مالك عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك بن مروان
١٥ فقرة، ج ١٦ ص ٤٦
- ج ١٦ ص ٤٦
حديثٌ واحدٌ مرفوعٌ وآخرَ موقوفٌ
وأبو عُبيدٍ (١) هذا حاجِبُ سُليمانَ بنِ عبدِ الملك ومولاه، اسمُه حيّ. ويقال: حُيَي. وكان ثقةً. لمالكٍ عنه مرفوعات "الموطأ" حديثان؛ أحدُهما: مرسَلٌ يتَّصلُ معناهُ من وُجوهٍ حِسانٍ.
-
حديث أول لأبي عُبيد
مالكٌ (٢) ، عن أبي عُبيدٍ مولى سُليمانُ بنِ عبدِ الملك، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ يرفَعُه، قال: "إنّ اللهَ رَفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ ويرْضاهُ، ويُعينُ عليه ما لا يُعينُ على العُنْف، فإذا ركِبْتُم هذه الدوابَّ العُجْمَ فأنزِلُوها منازِلَها؛ فإن كانتِ الأرضُ جَدْبةً فانْجُوا عليها بنِقْيِها، وعليكُم بسَيْرِ الليل، فإن الأرضَ تُطْوَى بالليلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإياكُم والتَّعْريسَ (٣) على الطريق، فإنها طُرُقُ الدوابِّ ومأْوى الحيّات" (٤) .
قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يستنِدُ من وُجوهٍ كثيرة، وهي أحاديثُ شتّى محفوظةٌ. وأمّا الرِّفقُ، فمحْمُودٌ في كلِّ شيء، ما كان في شيءٍ قطُّ إلا زانَه، كذلك جاء عن الحكماء.
- ج ١٦ ص ٤٧
وروَى مالكٌ، عن الأوزاعيِّ، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُحبُّ الرِّفْقَ في الأمرِ كلِّه" (١) .
-
والرِّفْقُ المذكورُ في هذا الحديثِ أُشيرَ به إلى الرفقِ بالدوابِّ في الأسفار، وأمَر المسافرَ في الخِصبِ بأن يمشيَ رُويدًا ومَهلًا، ويُكثِرَ النزولَ لترعَى دابّتُه وتأكُلَ من الكلإ وتنالَ من الحشيشِ والماء، هذا كلُّه إذا كانتِ الأرضُ مُخصبةٌ والسفرُ بعيدًا، ولم تَضِمْ صاحبَه ضرورةٌ إلى أن يَجدَّ في السير، فإذا كان عامُ السَّنةِ وأجدَبتِ الأرضُ، فالسُّنَّةُ للمسافرِ أن يُسرعَ السيرَ ويسعى في الخروج عنها، وبدابتِه شيءٌ من الشَّحم والقوةِ إلى أرضِ الخِصْب. والنَّقْيُ في كلام العرب: الشحمُ والوَدَكُ.
-
وأما قوله: "فإنّ الأرضَ تُطوَى بالليل" . فمعناه، واللهُ أعلم، أنَّ الدابةَ بالليل أقوى على المشي إذا كانت قد نالَت قوَّتَها واستراحَتْ نهارَها، تضاعَف مشيُها، ولهذا نُدِبَ إلى سيرِ الليل، واللهُ أعلمُ بما أراد، لا شريكَ له.
-
وقد كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو لمَن ودَّعه: "اللَّهمَّ اطْوِ له البُعْدَ، وازوِ له الأرض، وهوِّنْ عليه السفرَ" .
-
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسين، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مَرْزوق، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ
ج ١٦ ص ٤٨عُمر، قال: أخبَرنا أُسامةُ بنُ زيد، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبي هُريرة، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يُريدُ سفرًا ليُودِّعَه، فقال: "أُوصِيكَ بتقوى الله والتكبير على كلِّ شَرَف" . فلمّا ولَّى قال: "اللَّهمَّ اطْوِ له البُعدَ، وهوِّنْ عليه السفرَ" (١) .
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ وجيهُ بنُ الحسنِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقِ بنِ دينارٍ البَصْريُّ، قال: حدَّثنا عفّانُ بنُ مُسلم، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبَرنا يونسُ وحميدٌ، عن الحَسَن، عن عبدِ الله بنِ مُغَفَّل، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفق، ويُعطي عليه ما لا يُعطي على العُنف" (٢) .
-
وأخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ويَعيشُ بنُ سعيد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زُهير أبو يعلى القاضي بالأُبلَّة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ
ج ١٦ ص ٤٩حفص، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنّ اللهَ رَفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ، ويُعطي عليه ما لا يُعطي على العُنف" (١) .
-
أخبَرنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي نُعيم الواسطيُّ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثني المدينيُّ -يعني عبدَ الله بنَ جعفرِ بنِ نَجيح- عن أبي الحُوَيرث، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كانتِ الأرضُ مُخصِبةً فاقصِدُوا في السَّيْر، وأعطُوا الرِّكابَ حقَّها، فإنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ، وإذا كانت الأرضُ مُجدِبةً فانْجُوا عليها، وعليكم بالدُّلْجَة، فإنَّ الأرضَ تُطوَى بالليل، وإياكُم والتعريسَ على ظهْرِ الطريق، فإنه مأوى الحيّاتِ ومَدْرجةُ السِّباع" (٢) .
- ج ١٦ ص ٥٠
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا سُهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا سافرْتُم في الخِصْبِ فأعطُوا الإبلَ حقَّها منَ الأرض، وإذا سافرْتُم في السَّنَةِ فأسْرِعُوا عليها السّيرَ، وإذا عرّسْتُم فاجتَنِبُوا الطّريقَ، فإنّه مأْوى الهوامِّ بالليل" (١) .
-
ورواه مالكُ بنُ أنس، عن سُهيلٍ بإسنادِه مثلَه سواءً، وليس في الموطّأ (٢) .
-
حدَّثنا خلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ بنِ عيسى الوَرّاقُ، قال خلَفٌ: وكان إنْ شاءَ اللهُ منَ الأبدال، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم بنِ المُنذرِ النَّيسابوريُّ بمكّة، قال: حدَّثنا قطَنُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا قَبيصةُ بنُ عُقبة،
ج ١٦ ص ٥١قال: حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيْل، عن الزُّهريِّ، عن أنس، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "عليكُم بالدُّلجة، فإنَّ الأرضَ تُطْوى باللَّيل" (١) .
- ج ١٦ ص ٥٢
حديثٌ ثانٍ لأبي عُبَيد
مالكٌ (١) ، عن أبي عُبيدٍ مولى سُليمانَ بنِ عبدِ الملك، عن عطاءِ بنِ يزيدَ الليثيِّ، عن أبي هُريرة، أنَّه قال: مَن سبَّح دُبُرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر ثلاثًا وثلاثين، وحَمِد ثلاثًا وثلاثين، وختَم المئةَ بـ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، غُفِرتْ ذنوبُه (٢) ولو كانت مثلَ زَبَدِ البَحْر.
-
هكذا هذا الحديثُ موقوفٌ في الموطّأ (٣) على أبي هُريرة، ومثلُه لا يُدرَكُ بالرأي، وهو مرفوعٌ صحيحٌ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من وُجوهٍ كثيرةٍ ثابتةٍ من حديثِ أبي هُريرة (٤) ، ومن حديث عليِّ بنِ أبي طالب (٥) ، ومن حديثِ عبد الله بنِ عَمْرو بنِ العاص (٦) ، ومن حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرة (٧) وغيرِهم بمعانٍ متقارِبة.