يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
١٬٢٥٥ فقرة، ج ١٥ ص ٥
الصفحة ١ من ٣٢
- ج ١٥ ص ٥
وهو يحيى (١) بنُ سعيدِ بنِ قيسِ بنِ عَمْرِو بنِ سَهْلِ بنِ ثعلَبةَ بنِ الحارثِ بنِ زيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ غَنْم بنِ مالكِ بنِ النّجار، ولجدِّه قيسُ بنُ عَمْرٍو صُحبة، وقد ذكَرنا في كتاب "الصحابة" (٢) .
وقال قومٌ: جدُّ يحيى بنِ سعيد: قيسُ بنُ قَهْدٍ (٣) . وقال آخَرون: قيسُ بنُ عاصم وإنّما جدُّه قيسُ بنُ عَمْرٍو على ما ذكرنا، وهو الصّحيحُ عندَنا.
-
ويُكْنَى يحيى بنُ سعيدٍ أبا سعيد.
-
وكان فقيهًا، عالمًا، محدِّثًا، حافظًا، ثقةً، مأمونًا، عدْلًا، مرضيًّا، وكان كريمًا جوادًا حين أدرك الغِنى بعدَ ولايته القضاء، وكان نَزِهَ النَّفْس، وكان في أوّلِ أمْرِه مُقِلًّا قد رَكِبَه الدَّينُ، ثم أثرى بعدُ. وله أخبارٌ كثيرةٌ كرِهْتُ اجتلابَها، وسنَذكُر منها ما يُستَدلُّ به على ما قلنا، إن شاء الله.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٤) : حدَّثنا يحيى بنُ معين، قال: حدَّثنا ابنُ مهْدي، عن حَمّادِ بنِ زيد، عن هشام بنِ عُروة، قال: حدَّثني الأمينُ المأمونُ - على ما يَغيبُ عليه - يحيى بنُ سعيد، عن عُروة، قال: يُقطَعُ الآبقُ إذا سرَقَ.
ج ١٥ ص ٦قال (١) : وسمِعتُ أبي ويحيى بنَ معينٍ يقولان: يحيى بنُ سعيدِ بنِ قيسٍ الأنصاريُّ مدنيٌّ ثقةٌ.
-
وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: سمِعتُ عليَّ بنَ المدينيِّ يقول: أربعةٌ من أهل الأمصارِ يَسْكُن القلبُ إليهم في الحديث: يحيى بنُ سعيدٍ بالمدينة، وعَمْرُو بنُ دينارٍ بمكّة، وأيوبُ بالبَصْرة (٢) ، ومَنْصورٌ بالكوفة (٣) .
-
وذكر الواقديُّ قال: لما استُخلِفَ الوليدُ بنُ يزيدَ بنِ عبد الملك، استعمَلَ على المدينة يوسفَ بنَ محمدِ بنِ يوسفَ الثقفيَّ، فاستَقْضى سَعْدَ بنَ إبراهيمَ على المدينة، ثم عزَلَه واستَقْضى يحيى بنَ سعيدٍ الأنصاريَّ (٤) .
قال الواقديُّ: وقدِمَ يحيى بنُ سعيدٍ على أبي جعفرٍ الكوفةَ وهو بالهاشِميّة فاستَقْضاهُ على القضاءِ بالهاشِميّة (٥) ، فمات بها سنةَ ثلاثٍ وأربعين (٦) .
قال (٧) : وأخبَرنا سُليمانُ بنُ بلال، قال: خرَج يحيى بنُ سعيدٍ إلى إفريقيةَ
ج ١٥ ص ٧لميراثٍ وجبَ له هناكَ وطَلبَ له ربيعةُ بنُ أبي عبدِ الرّحمنِ البريدَ، فرَكِبَه إلى إفريقية، فقدِمَ بذلك الميراث، وهو خمسُ مئة دينار، قال: فأتاهُ الناسُ يُسلِّمونَ عليه، وأتاهُ ربيعةُ فسلَّمَ عليه، فلمّا أرادَ ربيعةُ أن يقومَ حبَسَهُ، فلمّا ذهبَ الناسُ، أمرَ بالباب فأُغلِقَ؛ ثم دعا بمِنْطَقَتِه فصبَّها بينَ يدَيْ ربيعةَ وقال: يا أبا عثمانَ، واللّه الذي لا إلهَ إلّا هو ما غيَّبْتُ منها دينارًا إلّا شيئًا أنفقْتُه في الطريق. ثم عدَّ خمسينَ ومئَتَي دينارٍ فدفَعَها إلى ربيعة، وأخذَ خمسينَ ومِئَتي دينارٍ لنَفْسِه، قاسَمَه إيّاها، وكان ثقةً صدُوقًا.
