مالك عن أبي عرفة يعقوب بن زيد بن طلحة حديث واحد
٢٥ فقرة، ج ١٦ ص ١٤
- ج ١٦ ص ١٤
وهو يعقوبُ بنُ زيدِ بنِ طلْحةَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي مُليكة (١) ، وابنُ أبي مُلَيكة هو: عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ أبي مُليكةَ بنِ عبدِ الله بنِ جُدْعانَ القرشيُّ التيميُّ، واسم أبي مُليكةَ زهيرٌ.
-
وكان يعقوبُ بنُ زيدٍ قاضيًا ثقةً مأمونًا.
-
روَى عن أبيه زيدِ بنِ طلحة، وروى هو وأبوهُ عن سعيدٍ المَقْبُريِّ.
-
روَى عن يعقوبَ بنِ زيدٍ مالكُ بنُ أنس، وهشامُ بنُ سَعْد، وابنُ عُيينة، وموسى بنُ عُبيدة، ومحمدُ بنُ جعفرِ بنِ أبي كثير.
-
وسمعَ أبوهُ زيدُ (٢) بنُ طلحةَ من ابنِ عبّاس. روَى عنه الثوريُّ، وعبدُ الرّحمن بنُ إسحاق، وابنُه يعقوبُ، وأبو علْقمةَ الفَرْويُّ، ولم يرْوِ عنه مالكٌ.
قال ابنُ معين (٣) : زيدُ بنُ طلحةَ ثقةٌ (٤) .
وقال ابنُ المدينيّ (٥) : هو شيخٌ معروفٌ.
ج ١٦ ص ١٥وقال أبو زرعة: ليس به بأسٌ، وليس بحُجّةٍ وأبوهُ مثلُه (١) .
-
مالكٌ (٢) ، عن يعقوبَ بنِ زيدِ بنِ طَلْحة، عن أبيه زيدِ بنِ طَلْحة، عن عبدِ الله بنِ أبي مُلَيكة؛ أنّه أخبَره أنّ امرأةً جاءت إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبَرتْهُ أنّها زَنتْ وهيَ حاملٌ، فقال لها رسوُل الله -صلى الله عليه وسلم-: "اذْهَبي حتّى تضَعِي" ؛ فلمّا وضعته جاءَتْهُ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اذْهَبي حتّى تُرْضِعيه" ، فلما أرضَعتْهُ جاءَتْهُ، فقال: "اذْهَبي فاستَوْدِعيه" قال: فاسْتَوْدَعتْهُ، ثم جاءتْ، فأمرَ بها فرُجِمَتْ.
-
هكذا قال يحيى فيما رأيْنا من روايةِ شُيوخِنا في هذا الحديث، عن مالك، عن يعقوبَ بنِ زيدِ بنِ طَلْحة، عن أبيه زيدِ بنِ طَلْحة، عن عبدِ الله بنِ أبي مُليكة. فجعَل الحديثَ لعبدِ الله بنِ أبي مُليكةَ مُرسَلًا عنه.
وقال القَعْنبيُّ وابنُ القاسم (٣) وابنُ بُكَير: عن مالك، عن يعقوبَ بنِ زيدِ بنِ طَلْحة، عن أبيه زيدِ بنِ طَلْحةَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي مُليكة. وقال أبو مصعب (٤) كما قال يحيى: زيدُ بنُ طَلْحة، عن عبدِ الله بنِ أبي مليكة. فجعَلوا الحديثَ لزيدِ بنِ طَلْحةَ مرسلًا عنه، وهذا هو الصوابُ إن شاء الله، وقد جوَّده ابنُ وَهْب، فرفَع الإشكالَ فيه؛ لأنه لم ينسِبْ زيدَ بنَ طَلْحة، وجعَل الحديثَ له.
ج ١٦ ص ١٦قال ابنُ وَهْب (١) : أخبَرني مالك، عن يعقوبَ بنِ زيدِ بنِ طَلْحةَ التيميِّ، عن أبيه، أن امرأةً أتت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: إنها زنَتْ، وهي حُبْلَى. فقال لها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اذهَبي حتى تَضعي" . فذهَبت، فلمّا وضَعتْ جاءتْهُ، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اذهَبي حتى تُرضِعيه" . فلمّا أرضَعتْه جاءتهُ، فقال: "اذهَبي حتى تسْتَودعيه" . فلمّا استودَعتْه جاءتْهُ فأقامَ عليها الحدَّ.
-
هكذا قال: وأقام عليها الحدَّ. والحدُّ الرجْمُ، على ما ذكرَ يحيى وغيرُه في هذا الحديث.
