٢٦

٢٨ فقرة، ج ١٦ ص ٢٢٣

  1. مالكٌ (١) ، أنّه بلَغَهُ أنَّ عبدَ الله (٢) بنَ مسعودٍ كان يُحدِّثُ أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيُّما بيِّعَيْنِ تبايَعا، فالقولُ ما قال البائعُ، أو يتَرادّانِ" .

    ج ١٦ ص ٢٢٣
  2. هكذا قال مالكٌ في هذا الحديث: "أيُّما بَيِّعَينِ تَبايَعا" . ولم يقل: فاختَلَفا.

  3. وهي لفظةٌ مدارُ الحديثِ عليها، ومن أجلِها ورَد الحديث، وسقَطت لمالكٍ كما تَرى.

  4. وفي قوله فيه: "فالقولُ قولُ البائع" . دليلٌ على اختلافِهما، واللهُ أعلم.

  5. وهذا الحديثُ محفوظٌ عن ابنِ مسعودٍ كما قال مالكٌ، وهو عندَ جماعةِ العلماءِ أصلٌ تَلَقَّوه بالقَبول، وبنَوْا عليه كثيرًا من فُروعِه، واشتَهر عندَهم بالحجازِ والعراقِ شُهْرةً يُستغنَى بها عن الإسناد، كما اشتَهر عندَهم قولُه عليه السلام: "لا وصيةَ لوارث" (٣) . ومثلُ هذا من الآثارِ التي قد اشتَهرت عندَ جماعةِ (٤) العلماءِ واستفاضتْ، يكادُ يُستغنَى فيها عن الإسناد؛ لأنَّ استفاضتَها وشُهرتَها عندَهم أقوى من الإسناد.

  6. أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبَرنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن عَوْنِ بنِ عبدِ الله بنِ عُتبة، عن ابنِ

    ج ١٦ ص ٢٢٤مسعود، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا اختَلف البَيِّعان، فالقولُ ما قال البائعُ، والمبتاعُ بالخيار" (١) . وهذا مرسلٌ؛ لأنّ عَونًا لم يسمَعْ من ابنِ مسعود.

  7. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة ويحيى بنُ سعيد، عن ابنِ عَجْلان، عن عَوْنِ بنِ عبدِ الله، عن ابنِ مسعود، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا اختَلفِ البَيِّعان، فالقولُ ما قال البائع، والمبتاعُ بالخيار" .

  8. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة (٤) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ فارس، قال:

    ج ١٦ ص ٢٢٥حدَّثنا عُمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياث، قال: حدَّثني أبي، عن الأعمش، قال: أخبَرني عبدُ الرّحمنِ بنُ قيسِ بنِ محمدِ بنِ الأشعث، عن أبيه، عن جدِّه، قال: اشتَرى الأشعثُ رقيقًا من رقيقِ الخمُسِ من عبدِ الله بعشرين ألفًا، فأرسَل عبدُ الله إليه في ثمنِهم، فقال: إنما أخَذتُهم بعشَرةِ آلاف. فقال عبدُ الله: فاختَرْ رجلًا يكونُ بيني وبينَك. قال الأشعثُ: أنت بيني وبينَ نفسِك. قال عبدُ الله: فإني سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا اختَلف البَيِّعانِ وليس بينَهما بَيِّنةٌ، فهو ما يقولُ رَبُّ السِّلْعةِ أو يتَتارَكان" .

  9. هكذا في كتابي في "مصنف أبي داود" ، وذكَره ابنُ الجارود (١) ، عن محمدِ بنِ يحيى، عن عُمرَ بنِ حفصِ بنِ غِياث، عن أبيه، عن أبي العُمَيس، عن عبدِ الرّحمن بنِ قيسِ بنِ محمدِ بنِ الأشعث، عن أبيه، عن جدِّه، مثلَه سواء.

  10. ولأبي العُمَيس يُعرفُ هذا الحديثُ عن عبدِ الرّحمن هذا، لا عن الأعمش، وعبدُ الرّحمن هذا غيرُ معروف بحمل العلم، وهذا الإسنادُ ليس بحُجّةٍ عندَ أهل العلم، ولكنَّ هذا الحديثَ عندَهم مشهورٌ ومعلوم، واللهُ أعلم.

