١٨
٤٩ فقرة، ج ١٦ ص ١٦٥
الصفحة ١ من ٢
- ج ١٦ ص ١٦٥
مالكٌ (١) ، أنَّه بلَغه أنَّ عبدَ الرّحمنِ بنَ أبي بكر دخَل على عائشةَ يومَ مات سَعْدُ بنُ أبي وقاص، فدعا بوَضُوء، فقالت له عائشة: يا عبدَ الرّحمن، أسْبغِ الوُضوءَ، فإنّي سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" .
-
هذا الحديثُ يرويه سالمٌ الدَّوسيُّ، وهو سالمُ بنُ عبدِ الله مولَى دوس، ويقال: مولى النّصْرِيِّين. ويقال: مولى مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحدَثانِ النّصْريّ. وهو سالمٌ سَبَلانٌ، فاختُلف عليه فيه.
-
وقيل: بل الاختلافُ على يحيى بنِ أبي كثير في حديثِه عن عائشة. وهو حديثٌ مدنيٌّ حسنٌ، رُوِيَ عن النبيِّ من وُجُوهٍ شتّى.
-
فأما حديثُ عائشة، فحدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شاذانَ الجوهريُّ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذئب، عن عِمْرانَ بنِ بشير، عن سالم سَبَلان، قال: خرَجنا مع عائشةَ رحِمها اللهُ إلى مكة، وكانت تخرُجُ معها بأبي يحيى التيميِّ يُصلِّي بها. قال: فأدركَها عبدُ الرّحمنِ بنُ أبي بكر، فأساءَ عندَها الوُضوء، فقالت عائشة: يا عبدَ الرّحمن، أسبغِ الوُضوءَ، فإني سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٢) .
- ج ١٦ ص ١٦٦
وروَى هذا الحديثَ يحيى بنُ أبي كثير، عن سالم الدَّوْسيِّ، فاختُلِف فيه على يحيى؛ فرواه عِكْرِمةُ بنُ عمار، عن يحيى بنِ أبي كثير، قال: حدَّثني أبو سَلَمة، قال: حدَّثني سالمٌ مولى المَهريِّ، قال: سمِعتُ عائشةَ تُنادي عبدَ الرّحمن: أسبغ الوُضوءَ، فإني سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (١) .
-
وذكَره مُسلمٌ (٢) من روايةِ عِكْرِمةَ أيضًا، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن سالم مولَى المَهريِّ قال: خرَجتُ أنا وعبدُ الرّحمن بنُ أبي بكر في جِنازةِ سَعْدِ بنِ أبي وقاص، فمرَرنا على بابِ حُجْرةِ عائشة، فذكَر الحديثَ.
-
ورواه أيوبُ بنُ عُتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن مُعَيْقِيب، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٣) .
-
وهذا خطأٌ والله أعلم، والصوابُ في هذا الحديثِ عن يحيى بنِ أبي كثير
ج ١٦ ص ١٦٧ما رواه عنه الأوزاعيُّ (١) ، وحَرْبُ بنُ شداد (٢) ، وحسينٌ المعلِّمُ (٣) ، وشيبانُ (٤) ، فإنهم اتفقُوا فيه، فروَوه عن يحيى، عن سالم، عن عائشة، لا ذِكرَ فيه لأبي سَلَمة، وليس حديثُ عِكْرِمةَ بنِ عمار مما يُدفعُ؛ لأنه قد يجوزُ أن يكونَ يحيى بنُ أبي كثير سمِعه من أبي سَلَمة، عن سالم، عن عائشة، ثم سمِعه من سالم، فحدَّث به عنه عن عائشة.
-
فإن قال قائل: إنَّ المَقْبُريَّ رواه عن أبي سَلَمة، عن عائشة. قيل له: يَحتمِلُ أن يكونَ أبو سَلَمةَ أرسَله عن عائشة، وهو قد سمِعَه من سالم عنها.