-
أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (١) : حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ الحِزاميُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمد، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ بلال، قال: لمّا خرجَ يحيى بنُ سعيدٍ إلى العراق، خرجْتُ أُشَيِّعُه، فكان أوّلَ من استقبلتهُ جِنازةٌ، فتغيَّر وَجْهي لذلك، فالتفَتَ إليَّ فقال: يا أبا محمد، كأنَّكَ تطيَّرْتَ؟ فقلت: اللهمَّ لا طَيرَ إلّا طيرك. فقال: لا عليكَ، واللّه لئنْ صدَقَ، ليُنْعِشَنَّ اللهُ أمري. قال: فمَضَى واللّه، ما أقامَ إلّا شهريْنِ حتَّى بَعَث بقضاءِ دَيْنِه ونفقةِ أهلِه، وأصابَ خيرًا.
قال (٢) : وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمد بنِ طلحةَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ الصِّديق، قال: حدَّثني سُليمانُ بنُ بلال، قال: كان يحيى بنُ سعيدٍ قد ساءَتْ حالُه، وأصابَهُ ضِيْقٌ شديد، وركِبَه الدَّينُ، فبينَما هو على ذلك، إذ جاءَهُ كتابُ أبي العبّاس يسْتَقْضِيه، قال سُليمانُ: فوَكَلَني يحيى بأهلِه، وقال لي: واللّه ما خرجتُ وأنا أجهَلُ شيئًا، فلمّا قدِمَ العراق، كتبَ إليَّ: إني كنتُ قلتُ لك حينَ خرجتُ: قد خرجتُ وما أجهلُ شيئًا. وإنه واللّه لأوّلُ خَصْمَين جلسَا بينَ
ج ١٥ ص ٨يَدَي فاقتَصّا شيئًا، واللّه ما سمِعتُه قطُّ، فإذا جاءك كتابي هذا فسَلْ ربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرّحمن، واكتب إليَّ بما يقول، ولا يعلَمُ أنّي كتبتُ إليكَ بذلك.
قال (١) : وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثنا مالكٌ، قال: قال لي يحيى بنُ سعيد: اكتُبْ لي أحاديثَ من أحاديثِ ابنِ شهابٍ في الأقضية. قال: فكتبتُ له ذلك في صَحيفةٍ كأنّي انظر إليها صفْراءَ، فقيل لمالك: يا أبا عبدِ الله أعَرَضَ عليكَ؟ قال: هو كان أفقَهَ من ذلك.
قال أبو عُمر: يحيى بنُ سعيدٍ من فُقهاءِ التابعينَ بالمدينة، سمعَ من أنسِ بنِ مالك، وروى عنه أحاديثَ مُسنَدةً وغيرَ مُسنَدة، وليس عند مالكٍ عنه، عن ابن شهاب (٢) ، حديثٌ مُسندٌ.
قال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمير: مات يحيى بنُ سعيدٍ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ ومئة، ويُكْنى أبا سعيد، وكذلك قال يزيدُ بنُ هارونَ والواقديُّ (٣) ، إلا أنَّهما قالا: بالهاشِميّةِ سنةَ ثلاثٍ وأربعين.
-
ولمالكٍ عنه في "الموطأ" من حديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خمسة وسبعونَ حديثًا، منها ثلاثونَ حديثًا مُسندةً، في يسيرٍ منها انقطاعٌ، ومنها تسعةٌ موقوفةٌ، وسائرُها مُرسَلَةٌ ومُنقطِعةٌ وبلاغات، وكلُّها مرفوعةٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نصًّا أو معنًى.