  11. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٢) ،

    ج ١٦ ص ٢٢٦قال (١) : حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ النُّفَيْليُّ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي ليلى، عن القاسم بنِ عبدِ الرّحمن، عن أبيه، أن ابنَ مسعودٍ باع من الأشعثِ بنِ قيسٍ رقيقًا. فذكَر معناه، والكلامُ يزيدُ وينقُصُ.

  12. هكذا رواه ابنُ أبي ليلى، وعُمرُ بنُ قيسٍ الماصِرُ، عن القاسم بنِ عبدِ الرّحمن، عن أبيه، وعُمرُ بنُ قيسٍ الماصِرُ هذا كوفيٌّ ثقةٌ روَى عنه ابنُ عونٍ وغيرُه.

  13. ذكَر العُقَيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إدريس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعيدِ بنِ سابق، عن عَمْرِو بنِ أبي قَيْس، عن عُمرَ بنِ قَيْسٍ الماصر، عن القاسم بنِ عبدِ الرّحمن، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ مسعود، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا تَبايَع المتبايِعان بَيْعًا ليس بينَهما شهودٌ، فالقولُ ما قال البائعُ، أو يَتَرادّانِ البيعَ" (٢) .

  14. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن أبانِ بنِ تَغْلِب، عن القاسم بنِ عبدِ الرّحمن، أنَّ الأشعثَ اشتَرى من عبدِ الله رقيقًا من رقيقِ الإمارة، فأتاهُ فقَاضاهُ، فاختَلفا في الثَّمَن، فقال له عبدُ الله: أترضَى أن أقضيَ بيني وبينَك

    ج ١٦ ص ٢٢٧بقضاءِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: "إذا اختَلف البَيِّعان، فالقولُ ما قال البائعُ، أو يَتَرادَّان" (١) .

  15. ورواه حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني إسماعيلُ بنُ أمية، عن عبدِ الملكِ بنِ عُبيدة، قال: حضَرْنا أبا عُبيدةَ بنَ عبدِ الله بنِ مسعود، فذكَر عن أبيه، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- معناه (٢) .

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ وإن كان في إسنادِه مقالٌ من جهةِ الانقطاع مرّةً، وضعفِ بعضِ نقَلتِه أُخرى، فإن شُهرتَه عندَ العلماءِ بالحجازِ والعراقِ يكفي ويُغني.

  16. وأمّا اختلافُ الفقهاءِ في هذا الباب؛ فقال ابنُ أبي ليلى، والثوريُّ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، وأصحابهما، وأحمدُ وإسحاق (٣) : إذا اختَلف المتبايعانِ في الثمنِ والسلعةُ قائمةٌ، تحالَفا وتَرادَّا البيعَ، وبُدئ البائعُ باليمين، ثم قيل للمشتري: إمّا أن

    ج ١٦ ص ٢٢٨تأخُذَ بما حلَف عليه البائعُ، وإمّا أن تحلِفَ على دَعْواك وتَبرَأ. فإن حلَفا جميعًا رُدَّ البيعُ أيضًا، وإن نكَلا جميعًا رُدَّ البيعُ أيضًا (١) ، وإن حلَف أحدُهما ونكَل الآخرُ، كان البيعُ لِمَن حلَف، وسواءٌ عندَ هؤلاء كلِّهم كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع أو بيدِ المُشتَري بعدَ أن تكونَ قائمة. وكذلك روَى ابنُ القاسم، عن مالك (٢) : إنّ السلعةَ إذا كانت قائمةً بيدِ البائع أو بيدِ المشتري تَحالَفا وتَرادّا على حسبِ ما ذكَرنا عن هؤلاء سواءً.

  17. وروَى ابنُ وَهْب (٣) ، عن مالك، أنَّ السلعةَ إذا بانَ بها المشتري إلى نفسِه لم يَتحالَفا، وكان القولُ قولَ المشتري مع يمينِه، وإنما يَتحالَفان إذا كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع. هذه روايةُ ابنِ وَهْب، عن مالك.

    وقال سُحْنون: روايةُ ابنِ وَهْب، عن مالك، هو قولُ مالكٍ الأول، وعليه اجتَمع الرواة، وقولُ مالكٍ الذي رواه ابنُ القاسم وأخَذ به هو آخِرُ قولِ مالك (٤) .

