصةُ معاوية مع أبي الدرداء؛ تتمة أربعة وعشرين. ومنها مُرْسلة سبعة وعشرون حديثًا؛ من مراسيل سعيد بن المُسَيِّب واحد، ومن مراسيل عطاء بن يسار خمسة عشر، ومن مراسيله عن نفسه أحد عشر حديثًا.
- ج ٣ ص ٧
حديث أول لزيد بن أسْلم مسندٌ صحيحٌ، عن ابن عمر
مالك (١) ، عن نافعٍ، وعبدِ الله بن دينارٍ، وزيد بن أسلمَ، كلُّهم يُخبِرُه عن عبدِ الله بن عمرَ، أنّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يَنظُرُ اللهُ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ إلى مَن جَرَّ ثوبَه خُيلاءَ" .
قال أبو عُمر: الخُيَلاءُ التَّكبُّرُ وهي الخُيَلاءُ والمَخِيلةُ، يُقالُ منه: رجلٌ خالٌ ومُخْتالٌ: شديدُ الخُيَلاءِ، وكلُّ ذلك من البَطَرِ والكِبْرِ، واللّهُ لا يُحبُّ المتكبِّرينَ (٢) ، ولا يُحبُّ كُلَّ مُختالٍ فخورٍ.
-
وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ مَن جَرَّ إزارَه من غيرِ خُيلاءَ ولا بطرٍ أنّه لا يَلحقُه الوعيدُ المذكورُ، غيرَ أنّ جَرَّ الإزارِ والقميصِ وسائرِ الثيابِ، مذمومٌ على كلِّ حالٍ، وأمّا المُسْتَكبِرُ الذي يَجُرُّ ثوبَه، فهو الذي ورَد فيه ذلك الوعيدُ الشديدُ، يُرْوَى عن النبي عليه السلام فيما يَحكي عن ربِّه عزَّ وجلَّ أنَّه قال: "الكِبْرياءُ رِدائِي، والعظمةُ إزارِي، مَن نازَعَني واحدةً منهما أدخلْتُه النارَ" (٣) . وروى كُرَيْب بن إبراهيم، عن أبي رَيْحانة سمعه يقول: سمعتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "لا يَدْخلُ شيءٌ من الكِبْر الجنةَ" (٤) . وتركُ التَّكبُّرِ واجبٌ فَرْضًا، وهيئة
ج ٣ ص ٨اللباس سُنّة (١) ؛ قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إزْرةُ المؤمنِ إلى أنْصاف ساقَيه، ولا جُناحَ عليه فيما بينَ ذلك إلى الكَعْبينِ، ما أسفلَ من ذلك ففي النارِ" (٢) . يعني أنّ هذا يَسْتَحِقُّ من فعَل ذلك وهو عالمٌ بالنَّهْي، مستخِفٌّ بما جاءَه عن نبيِّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنْ عَفا اللهُ عنه، فهو أهلُ العفوِ وأهلُ المغفرةِ.
-
وممّا يدُلُّ على أنَّ جَرَّ الإزارِ مذمومٌ على كلِّ حالٍ، ما ذكَره أبو زُرْعَةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن أبي عُمرَ، عن سُفيانَ بن عيينةَ، أنَّه أخبرَهم، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بن عمرَ يقولُ لابن ابنِه عبدِ الله بن واقدٍ: يا بُنَيَّ، ارفَعْ إزَارَك؛ فإنِّي سمِعُت رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "لا يَنظُرُ اللهُ يومَ القيامةِ إلى مَن جَرَّ ثوبَه خُيلاءَ" .
-
ألا ترَى أنّ ابن عمرَ لَمْ يقُلْ لابن ابنِه: هل تَجُرُّه خُيلاءَ؟ بل أرسَل ذلك إرسالًا؛ خوفًا منه أنّ يكونَ ذلك خُيلاءَ، ولو صَحَّ أنَّه ليس خُيلاءَ لَمْ ينهه إن شاء اللهُ.
-
وذكَر الحَسَنُ الحُلْوانيُّ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن خِداشٍ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بن زيدٍ، قال: كان قميصُ أيوبَ يشَمُّ الأرضَ، هَرَوِيٌّ جيدٌ (٣) .
