زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ٢ من ٤٠

  1. واختلَف الفقهاءُ في كَراهيةِ شِراءِ الرجلِ لصدقَتِه الفرضِ والتَّطَوُّع، إذا أخرَجها عن يَدِه لوَجْهِها ثم أرادَ شِراءَها من الذي صارتْ إليه، فقال مالكٌ: إذا حمَل على فرس فباعَه الذي حُمِل عليه، فوجَده الحامِلُ في يَدِ المشترِي، فلا يَشْتَرِه أبدًا، وكذلك الدَّراهمُ والثَّوبُ.

    قال أبو عُمر: ذكَره ابن عبدِ الحكم عنه، وقال في موضع آخرَ من كتابِه: ومَن حُمِلَ على فرسٍ فباعَه، ثم وجَده الحاملُ في يدِ الذي اشتَراه، فتَرْكُ شِرائِه أفضَلُ.

    قال أبو عُمر: كرِه (١) ذلك مالكٌ، والليثُ، والحسنُ بن حَيٍّ، والشافعيُّ، ولم يَرَوْا لأحدٍ أنّ يشْتَرِيَ صدَقَتَه، فإنِ اشْترَى أحدٌ صدقتَه لَمْ يَفسَخوا العقدَ ولم يَرُدُّوا البيعَ، ورأَوُا التَّنزُّهَ عنها. وكذلك قولُهم في شِراءِ الإنسانِ ما يُخرِجُه من كفَّارَةِ اليَمينِ، مثلُ الصَّدقةِ سَواءً.

    قال أبو عُمر: إنّما كَرِهوا بيعها (٢) لهذا الحديثِ، ولم يَفْسَخوها لأنّها راجِعَةٌ إليه بغيرِ ذلك المَعْنَى. وقد بَيَّنّا هذا في قصةِ هديَّةِ بَرِيرَةَ بما تُصُدِّقَ به عليها. ويَحتمِلُ هذا الحديثُ أن يكونَ على وَجهِ التَّنزُّهِ وقَطْعِ الذَّريعةِ إلى بيعِ الصَّدقةِ قبلَ إخراجِها، أو يكونَ مَوقوفًا على التَّطَوُّع في التَّنزُّهِ.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعِيُّ: لا بأسَ لمن أخرَج زكاتَه وكفَّارةَ يَمِينِه أن يَشْتَرَيه بثَمَني يَدفَعُه إليه.

    وقال أبو جعفرٍ الطحاويُّ (٣) : المصيرُ إلى حديثِ عمرَ في الفرسِ أولَى من

    ج ٣ ص ٢٢قولِ مَن أباحَ شراءَ صَدَقتِه. وقال قتادةُ: البيعُ في ذلك فاسدٌ مرْدودٌ؛ لأنِّي لا أعْلَمُ القَيْءَ إلّا حرامًا (١) .

    ج ٣ ص ٢١
  2. وكلُّ العلماءِ يقولون: إذا رجَعتْ إليه بالميراثِ طابَتْ له، إلّا ابن عمرَ، فإنّه كان لا يَحبِسُها إذا رجَعتْ إليه بالميراثِ (٢) . وتابعه الحَسَنُ بن حيٍّ، فقال: إذا رجَعت إليه بالميراثِ وجَّهَها فيما كان وجَّهها فيه إذا كانت صدقةً، وأمّا الهِبَةُ فلا يُكرَهُ الرُّجوعُ فيها.