  18. واختَلفوا، والمسألةُ بحالِها، إذا فاتَت السلعةُ بيدِ المشتري وهلَكت، ولم تكنْ قائمةً؛ فقال مالكٌ وأصحابُه (٥) كلُّهم حاشا أشهبَ: القولُ قولُ المشتري مع يمينِه ولا يَتحالَفان.

  19. وهو قولُ أبي حنيفة، وأبي يوسف، والثوريِّ، والحسنِ بنِ حيٍّ، والليثِ بن سَعْد (١) .

    ج ١٦ ص ٢٢٩
  20. وقال الشافعيُّ ومحمدُ بنُ الحسن، وهو قولُ أشهبَ صاحبِ مالك (٢) : إنهما يتحالَفان ويَتفاسَخان ويَرُدُّ المشتري القيمة. وهو قولُ عُبيدِ الله بنِ الحسنِ العَنبريِّ قاضي البصرة.

    وقال زُفَرُ (٣) : إن اتَّفَقا في هذه المسألة، أنَّ الثمنَ كان من جِنْسٍ واحد، كان القولُ قولَ المشتري، وإن اختَلفا في جنسِه، تحالفا وتَرادَّا قيمةَ البيع. وقولُ الشافعيِّ سواءٌ كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع أو بيدِ المشتري، أو هلَكت عندَ البائع، أو عندَ المشتري، هما أبدًا، إذا اختَلفا في الثمن، يتَحالَفان ويَترادَّان السِّلعةَ إن كانت قائمة، أو قيمتَها إن كانت فائتة.

    وقال أبو ثور (٤) في اختلافِ المتبايعَين في الثمن: القولُ أبدًا قولُ المشتري، وسواءٌ كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع، أو بيدِ المشتري، أو فاتَت عندَ البائع أو عندَ المشتري، القولُ أبدًا في ذلك كلِّه قولُ المشتري مع يمينه. وضعَّف أبو ثورٍ الحديثَ في هذا الباب، ولم يوجِبْ به حُكْمًا، ولكلِّ واحدٍ منهم حُجَجٌ من جهةِ النظرِ تكادُ تتوازَى. وأما أبو ثورٍ فلم يقلْ بشيءٍ من معنى حديثِ هذا الباب، وشَذَّ في ذلك إلى قياسٍ يعارِضُه قياسٌ مثلُه لخَصْمِه، واللهُ المستعان.

  21. فمِن حُجَّةِ أبي ثورٍ أنَّ البائعَ مُقِرّ بزَوالِ مِلْكِه عن السلعة، مُصدِّقٌ للمشتري في زوالها عن ملكِه، وهو مُدَّع عليه من الثمنِ ما لا يُقِرُّ له به المشتري، ولا بيِّنةَ معه، فصار القولُ قولَ المشتري مع يمينِه على كلِّ حال.

    ج ١٦ ص ٢٣٠
  22. وروى ابنُ سَماعة (١) ، عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: القياسُ في المتبايعَين إذا اختَلفا، فادَّعى البائعُ ألفًا وخمسَ مئةٍ، وادَّعى المشتري ألفًا، أن يكونَ القولُ قولَ المشتري، ولا يتحالَفان ولا يَترادَّان؛ لأنهما قد أجمَعا على مِلْكِ المشتري السلعةَ المبيعة، واختَلفا في ملكِ البائع على المشتري من الثمنِ ما لا يُقِرُّ به المشتري، فهما كرجُلَين ادَّعى أحدُهما على الآخرِ ألفَ درهم وخمسَ مئةِ درهم، وأقرَّ هو بألفِ درهم، فالقولُ قولُه، إلا أنّا ترَكْنا القياسَ للأثرِ في حالِ قيام السلعة، فإذا فاتَتِ السلعةُ عاد القياسُ.

    قال أبو عُمر: هذا القياسُ الذي ذكَره أبو حنيفة، امتَثله كلُّ مَن ذهَب في هذا الباب مذهبَه من أصحابِه ومن المالكيِّين وغيرِهم.