قال ابنُ وَهْب: وأخبَرني ابنُ لَهيعة، عن محمدِ بنِ عبدِ الرّحمن، عن عاصم بنِ عُمرَ بنِ قَتادةَ بنِ النُّعمان، عن محمودِ بنِ لبيدٍ الأنصاريِّ، عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- مثلَه.
قال ابنُ وَهْب: وسمِعتُ شِمْرَ بنَ نُميرٍ يُحدِّثُ، عن حُسينِ بنِ عبدِ الله، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليِّ بن أبي طالب، عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك، إلا أنّ فيه أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن يكفُلُه؟ " . فقال رجلٌ من الأنصار: أنا أكفُلُه. فقال: "اذهَبُوا بها فارْجُموها" . قال علي: فعُيِّر رجلٌ من أهلِها بها، فجاء إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فأخبَره، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما بالُ تلك؟ لقد تابَتْ توبةً لو تابَها عَريفٌ (٢) ، أو صاحبُ عُشُور (٣) ، لقُبِلتْ منه" .
قال أبو عُمر: حُسينُ بنُ عبدِ الله هذا هو حُسينُ بنُ عبدِ الله بنِ ضُمَيرة، متروكُ الحديث، ومرسلُ حديثِ مالكٍ خيرٌ عندَهم من مُسندِ حُسين هذا، وليس
ج ١٦ ص ١٧في واحدٍ منهما ما يَحتجُّ به أهلُ الحديث، لأنَّ مرسلَ مالكٍ ليس من مراسيلِ الأئمة، وفيه عِلَلٌ يطولُ ذكرُها، إلّا أنه يَستنِدُ معناه من وجوهٍ صِحاح، من حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصيْن، وبُريدةَ الأسلميِّ (١) .
-
ورُوِيَ مُرسَلًا من وُجوهٍ كثيرة، وهو مشهورٌ عندَ أهلِ العلم معروفٌ، أعني رجْمَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لهذه المرأةِ الحُبْلَى بعدَ وضْعِها.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هشامٌ (٤) الدَّستوائيُّ وأبانٌ العطّارُ، المعنى واحدٌ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قِلابة، عن أبي المُهلَّب، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال في حديثِ أبان: إن امرأةً من جُهَينةَ أتتِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إنَّها زنَت، وهي حُبْلَى. فدعا وَلِيًّا لها، فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أحسِنْ إليها، فإذا وضَعتْ فجِئْني بها" . فلمّا أن وضَعتْ جاءَهُ بها، فأمَر بها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فشُكَّت عليها ثيابُها، ثم أمَر بها فرُجِمَتْ، ثم أمَرهم أن يُصلُّوا عليها، فقال عُمر: يا رسولَ الله، أنُصَلِّي عليها وقد زنَتْ؟ فقال: "والذي نَفْسي بيَدِه، لقد تابَتْ توبةً لو قُسِمَتْ بينَ سبعينَ من أهلِ المدينةِ لوَسِعَتْهم، وهل وجَدتَ أكثرَ من أن جادَتْ بنَفْسِها؟ " . لم يَقُلْ عن أبان: فشُكَّت عليها ثيابُها.
ج ١٦ ص ١٨قال أبو داود (١) : وحدَّثنا محمدُ بنُ الوزير الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ، عن الأوزاعيِّ، قال: فشُكَّت عليها ثيابُها، يعني: شُدَّتْ.
-
وهكذا رواه مَعْمَرٌ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قِلابة، عن أبي المُهلَّب، عن عِمْرانَ بنِ حُصيْن، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٢) .
-
وخالَفهم الأوزاعيُّ، فرواه عن يحيى، عن أبي قِلابة، عن أبي المهاجر، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن. إن صحَّ عن الأوزاعيِّ.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ عُمر (٣) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي قِلابة، عن أبي المُهاجر، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: أتَتْ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- امرأةٌ من جُهينة، فقالت: يا رسولَ الله، إني أصَبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ. فدعا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وَليَّها فقال: أحسِنْ إليها حتى تضَعَ ما في بطنِها، فإذا وضَعتْ فأْتِني بها". فوضعت، فأتى بها رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمَر بها فشُكَّت عليها ثيابُها، ثم أمَر بها فرُجِمَتْ، ثم صلَّى عليها، فقال عُمرُ بنُ الخطاب: تُصلِّي عليها وقد زنَت؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:
ج ١٦ ص ١٩"لقد تابَتْ توبةً لو قُسِمَتْ بينَ سبعينَ من أهلِ المدينةِ لوَسِعَتْهم، وهل وجَدَت أفضلَ من أن جادتْ بنفسِها؟ " (١) .
