زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥
الصفحة ١٨ من ٤٠
- ج ٣ ص ٣٣١
وقد جاء عن ابن عباسٍ، وهو أحدُ الذين رُوِيَ عنهم تكفيرُ تاركِ الصَّلاة، أنّه قال في حكم الحاكم الجائرِ: كفرٌ دونَ كُفْرٍ.
-
حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن هشام بن حُجَيْر، عن طاووسٍ، قال: قال ابنُ عباس: ليس بالكفرِ الذي تذهبون إليه، إنّه ليس بكفرٍ يَنقلُ عن الملَّةِ، ثم قرَأ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤] (٣) .
- ج ٣ ص ٣٣٢
واحتجُّوا أيضًا بقولِ عبد الله بن عمرَ: لا يَبلُغُ المرءُ حقيقةَ الكُفرِ حتى يَدعوَ مثنَى مثنَى. وقالوا: يَحتَمِلُ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَزْني الزَّاني حينَ يَزْني وهو مؤمنٌ" . يريدُ مُستكمِلَ الإيمان؛ لأنّ الإيمانَ يزيدُ بالطَّاعةِ، وَينقُصُ بالمعصيةِ، وكذلك السارقُ، وشاربُ الخمر، ومَن ذُكِرَ معهم. وعلى نحو ذلك تأوَّلوا قولَ عمرَ بن الخطّاب: لا حَظَّ في الإسلام لمن ترَك الصلاة (١) . قالوا: أراد أنه لا كبير حَظٍّ له، ولا حظًّا كاملًا له في الإسلام. ومثلُه قولُ ابن مسعودٍ وما أشْبَهَه، وجعَلوه كقوله: "لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلّا في المسجدِ" (٢) أي: أنّه ليس له صلاةٌ كاملةٌ.
-
ومثلُه الحديثُ: "ليس المسكينُ بالطَّوّاف عليكم" (٣) يريدُ ليس هو المسكينَ حقًّا؛ لأنّ هناك من هو أشدّ مَسْكنةً منه، وهو الذي لا يسألُ، ونحوُ هذا ممّا اعْتَلُّوا به.
-
وقد رأى مالكٌ استتابةَ الإباضيّةِ والقَدَريّة، فإنْ تابوا وإلّا قُتِلوا؛ ذكَر ذلك إسماعيلُ القاضي، عن أبي ثابتٍ، عن ابن القاسم (٤) ، وقال: قلتُ لأبي ثابتٍ:
ج ٣ ص ٣٣٣هو رأيُ مالكٍ في هؤلاء حَسْبُ؟ قال: بل في كلِّ أهل البدع. قال القاضي: وإنّما رأى مالكٌ ذلك فيهم لإفسادِهم في الأرض، وهم أعظمُ إفسادًا من المحاربين؛ لأنّ إفسادَ الدِّين أعظمُ من إفسادِ المال، لا أنّهم كفّارٌ.
قال أبو عُمر: فهذا مالكٌ يُريقُ دماءَ هؤلاء وليسوا عندَه كفّارًا؛ فكذلك تاركُ الصلاةِ عندَه من هذا الباب قتلُه، لا من جهةِ الكُفرِ.
-
وممّا يدلُّ على أنّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ كفرًا يَنقُلُ عن الإسلام إذا كان مؤمنًا بها، مُعتَقِدًا لها، حديثُ ابن مسعودٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أُمِرَ بعبدٍ من عبادِ الله أن يُضْرَبَ في قبرِه مئةَ جلدةٍ، فلم يَزَلْ يَسألُ اللهَ ويدعُوه، حتّى صارَتْ جَلْد واحدةً فامْتَلأ قبرُه نارًا، فلمّا أفاقَ، قال: علامَ جَلَدْتمُوني؟ قالوا: إنّك صَلَّيْتَ صلاةً بغَيرِ طُهورٍ، ومرَرْتَ على مظلوم فلم تَنْصُرْه" (١) .
