مالك عن ابن حماس حديثان

١٨ فقرة، ج ١٦ ص ٥

  1. واختُلِفَ في اسْمِه؛ فقيل: يونسُ بنُ يوسُفَ بنِ حِماس. وقيل: يوسفُ بنُ يونس. واضطربَ في اسْمِه رُواةُ "الموطّأ" اضطرابًا كثيرًا، وأظُنُّ ذلكَ من مالك.

    ج ١٦ ص ٥
  2. وكان ابنُ حِماسٍ هذا رجُلًا صالحًا فاضلًا مُجابَ الدَّعوة.

  3. أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ محمد (٢) ، قال (٣) :

    ج ١٦ ص ٦حدَّثنا الحسينُ بنُ عليٍّ (١) ، قال: حدَّثنا أُسامةُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ أبي بكرٍ الزُّهريُّ، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقول: كان يونسُ بنُ يوسفَ أو يوسفُ بنُ يونس -شكَّ عبدُ الرّحمن- من عُبّادِ الناس، فراحَ إلى المسجدِ ذاتَ يومٍ فلَقيته امرأةٌ، فوقَعَ في نفْسِه منها، فقال: اللَّهمَّ إنّكَ خلَقْتَ لي بصَري نِعْمةً، وقد خَشِيتُ أن يكونَ عليَّ نِقْمةً فاقْبِضْهُ إليكَ. فكان يروحُ إلى المسجدِ يقودُه ابنُ أخٍ له، فإذا اسْتقبلَ الأُسطُوانةَ اشتغلَ الصبيُّ يلْعبُ معَ الصِّبيان، فإن نابَتْه حاجةٌ حَصَبَهُ وأقبلَ إليه، فبَينما هو يُصلّي ذاتَ يومٍ ضَحْوةً، إذ حسَّ في بطنِه شيئًا فحصَبَ ابنَ أخيه، فاشتغلَ مع الصِّبيانِ يلعَبُ ولم يأتِه، فلمّا خافَ على نفسِه قال: اللهُمَّ إنّكَ خلَقْتَ لي بصَري نِعْمةً، وخشيتُ أن يكونَ عليَّ نِقْمةً، وسألتُكَ فقبضْتَهُ، اللَّهمَّ إنّي قد خَشِيتُ الفضِيحة. قال: فانْصَرفَ إلى منزِلِه وهو يُبصِرُ. قال مالكٌ: فرأيتُه أعمى، ورأيتُه بصيرًا.

  4. حديث أوّل لابن حِمَاس

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ حِماس، عن عمِّه (٢) ، عن أبي هُريرة، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَتُتْرَكَنَّ المدينةُ على أحسَنِ ما كانت، حتى يدخُلَ الكلْبُ أو الذئبُ فيُغَذّى على بعضِ سواري المسجد، أو على المِنْبر" . فقالوا: يا رسولَ الله، فلِمَن تكونُ الثمارُ ذلك الزمان؟ قال: "للعَوافي: الطير والسِّباع" .

    ج ١٦ ص ٧
  5. هكذا قال يحيى في هذا الحديث: عن مالك، عن ابنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. لم يُسَمِّ ابنَ حِماسٍ بشيء.

    وقال أبو المُصْعَب (٣) : مالكٌ، عن يونسَ بنِ يوسفَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. وكذلك قال مَعْنُ بنُ عيسى (٤) ، وعبدُ الله بنُ يوسفَ التِّنِّيسي (٥) : يونسُ بنُ يوسف.

    وقال ابنُ القاسم (٦) : حدَّثني مالك، عن يوسفَ بنِ يونسَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة.

  6. وكذلك قال ابنُ بُكير (٧) ، وسعيدُ بنُ أبي مريم (٨) ، ومُطَرِّف (٩) ، وابنُ

    ج ١٦ ص ٨نافع (١) ، وعبدُ الله بنُ وَهْب (٢) ، وسعيدُ بنُ عُفير، ومحمدُ بنُ المبارك، وسُليمانُ بنُ بُرْد، ومصعبُ الزُّبيريُّ، كلُّهم قال: يوسفُ بنُ يونس.

    وقال فيه زيدُ بنُ الحُباب: عن مالك، عن يوسفَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. وقد قيل عن عبدِ الله بنِ يوسفَ مثلُ ذلك أيضًا (٣) .

  7. وقد رُوِيَ عن سعيدِ بنِ أبي مريمَ في هذا الحديث: يونسُ بنُ يوسف: حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفر وعبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن يونسَ بنِ يوسفَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَتُتْرَكنَّ المدينةُ على أحسنِ ما كانت، حتى يدخُلَ الكلبُ فيُغذِّي على بعضِ سَوَاري المسجد -أو على المِنْبر" . قالوا: يا رسولَ الله، فلمَن تكونُ الثمارُ ذلك الزمان؟ قال: "للعَوافي: الطير والسِّباع" (٤) .

    وقال القَعْنَبيُ في هذا الحديث: مالكٌ، أنه بلَغه عن أبي هُريرة. لم يذكُرِ اسمَ أحد، وجعَل الحديثَ بلاغًا عن أبي هُريرة (٥) .

  8. وهذا الاضطرابُ يدلُّ على أن ذلك جاء من قبل مالك، واللهُ أعلم. وروايةُ يحيى في ذلك حَسَنة؛ لأنه سَلِم من التَّخْليط في الاسم، وأظُنُّ أنَّ مالكًا لمّا اضطَرَب

    ج ١٦ ص ٩حِفْظُه في اسم هذا الرجل رجَع إلى إسقاطِ اسمِه، وقال: عن ابنِ حِماس. ويحيى من آخرِ مَن عَرَض عليه "الموطأ" ، وشهِد وفاتَه، ويقال: إنَّ القَعْنَبيَّ شهِد وفاتَه أيضًا، ولذلك انصرَف إلى العراق.