-
هكذا قال الأوزاعيُّ: عن يحيى، عن أبي قِلابة، عن أبي المهاجر. إن صحَّ عنه. والصوابُ ما قاله هشام (٢) ، عن يحيى، عن أبي قِلابة، عن أبي المهلَّب. وهشامٌ عندَهم أحفظُ من الأوزاعيِّ، وقد تابعَه أبانٌ ومَعْمَرٌ.
-
وأما قولُ الأوزاعيِّ في هذا الحديث: ثم صلَّى عليها. فهو وَهمٌ، إلا أن يكونَ أضاف الصلاةَ إليه لأنه أمَر بها -صلى الله عليه وسلم-، فقد يُضافُ الفعلُ إلى الآمرِ به كما يُضافُ إلى فاعلِه، يقال: فلانٌ بَنَى دارًا، أو غرَس غرسًا. ولم يصنَعْ ذلك بنَفْسِه، وهذا من قوله عزَّ وجلَّ: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} [الزخرف: ٥١] .
-
وقد اختلَف العلماءُ في صلاةِ الإمام على مَن قتَله، أو أمَر بقتْلِه، في قصاصٍ أو حدٍّ أو رَجْم؛ فذهَب مالكٌ (٣) وأصحابُه إلى أن مَن قُتِل في قِصاصٍ أو حدٍّ أو رجْم، لم يُصلِّ عليه الإمامُ، وصلَّى عليه غيرُه، وكذلك قُطّاعُ الطريق.
وقال الكوفيون وغيرُهم (٤) : لا فرقَ بينَ صلاةِ الإمام وصلاةِ غيرِه، إلا
ج ١٦ ص ٢٠أنهم قالوا فيمَن قتَل نفسَه: لا يُصلِّي عليه الإمامُ وحدَه عقوبةً له؛ لأنه مطالَبٌ بنفسِه، كما صنَع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالذي مات بخيبر، فقال فيه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "صَلّوا على صاحبِكم" . فنظَروا في متاعِه فوجَدوا خَرَزًا من خَرَز يهودَ لا يُساوي دِرهمين (١) . قالوا: فترَك الصلاةَ عليه لمكان ما كان به مطالَبًا من الغُلُول، وأمَر غيرَه بالصلاةِ عليه. قالوا: فكذلك الذي يقتُلُ نفسَه؛ لأنه مُطالَبٌ بها، لا يقدِرُ أحدٌ من أهلِ الدُّنيا على تخليصِه منها، وعلى هذا حمل أهلُ العلم حديثَ سِمَاكِ بنِ حَرْب، عن جابرِ بنِ سَمُرة، أنَّ رجلًا قتَل نفسَه بمِشْقَصٍ (٢) فلم يُصَلِّ عليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- (٣) . حملوه على أنه صلَّى عليه غيرُه، واللهُ أعلم. وذهَبوا إلى أن كلَّ مَن كان من أهل القِبْلةِ لا تُترَكُ الصلاةُ عليه، وعلى هذا جماعةُ العلماءِ إلّا أبا حنيفةَ وأصحابَه، فإنهم خالّفوا في البُغاةِ وحدَهم فقالوا: لا يُصلَّى عليهم؛ لأنَّ علينا منابذتَهم واجتنابَهم في حياتِهم قالوا: وبعدَ الموت أحْرى؛ لوُقوع اليأسِ من توبتِهم.
قال أبو عُمر: ليس هذا بشيء، والذي عليه جماعةُ العلماءِ وجمهورُ الفقهاءِ من الحجازيِّينَ والعراقيِّين، أنه يُصلَّى على مَن قال: لا إلهَ إلّا اللهُ. مُذنِبينَ وغيرَ مُذنِبين، مُصِرِّين، وقاتلي أنفُسِهم، وكلِّ مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ. إلا أن مالكًا (٤) خالَف في الصلاةِ على أهل البِدَع، فكرِهَها للأئمّة، ولم يمنَعْ منها العامّة، وخالَف
ج ١٦ ص ٢١أبو حنيفةَ في الصلاةِ على البُغاة، وسائرُ العلماءِ غيرَ مالكٍ يُصلُّون على أهلِ الأهواءِ والبِدَع والكبائرِ والخوارج وغيرِهم.