قال الطحاويُّ: في هذا الحديث ما يَدلُّ على أنّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ؛ لأنّ مَن صلَّى صلاةً بغيرِ طُهورٍ لم يُصَلِّ، وقد أُجِيبَتْ دَعْوَتُه ولو كان كافرًا ما أُجِيبَتْ له دعوةٌ؛ لأنّ اللهَ تباركَ وتعالى يقولُ: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: ٥٠] . وقد ذكَرنا إسنادَ حديثِ ابن مسعودٍ هذا في بابِ يحيى بن سعيدٍ، عندَ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمسُ صلواتٍ كتَبهُنَّ اللهُ على العباد" . ثم قال: "ومَن لم يَأْتِ بهنَّ فليس له عندَ الله عهدٌ؛ إنْ شاءَ عَذَّبَه، وإن شاء غفَر له" (٢) .
-
وممّا يدُلُّ على أنّ الكفرَ منه ما لا يَنْقُلُ عن الإسلام قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "يَكْفُرْنَ العشيرَ، وَيكْفُرْنَ الإحسانَ" (٣) .
- ج ٣ ص ٣٣٤
وكافرُ النعمةِ يُسَمَّى كافرًا، وأصلُ الكفرِ في اللغة: السَّتْرُ، ومنه قيلَ للَّيلِ: كافرٌ، لأنّه يَسْتُرُ؛ قال لَبيدٌ:
في ليلةٍ كفَر النُّجومَ غَمَامُها (١)
-
أي: ستَرَها.
-
وفي هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ قاله ابنُ شهابٍ؛ رواه شُعَيْبُ بن أبي حمزةَ عنه، قال: إذا ترَك الرجلُ الصلاةَ، فإن كان إنّما ترَكها لأنّه ابتدَع دينًا غيرَ الإسلام قُتِلَ، وإنْ كان إنما هو فاسقٌ فإنّه يُضْرَبُ ضرْبًا مُبَرِّحًا ويُسْجَنُ حتى يَرجِعَ. قال: والذي يُفْطِرُ في رمضانَ كذلك (٢) .
قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ: وهو قولُنا، وإليه يذهَبُ جماعةٌ من سَلَفِ الأُمَّةِ من أهلِ الحجازِ والعراق (٣) .
قال أبو عُمر: بهذا يقولُ داودُ بن عليٍّ، وهو قولُ أبي حنيفةَ في تاركِ الصَّلاةِ: إنّه يُسْجَنُ ويُضْرَبُ ولا يُقْتَلُ.
-
وابنُ شهابٍ القائلُ ما ذكَرنا هو القائلُ أيضًا في قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلّا الله" (٤) : كان ذلك في أوّل الإسلام، ثم
ج ٣ ص ٣٣٥نزَلتِ الفرائضُ بعدُ. وقولُه هذا يَدُلُّ على أنّ الإيمانَ عندَه قولٌ وعملٌ، واللهُ أعلمُ، وهو قولُ الطَّائفتين اللَّتين ذكَرْنا قولَهم قبلَ قول ابن شهابٍ، كلُّهم يقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ.
-
وقد اختلَفوا في تاركِ الصلاةِ كما رأيتَ، واحتجَّ مَن ذهَب هذا المذهبَ، أعني مذهبَ ابن شهابٍ، في أنّه يُضْرَبُ ويُسْجَنُ ولا يُقْتَلُ - بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتّى يقولوا: لا إلهَ إلّا اللهُ، فإذا قالُوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلّا بحَقِّها" . قالوا: وحقُّها الثلاثُ التي قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعدَ إيمان، أو زنًى بعدَ إحصانٍ، أو قَتْلُ نفسٍ بغير نفسٍ" (١) .
قالوا: والكافرُ جاحدٌ، وتاركُ الصلاةِ المقرُّ بالإسلام ليس بجاحدٍ ولا كافرٍ، وليس بمستكبرٍ ولا معاندٍ، وإنّما يُكَفَّرُ بالصلاةِ مَن جحَدها واسْتَكبَر عن أدائها.