- ج ١٥ ص ٩
يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب تسعة أحاديث حديث أول ليحيى بن سعيد
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنه سمِعَه يقول: لّما صدَر عُمرُ بنُ الخطاب من منًى أناخ بالأبطَح، ثم كوَّم كُومةً بطحاءَ، ثم طَرَح عليها رداءَهُ واستلْقَى، ثم مدَّ يدَيه إلى السماء فقال: اللهمَّ كبِرَتْ سنِّي، وضَعُفَتْ قوَّتي، وانتشرَتْ رَعِيَّتي، فاقبِضْني إليك غيرَ مُضيِّع ولا مُفرِّط. ثم قدِمَ المدينةَ فخطَب الناسَ فقال: أيُّها الناسُ، قد سُنَّت لكمُ السُّنَن، وفُرِضَتْ لكمُ الفَرائض، وتُرِكتُم على الواضِحَة، إلا أن تضِلُّوا بالناس يمينًا وشمالًا. وضرَب بإحدى يدَيْه على الأخرى، ثم قال: إيّاكم أن تَهلِكُوا عن آيةِ الرَّجْم، أن يقولَ قائل: لا نجِدُ حَدَّينِ في كتابِ الله. فقد رجَمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجَمْنا (٢) ، والذي نفسي بيَدِه، لولا أن يقولَ الناس: زاد عُمرُ بنُ الخطاب في كتابِ الله لكَتبتُها: (الشيخُ والشيخةُ فارجُوهما البتَّة) . فإنّا قد قرأناها.
قال مالكٌ: قال يحيى بنُ سعيد: قال سعيدُ بنُ المسيِّب: فما انسلخَ ذو الحِجَّة حتى قُتِل عُمرُ رحمه الله.
قال مالكٌ: (الشيخُ والشيخةُ) : الثيِّبُ والثيِّبةُ، (فارجُمُوهما البتّة) .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ مسندٌ صحيحٌ، والذي يستندُ منه قوله: فقد رَجَمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
وأمّا سماعُ سعيدِ بنِ المسيِّب من عُمرَ بنِ الخطابِ فمُختَلَفٌ فيه؛ فقالت طائفةٌ من أهل العلم: لم يسمَعْ من عُمرَ شيئًا، ولا أدرَكه إدراكَ من يحفَظُ عنه.
- ج ١٥ ص ١٠
وذكروا ما رواه ابنُ لَهِيعة، عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ، قال: قيل لسعيدِ بنِ المسيِّب: أدرَكتَ عُمرَ بنَ الخطاب؟ قال: لا (١) .
وقال آخرون: قد سمع سعيدُ بنُ المسيِّب من عُمرَ أحاديثَ حفِظها عنه، منها هذا الحديث، ومنها قولُه حين رأى البيت (٢) . وزعَموا أن سعيدَ بنَ المسيِّب شهِد هذه الحَجَّةَ مع عُمرَ، وحفِظ عنه فيها أشياءَ وأدَّاها عنه، وهي آخرُ حَجةٍ حجَّها عُمرُ، وكانت خلافتُه عشرَ سنين وستةَ أشهرٍ وأربعةَ أيام، وقُتِل بعد انصرافِه من حَجتِه تلك، لأربع بَقينَ من ذي الحِجةِ سنةَ أربع وعشرين.
-
حدَّثني عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
ج ١٥ ص ١١ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ المُهاجر، قال: حدَّثنا عبدُ الصمد (٢) ، قال: حدَّثنا شُعبة، عن قتادة، قال: قلتُ لسعيدِ بنِ المسيِّب: رأيتَ عُمرَ بنَ الخطاب؟ قال: نعم. قال ابنُ وَضّاح: وُلد سعيدُ بنُ المسيِّب لسنتين مضَتا من خلافةِ عُمرَ، وسَمِع منه كلامَه الذي قال حينَ نظَر إلى الكعبة: اللهمَّ أنت السلامُ، ومنك السلامُ، فحيِّنا ربَّنا بالسلام. كذلك قال لي ابنُ كاسب وغيرُ واحد. ابنُ وَضّاح يقولُه (٣) .
قال أبو عُمر: أصحُّ ما قيل في مولدِ سعيدٍ أنه لسنتين مضَتا من خلافةِ عُمر، وقد قيل: لسنتين بقِيَتا، وليسَ بشيء.
