يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
١٬٢٥٥ فقرة، ج ١٥ ص ٥
الصفحة ٣١ من ٣٢
- ج ١٥ ص ٥١٩
حدَّثنا خلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الحُسينُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا النّضْرُ بنُ سلَمة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عَمْرو الفِهْريُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، سمِعتُه يقول: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يُحدِّثُ عن أنس؛ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يمسَحُ وَجْهَ فرَسِه بردائِه، فسُئلَ عن ذلك وقيل: يا نبيَّ الله، رأيناكَ فعلْتَ شيئًا لم تكُنْ تفعَلُه؟ ! فقال: "إنّي عُوتِبْتُ اللّيلةَ في الخيل" (٣) .
- ج ١٥ ص ٥٢٠
وفي هذا الحديث فضلُ الخيل وفضلُ اتخاذِها، وقد مضَى القولُ في ارتباطِها عُدَّةً في سبيل الله، وفي حبسِها رياءً ونواءً لأهل الإسلام، في باب زيدِ بنِ أسلم (١) ، وقد جاءت في الخيل آثار كثيرة.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ من الوحي ما لا يُتلَى، وأنَّ المرءَ يُؤجَرُ في الإحسانِ إلى العَجْماء.
-
وروَى سُفيانُ بنُ عُيينةَ هذا الحديث، عن يحيى بنِ سعيد، عن مُسلم بنِ يسار، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- رُئيَ صباحًا وهو يمسَحُ وجْهَ فرسِه بردائِه، وقال: "إنّ جبريلَ عاتَبني الليلةَ في الخيل" (٢) .
-
أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: أخبَرنا مسلمةُ بنُ قاسمِ بنِ إبراهيم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الحسنِ الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ حبيب، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال (٣) : حدَّثنا جريرُ بنُ حازم، قال: حدَّثنا الزبيرُ بنُ
ج ١٥ ص ٥٢١الخِرِّيتِ الأزديُّ، قال: حدَّثني نُعيمُ بنُ أبي هندٍ الأشجعيُّ، قال: رُئيَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يمسَحُ خَدَّ فرسِه، فقيل له في ذلك، فقال: "إنّ جبريلَ عاتَبني في الفرس" .
-
هكذا رواه أبو داودَ الطيالسيُّ، عن جريرِ بنِ حازم، عن الزبيرِ بنِ الخِرِّيت، عن نُعيم بنِ بن أبي هندٍ مرسَلًا.
-
ورواه مُسلمُ بنُ إبراهيم، عن سعيدِ بنِ زيد، عن الزبيرِ بنِ خِرِّيت، عن نُعيم بنِ أبي هند، عن عُروةَ البارقيِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- نحوَه مُسنَدًا (١) .
-
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ النَّسَويُّ، قال (٢) : أخبَرني الحسنُ بنُ إسماعيلَ بنِ سُليمانَ بنِ مُجالد، قال: أخبَرني عيسى بنُ يونس، عن عبدِ الرّحمن بنِ يزيدَ بنِ جابر، قال:
ج ١٥ ص ٥٢٢حدَّثني أبو سلّام الدِّمشقيُّ، عن خالدِ بنِ يزيدَ الجُهَنيِّ، عن عُقبةَ بنِ عامر، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في حديثٍ ذكَره: "وليس اللهوُ إلا في ثلاثة: تأديبُ الرجل فرسَه، ومُلاعبتُه امرأتَه، ورميُه بقوسِه ونَبْلِه، ومَن ترَك الرميَ بعدَما علِمه رغبةً عنه، فإنما هي نعمةٌ كفَرها" . أو قال: "كفَر بها" .
-
وأخبَرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ رافع، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ البزّارُ هشامُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ الأنصاريُّ، عن عَقيلِ بنِ شَبيب، عن أبي وَهْب -وكانت له صحبة- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "تَسَمَّوا بأسماءِ الأنبياء، وأحبُّ الأسماءِ إلى الله عبدُ الله وعبدُ الرّحمن، وارتبِطُوا الخيل، وامسَحُوا بنواصيها وأكفالِها، وقلِّدُوها، ولا تُقلِّدوها الأوتار، وعليكم بكلِّ كُمَيْتٍ أغرَّ مُحَجَّل، أو أشقرَ أغرَّ مُحجَّل، أو أدهمَ أغرَّ مُحجَّل" .