- ج ٣ ص ٩
وقد زعَم أبو جعفرٍ الطَّحاوِيُّ أنّ زيدَ بن أسلَمَ لَمْ يسمَعْ من ابن عمرَ، وهذا غَلَطٌ، وقد بان لك في حديثِ ابن عُيينةَ هذا سَماعُه (١) ، وممّا يَدُلُّ على ذلك أيضًا ما ذكَره ابن وَهْبٍ في كتابِ "المجالسِ" ، قال: أخبَرنا ابن زيدٍ، عن أبيه، أنّ أباه أسلمَ أرسَلَه إلى عبدِ الله بن عُمرَ يكتُبُ له إلى قيِّمِه بخَيبرَ أنْ يصنعَ له خَصَفَتَيْنِ (٢) للأقِطِ. قال: فجِئْتُه فقلتُ: أألِجُ؟ فقال: ادخُلْ. فلمّا دخَلْتُ قال: مرحبًا بابن أخِي، لا تقلْ: أألِجُ ولكن قل: السلامُ عليكم. فإذا قالوا: وعليك. فقلْ: أأدْخُلُ؟ فإذا قالوا: ادْخُلْ. فادخُلْ. فقال له زيدٌ: إنَّ أبي يقرَأُ عليك السلامَ، ويقولُ: اكتُبْ إلى قَيِّمِكَ بخيبرَ أنّ يصنَعَ له خَصَفَتَيْن للأقطِ. فقال: نعم وكرامةً، اكتُبْ يا غلامُ. فكتَب إلى قَيِّمِه يأمُرُه أنْ يَصنعَ لأبي (٣) خالد (٤) خَصَفَتَيْنِ جيِّدَتَيْنِ حَسنتَيْنِ. فلم يَأْلُ. قال زيدٌ؛ فبينَما هو يَكتُبُ إذ دخَل عليه عبدُ الله بن واقدٍ ابن ابنِه وهو مُلْتَحِفٌ، مُرْخٍ ثوبَه، فقال له: ارفَعْ ثوبَكَ. فرفَع، فقال: ارفَعْ، فرفَع، فقال: ارفَعْ، فرفَع، وقال: إنّ في رِجلَيَّ قُروحًا. فقال: وإن، فإنِّي سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "لا يَنظُرُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى مَن يَجُرُّ ثوبَه مِن الخيلاءِ يومَ القيامةِ" .
-
وهذا واضحٌ في كراهيةِ ابن عمرَ لجَرِّ الإنسانِ ثوبَه على كلِّ حالٍ؛ لأنّ عبدَ الله بن واقدٍ أخبَرَه أنّ في رِجْلَيْه قُروحًا، فقال: وإنْ.
- ج ٣ ص ١٠
وقد روَى هذا الحديثَ عن ابن عمرَ جماعةٌ لَمْ يَختَلِفوا فيه؛ منهم نافعٌ (١) ، وسالمٌ (٢) ، وعبدُ الله بن دينارٍ (٣) ، وعبدُ الله بن واقدٍ (٤) ، وزيدُ بن أسلمَ (٥) ، ومُحاربُ بن دِثارٍ (٦) ، وجُبيرُ بن أبي سُليمانَ (٧) ، وغيرُهم.
-
ورَواه عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جماعةٌ؛ منهم ابن عمرَ، وأبو هريرةَ (٨) ، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ (٩) .
-
حَدَّثَنَا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثَنَا عُبادةُ بن مسلم الفَزَارِيُّ، قال: حدَّثنِي جُبيرُ بن أبي سليمانَ بن جُبيرِ بن مُطْعِم، وزعَم أنّه كان جالسًا مع ابن عمرَ، إذ مرَّ به فَتًى شابٌّ، عليه جُبَّةٌ صَنْعانِيَّةٌ يَجُرُّها مُسْبِلًا، فقال: يا فَتَى، هَلُمَّ. فقال له الفتَى: ما حاجَتُك يا أبا عبدِ الرحمنِ؟ قال: ويحَك، أتُحِبُّ أنْ ينظُرَ اللهُ إليك يومَ القيامةِ؟ قال: سُبحانَ الله، وما يَمْنَعُني من ذلك؟ قال: إني سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "لا يَنظُرُ اللهُ إلى عبدٍ
ج ٣ ص ١١يومَ القيامةِ يَجُرُّ إزارَه خيلاءَ ". قال: فلم يُرَ الفتَى إلّا مُشَمِّرًا بعدَ ذلك اليوم حتى مات (١) .