وقال مالكٌ والليثُ: كان سعيدُ بنُ المسيِّب يقال له: راويةُ عُمر (٤) .
- ج ١٥ ص ١٢
وذكَر الحُلْوانيُّ قال: حدَّثنا أسباطُ، عن الشيبانيِّ، عن بُكير بنِ الأخْنَس، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، قال: سمِعتُ عُمرَ يقولُ على هذا المنبر: لا أجدُ أحدًا جامَع ولم يغتسِلْ، أنزَل أو لم يُنزِلْ، إلا عاقبتُه (١) .
قال الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلوانيُّ: وحدَّثنا الأصمعيُّ، قال: حدَّثنا طلحةُ بنُ محمدِ بنِ سعيدِ بنِ المسيِّب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب قال: أنا في الغِلْمةِ الذين جَرُّوا جَعدةَ العُقيليَّ (٢) إلى عُمر (٣) .
ج ١٥ ص ١٣قال: وحدَّثنا عبدُ الصَّمد (١) ، قال: حدَّثنا شُعبة، عن إياسِ بنِ مُعاوية، قال: قال لي سعيدُ بنُ المسيِّب: ممّن أنتَ؟ قلت: من مُزينة. فقال: إنِّي لأذكرُ اليومَ الذي نَعَى فيه عُمرُ بنُ الخطاب النعمانَ بنَ مقرِّنٍ المزنيِّ إلى الناس على المنبر (٢) .
-
وكان عليُّ بنُ المدينيِّ يصحِّحُ سماعَه من عُمر.
قال أبو عُمر: معنى هذا الحديث يستندُ من وجوهٍ صحاح ثابتةٍ من حديثِ ابنِ عباس، عن عُمر.
-
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٣) : حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباس، قال: سمِعتُ عُمرَ بنَ الخطابِ يقول: إنّ اللهَ بَعث محمدًا بالحقِّ، وأنزَل عليه الكتابَ، وكان فيما أُنزِل عليه آيةُ الرَّجْم، فرجَمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجَمْنا بعدَه.
ج ١٥ ص ١٤قال سُفيان: وقد سمِعتُه من الزُّهريِّ بطُوله، فحفِظتُ منه أشياء، وهذا ممّا لم أحفَظْه يومئذٍ.
قال أبو عُمر: قولُ ابنِ عُيينة: وقد سمِعتُه من الزُّهريِّ بطُولِه؛ يعني حديثَ السَّقيفة، وفيه هذا الكلامُ عن عُمرَ في الرّجْم.
-
وقد روَى حديثَ السَّقيفةِ عن الزُّهريِّ بتمامِه، مالكٌ وغيرُه، رواه عن مالكٍ جماعة، منهم ابنُ وَهْب (١) ، وإسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ، وعبدُ العزيزِ بنُ يحيى، وجويريةُ بنُ أسماء.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعود، عن ابنِ عباس، وأخبَرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسماء، قال: حدَّثنا جويريةُ بنُ أسماء، عن مالك، عن الزُّهريِّ، أن عبيدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ عتبةَ أخبَره، أن عبدَ الله بنَ عباس أخبَره، أنه كان يُقرئُ عبدَ الرحمن ابنَ عوف. فذكَرا حديثَ السقيفةِ بطوله، وفيه: قال عُمر: أما بعد، فإني قائلٌ لكم مقالةً قد قُدِّر لي أن أقولها، لعلها بين يدَي أجَلي، فمَن وعاها وعقَلها، فليُحدِّثْ بها حيث انتهت به راحلتُه، ومن خَشِي ألّا يعيَها، فلا أُحلُّ له أن يكذِبَ عليَّ: إن اللهَ بعَث محمدًا بالحقِّ، وأنزَل عليه الكتاب، وكان مما أنزَل عليه آيةُ الرجم، فقرَأناها وعقَلناها، ورجَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجَمنا، وأخشَى إن طال بالناس زمانٌ أن يقولَ قائل: واللّه ما نجِدُ آيةَ الرجم في كتاب الله.