    قال أبو عُمر: يَحتمِلُ فعلُ ابن عمرَ في رَدِّ ما رجَع إليه من صدَقاتِه بالمِيراثِ أنْ يَكونَ على سبيلِ الوَرَع والتَّبَرُّعِ، لا أنه كان يرَى ذلك واجبًا عليه، وكثيرًا ما كان يَدَعُ الحلالَ ورَعًا، ولعلَّه لَمْ يَصِحَّ عندَه ما رُوي عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك ولم يَعلَمْه، وقد ورَدتِ السُّنةُ الثابتةُ عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإباحَةِ ما رَدَّه الميراثُ من الصَّدَقاتِ. وقد ذكَرناها في بابِ ربيعةَ في قصةِ لَحم بَرِيرةَ (٣) وأوضَحنا المعنَى في ذلك بما لا وَجْهَ لإعادَتِه ههنا. وأكلُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أُهدِي إليه من الصدقةِ، وقولُه: "إنّ الصدقةَ تَحِلُّ لمن اشتَراها بمالِه من الأغنياءِ" (٤)

  3. يُوضِّحُ ما ذكَرنا؛ لأنّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لغَنِيٍّ إلّا لخمسةٍ: أحَدُهم، رجلٌ اشْتَراها بمالِه، فكما جاز له أنْ يَشْتَرِيَها بمالِه وهي صدقةُ غيرِه، فكذلك شِراءُ صدقتِه؛ لأنّ الشِّراءَ لها ليس برُجوعٍ فيها في المعنَي، على ما بَيَّنا في قصةِ لحم بَرِيرَةَ، وإنّما الرُّجوعُ فيها أن يتَصَرَّفَ فيما فعَله من صدقتِه أو هِبَتِه دُونَ أنْ يَبتاعَ (١) ذلك، ولكنَّ حديثَ عمرَ هذا أولَى أن يُوقَفَ عندَه؛ لأنَّه خَصَّ المتَصَدِّقَ بها فنَهَاه عن شِرائِها، وذلك نَهْيُ تَنَزُّهٍ إن شاء اللهُ.

    ج ٣ ص ٢٣
  4. وأما قوله عليه السلام: "لا تحل الصدقة لغني إلّا لخمسة" فسيأتي ذكره فيما يأتي من حديث زيد بن أسلم من كتابنا هذا وباللّه توفيقنا.

  5. حديثٌ رابعٌ لزيد بن أَسْلَم مسند يجري مجرى المتَّصل

    مالك (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أنّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يَسِيرُ في بعضِ أَسفارِه، وعمرُ بن الخطَّابِ يسيرُ معه ليلًا، فسَأَلَه عمرُ عن شيءٍ فلم يُجبْه، ثم سألَه فلم يُجبْه، ثم سألَه فلم يُجِبْه، فقال عمرُ: ثَكِلتْكَ أُمُّك يا عمرُ (٢) ، نَزَرْتَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلك لا يُجِيبُك. قال عمرُ: فحرَّكْتُ بعيرِي، حتى إذا كنتُ أمامَ الناسِ، وخَشِيتُ أنْ يَنزِلَ فيَّ قرآنٌ، فما نَشِبْتُ (٣) أنْ سمِعْتُ صارخًا يَصرُخُ بي. قال: فقلتُ: لقد خَشِيتُ أنْ يكونَ نزَل فيَّ قُرآنٌ. قال: فَجئتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسَلَّمْتُ عليه، فقال: "أُنزِلَ عليَّ (٤) هذهِ اللَّيلةَ سورَةٌ، لهي أحبُّ إليَّ ممّا طَلَعَتْ عليه الشمسُ" . ثم قَرَأَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: ١] .

    ج ٣ ص ٢٤
  6. هذا الحديثُ عندَنا على الاتِّصالِ؛ لأنّ أسلمَ رَواه عن عمرَ، وسماع أسلمَ من مَولاه عمرَ رضِيَ اللهُ عنه صحيحٌ لا ريبَ فيه، وقد رواه محمدُ بن حربٍ (٥) ، عن مالكٍ كما ذكَرنا.