    قال أبو محمد بنُ أبي زيد: ظاهرُ قوله في الحديث: "أو يَترادَّان" . الإشارةُ إلى ردِّ الأعيان، فإذا ذهَبت الأعيان، خرَج من ظاهرِ الحديث؛ لأنَّ ما فات بيدِ المبتاع لا سبيلَ إلى ردِّه، وصار المبتاعُ مُقِرًّا بثمنٍ يُدَّعَى عليه أكثرُ منه، فدخَل في باب الحديثِ الآخر: "البَيِّنةُ على المُدَّعي، واليمينُ على المُدَّعَى عليه" (٢) .

    قال أبو عُمر: من حُجَّةِ الشافعيِّ، وأشهَبَ، وعُبيدِ الله بنِ الحسن، ومَن ذهَب مذهبَهم في هذا الباب، وجعَل المتبايعَين إذا اختَلفا في الثمن يتحالَفان ويَترادَّان أبدًا، أنه يقول: إن البائعَ لم يُقِرَّ بخُروجِ السِّلعةِ عن مِلْكِه إلا بصفةِ ما لا يُصدِّقُه

    ج ١٦ ص ٢٣١عليه المبتاع، وكذلك المشتري لم يُقِرَّ بانتقالِ المِلْكِ إليه إلا بصفةِ ما لا يُصدِّقُه عليه البائعُ، والأصلُ أن السلعةَ للبائع، فلا تخرُجُ من مِلْكِه إلا بيقين؛ من إقرارٍ أو بيِّنة، وإقرارُه مَنُوطٌ بصفةٍ لا سبيلَ إلى دفعِها؛ لعدم بيِّنةِ المشتري بدَعواه، فحصَل كلُّ واحدٍ منهما مُدَّع ومُدَّعًى عليه، وورَدتِ السُّنَّةُ بأن يبدأ البائعُ باليمين، وذلك، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ الأصلَ أن السِّلعةَ له، فلا يُعْطاها أحدٌ بدَعْواه، فإذا حلَف، خُيِّر المُبْتاعُ في أخْذِها بما حلَف البائعُ عليه إن شاء، وإلا حلَف أنه ما ابتاعَ إلا بما ذكَر، ثم يُفسخُ البيعُ بينَهما، وبهذا المعنى ورَدتِ السُّنَّةُ مُجمَلة، لم تَخُصَّ كونَ السلعةِ بيدِ واحدٍ دونَ آخر.

  23. ومعلومٌ أنَّ التَّرادَّ إذا وجَب بالتحالُف، والسلعةُ حاضرةٌ، وجَب بعدَ هلاكِها؛ لأنَّ القيمةَ تقومُ مقامَها، كما تقومُ في كلِّ ما فاتَ مقامَه، ومَن ادَّعى في شيءٍ من ذلك خُصوصًا، فقد ادَّعى ما لا يقومُ من ظاهرِ الحديثِ ولا معناه.

    قالوا: وليس اختلافُ المتبايعَين من باب: "البيِّنةُ على المُدَّعي، واليمينُ على مَن أنكر" . في شيء؛ لأنَّ ذلك حُكمٌ ورَد به الشرعُ في مُدَّعٍ لا يُدَّعَى عليه، وفي مُدَّعًى عليه لا يَدَّعي، وورَد الشرعُ في المُدَّعي المُدَّعَى عليه، والمُدَّعَى عليه المُدَّعي بغيرِ ذلك، وكلٌّ أصلٌ في نفسِه يجبُ امتثالُه، ولكلِّ واحدٍ منهم حُجَجٌ يطولُ ذكرُها، ومدارُها على ما ذكَرنا.

    وقال ابنُ القاسم (١) : إذا اختَلف المتبايِعان في قلَّةِ الثمن وكثرتِه، والسلعةُ بيدِ المبتاع لم تَفُتْ ولم تتغيَّرْ في بَدَنٍ أو سُوق، أو لم يكنْ قبَضَها، أُحْلِف البائعُ أوّلًا، على ما ذكَر، أنه ما باعَها إلا بكذا، فإن حلَف، خُيِّر المبتاعُ في أخذِها بذلك، أو يحلِفُ ما ابتاع إلا بكذا ثم يَرُدُّ، إلا أن يرضَى قبلَ الفسخ أخْذَها بما قال البائع.