-
فإن قيل: إن ابنَ عَجْلانَ يقول فيه: عن المَقبُريِّ، عن أبي سَلَمة، أنه سمِع عائشةَ تقول: يا عبدَ الرّحمن، أسبغِ الوضوءَ، فإني سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" . قيل له: لم يقلْ ذلك عن ابنِ عَجْلانَ مَن يُوثَقُ بحِفْظه.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٥) : حدَّثنا سُفيانُ، عن محمدِ بنِ
ج ١٦ ص ١٦٨عَجْلان، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، عن أبي سَلَمة بنِ عبدِ الرّحمن، قال: توضَّأ عبدُ الرّحمنِ بنُ أبي بكرٍ عندَ عائشة، فقالت له: يا عبدَ الرّحمن، أسبغ الوضوءَ، فإني سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقاب من النار" .
-
فهذه الروايةُ عن ابنِ عَجْلانَ تدلُّ -واللهُ أعلم- على أنه لم يَسمَعْه أبو سَلَمةَ من عائشة.
-
وأما روايةُ أيوبَ بنِ عتبة، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن مُعيقيب، فخطأٌ لا شكَّ فيه واللهُ أعلم، وأيوبُ بنُ عتبةَ ضعيفٌ جدًّا. والصوابُ فيه ما رواه الأوزاعيُّ ومَن تابَعه، وروايةُ عِكْرِمةَ بنِ عَمّارٍ غيرُ مدفوعةٍ في هذا، واللهُ أعلم.
-
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية (١) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عَمّار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ حبيب، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثير، عن سالم الدَّوْسيّ، قال دخَلتُ مع عبدِ الرّحمنِ بنِ أبي بكرٍ على عائشة، فدعا بوَضوء، فقالت: يا عبدَ الرّحمن، أسبغِ الوُضوءَ، فإن سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٢) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يزيدَ المعلِّمُ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرتيُّ، قال: حدَّثنا
ج ١٦ ص ١٦٩أبو مَعْمَر، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث (١) ، قالا: حدَّثنا حُسينٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثير، قال: حدَّثني سالمٌ - زاد عبدُ الوارث: ابنُ عبدِ الله (٢) ، ثم اتفقا: الدَّوْسيُّ- قال: دخَلتُ أنا وعبدُ الرّحمنِ بنُ أبي بكرٍ على عائشة، فدعا بوَضوء، قالت: يا عبدَ الرّحمن، أسبغِ الوُضوء، فإنّي سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٣) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابق، قال: حدَّثنا شيبانُ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن سالم مولَى دوس، أنه سمِع عائشةَ تقولُ لعبدِ الرّحمن، فذكَر مثلَه (٥) .
-
وقد روَى هذا الحديثَ حيوةُ بنُ شريح، قال: أخبَرنا أبو الأسود، أنّ أبا عبدِ الله مولَى شدادِ بنِ الهادِ حدَّثه، أنه دخَل على عائشةَ وعندَها عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر، فذكَر الحديث (٦) .
- ج ١٦ ص ١٧٠
وقد روَى هذا الحديثَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أبو هُريرة، من حديثِ سهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة (١) .
-
ومن حديثِ شُعبة، عن محمدِ بنِ زياد، عن أبي هُريرة:
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبابة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال (٢) : أخبَرنا شُعبةُ، عن محمدِ بنِ زياد، قال: سمِعتُ أبا هُريرة، وكان يمرُّ بنا والناسُ يتطهَّرون من المطهرة، فيقول: أسبِغُوا الوضوء، فإن أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم- قال: "ويلٌ للعقِبِ (٣) من النار" .
-
ورواه جابرٌ؛ من حديثِ أبي إسحاق، عن عبدِ الله بنِ خليفةَ وعبدِ الله (٤) بنِ مَرثد -أو ابنِ أبي مَرثد- وسعيدِ بنِ أبي كرب، عن جابر، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
-
إلّا أنه اختُلِف فيه عن أبي إسحاق، فطائفةٌ ترويه عنه، عن عبدِ الله بنِ خليفة، وطائفةٌ عن عبدِ الله بنِ أبي مَرثد، وطائفةٌ عن سعيدِ بنِ أبي كَرب، وكلُّهم ليس بالمشهور (٥) .