  7. أخبَرنا خلفُ بن القاسم وعليُّ بن إبراهيمَ، قالا: حَدَّثَنَا الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن رُزَيقٍ (٦) بن جامع. وحَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بن مروانَ، قال:

    ج ٣ ص ٢٥حَدَّثَنَا الحسنُ بن عليِّ بن داودَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن زَبانٍ (١) ، قالا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بن عبدِ الرحيم المروَزِيُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بن حربٍ، عن مالكِ بن أَنَسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، أنّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يَسيرُ في بعضِ أسفارِه، وعمرُ يسيرُ معه ليلًا، فسألَه عمرُ عن شيءٍ فلم يُجِبْه، ثم سألَه فلم يُجِبْه، ثم سألَه فلم يُجِبْه، ثلاثًا، فقال عمرُ: ثَكِلتْكَ أُمُّكَ عمرُ، نَزَرْتَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ، كلَّ ذلكَ لا يُجِيبُكَ. قال عمرُ: فحرَّكْتُ بَعيرِي حتى تقَدَّمْتُ أمامَ الناسِ، وخَشِيتُ أنْ يَنزِلَ فيَّ قرآنٌ، فما نَشِبْتُ أنْ سمِعْتُ صارخًا يَصرُخُ بي. قال: فقُلْتُ له: لقد خَشِيتُ أنْ يكُونَ نَزل فيَّ قُرآنٌ. فجِئتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسَلَّمْتُ عليه، فقال لي: "لقد أنزَل اللهُ عليَّ اللَّيلةَ سُورةً؛ لهيَ أحَبُّ إليَّ ممّا طلَعتْ عليهِ الشمسُ" . ثم قرَأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: ١ - ٢] . وهكذا رواهُ مسنَدًا روحُ بن عُبادةَ، ومحمدُ بن خالدِ بن عَثْمَةَ (٢) ، جميعًا أيضًا عن مالكٍ كرِوايةِ محمدِ بن حَرْبٍ سواءً.

  8. ذكَره النَّسائيُّ عن محمدِ بن عبدِ الله بن المُباركِ (٣) .

  9. في هذا الحديثِ جوازُ السَّفَرِ بالليلِ والمَشي على الدَّوابِّ بالليل، وذلك عندَ الحاجةِ مع استِعمالِ الرِّفْقِ؛ لأنّها بَهائمُ عُجمٌ، وقد أمَرَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالرِّفْقِ

    ج ٣ ص ٢٦بها، والإحسانِ إليها. وفيه أنّ العالمَ إذا سُئِلَ عن شيءٍ لا يُحبُّ الجوابَ فيه أنْ يَسْكُتَ، ولا يُجِيبَ بنعمْ ولا بلا، ورُبَّ كلام جوابُه السُّكوتُ.

  10. وفيه من الأدبِ أنّ سكوتَ العالم عن الجوابِ يُوجِبُ على المُتَعَلِّم تَركَ الإلحاحِ عليه.

  11. وفيه النَّدَمُ على الإلحاحِ على العالم خوفَ غضبِه، وحِرمانِ فائدَتِه فيما يُستأْنْفُ، وقلَّما أُغضِبَ عالمٌ إلّا اختُرِمت فائدتُه. قال أبو سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ: لو رَفَقْتُ بابن عبَّاس لاسْتَخْرَجْتُ منه علمًا (١) .

  12. وفيه ما كان عمرُ عليه مِن التقوَى، والوَجَل؛ لأنَّه خَشِيَ أنْ يكونَ عاصِيًا بسؤالِه رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثَ مرَّاتٍ، كلَّ ذلك لا يُجِيبُه؛ إذ المَعْهودُ أنّ سُكوتَ المرءِ عن الجوابِ وهو قادرٌ عليه عالمٌ به، دَليلٌ على كراهيةِ السُّؤالِ.

  13. وفيه ما يدُلُّ على أنَّ السكوتَ عن السائلِ يَعِزُّ عليه، وهذا مَوجودٌ في طِباعِ الناسِ، ولهذا أرسَل رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عمرَ يُؤَنِّسُه ويُبَشِّرُه، واللّهُ أعلمُ.

  14. وفيه أوضحُ الدليلِ على منزلةِ عُمرَ من قلبِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومَوضعِه منه ومَكانَتِه عندَه.