قالوا: وقد كان مؤمنًا عندَ الجميع بيَقينٍ قبلَ تركِه للصلاة، ثم اختلَفوا فيه إذا ترَك الصلاةَ، فلا يَجِبُ قتلُه إلا بيقين، ولا يقينَ مع الاختلاف، فالواجبُ القولُ بأقلِّ ما قيل في ذلك، وهو الضربُ والسَّجنُ، وأمّا القتلُ ففيه اختلافٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبهاتِ. واحتجُّوا أيضًا بقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "سيكونُ عليكم بعدِي أمراءُ يُؤخِّرُون الصلاةَ عن ميقاتِها، فصلُّوا الصلاةَ لوَقْتِها واجْعَلُوا صلاتَكم معهم
ج ٣ ص ٣٣٦سُبْحَةً" (١) . قالوا: وهذا يدُلُّ على أنّهم غيرُ كُفّارٍ بتأخيرِها حتى يَخرُجَ وقتُها، ولو كفروا بذلك ما أمَرهم بالصَّلاةِ خَلْفَهم بسُبْحةٍ ولا غيرِها.
قال أبو عُمر: هذا قولٌ قد قال به جماعةٌ من الأئمةِ ممن يقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ. وقالت به المرجئةُ أيضًا، إلّا أنّ المرجئةَ تقولُ: المؤمنُ المُقِرُّ مُسْتكمِلُ الإيمان. وقد ذكَرنا اختلافَ أئمّةِ أهل السُّنَّةِ والجماعةِ في تاركِ الصلاةِ، فأمّا أهلُ البدعِ؛ فإنّ المرجئةَ قالتْ: تاركُ الصلاةِ مؤمنٌ مُستكمِلُ الإيمان إذا كان مُقِرًّا غيرَ جاحدٍ، ومُصدِّقًا غيرَ مُسْتكبِر. وحُكِيَتْ هذه المقالةُ عن أبي حنيفةَ وسائرِ المرجئةِ، وهو قولُ جَهْم.
وقالت المعتزلةُ: تاركُ الصلاةِ فاسقٌ، لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، وهو مخُلَّدٌ في النارِ إلّا أن يتوبَ.
وقالت الصُّفريّةُ والأزارقةُ من الخوارج: هو كافرٌ حلالُ الدَّم والمال.
وقالت الإباضيّة (٢) : هو كافرٌ، غيرَ أنّ دمَه ومالَه مُحَرَّمان. ويُسَمُّونه: كافرَ نعمةٍ. فهذا جميعُ ما اختلَف فيه أهلُ القبلة في تاركِ الصلاة.
-
وفي هذا الحديث أيضًا: أنّ من صلَّى في بيته ثم دخَل المسجدَ فأُقيمَتْ عليه تلك الصلاةُ، أنّه يُصلِّيها معهم، ولا يَخرُجُ حتى يُصلِّي وإنْ كان قد صلَّى في جماعةِ أهلِه أو غيرِهم، لأنّ في حديثنا في هذا الباب: بلى يا رسولَ الله، ولكنِّي
ج ٣ ص ٣٣٧قد صَلَّيْتُ في أهلي. فأمَره (١) رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُصلِّيَ وإنْ كان قد صلَّى في أهلِه، ولم يُبَيِّنْ أنَّه كان صلَّى مُنفَردًا، وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه؛ فقال جمهورُ الفقهاء: إنّما هذا لمن صلَّى وحدَه، وأمّا من صلَّى في بيتِه أو غير بيته في جماعةٍ فلا يُعيدُ تلك الصّلاةَ؛ لأنّ إعادَتَها في جماعةٍ لا وجهَ له، وإنّما كانت الإعادةُ لفضلِ الجماعة، وهذا قد صلَّى في جماعةٍ، فلا وجهَ لإعادَتِه في جماعةٍ أخرى، ولو جاز أنْ يُعيدَ في جماعةٍ أخرى مَن صلَّى في جماعةٍ، لَلَزِمَه أنْ يُعيدَ في جماعةٍ أخرى ثالثةٍ ورابعةٍ، إلى ما لا نهايةَ له في تلك الصَّلاة، وهذا لا يجوزُ أنْ يقولَ به أحدٌ، واللهُ أعلمُ، واحتجُّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُعادُ صلاةٌ في يوم مرَّتَين" (٢) .