- ج ١٥ ص ١٥
فتُترَكَ فريضةٌ أنزَلها الله، فيضِلُّوا، فإن الرجمَ في كتاب الله على مَن زنَى إذا أحصَن من الرجالِ والنِّساء، إذا قامت البينةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعتراف. وذكَر الحديثَ بتمامِه (١) .
-
وذكر مالكٌ في "الموطأ" (٢) هذا الكلامَ الآخِر، عن ابنِ شهاب، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عباس، أنه قال: سمِعتُ عُمرَ بنَ الخطاب يقول: الرجمُ في كتابِ الله حقٌّ على مَن زنَى من الرجالِ والنساء، إذا أحصَن، إذا قامت عليه البينةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعتراف.
-
وأجمَع العلماءُ على أنّ البينةَ إذا كانوا شُهودًا أربعةً عُدُولًا، أُقيم الحدُّ على الزاني، وكذلك الاعترافُ إذا ثبَت عليه العاقلُ البالغُ ولم يَنْزعْ عنه.
-
واختلَفوا في الحَبَل يظهَرُ بالمرأة، هل يكونُ مثلَ البينةِ والاعترافِ أم لا؟ ففي حديثِ عُمرَ هذا التّسويةُ بين البيِّنةِ والاعترافِ والحَبَل؛ فذهب قومٌ إلى أنّ المرأةَ إذا ظهَر بها حمْلٌ ولم يُعلَمْ لها زوجٌ، أن عليها الحدَّ، ولا ينفعُها قولها: إنه من زوج، أو من سيِّد إن كانت أمَةً، إذا لم يُعلَمْ ذلك. قالوا: وهذا حَدٌّ قد وجَب بظهورِ الحَبَل، فلا يُزيلُه إلا يقينٌ من بيِّنةِ نكاح أو ملْكِ يمين.
وقال مالك: إذا وُجِدت امرأةٌ حاملًا فقالت: تزوَّجتُ، أو استكرِهتُ. لم يُقبلْ ذلك منها إلا ببيِّنة، على ما ذكَرتُ لك، أو جاءت تستغيثُ وهي تَدْمَي، أو نحوُ ذلك من فضيحةِ نفسِها، وإلا أُقيم عليها الحدُّ. هكذا رواه ابنُ عبدِ الحكم وغيرُه، عن مالك (٣) .
ج ١٥ ص ١٦وقال ابنُ القاسم (١) : إن كانت طارئةً غريبةً فلا حدَّ عليها، وإلا أُقيم عليها الحدُّ. وهو قولُ عثمانَ البَتِّيِّ.
وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ (٢) : لا حدَّ عليها إلا أن تُقرَّ بالزِّنى، أو تقومَ بذلك عليها بينةٌ. ولم يفرِّقوا بين طارئةٍ وغيرِ طارئة.
-
وروَى حديثَ السَّقيفةِ بتمامِه عن ابنِ شهاب: عُقيلٌ (٣) ، ويونسُ (٤) ، ومَعْمرٌ (٥) ، وابنُ إسحاق، وعبدُ الله بنُ أبي بكر (٦) ، وغيرُهم.
-
وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عيسى. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٧) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد - واللفظُ لحديثِ مسدَّد، وهو أتمُّ - عن عليِّ بنِ زيد، عن يوسفَ بنِ مهران، عن ابنِ عباس، قال: سمِعتُ عُمرَ بنَ الخطاب يخطُبُ فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ الرجمَ حقٌّ، فلا تُخدَعُنَّ عنه، وإنَّ آيةَ ذلك أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رَجَم، وأن أبا بكر قد رَجَم، وإنّا قد رجَمنا بعدَهما، وسيكونُ قومٌ من هذه الأمةِ يكذِّبون بالرجم،
ج ١٥ ص ١٧ويكذِّبون بالدَّجَّال، ويكذِّبون بطلوع الشمسِ من مغربها، ويكذِّبون بعذابِ القَبْر، ويكذِّبون بالشفاعة، ويكذِّبون بقوم يخرجون من النار بعدَما امتُحِشُوا (١) .