  15. وفيه أنّ غُفرانَ الذُّنُوب خيرٌ للإنسانِ ممّا طلَعتْ عليه الشمسُ لو أُعطِيَ ذلك، وذلك تحقيرٌ منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للدُّنيا وتَعْظيمٌ للآخرةِ، وهكذا يَنْبَغِي للعالم أنْ يُحَقِّرَ ما حقَّر اللهُ من الدُّنيا، ويزهِّدَ فيها، ويُعظِّمَ ما عظَّم اللهُ من الآخرةِ، ويرغَبَ فيها.

  16. وإذا كان غُفْرانُ الذُّنوب للإنسانِ خيرًا ممّا طلَعتْ عليه الشمسُ، ومعلُومٌ أنّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُكَفَّرْ عنه إلّا الصَّغائرُ من الذُّنوبِ؛ لأنَّه لَمْ يَأتِ قَطُّ كبيرةً، لا هو ولا أحدٌ من أنبياءِ الله؛ لأنَّهم معصومون من الكبائرِ صَلواتُ الله عليهم، فعلى هذا الصَّلواتُ الخمسُ خيرٌ للإنسانِ منَ الدُّنْيا وما فيها؛ لأنّها تُكَفِّرُ الصَّغائرَ (١) ، وباللّه التوفيقُ.

    ج ٣ ص ٢٧
  17. وفيه أنّ نُزولَ القرآنِ كان حيثُ شاءَ اللهُ من حَضَرٍ وسَفَرٍ، ولَيلٍ ونهارٍ، والسَّفَرُ المَذكورُ في هذا الحَدِيثِ الذي نزَلتْ فيه سُورةُ "الفَتحِ" مُنصرَفَه من الحُدَيبيةِ، لا أعلمُ بينَ أهلِ العلم في ذلك خلافًا.

    قال أبو عُمر: قال معمرٌ، عن قتادةَ: نزَلتْ عليه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: ١ - ٢] . مرجِعَه من الحُدَيْبِيةِ، فقال النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قد نَزَلَتْ عليَّ آيةٌ أحبُّ إليَّ ممّا على الأرضِ" . ثم قرَأ عليهم، فقالوا: هَنيئًا مَريئًا يا رسولَ الله، قد بيَّن اللهُ لك ما يَفعلُ بك، فماذا يَفعلُ بنا؟ فنَزَلَتْ: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} . إلى قولِه: {فَوْزًا عَظِيمًا} (٢) [الفتح: ٥] .

    وقال ابن جريجٍ نحوَ ذلك، وزاد: فنزَل ما في "الأحزاب" : {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: ٤٧] . وأنزَل: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} . الآيتين إلى قوله: {فَوْزًا عَظِيمًا} .

    ج ٣ ص ٢٨وقال غيرُ ابن جُرَيْج (١) : فقال المنافقون: وماذا يَفعلُ بنا؟ فنزَلتْ: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: ١٣٨] . ونزَلَتْ: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: ٧٣] . فقال عبدُ الله بن أُبَيٍّ وأصحابُه: يَزعُم محمدٌ أنّه غُفِر له ذَنْبُه، وأنْ يَفْتحَ اللهُ عليه ويَنصُرَه نَصْرًا عزيزًا، هَيهاتَ هَيهاتَ، الذي بقي له أكثرُ؛ فارسُ والرومُ، أَيَظُنُّ محمدٌ أنّهم مثلُ مَن نزَل بينَ ظَهْرَيْه؟ فنزلَتْ: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} [الفتح: ٦] . بأنَّه لا يُنْصَرُ، فبِئْسَ ما ظنُّوا، ونزَلتْ: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية [الفتح: ٧] .

    قال أبو عُمر: اختلَف أهلُ العلم في قولِه: {فَتْحًا مُبِينًا} . فقال قومٌ: خَيبرُ.