-
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢) : أخبَرني أحمدُ بنُ حفص، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ طَهمان، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس، قال: لم يكنْ شيءٌ أحبَّ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بعدَ النساءِ من الخيل.
قال أبو عُمر: رواه أبو هلال الراسبيُّ محمدُ بنُ سُليم، عن قتادة، عن مَعقِلِ بنِ يسار، وليس بشيء:
ج ١٥ ص ٥٢٣حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الورد، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مَسلمةَ بنِ قَعْنَب، قال: حدَّثنا أبو هلال، يعني محمدَ بنَ سُلَيم الراسبيَّ، عن قتادة، عن مَعقِلِ بنِ يسارٍ قال: لم يكنْ شيءٌ أعجبَ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- من الخيل. ثم قال: اللَّهمَّ غَفْرًا، بل النساء (١) .
-
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢) : أخبَرنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا يونس، عن عَمْرِو بنِ سعيد، عن أبي زُرعةَ بنِ عَمْرو بنِ جرير، عن جرير، قال: رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَفتِلُ ناصيةَ فرسِه بينَ إصْبَعيه وهو يقول: "الخيلُ معقودٌ في نواصِيها الخيْرُ إلى يومِ القيامة؛ الأجْرُ والغَنِيمةُ" .
- ج ١٥ ص ٥٢٤
حديثٌ ثالثٌ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، أنه قال: أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- السعْدَيْنِ أن يبيعَا آنيةً (٢) من ذهَبٍ أو فضة، فباعا كلَّ ثلاثةٍ بأربعةٍ عينًا، أو كلَّ أربعةٍ بثلاثةٍ عينًا، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أربَيتُما فرُدَّا" .
-
وهذا الحديثُ لا أعلَمُه يستنِدُ بهذا اللفظِ في ذِكْرِ السعدَيْن، وقد رواه الليثُ بنُ سَعْدٍ وعَمْرُو بنُ الحارث، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبدِ الله بنِ أبي سَلَمة (٣) . ولم يذكُرْ مالكٌ عبدَ الله بنَ أبي سلمة، وعنه رواه يحيى بنُ سعيد.
-
ذكر ابنُ وَهْب قال: أخبَرني الليثُ بنُ سَعْدٍ وعَمْرُو بنُ الحارث، عن يحيى بنِ سعيد، أنه حدَّثهما، أن عبدَ الله بنَ أبي سَلَمةَ حدَّثه، أنه بلَغه أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عامَ خيبرَ جعَل السعدَيْن على المغانم، فجعَلا يبيعانِ كلَّ أربعةِ مثاقيلَ بثلاثةٍ عينًا، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أرْبيتُما فرُدَّا" . وأحدُ السعدَيْن سَعْدُ بنُ مالك (٤) .
-
هكذا جاء في هذا الإسنادِ في آخرِ الحديثِ أنَّ أحدَ السعدَيْن سَعْدُ بنُ مالك، ولا أعلمُ في الصحابةِ سَعْدَ بنَ مالكٍ إلا سَعْدَ بنَ أبي وقاص وأبا سعيدٍ الخدريَّ.
-
فأمّا سَعْدُ بنُ أبي وقاص فهو سَعْدُ بنُ مالكٍ بنِ وُهيبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ زُهرةَ أبو إسحاق.
- ج ١٥ ص ٥٢٥
وأما أبو سعيدٍ الخدريُّ فهو سَعْدُ بنُ مالكِ بنِ سِنانٍ الأنصاريُّ من بني خُدرة، ويبعُدُ عندي أن يكونَ أحدُ السعدَيْن أبا سعيدٍ الخدريَّ؛ لصِغَرِ سنِّه، والأظهرُ الأغلبُ أنه سَعْدُ بنُ أبي وقّاص.
-
وأما الآخرُ فلم يختلِفوا أنه سَعْدُ بنُ عُبادةَ بنِ دُلَيم الأنصاريُّ الخزرجيُّ (١) ، فعلى هذا أحدُ السعدَيْن مهاجريٌّ والآخَرُ أنصاريٌّ.