-
وأما حديثُ بُريدةَ الأسلميِّ في هذا الباب، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمير، قال: حدَّثنا بَشيرُ بنُ المهاجر، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ بُريدة، عن أبيه، قال: جاءت الغامديةُ فقالت: يا رسولَ الله، إنّي قد زنَيتُ، وأنا أُريدُ أن تُطهِّرَني. وأنه ردَّها، فلمّا كان الغدُ قالت: يا نبيَّ الله، لِمَ ترُدُّني، فلعلَّكَ تُريدُ أن ترُدَّني كما ردَدْتَ ماعزًا؟ فوالله إنّي لحُبْلَى. قال: "أمّا الآنَ، فاذهَبي حتى تَلِدي" . فلمّا ولَدتْ أتَتْه بالصبيِّ في خِرقة، قالت: هذا قد ولَدتُه. قال: "اذهَبي فأرْضعيه حتى تَفطِميه" . فأرضَعتْه، فلمّا فطَمتْه أتتْه بالصبيِّ وفي يدِه كِسْرةُ خُبز، فقالت: يا نبيَّ الله، قد فطَمتُه، وقد أكَل الطعام. فدفَع الغلامَ إلى رجُلٍ من المسلمين، ثم أمَر بها فحُفِرَ لها إلى صدْرِها، وأمَر الناسَ أن يَرْمُوا، وأقبل خالدُ بنُ الوليدِ فرمَى رأسَها، وانتضَح الدمُ على وجهِ خالد، فسَبَّها خالدٌ، فسمِع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- سبَّه إيّاها، فقال: "مَهْلًا يا خالدُ، فوَالذي نَفْسي بيدِه، لقد تابَتْ توبةً لو تابَها صاحبُ مَكْسٍ (٣) لغُفِر له" . ثم أمَر بها فصُلِّي عليها ودُفِنت.
- ج ١٦ ص ٢٢
وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى الرازيُّ، قال: حدَّثنا عيسى، يعني ابنَ يونس، عن بَشيرِ بنِ المُهاجر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُريدة، عن أبيه، أنَّ امرأةً -يعني من غامد- أتَتِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إني قد فَجَرتُ. فقال: "ارْجِعي" . فرجَعتْ، فلمّا كان من الغدِ أتَتْه فقالت: لعلَّكَ تُريدُ أن ترُدَّني كما رَدَدْتَ ماعزَ بنَ مالك، فوالله إنّي لحُبْلَى. قال: "ارْجِعي حتى تلِدي" . فرجَعتْ، فلمّا ولَدتْ أتَتْه بالصبيِّ، فقالت: هذا قد ولَدتُه. قال: "ارْجِعي فأرْضِعيهِ حتّى تَفطِميهِ" . فجاءتْ به وقد فطَمتْهُ وفي يدِه شيءٌ يأكُلُه، فأمَر بالصبيِّ فدُفِع إلى رجلٍ من المسلمين، وأمَر بها فحُفِرَ لها، وأمَر بها فرُجِمتْ، وأمَر بها فصُلِّيَ عليها ودُفِنَتْ، وقال: "لقد تابَتْ توبةُ لو تابها صاحبُ مَكْسٍ لغُفِر له" .
قال أبو عُمر: في حديثِ بُريدةَ هذا أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمَر بالصبيِّ بعدَ أن فُطِم إذْ رجَم أُمَّه، فدُفِع إلى رجلٍ من المسلمين يكفُلُه. ورُوِيَ من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالب، وحديثِ أبي بَكرة، في قصةِ هذه المرأة، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كفَل ولدَها، وفي حديثِ عليّ: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنا أكفُلُه" (٣) . ولا يَصِحُّ حديثُ عليٍّ هذا؛ لأنه من روايةِ حُسينِ بنِ ضُمَيرةَ لا غير. وكذلك حديثُ أبي بكرةَ لا يصِحُّ؛ لأنه عن رجلٍ مجهول، وأحسنُ إسنادٍ لهذا الحديثِ حديثُ بريدةَ وحديثُ عِمْران، وبالله التوفيق، وهو المستعانُ.
- ج ١٦ ص ٢٣
وقد تقدَّم حكمُ الإحْصانِ المُوجِبِ للرّجْم، وكثيرٌ من أحكام الرَّجْم، في بابِ ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله، من هذا الكتاب (١) ، وتقدَّم أيضًا في باب مرسَلِ ابنِ شهاب (٢) ، وفي باب نافع، عن ابنِ عُمر (٣) ، أُصولٌ من أحكام الرَّجْم، وفي بابِ يحيى بنِ سعيدٍ من كتابنا هذا (٤) ما فيه كفايةٌ إن شاء الله.