    وقال قومٌ: الحُديبيةُ مَنْحَرُه وحَلْقُه. وقال ابن جُريج: {فَتَحْنَا لَكَ} : حكَمْنا لك حُكْمًا بَيِّنًا، حينَ ارْتَحَل من الحُديبيةِ راجعًا. قال: وقد كان شَقَّ عليهم أنْ صُدُّوا عن البيت. وقال: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} . قالَ: أوَّلَه وآخرَه {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} . قال: يُريدُ بذلك فتحَ مكَّةَ والطائفِ وحُنَينٍ؛ العَرَبَ، ولم يَكُنْ بَقِيَ في العربِ غيرُهم.

    وقال قتادةُ ومجاهدٌ: {فَتَحْنَا لَكَ} : قَضَينا لك قضاءً مُبينًا؛ مَنْحَرَه وحَلقَه بالحُديبيةِ. ذكره معمرٌ، عن قتادةَ.

  18. وذكَره وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ (٢) .

  19. وروَى شُعبةُ، عن قتادةَ، عن أنس: {فَتْحًا مُبِينًا} . قال: الحُديبيةُ (١) .

    ج ٣ ص ٢٩
  20. وذكَر وكيعٌ، عن أبي جعفرٍ الرَّازيِّ، عن قتادةَ، عن أَنَسٍ، قال: خيبرُ (٢) . وكذلك اختلَف في ذلك قولُ مجاهدٍ أيضًا.

  21. وأمّا قولُه في الحديثِ: نَزَرْتَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال ابنُ وَهب: معناه أكْرَهْتَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمسألةِ، أيْ أَتَيتَه بما يَكرَهُ. وقال ابن حَبيبٍ (٣) : مَعْناه: ألحَحْتَ، وكَرَّرْتَ السُّؤالَ، وأبْرَمْتَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  22. وذكَر حَبيبٌ (٤) ، عن ما لك، قال: نَزَرْتَ: راجَعْتَه. وقال الأخْفَشُ: نَزَرْتُ وأنْزَرْتُ البئرَ. ودَفْعُ نَزُورٍ: أيْ يَأْتِي منها الشيءُ بعدَ الشيءِ (٥) مُنقطِعًا. قال: ومَعْنَى هذا الحديثِ أنّه سألَه حتى قطَع عنه كلامَه؛ لأنَّه تَبرَّمَ به.

  23. حديثٌ خامسٌ لزَيْد بن أسْلَم متصلٌ صحيحٌ مُسند

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، وعن بُسْرِ بن سعيدٍ، وعن الأعْرَج، كلّهم يُحَدِّثُه عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مَن أدْرَكَ ركْعةً من الصُّبْحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ فقد أدْرَك الصُّبْحَ، ومَن أَدْرَك رَكعةً من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ فقد أدْرَك العَصْرَ" .

    قال أبو عُمر: عطاءُ بن يَسَارٍ قد تقدَّم ذِكْرُه والخبرُ عنه في بابِ إسماعيلَ بن أبي حَكِيم.

    ج ٣ ص ٣٠
  24. وذكَر الحسنُ بن عليٍّ الحُلْوَانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن صالحٍ، قال: حَدَّثَنَا ابن وَهْبِ، قال: حَدَّثَنَا أبو صخرٍ، عن هلالِ بن أسامةَ، قال: كان عطاءُ بن يَسَارٍ إذا جلَسَ يكونُ زيدُ بن أسلمَ عن يمينِه، وكنتُ عن يسارِه.

  25. وأمّا بُسْرُ بن سعيدٍ (٢) ، فإنّه كان مولًى لحَضْرَمَوْتَ مِن أهلِ المدينةِ، وكان ثقةً فاضلًا مُسِنًّا، سمِع سعدَ بن أبي وقاصٍ، وجالَسه كثيرًا، ولم يُنْكِرْ يحيى القَطَّانُ أن يكونَ سمِع زيدَ بن ثابِتٍ. قال عليُّ بن المدينيِّ: قلتُ ليحيى بن سعيدٍ - يعني القطَّانَ -: بُسْرُ بن سعيدٍ لَقِيَ زيدَ بن ثابتٍ؟ قال: وما تُنْكِرُ أنْ يكونَ لَقِيَه؟ قلتُ: قد روَى عن أبي صالح عُبَيْدٍ مولى السَّفَّاحِ، عن زيدِ بن ثابتٍ. فقال: قد روَى شقيقٌ (٣) ، عن رَجُلٍ، عن عبدِ الله (٤) .