-
وقد قيل: إن السعدَيْن المذكورين في هذا الخبر هما سَعْدُ بنُ معاذٍ وسعدُ بنُ عُبادة. وزعَم قائلُ ذلك أنهما السَّعدانِ المعروفان في ذلك الزمان، واحتجَّ بالخبرِ المأثور أن قريشًا سمِعوا صائحًا يَصيحُ ليلًا على أبي قُبَيْس:
فإن يُسلِمِ السعدانِ يُصبِحْ محمدٌ ... بمكةَ لا يَخشَى خِلافَ المُخالفِ
قال: فظنَّت قريشٌ أنهما سَعْدُ بنُ زيدِ مناةَ بنِ تميم، وسعدُ هُذَيم من قُضاعة، فلما كان الليلةُ الثانيةُ سمِعوا صوتًا على أبي قُبيس:
أيا سَعْدُ سَعْدَ الأوسِ كنْ أنت ناصرًا ... ويا سَعْدُ سَعْدَ الخَزْرَجيْن الغطارفِ (٢)
أجيبا إلى داعي الهُدى وتَمَنَّيا ... على الله في الفردوسِ مُنْيَةَ عارفِ
فإنَّ ثوابَ الله للطالبِ الهُدى ... جِنانٌ من الفردوسِ ذاتُ رفارفِ
قال: فقالوا: هذان والله سَعْدُ بنُ مُعاذٍ وسعدُ بنُ عُبادة (٣) .
ج ١٥ ص ٥٢٦قال أبو عُمر: هذا غلطٌ، لا يجوزُ أن يكونَ سَعْدُ بنُ معاذٍ أحدَ السعدَيْنِ المذكورَينِ في هذا الباب؛ لأنَّ سَعْدَ بنَ مُعاذٍ تُوفِّي بعدَ الخَندقِ بيسير، من سهْم أصابَه يومَ الخندق، ولم يُدرِكْ خيبر، والقولُ الأولُ أوْلى وأصحُّ، وقد وجَدنا ذلك منصوصًا.
-
ذكَر يعقوبُ بنُ شيبةَ وسعدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ (١) الحكم، قالا: حدَّثنا قُدامةُ بنُ محمدِ بنِ قُدامةَ بنِ خَشْرَم الأشجعيُّ، عن أبيه، قال: حدَّثني مَخْرمةُ بنُ بُكير، عن أبيه، قال: سمِعتُ أبا كثيرٍ جُلاح مولى عبدِ الرّحمن أو عبدِ العزيزِ بنِ مَروانَ يقول: سمِعتُ حَنَشًا السَّبئي، عن فَضالةَ يقول: كنّا يومَ حُنين، فجعَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على الغنائم سَعْدَ بنَ أبي وقّاص وسعدَ بنَ عُبادة، فأرادوا أن يَبيعوا الدينارَين بالثلاثة، والثلاثةَ بالخمسة، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا، إلا مِثْلًا بمِثْل" (٢) .
-
وهذا إسنادٌ صحيحٌ متصلٌ حسنٌ، وأبو كثير هذا يقالُ فيه: مولى عُمرَ بنِ عبدِ العزيز بنِ مروان. ويقال: مولى عبدِ الرّحمن بنِ مروان. مصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، روَى عنه عَمْرُو بنُ الحارث، وبُكيرُ بنُ الأشَجِّ، وعُبيدُ الله بنُ أبي جعفر، وسائرُ
ج ١٥ ص ٥٢٧الإسنادِ أشهرُ من أن يُحتاجَ إلى القولِ فيه، فصحَّ أنَّ السعدَيْن سَعْدُ بنُ أبي وَقّاص وسعدُ بنُ عُبادة، وارتفَع الشكُّ في ذلك، والحمدُ لله.
-
وأمّا عبدُ الله بنُ أبي سلمةَ الذي روَى عنه يحيى بنُ سعيدٍ هذا الحديث، فقيل: إنه عبدُ الله بنُ أبي سَلَمةَ الهُذلىُّ. يَروي عن ابنِ عُمرَ وغيره، وزعَم البخاريُّ (١) أنه عبدُ الله بنُ أبي سلمةَ والدُ عبدِ العزيزِ بنِ أبي سلمةَ الماجِشون، فاللهُ أعلم.