-
وقد ظنَّ قومٌ أنّ جَرَّ الثوبِ إذا لَمْ يكنْ خُيلاءَ فلا بأسَ به. واحتجوا لذلك بما حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن عثمانَ بن السَّكَنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يوسفَ، قال: حَدَّثَنَا البخاريُّ، قال (٢) : أخبَرنا ابن مُقاتل، قال: أخبَرنا عبدُ الله، قال: أخبَرنا موسى بن عقبةَ، عن سالم بن عبدِ الله، عن عبدِ الله بن عُمَر، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن جَرَّ ثوبَه خُيلاءَ لَمْ ينظُرِ اللهُ إليه يومَ القيامةِ ". فقال أبو بكر: إنّ أحدَ شِقَّي (ثوبي) (٣) يَسْترخِي إلّا أنّ أتعاهدَ ذلك منه. فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنّك لست تَصنعُ ذلك خُيلاءَ ". قال موسى: قلتُ لسالم: أَذَكَر عبدُ الله " مَن جَرَّ إزارَه "؟ قال: لَمْ أسْمَعْه إلّا ذكَر " ثَوبَه" (٤) .
-
وهذا إنّما فيه أنّ أحَدَ شِقَّيّ ثوبِه يَسترخِي لا أنّه تعمَّدَ ذلك خُيلاءَ، فقال له رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لستَ ممّن يَرضَى ذلك، ولا يتعمَّدُه، ولا يُظَنُّ بك ذلكَ. وقد مضَى ما فيه كفاية في هذا المعنَي، وسنَزِيدُه بَيانا في بابِ العلاءِ إن شاء اللهُ.
-
وذكَر موسى بن هارونَ الحمَّالُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو معشَرٍ، عن أبي حازمٍ، قال: إنّ اللهَ تبارك وتعالى لا يَنظُرُ إلى عبدٍ يَجُرُّ ثوبَه من الخُيلاءِ حتى يضَعَ ذلك الثوبَ، وإن كان اللهُ يُحِبُّ ذلك العبدَ.
قال أبو عُمر: روَى زيدُ بن أسلمَ، عن ابن عمرَ أحاديثَ، منها هذا.
- ج ٣ ص ١٢
ومنها حديثُ ابن عُمرَ، عن صُهَيْبٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في رَدِّ السلام في الصلاةِ بالإشارةِ (١) ، ومنها: "إنّ من البيانِ لَسحْرًا" (٢) ، ومنها: "مَن نزَع يدًا من طاعةٍ" (٣) . ومنها في حَلِّ الأزرار (٤) ، ومنها: "تَشقيقُ الكلام من الشيطانِ" (٥) ، كلُّها عن النبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكلُّها سمِعها زيدُ بن أسلمَ من عبدِ الله بن عمرَ، ولم نَذْكُرْ في هذا الموضعِ من هذا الكتابِ حديثَ مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خطَب رجلانِ، فعجِب الناسُ لبيانِهما، فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنّ من البيانِ لسحرًا" . أو: "إنّ بعضَ البيان لسحرٌ" . وذكَرْناه في مراسلِ زيدِ بن أسلمَ من هذا الكتابِ، لأنّ يحيَى أرسَلَه، ولم يَذْكُرْ فيه ابن عمرَ، ولم يُتابَعْ يحيَى على ذلك (٦) ، واللّه أعلمُ. وبه التوفيقُ.
- ج ٣ ص ١٣
حديثٌ ثان لزَيْد بن أَسْلَم مُسْنَدٌ حَسَنٌ عن جابر
قال أبو عُمر: قال قومٌ: لَمْ يَسْمع زيدُ بنُ أسْلَم من جابر بن عبد الله، وقال آخرون: سَمِعَ منه، وسَمَاعُه من جابر غير مدفوع (١) عندي، وقد سمع من ابن عُمر، وتوفي ابنُ عُمر قبل جابر بن عبد الله بنحو أربعة أعوام، توفي جابر سنة ثمان وسبعين، وتوفي ابن عمر سنة أربع وسبعين (٢) .