- ج ١٦ ص ١٧١
ورواه عبدُ الله بنُ الحارثِ بنِ جَزْءٍ الزُّبَيْديُّ من حديثِ الليثِ وابنِ لهيعة، عن حيوةَ بنِ شريح، عن عقبةَ بنِ مُسلم، سمع عبدَ الله بنَ الحارث صاحب النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقابِ وبُطونِ الأقدام من النار" .
-
حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ يحيى (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّف (٢) ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمان وسعيدُ بنُ خُمَير، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم (٣) ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكير، عن الليث. فذكَره (٤) .
- ج ١٦ ص ١٧٢
وحدَّثنا عبدُ الوارث وأحمدُ بنُ قاسم (١) ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال (٢) : حدَّثنا الحسنُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ لهيعة، قال: حدَّثني حيوةُ بنُ شريح، عن عقبةَ بنِ مسلم، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ الحارثِ صاحبَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقابِ وبطونِ الأقدام من النار" .
-
ورواه ابنُ أبي مريم، عن نافعِ بنِ يزيد والليث، فلم يَذكُرْ فيه: "وبُطونَ الأقدام" .
-
حدَّثناه خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ والليثُ بنُ سَعْد، قالا: حدَّثنا حيوةُ بنُ شُرَيح، عن عقبةَ بنِ مسلم، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ جَزء، قال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٣) .
- ج ١٦ ص ١٧٣
ورواه عبدُ الله بنُ عَمْرٍو من حديثِ مَنْصور، عن هلالِ بنِ يِسَاف، عن أبي يحيى، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو. رواه الثوريُّ وغيرُه، عن مَنْصور (١) .
-
ورُوِيَ أيضًا من حديثِ أبي بشر، عن يوسفَ بنِ ماهَكَ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٢) .
-
ورُوِيَ من حديثِ جابر، وأبي ذرٍّ (٣) وأبي أُمامة (٤) ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وفيها ضعفٌ.
- ج ١٦ ص ١٧٤
حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عُبيدِ بنِ آدم، قال: حدَّثنا أبو مَعْنٍ ثابتُ بنُ نعيم، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بنِ أبي كَرِب، عن جابرِ بنِ عبدِ الله قال: رأى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في قدم رجلٍ نحوَ الدرهم لم يَغسِلْه، فقال: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٢) .
-
اختُلف فيه على أبي إسحاق. وأصحُّ حديثٍ في هذا الباب من جهةِ الإسنادِ حديثُ أبي هُريرة، وحديثُ عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ جزءٍ الزُّبيديِّ، وحديثُ عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص، ثم حديثُ عائشة، فهو مدنيٌّ حسنٌ.
-
أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤) : أخبَرنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن، قال:
ج ١٦ ص ١٧٥حدَّثنا سُفيانُ، عن منصور، عن هلالِ بنِ يِساف، عن أبي يحيى، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، قال: رأى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قومًا يتَوَضّؤونَ، فرأى أعقابَهم تلُوحُ، فقال: "ويلٌ للأعقابِ من النار، أسبِغُوا الوضوءَ" .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن أبي بشر، عن يوسفَ بنِ ماهَكَ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو قال: تخلَّف رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في سَفرَةٍ سافَرناها، فأدرَكَنا وقد أرهَقَتنا الصلاةُ (٢) صلاةُ العصر، ونحن نتوضَأُ، فجعَلنا نَمسَحُ على أرجلِنا، فنادَى بأعلَى صوتِه: "ويلٌ للأعقابِ من النار" . مرتين أو ثلاثًا (٣) .