    ج ١٦ ص ٢٣٢قال سُحْنونٌ (١) : بل بتمام التحالفِ ينفَسخُ البيع. ورواه سُحْنونٌ، عن شُريح، قال شُريحٌ: إذا اختَلف المتبايِعان، ولا بيِّنةَ بينَهما، أنهما إن حلفَا ترادَّا، وإن نكَلا تَرادَّا، وإن حلَف أحدُهما ونكَل الآخرُ، تُرِك البيعُ. يريدُ على قولِ الحالف.

  24. وروَى ابنُ المَوَّازِ عن ابنِ القاسم مثلَ قولِ شُريح.

    وقال ابنُ حبيب: إذا اختَلفا فُسِخ، وإن نَكَلا كان القولُ قولَ البائع. وذكَره عن مالك.

    وقال ابنُ القاسم: إن قبَضها المبتاعُ، ثم فاتَت بيدِه بنَماء، أو نُقْصان، أو تَغيُّرِ سوق، أو بَيْع، أو كتابة، أو عِتْق، أو هِبَة، أو هلاك، أو تقطيع في الثياب، فالقولُ قولُ المُبتاع مع يمينِه، وكذلك لو كانت دارًا فبَناها أو طالَ الزمان، أو تغيَّرت المساكن.

  25. وأمّا الشافعيُّ، فليس يجعَلُ شيئًا من هذا كلِّه فوتًا في معنًى من المعاني، وفي هذه المسألةِ عندَه يتَحالَفان إذا فاتَت السلعةُ وتقومُ القيمةُ مقامَها. وهو قولُ أشهبَ.

  26. ومن أصلِ مذهبِ مالكٍ وأصحابِه في هذه المسألة، أنَّ مَن جاء منهما بما لا يُشْبِه، كان القولُ قولَ الآخر، وإنما يحلِفُ مَنِ ادَّعى ما يُشبِهُ.

  27. ولو اختَلف المتبايِعان في الأجَل، فقال البائعُ: حالٌّ. وقال المشتري: إلى شهر. فإن لم يتقابَضا، تحالَفا وتَرادَّا، وإن قبَض المشتري السلعة، فالقولُ قولُه مع يمينِه على روايةِ ابنِ وَهْب.

  28. وروى ابنُ القاسم (١) أنهما يتحالَفان إن كانتِ السلعةُ قائمةً عندَ البائع أو عندَ المشتري، وإن فاتَت فالقولُ قولُ المُشتَري مع يمينِه، إلا أن يكونَ للناسِ عُرْفٌ وعادةٌ في تلك السلعةِ في شرائها بالنقدِ والأجَل، فلا يكونُ لواحدٍ منهما قولٌ، ويُحمَلان على عُرْفِ الناسِ في تلك السلعة، ويكونُ القولُ قولَ مَن ادَّعَى العُرْف. هذا كلُّه مذهبُ مالكٍ والليثِ بنِ سَعْد (٢) .

    وقال الشافعيُّ، وعُبيدُ الله بنُ الحَسَن (٣) : الاختلافُ في الأجل كالاختلافِ في الثمن، والقولُ في ذلك واحدٌ.

    وقال أبو حنيفة (٤) : إذا قال البائعُ: هو حالٌّ.

    وقال المشتري: إلى شهر. فالقولُ قولُ البائع مع يَمينه، وكذلك إذا قال البائع: إلى شهر. وقال المشتري: إلى شهْرَين. وهو قولُ الثوريِّ.

    قال أبو عُمر: في هذه المسألةِ قولٌ آخرُ غيرُ ما ذكَرنا عن هؤلاء، ذكَره المَرْوَزِيُّ (٥) ، قال: قال بعضُ أصحابنا: إن كان المشتري هو المُستَهلِكَ للسلعة، تحالَفا ورَدَّ القيمة، وإن كانت السلعةُ هلَكَت من غيرِ فعلِ المُشتَري تحالَفا، فإن حلَفا لم يكنْ على المشتري رَدُّ قيمةٍ ولا غيرِها؛ لأنه لم يكنْ مُتعدِّيًا على السلعةِ ولا جانيًا، ولا يضمَنُ إلا جانٍ أو مُتعَدٍّ. قال المروزيُّ: وهذا القياسُ.

    ج ١٦ ص ٢٣٣