  9. وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَتُتْرَكَنَّ المدينةُ على أحسنِ ما كانت" . دليلٌ على علمِه من الغيب بما كان يُنبَّأُ به وُيطلَعُ عليه من الوحي، وفي ذلك عَلَمٌ واضحٌ من أعلام نبوَّتِه -صلى الله عليه وسلم-.

  10. وأما قوله: "فيُغَذِّيَ على بعض سواري المسجد" . فمعناه أن الذئبَ يَبولُ على بعضِ سواري المسجدِ أو على المنبر -شكَّ المحدِّثُ- وذلك لخلاءِ المدينةِ من أهلِها ذلك الزمان، وخُروج الناسِ عنها وتغيُّرِ الإسلام فيها، حتى لا يكونَ بها مَن يَهتبِلُ بالمسجدِ فيصونُه ويحرُسُه (١) ، يقال من هذا الفعل: غذَّت المرأةُ ولدَها -بالتشديد-: إذا أبالتْهُ، أي: حمَلتْه على البولِ وجعَلتْه يبولُ، وغذَت ولدَها -بالتخفيف-: إذا أطعَمتْه وربَّتْه، من الغِذاء.

  11. وأما قولُه في هذا الحديث: "للعَوافي: الطيرِ والسِّباع" . فالطيرُ والسِّباعُ تفسيرٌ للعوافي، وهو تفسيرٌ صحيحٌ عندَ أهلِ الفقهِ وأهلِ اللغةِ أيضًا، ومما يعْضُدُ هذا

    ج ١٦ ص ١٠التفسيرَ أيضًا حديثُ أمِّ سلَمةَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "ما من مسلم يُحيي أرضًا فتشرَبُ منها كَبِدٌ حَرَّى (١) ، أو تُصيبُ منها عافيةٌ، إلا كتَب اللهُ له بها أجرًا" (٢) . والعافيةُ واحدةُ العوافي، والعافي هاهنا: الطالبُ لما يأخُذُ ويأكُلُ، قال الأعشى (٣) :

    يطوفُ العُفاةُ بأبوابِه ... كطَوْفِ النصارى ببيتِ الوَثَنْ

    وقال أعرابيٌّ يمدَحُ خالدَ بنَ بَرْمَك:

    أخالدُ إني لم أزُرْكَ لحاجةٍ ... ولكنني عافٍ وأنت جَوَادُ (٤)

  12. ولهذه اللفظة معانٍ في اللغة نحتلفة.

  13. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جريرِ بنِ

    ج ١٦ ص ١١حازم، قال: حدَّثني أبي، قال: سمِعتُ الأعْمَشَ يُحدِّثُ، عن عَمْرو بنِ مُرّة، عن عبدِ الله بنِ الحارث، عن حبيبِ بنِ حِماز، عن أبي ذرٍّ، قال: أقبَلْنا معَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فنزَلنا ذا الحُلَيفة، فتعجَّل رجالٌ إلى المدينةِ فباتوا بها، فلمّا أصبَح سأل عنهم، فقيل: تعجَّلوا إلى المدينةِ وإلى النِّساء. فقال: "تعجَّلُوا إلى المدينة! أمَا إنهم سيترُكونها وهي أحسنُ ما كانت" (١) .

  14. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي هُريرة، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيَترُكَنَّ المدينةَ أهلُها خيرَ ما كانت نصفين؛ رُطبًا، وزَهْوًا" . قال: ومَن يُخرِجُهم منها يا أبا هُريرة؟ قال: أُمراءُ السُّوء (٢) . قال إسماعيلُ القاضي: هكذا حدَّثنا به مسلم مرفوعًا إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

  15. حديث آخر لابنِ حِماسٍ

    مالكٌ (١) ، عن يونسَ بنِ يوسف، عن عطاءِ بنِ يسار، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ (٢) ، أنَّه وجَد غِلمانًا قد ألْجَؤُوا (٣) ثعلئا إلى زاوية، فطرَدهم عنه. قال مالك: لا أعلمُ إلا أنه قال: أفي حَرَم رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصنَعُ هذا؟

    قال التِّنِّيسيُّ (٤) في هذا الحديث عن مالك فيه: أفي حَرَم الله؟ وقال مَعْنٌ وغيرُه عن مالك فيه: أفي حَرَم رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ كما قال يحيى.

    ج ١٦ ص ١٢
  16. وقد تقدَّم القولُ في تحريم المدينةِ وحدودِ حَرَمِها في الصيدِ وغيرِه في بابِ ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب من هذا الكتاب (٥) ، وفي باب عَمْرو بنِ أبي عَمْرو (٦) أيضًا.

  17. ولم يختلفِ الرواةُ (٧) فيما علِمتُ عن مالك في اسم شيخِه في هذا الحديث،

    ج ١٦ ص ١٣وكلُّهم قال فيه: يونسُ بنُ يوسف. وقد قيل: إنه غيرُ ابنِ حِماسٍ، وليس بشيء، وهو ابنُ حِماسٍ، وهذا يقضي لروايةِ معْنٍ وأبي مصعبٍ بالصواب، والله أعلم.

  18. ولمالكٍ عن يونسَ بنِ يوسفَ هذا حديثٌ آخرُ في الموطّأ (١) في كتاب البُيوع عن سعيدِ بنِ المسيِّب: أنّ عُمرَ مرّ بحاطبٍ وهو يبيعُ زبيبًا في السُّوق.