-
وأما المعنى الذي ورَد في هذا الحديثِ من تحريم الازديادِ في الذهبِ بالذهب، فمعنًى مجتمَعٌ عليه عندَ الفقهاءِ لا خلافَ فيه، إلا ما ذكَرنا عن ابنِ عباس مما لا وجهَ له من ردِّ السُّنَّة له (٢) ، والآثارُ في هذا الباب كثيرةٌ، وقد ذكَرنا كثيرًا منها في مواضعَ من كتابنا هذا، والحمدُ لله.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بنُ سَعْد، عن ابنِ أبي جعفر، عن الجُلاح أبي كثير، قال: حدَّثني حَنَشٌ الصنعانيُّ، عن فَضالةَ بنِ عُبيدٍ قال: كنّا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ خيبرَ نُبايعُ اليهودَ الأُوقيّة من الذهبِ بالدينار - وقال غيرُ قتيبة: بالدينارين والثلاثة- فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَبيعُوا الذهبَ بالذهبِ إلا وزنًا بوزن" .
- ج ١٥ ص ٥٢٨
وذكر ابنُ وَهْبٍ قال: أخبَرني ابنُ لَهِيعة، عن عامرِ بنِ يحيى وخالدِ بنِ أبي عِمْران، عن حَنَشٍ السبئي، عن فَضالةَ بنِ عُبيدٍ، قال: كنّا معَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ خيبرَ نُبايعُ اليهودَ أُوقيّة الذهب بالدينارينِ والثلاثة، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَبيعُوا الذهبَ بالذهبِ إلا وزنًا بوزن" (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى وأبو بكرِ بنُ أبي شيبة (٤) وأحمدُ بنُ مَنيع ومحمدُ بنُ العلاء، قالوا: أخبَرنا عبدُ الله بنُ المبارك، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ أبي عِمْران، عن حَنَش، عن فَضالةَ قال: أُتيَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ حُنين - وبعضُهم قال: عامَ خيبرَ- بقِلادةٍ من ذَهَبٍ فيها خَرَزٌ مُعلَّقة- وقال بعضُهم: بقلادةٍ فيها خرزٌ وذَهَبٌ- ابتاعها رجلٌ بتسعةِ دنانيرَ أو بسبعةِ دنانير، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لا، حتى تمُيِّزَ ما بينَهما" . قال: إنما أردتُ الحجارة. قال: "لا، حتى تُميِّزَ ما بينَهما" .
- ج ١٥ ص ٥٢٩
حديثٌ رابعٌ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، قال: بلَغني أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ قال لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: إنّي أُرَوَّعُ في مَنامي. فقال له رسوُل الله -صلى الله عليه وسلم-: "قل: أعوذُ بكلماتِ الله التامّةِ من غضَبِه وعِقابِه وشرِّ عبادِه، ومن همَزاتِ الشياطينِ وأن يحضُرون" .
-
وهذا حديثٌ مشهورٌ مسندًا وغيرَ مسنَد.
-
أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن عُمرَ بنِ عليِّ بنِ حَرْب، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَرْب الطائيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن أيوبَ بنِ موسى، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، أنَّ خالدَ بنَ الوليد كان يُرَوَّعُ، أو يُؤرَّقُ، من الليل، فذكَر ذلك للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فأمَره أن يتعوَّذَ بكلماتِ الله التامّة من غضَبِ الله وعقابِه، من شرِّ عبادِه، ومن همَزاتِ الشياطينِ وأن يَحضُرون (٢) .
-
وأخبَرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ مَنْصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال:
ج ١٥ ص ٥٣٠كان الوليدُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرةِ يُرَوَّعُ في نومِه. قال: فذكَر ذلك لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إذا اضْطَجَعتَ للنوم فقل: باسم الله، أعوذ بكلماتِ الله التامِّةِ من غضبِه وعقابِه وشرِّ عبادِه، وشرِّ همزاتِ الشياطينِ وأن يَحضُرون" . فقالها فذهَب عنه ذلك، فكان عبدُ الله بنُ عَمْرٍو يُعلِّمُها مَن بلَغ من بَنيه، ومَن كان منهم صغيرًا لا يُقيمُها كتَبها وعلَّقها عليه (١) .