    ج ٣ ص ٣١قال أبو عُمر: الحديثُ الذي رواه بُسْرُ بن سعيدٍ، عن أبي صالح عُبَيْدٍ مولى السَّفَّاحِ، عن زيدِ بن ثابتٍ وهو حديثُ: عَجِّلْ لي وأضَعَ عنكَ - ذكَره مالكٌ وغيرُه (١)

  26. وكان مالكٌ رحِمه اللهُ يُثْنِي على بُسْرِ بن سعيدٍ ويُفَضِّلُه، ويَرْفَعُ به في ورعِه وفضلِه.

  27. وذكَر عليُّ بن المدينيِّ قال (٢) : سمِعتُ يحيى بن سعيدٍ يقولُ: بُسْرُ بن سعيدٍ أحَبُّ إليَّ من عطاءِ بن يسارٍ. قال يحيى: كان بسرُ بن سعيدٍ يُذْكَرُ بخيرٍ.

  28. بُسْرُ بن سعيدٍ مَوْلَى الحَضْرَمِيِّينَ، كان مِن أهلِ الفضلِ، روَى عن أصْحاب النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مات في خلافةِ عمرَ بن عبدِ العزيزِ.

  29. وأمّا الأعرجُ، فهو عبدُ الرحمنِ بن هُرْمُزَ (٣) ، كان صاحبَ قرآنٍ وحديثٍ، قرَأ عليه نافِعٌ القارئُ، وكان ثقةً مأمونًا.

    قال مُصْعَبُ بن عبدِ الله: عبدُ الرحمنِ بن هُرْمُزَ الأعْرَجُ، مَوْلَى محمدِ بن ربيعةَ بن الحارثِ بن عبدِ المطلبِ، يُكْنَى أبا داودَ، روَى عنه ابن شهابٍ، وأبو الزِّنَادِ، ويحيى بن سعيدٍ، وغيرُهم، تُوُفِّيَ بالإسكندريةِ سنةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ومئةٍ.

    ج ٣ ص ٣٢وقال المَدائِنِيُّ: مات أبو داودَ عبدُ الرحمنِ الأعْرَجُ مَوْلَى محمدِ بن ربيعةَ بالإسكندريةِ سنةَ تِسْعَ عَشْرَةَ ومئةٍ (١) .

  30. وأمّا أبو هريرةَ رضِي اللهُ عنه، فمذكورٌ في كتابِنا في "الصحابةِ" (٢) بما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ به، وباللّه التوفيقُ.

  31. وقد قيل: إنّ زيدَ بن أسْلَمَ روَى هذا الحديثَ أيضًا عن أبي صالحٍ مع هؤلاءِ كُلِّهم عن أبي هريرةَ.

  32. وحدَّثني خَلَفُ بن القاسِم، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن محمدٍ الدَّيْبُليُّ (٣) ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا حفصُ بن ميسرةَ الصَّنْعانِيُّ، عن زيدِ بن أسْلَمَ، عن الأعْرَج وبُسْرِ بن سعيدٍ وأبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ أدْرَكَ رَكْعةً من صلاةِ الصُّبْح قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ فلم تَفُتْه، ومَن أدْرَكَ رَكْعَةً من صلاةِ العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ فلم تَفُتْه" (٤) .