-
مالك (٣) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن جابرِ بن عبدِ الله الأنصاريِّ، أَنَّه قال: خرَجنا مع رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزو بني أنْمارٍ. قال جابرٌ: فبَينا أنا نازلٌ تحتَ شجرةٍ إذا رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ (٤) ، فقلتُ: يا رسولَ الله، هلُمَّ إلى الظِّلِّ. قال:
ج ٣ ص ١٤فنزَل رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقُمتُ إلى غِرارَةِ (١) لنا، فالتَمَسْتُ فيها فوجَدتُ جِرْوَ قِثّاءٍ (٢) ، فكسَرتُه، ثم قرَّبْتُه إلى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "مِن أين لكم هذا؟ " . فقلتُ: خرَجنا به يا رسولَ الله مِن المدينةِ. قال جابرٌ: وعندَنا صاحبٌ لنا نُجَهِّزُه يذهبُ يَرْعَى ظَهْرَنا. قال: فجَهَّزْتُه، ثم أدْبَرَ يَذهبُ في الظَّهْرِ، وعليه بُرْدانِ له قد خَلَقا. قال: فنظَر رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "أمَا له ثوبان غيرُ هذين؟ " . فقلتُ: بلى يا رسولَ الله، ثوبانِ في العَيْبَةِ (٣) كَسَوتُه إيَّاهما. قال: "فادْعُه فمُرْه فلْيَلْبَسْهما" . قال: فدعَوتُه فلَبِسَهما ثم ولَّى يذهَبُ. قال: فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما له؟ ضرَب اللهُ عُنقَه، أليس هذا خيرًا؟ " . قال: فسمِعه الرجلُ، فقال: يا رسولَ الله، في سبيلِ الله؟ فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "في سبيلِ الله" . فقُتِل الرجلُ في سبيل الله.
-
هكذا هذا الحديثُ في "الموطَّأ" ، لَمْ يَختلِفْ فيه الرُّواةُ (٤) ، وقد حدَّث أبو نُعيم الحَلَبِيُّ عُبيدُ بن هشام، عن ابن المباركِ، عن مالكٍ بحديثٍ هو عندَهم خطأٌ إنْ أرادَ حديثَ زيدِ بن أسلمَ هذا.
-
حَدَّثَنَا خلفُ بن قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسينِ عليُّ بن الحسينِ بن بُندَار، قال: حَدَّثَنَا أبو عثمانَ سعيدُ بن عبدِ العزيز، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابن المباركِ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أَنَسٍ، أنّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ج ٣ ص ١٥قال لرجلٍ: "يا فلانُ، ضرَب اللهُ عُنُقَكَ" . قال: في سبيلِ الله يا رسولَ الله؟ قال: "في سبيلِ الله" . قال: وهي كانت نِيَّةَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (١) .
-
روَاه عن أبي نُعَيْم الحَلَبيِّ جماعةٌ هكذا بهذا الإسنادِ؛ منهم أبو عِمرانَ موسَى بن محمدٍ الأنْطاكِيُّ، وسعيدُ بن عبدِ العزيزِ بن مروانَ الحَلَبِيُّ.
-
في هذا الحديثِ إباحةُ طلبِ الظِّلِّ والراحةِ، وأنّ الوقوفَ للشمسِ مع وجودِ الظِّلِّ ليس من البِرِّ، في غَزْوٍ كان ذلك أو غيرِه؛ لأنّهم كانوا غازينَ مُجاهدِين حِينئذٍ. وفيه الخروجُ بالزَّادِ، وفي ذلك رَدٌّ على مَن قال من الصُّوفِيَّةِ: لا يُدَّخَرُ لِغَدٍ. وفيه إكرامُ الرجلِ الجليلِ السَّيِّدِ بيَسيرِ الطعام، وقَبولُ الجِلَّةِ ليسيرِ ما يُدْعَوْن إليه.
-
وفيه أنّ للرجل أنْ يسألَ: من أين هذا الطعامُ؟ إذا خافَ منه شيئًا، أو خافَ مِن صاحبِه غفلةً لمعنًى معهودٍ، فيُنَبِّهُه على ذلك، وكان جابر يومَئذٍ حَدَثًا، واللّهُ أعلمُ، بمعنَى سُؤالِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاه عن ذلك، ولم يكنْ جابر ممّن يُتَّهَمُ، ولكنَّ رسولَ الله بُعِث مُعَلِّمًا، - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وفيه أنّ مَن وسَّع اللهُ عليه، لم يَجُزْ له إدمانُ لُبْسِ الخَلَقِ مِن الثيابِ، وقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا أنعَم اللهُ على عبدٍ بنِعمةٍ، أحبَّ أنْ يُرَى أثرُها عليه" (٢) . وقال
ج ٣ ص ١٦عمرُ بن الخطابِ رَضِي اللهُ عنه: إذا وسَّعَ اللهُ عليكم فأوسِعوا على أنَّفسِكم، جمَع الرجلُ (١) عليه ثِيابَه (٢) .