-
هكذا قال ابنُ إسحاقَ في هذا الحديث: الوليدُ بنُ الوليد. وهو أخو خالدِ بن الوليد، وكان من فُضلاءِ الصحابة، أسلَم قبلَ أخيه، وقُتِل شهيدًا في حياةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض السَّرايا.
-
وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن عَمْرو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُعلِّمُهم من الفَزَع كلمات: "أعوذُ بكلماتِ الله التامَّاتِ من غَضَبِه وشرِّ عبادِه، ومن همزاتِ الشياطينِ وأن يَحضُرون" . وكان عبدُ الله بنُ عَمْرو يُعلِّمُهن مَن عقَل من بَنيه، ومَن لم يَعقِلْ كتَبها فعَلَّقها عليه.
- ج ١٥ ص ٥٣١
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ كلامَ الله عزَّ وجلَّ غيرُ مَخْلوق؛ لأنه لا يُستعاذُ بمَخْلُوقٍ وليس في هذا الحديثِ ما يحتاجُ إلى تفسير إلا قوله: "وأن يَحضُرون" . فإن أهلَ المعاني قالوا: معناه: وأن يُصيبوني بسُوء. وكذلك قال أهلُ التفسير في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨] : يُصيبوني بسُوء. قال: ومثلُ هذا قولُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن هذه الحُشوشَ محُتضَرَةٌ" (١) ؛ أي: يُصابُ الناسُ فيها. ومن هذا أيضا قولُ الله عزَّ وجلَّ: {كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} [القمر: ٢٨] ؛ أي: يُصيبُ منه صاحبُه.
- ج ١٥ ص ٥٣٢
حديثٌ خامسٌ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، أنَّهُ قال: أُسِريَ برسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فرأى عِفْريتًا من الجنِّ يطلُبُه بشُعلةٍ من نار، كلّما التفَت رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- رآه، فقال جبريل: أفلا أُعلِّمُكَ كلماتٍ تقولُهُنَّ، إذا قُلتَهُنَّ طَفِئت شُعلتُه وخَرَّ لفِيه؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "بلى" . فقال جبريل: قل (٢) : أعوذُ بوجهِ الله الكريم، وبكلماتِ الله التامّاتِ التي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فاجرٌ، من شرِّ ما ينزلُ من السماء، وشرِّ ما يَعرُجُ فيها، ومن شرِّ ما ذرَأ في الأرض، وشرِّ ما يخرجُ منها، ومن فتنِ الليلِ والنهار، ومن طوارقِ الليل، إلا طارقٌ (٣) يطرُقُ بخير يا رحمنُ.
-
وهذا الحديثُ قد رواه قومٌ عن يحيى بنِ سعيدٍ مُسندًا.
-
أخبَرناه عبدُ الله بنُ محمد بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤) : أخبَرنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ الله النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عبد الرّحمن بنِ سَعْدِ بنِ زُرارة، عن عيّاش الشاميّ، عن عبدِ الله بنِ مسعود، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ليلةَ الجنِّ وهو مع جبريلَ عليه السلامُ وأنا معه، فجعَل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقرأ، وجعَل العِفريتُ يدنو ويزدادُ قُربًا، فقال جبريل: ألا أُعلِّمُكَ كلماتٍ تقولُهنَّ فيُكَبَّ العِفريتُ لوجهِه وتُطفَأ
ج ١٥ ص ٥٣٣شعلتُه؟ قل: أعوذُ بوجهِ الله الكريم، وكلماتِه التامّاتِ التي لا يُجاوِزُهنَّ بَرٌّ ولا فاجر، من شرِّ ما يَنزِلُ من السماء، وما يعرُجُ فيها، ومن شرِّ ما ذرَأ في الأرض، وما يخرُجُ منها، ومن فِتَنِ الليل والنهار، ومن شرِّ طوارقِ الليل والنهار، إلا طارقٌ يطرُقُ بخير يا رحمن. فكُبَّ العِفريتُ لوجهِه، وانطَفَأتْ شعلتُه.