قال أبو عُمر: اختلَف الفقهاءُ في انتظارِ المرأةِ التي قد وجَبَ عليها الرجمُ إلى أن تَفطِمَ وَلَدَها، فقال مالك: لا تُحَدُّ حتى تضَعَ، إذا كانت ممن تُجْلَدُ، وإن كان رجمًا رُجِمَتْ بعدَ الوضع. وقد رُوِيَ عنه أنها لا تُرجَمُ حتى تَجدَ مَن يكفُلُ ولدَها. والمشهورُ من مذهبِه أنه إن وُجِد للصبيِّ مَن يُرضِعُه رُجِمتْ، وإن لم يُوجَدْ للصبيِّ مَن يُرضِعُه لم تُرجَمْ حتى تَفطِمَ الصبيَّ، فإذا فطَمتِ الصبيَّ رُجِمتْ (٥) .
وقال أبو حنيفة (٦) : لا تُحَدُّ حتّى تضَع، فإن كان جَلْدًا فحتّى تَعالَّ (٧) منَ النِّفاس، وإن كان رَجْمًا رُجِمَت بعد الوَضْع.
ج ١٦ ص ٢٤وقال الشافعيُّ (١) : أمّا الجلدُ فيقامُ عليها إذا ولَدت وأفاقت من نفاسِها، وأما الرَّجْمُ فلا يقامُ عليها حتى تَفطِمَ ولدَها ويوجدَ مَنْ يكفلُه.
قال أبو عُمر: ليس في حديث عِمْران بن حُصَيْن انتظار الفطام، وذلك محفوظ صحيح في حديث بُريدة الأسلمي، وفي مُرسل مالك المذكور في هذا الباب، وفي حديث أبي بَكْرة، وحديث علي، وحديث أبي المَلِيح الهُذلي، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم؛- كلهم ذكروا أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يرجمها حتى فطمته.
-
وحديث أبي المَلِيح يرويه عبد الله بن مِهْران الأَسَدي، عن عبد الملك بن عُمير، عن أبي المَلِيح، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن مِهْران مجهول، وغيره يرويه عن عبد الملك بن عُمير مرسلًا.
-
وروي عن عليّ بن أبي طالب من ثلاثة وجوه: من حديث أبي عبد الرّحمن السُّلمي (٢) ، وأبي جميلة مَيْسرة الطُّهَوي (٣) ، وعاصم بن ضَمْرة (٤) ، كلهم عن علي: أنَّ أمة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعضهم يقول لبعض نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- زَنَت، فلما وَلَدت، أمرني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن أجلدَها بعدما تَعَلَّت من نفاسها فجلدتها؛ وقد ثبت من حديث بريدة مراعاة الفطام، وهي زيادة يجب قبولها.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد بن بشر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دليم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا عبد العزيز بن عِمْران بن مِقْلاص، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب،
ج ١٦ ص ٢٥قال: حدَّثني مُعاوية بن صالح، عن علي بن أبي طَلْحة، قال: كان ابن عباس يقول في ولد الزنا: لو كان شَرّ الثلاثة، لم يتأن بأُمه أن تُرجم حتى تَضَعه (١) .
-
وحدَّثنا خلف بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفر ابن المُنادِي، قال: حدَّثنا العبّاسُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبَرنا سُفيان، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة في وَلَد الزِّنا، قالت: ما عليه من ذَنْب أبويه شيء، ثم قرأت: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] (٢) .
-
واختلفوا في المَرْجومة: هل يُحْفَر لها، فقال مالك: لا يُحفر للمرجوم.
قال ابن القاسم: والمَرْجومة مثله (٣) .
وقال أبو حنيفة (٤) : لا يُحفر للمَرْجوم، وإن حُفِرَ للمَرْجومة فحسن.
قال أبو عُمر: ليسَ في حديث عِمْران بن حُصَيْن في قصة الجُهَنيّة أنه حُفِرَ لها، ولكن في حديث بُرَيْدة أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمرَ بها فحُفِرَ لها.
-
وروي عن عليّ أنَّه حفر لشراحة الهَمْدانية، واستدل أصحابنا بأن المَرْجوم لا يحفر له بحديث مالك، عن نافع، عن ابن عُمر في اليهوديين اللذين رجمهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرأيتُ الرجل يحنِي على المرأة، وفي ذلك دليل على أنهما لم يحفر لهما، والله أعلم. وقد ذكرنا ما يجب من القول في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.