-
حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن العباسِ الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عبدِ الحميدِ الغَضائرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بن وكيع، قال: حدَّثني أبي، عن أشْعَثَ (٣) ، عن بكرٍ المُزَنِيِّ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إنّ اللهَ يُحبُّ أنْ يُرَى أثَرُ نعمتِه على عبدِه" (٤) .
-
وهذا الحديثُ يعارضُ ما رُوي عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "البَذاذةُ منَ الإيمانِ" (٥) . والبَذاذةُ: رَثاثةُ الهيئة.
-
وفيه إباحةُ الكلام بالمعارِيضِ (٦) ، وبما فَحْواه يَسمُجُ (٧) ، إذا كان المُتَكَلِّمُ به يريدُ به وجْهًا محمودًا، ألا ترَى إلى قولِه: "ما لَه؟ ضرَب اللهُ عنقَه" ؟ وهو يريدُ بذلك الشهادةَ له، وكان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَلَّما يقولُ مثلَ هذا إلّا كان كما قال. أَلَا تَرى إلى ما رُوِي عن أصحابِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنهم قالوا حين بعَث رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْثَه إلى مُؤْتَةَ، وأمَّرَ عليهم زيدَ بن حارثةَ، فقال: "إن قُتِلَ فجعفرُ بن أبي طالب، وإن قُتِل
ج ٣ ص ١٧جعفرٌ فعبدُ الله بن رَواحةَ". قالوا: فلمّا. قال ذلك علِمْنا أنهم سيُقتَلون (١) .
-
ومثلُ هذا ما حَدَّثَنَاه سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن وضاحٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ (٢) ، قال: حَدَّثَنَا هاشمُ بن القاسمِ، قال: حَدَّثَنَا عكرمةُ بن عمّار، قال: حدَّثني إياسُ بن سلمَةَ بن الأكوع، قال: أخبَرني أبي - في حديثٍ ذكَره - أنّ عامرَ بن الأكوَع حين خرَج إلى خيبَرَ، جعَل يَرْتجِزُ بأصحابِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفيهم النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فجعَل يَسُوقُ بهم الرِّكابَ وهو يقولُ:
تاللّه لولا اللهُ ما اهْتَدَيْنا
ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا
إنَّ الذين قد بغَوا علينا
إذا (٣) أرادوا فِتنةً أَبَيْنا
ونحن عن فضلِك ما اسْتَغْنَيْنا
فثَبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنا
وأنْزِلَنْ سكينةً علينا
ج ٣ ص ١٨فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن هذا؟ " . قالوا: عامرٌ يا رسولَ الله. قال: "غفَر لك ربُّكَ" . قال: وما استَغفَر لإنسانٍ قَطُّ يَخُصُّه إلّا استُشْهِد. قال: فلمّا سمِع ذلك عمرُ بن الخطابِ قال: يا رسولَ الله، لو مَتَّعْتَنا بعامرٍ. فقام عامرٌ إلى الحربِ، فبارَزه مَرْحَبٌ اليَهودِيُّ، فاسْتُشْهِد. وذكَر تمامَ الحديثِ.
-
أَلَا تَرى إلى قولِه: وما استغفَر لإنسانٍ قَطُّ يَخُصُّه إلّا اسْتُشْهِد؟ وإلى قولِ عمرَ: لو مَتَّعْتَنا بعامرٍ؟ وهذا كلُّه في معنَى قولِه: "ما له؟ ضرَب اللهُ عُنقَه" . وفيه إجابةُ دعوةِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ودعاؤُه كلُّه عندَنا مُجابٌ إن شاء اللهُ. وسيَأْتِي القولُ في معنَى حديثِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فاخْتَبأْتُ دعوتي شفاعةً لأُمَّتِي" في موضِعِه من كتابِنا هذا إن شاء اللهُ تعالى (١) .