قال أبو عُمر: الخوارجُ كلُّها والمعتزلةُ تُكذِّبُ بكلِّ هذه الفُصُول السِّتة، وأهلُ السُّنة على التّصديق بها، وهم الجماعة، والحُجَّةُ على مَن خالَفهُم بما هم عليه من استِمْساكِهم بسُنَّةِ نبيِّهم - صلى الله عليه وسلم -، ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين؛ أهل الحديثِ والرأي، أنّ المُحصَنَ إذا زنَى حدُّه الرّجمُ، وجمهورُهم يقول: ليس عليه مع الرَّجْم شيءٌ. ومنهم من يقول: يُجْلَدُ ويُرجَمُ، وهم قليل. وقد ذكَرنا هذه المسألةَ مجوَّدةً في بابِ ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله، عن زيدِ بنِ خالد، من هذا الكتاب (٢) ، والحمدُ للّه.
-
وذكَر حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن الحجّاج (٣) ، عن الحسنِ بنِ سَعْد، عن عبدِ الله بنِ شداد: أنَّ عُمرَ رجَم رجلًا في الزِّنى ولم يجلِدْه (٤) .
-
وفي حديثِ مالكٍ هذا دليلٌ على أنَّ آيةَ الرَّجْم ممّا نُسِخ خطُّه من القرآن، ولم يكتُبْه عثمانُ في المصحف، ولا جمعَه أبو بكرٍ في الصُّحف، وقد ذكَرنا وجُوهَ النَّسخ في القرآنِ عند ذِكْرِ حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ (٥) من كتابنا هذا، فلا معنَى لتكريرِه هاهنا.
- ج ١٥ ص ١٨
حديثٌ ثانٍ ليَحيى بنِ سَعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ أبا موسى الأشعريَّ أتى عائشةَ زوجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: لقد شَقَّ عليَّ اختلافُ أصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر، إنِّي لأعْظِمُ أن أسْتَقْبِلَكِ به. فقالت: ما هو؟ ما كنتَ سائلًا عنه أُمَّك فسَلْني عنه. فقال: الرجلُ يُصيبُ أهلَه ثم يُكْسِلُ ولا يُنزِلُ. فقالت: إذا جاوَز الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغُسلُ. فقال أبو موسى: لا أسألُ عن هذا أحدًا بعدَكِ أبدًا.
-
هكذا هذا الحديثُ موقوفًا في "الموطأ" عندَ جماعة الرُّواة (٢) .
-
وقد رُوِيَ عن أبي قُرَّة، عن مالكٍ مرفوعًا؛ ما حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ المقدسيُّ بمنًى في مسجدِ الخَيْفِ إملاءً من حفظِه، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الجَنَديُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيادٍ اللَّحْجِيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو قُرّة، قال: ذكر مالكُ بنُ أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب، عن أبي موسى، عن عائشة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا التَقَى الختانان وجَب الغُسْل" (٤) .
- ج ١٥ ص ١٩
وهذا خطأ، والصوابُ ما في "الموطأ" ، وهذا الحديثُ يدخلُ في المسنَدِ بالمعنى والنظر؛ لأنه مُحالٌ أن تَرى عائشةُ نفسَها في رأيها حُجةً على غيرِها من الصحابةِ في حين اختلافِهم في هذه المسألةِ النازلةِ بينَهم، ومُحالٌ أن يُسلِّمَ أبو موسى لعائشةَ قولها من رأيها في مسألةٍ قد خالَفها فيها من الصحابة غيرُها برأيِه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ ليس بحجةٍ على صاحبِه عندَ التنازع، لأنهم أُمِروا إذا تَنازَعوا في شيء أن تزدُّوه إلى كتابِ الله وسُنّةِ رسولِه، وهذا يدُلُّك على أن تَسْليمَ أبي موسى لعائشةَ في هذه المسألةِ إنما كان من أجلِ أنَّ عِلْمَ ذلك كان عندَها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلذلك سلَّم لها، إذ هي أوْلى بعلم مثل ذلك من غيرِها. ومع ما ذكَرْنا من جهةِ الاستدلال، فقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عائشةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُسندًا، ورُوِيَ أنّ سعيدَ بنَ المسيِّب دخَل مع أبي موسى على عائشةَ في هذه القصة، فبان بذلك حقيقةُ قولِنا وصحةُ استدلالِنا، وباللّه التوفيق.
