١٨
٤٩ فقرة، ج ١٦ ص ١٦٥
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١٦ ص ١٧٨
ودليلٌ آخرُ من الإجماع، وذلك أنهم أجمَعُوا على أن مَن غَسَل قدَميهِ فقد أدَّى الواجبَ الذي عليه.
- ج ١٦ ص ١٧٩
واختلَفوا فيمَن مسَح قدَميه، فاليقينُ ما أجمَعُوا عليه دونَ ما اختلَفوا فيه، وقد اتفَقوا أن الفرائضَ إنما يَصحُّ أداؤُها باليقين، وإذا جاز عندَ مَن قال بالمسح على القدَمينِ أن يكونَ مَن غَسَل قدَميهِ قد أدَّى الفرضَ عندَه، فالقولُ في هذا الحالِ بالاتفاقِ هو اليقين، مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ويلٌ للأعقابِ من النار" . وقد قيل: إن مَن قرَأ: (وأرجلِكم) . بالخفضِ أراد به المسحَ على الخُفَّين. مع ما رُوِيَ في ذلك من الآثار، والله أعلم.
-
وذكر أشهبُ عن مالكٍ أنه سُئِل عن قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} . في آية الوضوء: أبالنصبِ أم بالخفض؟ فقال: هو الغَسلُ ولا يُجزِئُ المسحُ (١) .
قال أبو عُمر: مَن قرَأ بالنصبِ فصَل بينَ المسْحِ والغَسلِ بالإعراب، فكأنه قال: اغسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وأرجلَكم إلى الكَعبين. وكأنّ ذلك أشبهُ بفعلِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وبأمْرِه.
-
فأما فِعْلُه، فما نقَل الجمهورُ كافّةً عن كافّةٍ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يَغسِلُ رجلَيهِ في وُضوئِه مرةً واثنتين وثلاثًا حتى يُنقِيَهُما.
-
وأما أمرُه، فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ويلٌ للأعقابِ من النار" . وقد جاء عنه -صلى الله عليه وسلم-: "ويلٌ للأعقابِ وبطُونِ الأقدام من النار" . و "ويلٌ للعراقيبِ من النار" . ولو لم يكنِ الغَسلُ واجبًا ما خوَّف مَن لم يغسِلْ عقبَيْه وعُرقُوبيه بالنار؛ لأنَّ المسحَ ليس من شأنِه الاستيعاب، ولا يُبلَغُ به العراقيبُ ولا الأعقاب.
قال أبو عُمر: العُرقوبُ: هو مجَمَعُ مَفصلِ الساقِ والقدَم، والكعبُ: هو الناتئُ في أصلِ الساق، يدُلُّك على ذلك حديثُ النعمانِ بنِ بشيرٍ قال: أقبَل
ج ١٦ ص ١٨٠رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بوجهِه فقال: "أقيمُوا صُفوفَكُم" . قال: فرأيتُ الرجلَ يُلزِقُ كعبَه بكَعْبِ صاحبِه (١) .
-
والعَقِبُ: هو مُؤخِّرُ الرجلِ تحتَ العُرقُوب. وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في الكَعْبين، وأوضَحنا المذاهبَ عن العربِ وأهلِ العلم في العُرقُوبِ والكعْبِ في بابِ عَمْرِو بنِ يحيى (٢) ، والحمدُ لله.
وقال ابنُ وَهْبٍ عن مالك: ليس على أحدٍ تخليلُ أصابعِ رجليه في الوضوءِ ولا في الغُسل، ولا خيرَ في الجفَاءِ والغلوِّ (٣) .
قال ابنُ وَهْب: تخليلُ أصابع رِجْلَيه في الوضوءِ مرغَّبٌ فيه، ولا بُدَّ من ذلك في أصابعِ اليدين، وأما أصابعُ رِجْليهِ فإن لم يُخلِّلْها فلا بُدَّ من إيصالِ الماءِ إليها (٤) .
وقال ابنُ القاسم عن مالك: مَن لم يُخلِّلْ أصابعَ رجليه فلا شيءَ عليه.
-
وقال محمدُ بنُ خالد، عن ابنِ القاسم، عن مالك (٥) فيمَن توضَّأ على نهَرٍ
ج ١٦ ص ١٨١فحرَّك رجليه: إنه لا يُجزِئُه حتى يَغسِلَهما بيديه. قال ابنُ القاسم: وإن قدَر على غَسلِ إحداهما بالأُخرى أجزأه.
قال أبو عُمر: يلزمُ مَن قال: إن الغَسلَ لا يكونُ إلا بمرورِ اليدين. أن يقول: إنه لا يُجزِئُه إنْ غسَل إحداهما بالأخرى. وَيلزَمُه أن يقولَ بتخليلِ أصابعِ اليَدَينِ والرِّجلينِ؛ لأنَّ الأمرَ بغَسلِهما واحدٌ. وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا توضَّأ يَدلُكُ أصابعَ رجليه بخنصرِه (١) . وهذا عندَنا على الكمال.
-
وقد مضَى في صفةِ الغُسلِ من الجنابةِ في بابِ هشام بنِ عُروة (٢) من هذا الكتاب ما يُستدلُّ به على معنى هذا الباب، ومضَى في باب عَمْرِو بنِ يحيى (٣) من هذا الكتاب أيضًا القولُ في غَسلِ المرفقين مع اليدين، والكعبين مع الرجلين، فلا معنى لإعادةِ ذلك ها هُنا. وقد كان مالكٌ رحمه الله في آخرِ عمُرِه يَدلُكُ أصابعَ رجليه بأصابع يديه؛ لحديثٍ حدَّثه ابنُ وَهْب.
- ج ١٦ ص ١٨٢
ذكَر أبو بشرٍ الدُّولابيُّ قال: حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وَهْب، قال: حدَّثني عمِّي عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: سُئِل مالكٌ عن تخليل أصابع الرِّجلين في الوضوءِ فقال: ليس ذلك على الناس. فأمهَلْتُه حتى خفَّ الناسُ عنه، ثم قلت له: يا أبا عبدِ الله، سمِعتُك تُفتي في مسألةٍ عندَنا فيها سُنّة. قال: وما هي؟ قلت: حدَّثنا ابنُ لَهيعة والليثُ بنُ سَعْد، عن يزيدَ بنِ عَمْرٍو المعافريِّ، عن أبي عبدِ الرّحمنِ الحُبُليِّ، عن المُستَورِدِ بنِ شداد القرشيِّ، قال: رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يتوضَّأُ فيُخَلِّلُ بخِنصِرِه ما بينَ أصابع رجليه. قال: فقال لي مالك: إنَّ هذا لحسنٌ، وما سمِعتُ به قطُّ إلا الساعة. قال ابنُ وَهْب: ثم سمِعتُه بعد ذلك يُسألُ عن تخليلِ الأصابع في الوضوءِ فيَأمُرُ به (١) . وروَى غيرُه عن ابنِ وَهْب: فرأيتُه يعملُ به. ولم يقل: يأمرُ به.