قال أبو عُمر: محمدُ بنُ جعفر هذا هو ابنُ أبي كثير أخو إسماعيلَ بنِ جعفر، وهما ثقتان، وقد روَى جعفرُ بنُ سُليمان، عن أبي التّيّاح، قال: قلت لعبدِ الرّحمن بنِ خَنْبَش، أو قيل لعبدِ الرّحمنِ بنِ خَنْبَش -وكان شيخًا كبيرًا-: حدِّثنا عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كيف صنَع حينَ كادتْه الجنُّ؟ (١) قال: تحدَّرَت عليه الشياطينُ من الأوديةِ والشِّعابِ يريدُونه، وكان فيهم شيطانٌ معه شُعلةٌ من نارٍ يريدُ أن يحرِقَ بها النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فلمّا رآهم فزعَ منهم، فقال له جبريل: قل. قال: "ما أقول؟ " . قال: قل: أعوذُ بكلماتِ الله التامّاتِ التي لا يُجاوِزُهنَّ بَرٌّ ولا فاجرٌ، من شرِّ ما خلَق وذرَأ وبرَأ، ومن شرِّ ما ينزلُ من السماء، ومن شرِّ ما يعرُجُ فيها، ومن شرِّ فِتَنِ الليلِ والنهار، ومن شرِّ كلِّ طارقٍ إلا طارقٍ يطرُقُ بخيرٍ يا رحمن.
-
ذكَره العُقيليُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ سُفيان، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عُمرَ القواريريُّ، حدَّثنا جعفرُ بنُ سُليمان، حدَّثنا أبو التَّيّاح، قال: سأل رجلٌ عبدَ الرّحمنِ بنَ خَنْبَش -وكان رجلًا كبيرًا- فقال: كيف صنَع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ كادَتْه الجنُّ؟ فذكَره (٢) .
- ج ١٥ ص ٥٣٤
وحدَّثنا بحديثِ عبدِ الرّحمن بنِ خَنْبَش أبو عبدِ الله محمدُ بنُ إبراهيمَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ يحيى حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو البَزّار، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ سُليمانَ الضُّبَعيُّ، عن أبي التَّيَّاح، قال: سأل رجل عبدَ الرّحمنِ بنَ خَنْبَش -وكان شيخًا كبيرًا قد أدرَك النبيَّ-: كيفَ صنَع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- حيثُ كادَتْه الشياطين؟ قال: تحدَّرت عليه الشياطينُ من الجبالِ والأودية، يُريدون رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، وفيهم شيطانٌ معه شُعلةُ نار، يريدُ أن يحرِقَه بها، فلمّا رآهم وجِل، وجاء جبريلُ عليه السلامُ فقال: يا محمدُ، قل. قال: "وما أقولُ؟ " . قال: قل: أعوذُ بكلماتِ الله التّامّاتِ اللّائي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فاجِرٌ، من شَرِّ ما خلَقَ وذرأَ وبرأَ، ومن شرِّ ما ينزِلُ منَ السّماء ومن شرِّ ما يعرُجُ فيها، ومن شرِّ ما ذرأَ في الأرض وبرأ، ومن شرِّ ما يخرُجُ منها، ومن شرِّ فِتنِ الليلِ والنهار، ومن شرِّ كلِّ طارقٍ إلا طارق يطرُقُ بخيرٍ، يا رحمن، فطفئتْ شُعلةُ نارِ الشيطان، وهزَمَهُم الله.
قال أبو بكر البزّار: وهذا الحديثُ لا يُعلم رواهُ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلا عبدُ الرّحمن بنُ خَنْبَش، وليس له والله أعلم عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- غيرُه.
- ج ١٥ ص ٥٣٥
حديثٌ سادسٌ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، أنه سمِع محمدَ بنَ المنكدرِ يقول: أحبَّ اللهُ عبدًا سَمْحًا إن باعَ، سَمْحًا إن ابتاعَ، سَمْحًا إن قضَى، سَمْحًا إن اقتَضَى.
-
لم يُختلفْ على مالكٍ في هذا الحديث أنه موقوفٌ على ابنِ المنكدر (٢) ، وكذلك رواه أكثرُ أصحاب ابن المنكدر (٣) .