- ج ٣ ص ١٩
حديثٌ ثالثٌ لَزْيد بن أسْلَم متصلٌ صحيحٌ مُسند
مالك (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أنَّه قال: سمِعتُ عمرَ بن الخطابِ وهو يقولُ: حمَلْتُ على فرسٍ عَتيقٍ في سبيلِ الله، وكان الرجلُ الذي هو عندَه قد أضاعَه، فأرَدْتُ أن أشْتَرِيَه منه، وظَنَنْتُ الله بائِعُه برُخْصٍ، فسألتُ عن ذلك رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "لا تَشْتَره وإن أعطاكه بدرهم واحدٍ؛ فإنّ العائِدَ في صَدَقتِه كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئهِ" .
-
وروَى هذا الحديثَ ابن عُيينةَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيهِ عن عمرَ مثلَه، وقال فيه: "لا تَشْتَرِهِ ولا شيئًا من نِتَاجِه" . ذكَره الشافعيُّ (٢) ، والحُميدِيُّ (٣) ، عن ابن عُيينةَ.
قال أبو عُمر: الفرسُ العتِيقُ: هو الفارِهُ عندَنا، وقال صاحِبُ "العينِ" : عَتَقَتِ الفرسُ تَعْتِقُ: إذا سبَقَت، وفرسٌ عَتيقٌ: رائعٌ.
-
وفي هذا الحديثِ من الفقهِ إجازَةُ تَحْبِيسِ الخَيْلِ في سبيلِ الله.
-
وفيه أنّ مَن حُمِل على فرسٍ في سبيل الله وغزَا به، فله أنْ يفعَلَ به بعدَ ذلك ما يفعَلُ في سائرِ مالِه (٤) ، أَلَا تَرى أنّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنكِرْ على بائعِه بَيْعَه، وأنكَر على عُمرَ شِراءَه، ولذلك قال ابن عمرَ: إذا بلَغْتَ به وادِيَ القُرَى فشأنَكَ
ج ٣ ص ٢٠به (١) . وقال سعيدُ بن المسَيِّبِ: إذا بلَغ به رأسَ مَغْزاتِه فهو له (٢) . ويَحتمِلُ أنّ يكونَ هذا الفرسُ ضاعَ حتى عجَز عن اللَّحاقِ بالخَيْلِ، وضَعُفَ عن ذلك، ونزَل عن مَرَاتبِ الخَيْلِ التي يُقاتَلُ عليها؛ فأُجيزَ له بَيعُه لذلك. ومِن أهلِ العلم من يقولُ: يضَعُ ثَمَنَه ذلك في فرَسٍ عَتيقٍ إنْ وجَده، وإلّا أعانَ به في مثلِ ذلك. ومنهم مَن يقولُ: إنّه له كسائرِ مالِه إذا غزَا عليه.
-
وأمّا اختِلافُ الفقهاءِ في هذا المعنَى؛ فقال مالكٌ: إذا أُعطِيَ فرسًا في سبيلِ الله فقيل له: هو لك في سبيلِ الله. فله أنْ يَبِيعَه، وإنْ قيلَ: هو في سبيلِ الله. ركِبَه ورَدَّه.
وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ: الفرسُ المحمولُ عليها في سبيلِ الله هي لمَن يُحْمَلُ عليها تَمْلِيكٌ. قالوا: ولو قال له: إذا بَلَغْتَ به رأسَ مَغْزاكَ فهو لك، كان تَمْلِيكًا على مُخاطرةٍ، ولم يَجُزْ. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: مَن أُعطِيَ فرسًا في سبيل الله لَمْ يَبِعْه حتى يبلُغَ مَغْزاه، ثم يَصنَعُ به ما شاءَ، إلّا أن يكونَ حَبْسًا فلا يُباعُ. وقال عُبيدُ الله بن الحَسَنِ: إذا قال: هو لك في سبيلِ الله. فرجَع به، رَدَّه حتى يَجعلَه في سبيلِ الله. وسيأتي هذا في بابِ نافع (٣) ، والحمدُ للّه.
-
وفيه أنّ كلَّ مَن يجوزُ تَصَرُّفُه في مالِه وبيعُه وشِراؤُه، فجائزٌ له بيعُ ما شاء من مالِه بما شاء من قليلِ الثَّمَنِ وكثيرِه، كان مِمّا يَتغابنُ الناسُ به أو لَمْ يكنْ؛ إذا كان ذلك مالَه ولم يكنْ وكِيلًا ولا وصِيًّا، لقولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديثِ: "ولو أعْطَاكَهُ بدرْهم" .