-
وأخبَرنا عبدُ الوارث (١) وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكَير، قال: حدَّثنا زائدةُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيدٍ بنِ جُدْعان، عن سعيدِ بنِ المسيِّب قال: نازَع أبو موسى ناسًا من الأنصار، فقالوا: الماءُ من الماء. قال سعيد: فانطَلَقْتُ أنا وأبو موسى حتى دخَلْنا على عائشة، فقال لها أبو موسى الذي تنازَعوا فيه، فقالت عائشة: عندي الشِّفاءُ من ذلك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جلسَ الرجلُ بينَ الشُّعَبِ الأربع، وألصَق الخِتانَ بالخِتانِ، فقد وجَبَ الغُسلُ" (٢) .
- ج ١٥ ص ٢٠
وروَى هشامٌ وشُعبةُ، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه سواء. ذكَره البخاريُّ (١) من طريق هشام، ثم قال: تابَعه عَمْرٌو (٢) ، عن شُعبة.
-
وقد حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا شُعبة وهشام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قعَد بينَ شُعَبِها الأربع، وألْزَقَ الخِتانَ بالخِتان، فقد وجَبَ الغُسلُ" (٣) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤) ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٥) : حدَّثنا أبو مُعاوية، عن حَجّاج،
ج ١٥ ص ٢١عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا التَقَى الخِتانانِ وتَوارَتِ الحَشَفةُ، فقد وجَبَ الغُسلُ" .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير والحارثُ بنُ أبي أسامة، قالا: حدَّثنا عفان بنُ مسلم، قال: حدَّثنا همّامٌ وأبانٌ، قالا: حدَّثنا قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قعَد بينَ شُعَبِها الأربع وأجهَد نفسَهُ، فقد وَجَب الغُسْلُ، أنزَل أو لم يُنزِلْ" (١) .
قال أحمدُ بنُ زُهير: سُئِل يحيى بنُ معين عن أبان وهمام؟ أيُّهما أحبُّ إليك؟ فقال: كان يحيى بنُ سعيدٍ يَروي عن أبان، وكان أحبَّ إليه، وأما أنا فهمّامٌ أحبُّ إليَّ، وكلاهما ثقةٌ (٢) .
- ج ١٥ ص ٢٢
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبد الرحيم، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: حدَّثنا ثابت، عن عبدِ الله بنِ رَباح، عن عبدِ العزيز بنِ النعمان، عن عائشةَ، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا التَقَى الخِتانانِ اغتَسَل (١) .
-
وقال فيه سُليمانُ بنُ حَرْب، عن حَمّادِ بنِ سَلَمةَ بإسنادِه هذا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا التَقى الخِتانانِ وجَب الغُسلُ" (٢) .
قال أبو عُمر: هذا إسنادٌ كلُّه ثقةٌ عن ثقة، لا أعلَمُ فيه علّةً، إلا أن البخاريَّ (٣) قال: لا أعلَمُ لعبدِ العزيزِ بنِ النعمانِ سماعًا من عائشة.
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوْح، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمر، قال: أخبرنا
ج ١٥ ص ٢٣عبيدُ الله بنُ أبي زياد، عن عطاء، قال: قالت عائشة: إذا التَقى الخِتانانِ فقد وجَب الغُسْلُ، قد كنتُ أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعَلُه فنَغْتَسل (١) .
-
ورواه أبو الزبير، عن جابر، عن أُمِّ كُلثوم، عن عائشة، مثلَه مرفوعًا (٢) .
- ورواه القاسمُ بنُ محمد، عن عائشة:
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قراءة منّي عليه، أن قاسمَ بنَ أصبَغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسلُ، فعَلْتُه أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاغتسَلْنا (٣) .
ج ١٥ ص ٢٤قال أبو عُمر: تسليمُ أبي موسى لعائشةَ في هذه المسألةِ دليلٌ على صحةِ رفعِها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ مثلَ هذا لا يقالُ من جهةِ الرأي، وكذلك قطْعُها رضيَ الله عنها بصِحّة ذلك، ألا تَرى إلى توبيخِها لأبي سَلَمةَ في ذلك.