    ج ٣ ص ٣٣قال أبو عُمر: الإدراكُ في هذا الحديثِ إدراكُ الوَقْتِ، لا أنّ رَكْعةً من الصلاةِ مَنْ أدْرَكَها ذلك الوقتَ أجزأتْه مِن تمام صلاتِه. وهذا إجماعٌ من المُسلمين، لا يختلِفون في أنّ هذا المصلِّيَ فَرْضٌ عليه واجبٌ أنْ يأتيَ بتمام صلاةِ الصَّبْح وتمام صلاةِ العَصْرِ، فأغنَى ذلك عن الإكثارِ، وبان بذلك أنّ قولَه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فقد أدركَ الصلاةَ" ، يريدُ: فقد أدرَك وقتَ الصلاةِ، إلّا أنّ ثَمَّ أدلةً تَدُلُّ على أنَّ الوقتَ المختارَ في هاتَيِنْ الصَّلاتينِ غيرُ ذلك الوقتِ؛ منها قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديثِ عبدِ الله بن عَمْرِو بن العاص: "وآخِرُ وقتِ العصرِ ما لَمْ تَصْفَرَّ الشمسُ" (١) .

  33. يعني آخِرَ الوقتِ المختارِ؛ لئلا تتعارضَ الأحاديثُ.

  34. ومثلُ ذلك حديثُ العلاءِ عن أَنَسٍ مرفوعًا: "تلك صلاةُ المنافقين؛ يجلِسُ أحدُهم حتى إذا اصفرَّتِ الشمسُ وكانت بينَ قَرْنَي الشيطانِ، قام فنقَر أربعًا لا يذكُرُ اللهَ فيها إلّا قليلًا" (٢) .

  35. وهذا التغليظُ على من ترَك اختيارَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأُمَّتِه في الوقتِ، ورغِب عن ذلك، ولم يكنْ له عُذْرٌ مقبولٌ.

  36. والآثارُ في تَعْجيلِ العصرِ كثيرةٌ جدًّا، ومعناها كلِّها ما ذكَرناه، وبهذا كتَب عُمرُ بن الخطابِ إلى عُمّالِه: أنْ صَلُّوا العصرَ والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ، قبلَ أنْ تَدْخُلَها صُفْرَةٌ (٣) .

  37. هذا كلُّه على الاختيارِ؛ بدليلِ حديثِ أبي هريرةَ المذكورِ في هذا البابِ.

    ج ٣ ص ٣٤
  38. حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بن أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ (١) ، قال: حَدَّثَنَا الأثْرَمُ (٢) ، قال: قيل لأحمدَ بن حنبلٍ: قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن أدْرَك رَكْعةً من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ" . فقال: هذا على الفَواتِ، ليس على أن يَتْرُكَ العصرَ إلى هذا الوقتِ، وذكَر حديثَ قتادةَ، عن أبي أيوبَ (٣) ، عن عبدِ الله بن عَمْرٍو، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ووقتُ العصرِ ما لم تَصْفَرَّ الشَّمْسُ" (٤) .

  39. فالأوقاتُ في ترتيما السُّنَنِ، واللّهُ أعلمُ، وَقْتانِ في الحَضَرِ: وقتُ رفاهيةٍ وسعَةٍ، ووقتُ عُذْرٍ وضرورةٍ. يُبَيِّنُ لك ذلك ما ذكَرْنا من الآثارِ، ويزيدُ لك في ذلك بيانًا أقاويلُ فقهاءِ أئمةِ الأمصارِ، فنذكرُ هنا أقاويلَهم في وقتِ الصبح والعصرِ؛ إذْ لَمْ يتَضَمَّنْ حديثُ هذا البابِ ذِكْرَ غيرِهما من الصلواتِ، ونذكُرُ في بابِ ابن شهابٍ، عن عروةَ، جُمْلَةَ مواقيتِ الصلاةِ، ونَبْسُطُ ذلك ونُمَهِّدُه هنالك إنْ شاء اللهُ.

  40. أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ أولَ وقتِ صلاةِ الصبْحِ طلوعُ الفجرِ الثاني إذا تَبَيَّنَ طلوعُه، وهو البياضُ المُنْتَشِرُ من أُفُقِ المَشْرقِ، والذي لا ظُلْمَةَ بعدَه.