قال أبو عُمر: في هذا الحديث من الفقهِ إيجابُ غَسلِ الرِّجلَين، وفي ذلك تفسيرٌ لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: ٦] . وبيانُ أنه أراد الغَسلَ لا المسحَ، وإن كانت قد قُرِئَتْ: (وأرْجُلِكم) . بالجرِّ (٤) ، فذلك
ج ١٦ ص ١٧٦معطوفٌ على اللفظِ دونَ المعنى، والمعنى فيه الغَسلُ على التقديم والتأخير، فكأنه قال عزَّ وجلَّ: إذا قُمتُم إلى الصلاة، فاغسِلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وأرجلَكم إلى الكعبين، وامسَحُوا برؤوسِكم. والقراءتان بالنصبِ والجرِّ صحيحتان مستفيضتان، والمسحُ ضدُّ الغَسلِ ومخالفٌ له، وغيرُ جائزٍ أن تُبطَلَ إحدى القراءتَينِ بالأُخرى ما وُجد إلى تخريج الجمع بينَهما سبيلٌ، وقد وجَدنا العربَ تخفِضُ بالجوار، كما قال امرؤُ القيس:
كبيرُ أناسٍ في بِجَادٍ مُزمَّلِ (١)
-
فخفَض بالجوار، وإنما المزمَّلُ الرجلُ، وإعرابُه ها هُنا الرفعُ.
- وكما قال زهير:
-
لعِب الزمانُ بها وغيَّرها ... بَعدِي سَوافِي المُورِ والقَطْرِ (٢)
قال أبو حاتم: كان الوجهُ "القطرُ" بالرفع، ولكن جرَّه على جوارِ المُور، كما قالت العرب: هذا جُحْرُ ضبٍّ خرِبٍ. فجرَّتْه، وإنا هو رفعٌ، وخفضُه بالمجاورة (٣) .
- ج ١٦ ص ١٧٧
ومن هذا قراءةُ أبي عَمْرو: "يُرسَلُ عليكما شُوَاظٌ من نارٍ ونُحاسٍ" . بالجرِّ (١) ؛ لأنَّ النُّحاسَ الدخانُ.
-
فعلى ما ذكَرنا تكونُ معنى القراءةِ بالجرِّ النصبَ، ويكونُ الخفضُ على اللفظِ للمجاورة، والمعنى الغَسلُ. وقد يُرادُ بلفظِ المسحِ الغَسلُ عندَ العرب، من قولهم: تمسَّحتُ للصلاة. والمرادُ الغَسلُ. ويَشدُّ هذا التأويلَ كلَّه قولُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "ويلٌ للأعقابِ مِن النار" . وعلى هذا القولِ والتأويلِ جمهورُ علماءِ المسلمين، وجماعةُ فقهاءِ الأمصارِ بالحجازِ والعراقِ والشام من أهل الحديثِ والرأي، وإنما رُوِيَ مسحُ الرِّجلَين عن بعضِ الصحابةِ وبعضِ التابعين، وتعلَّق به الطبريُّ (٢) ، وذلك
ج ١٦ ص ١٧٨غيرُ صحيح في نظرٍ ولا أثر، والدليلُ على وجوبِ غَسلِ الرجلين قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "ويلٌ للأعقابِ مِن النار" . فخوَّفَنا بذكْرِ النارِ من مخالفةِ مرادِ الله عزَّ وجلَّ، ومعلومٌ أنه لا يُعذَّبُ بالنارِ إلا على ترْكِ الواجب، ألا ترَى إلى ما في حديثِ عبدِ الله بنِ عَمْرو (١) : فرأى أعقابَنا تلوحُ فقال: "ويلٌ للأعقابِ من النار" .
-
وأوضحُ من هذا ما في حديثِ عبدِ الله بنِ الحارث: "ويلٌ للأعقابِ وبطونِ الأقدام من النار" (٢) .
-
ومعلومٌ أن المسحَ ليس شأنُه الاستيعاب، ولا خلافَ بينَ القائلين بالمسح على الرِّجلينِ أن ذلك على ظُهورِهما لا على بطُونِهما، فتبيَّن بهذا الحديثِ بُطلانُ قولِ مَن قال بمسْحِ القدَمين، إذ لا مدخَلَ لمسحِ بطُونِهما عندَهم، وأن ذلك إنما يُدرَكُ بالغسلِ لا بالمسح.