وقالوا: معنى هذا الحديث أنّ مَن صلَّى في جماعةٍ لا يُعيدُ في جماعةٍ. وممّن قال بهذا القول: مالكُ بن أنسٍ، وأبو حنيفةَ، والشّافعيُّ، وأصحابُهم.
-
أخبرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قراءةً منِّي عليه، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبد الواحدِ البزَّارُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا حُسينٌ، وهو المُعلِّمُ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن سُليمان مولَى ميمونةَ، قال: أتَيْتُ على ابن عُمرَ وهو على البَلاط (٣) ، وهم يصلُّون، فقلتُ: ألا تُصَلِّي معهم؟ قال: إنِّي سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرَّتَين" (٤) .
- ج ٣ ص ٣٣٨
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا حُسينٌ المُعلِّمُ، عن عَمْرو بن شُعيب، عن سُليمانَ بن يسارٍ، قال: مرَرْتُ بابن عمرَ وهو جالسٌ على البَلاط، والقومُ يُصلُّون. قال: فقلتُ: ألا تُصلِّي معهم؟ قال: قد صلَّيْتُ. قال: قلتُ: القومُ يُصلُّون. قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرَّتَين" (١) .
-
وقال أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهُويَةَ، وهو قولُ داودَ: جائزٌ لمن صلَّى في جماعةٍ ثم دخَل المسجدَ فأُقيمَتْ تلك الصلاةُ أنْ يُصلِّيَها ثانيةً في جماعةٍ. قال أحمدُ: ولا يجوزُ له أنْ يَخْرُجَ إذا أُقيمَتْ عليه الصلاةُ حتى يُصلِّيَها وإن كان قد صلَّى في جماعةٍ (٢) . واحتجَّ بحديثِ أبي هريرةَ" قوله في الذي خرَج عندَ الإقامةِ من المسجدِ: أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
-
ورُوِيَ عن أبي موسى الأشعريِّ، وحذيفةَ بن اليَمان، وأنسِ بن مالكٍ، وصِلَةَ بن زُفَرَ، والشَّعْبيِّ، والنَّخَعيِّ إعادةُ الصلاةِ في جماعةٍ لمن صلّاها في جماعةٍ (٤) ، وبه
ج ٣ ص ٣٣٩قال حمّادُ بن زيدٍ، وسليمانُ بن حربِ، حكَى ذلك أبو بكرٍ الأثرمُ، عن أحمد (١) ، وعن سائرِ مَن ذكرْنا، كما ذكَرْنا بالأَسانيد، فمِن ذلك أنْ قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن أنسٍ: قَدِمْنا مع أبي موسى حين بعَثه عمرُ على البَصْرةِ، فصلَّى بنا الغَداةَ في المِرْبَدِ (٢) ، فانْتَهَينا إلى المسجدِ الجامعِ فأُقيمت الصلاةُ علينا، فصلَّيْنا مع المغيرةِ بن شعبة (٣) .
قال: وأخبَرنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، وسفيانَ بن وكيع، قالا: حدَّثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن نُعَيم بن أبي هندٍ، عن رِبْعيِّ بن حِراشٍ، عن صِلَةَ بن زُفَرَ، قال: انْطَلَقْتُ مع حذَيفةَ في حاجةٍ فأتَينا على مسجدٍ وهم يُصلُّون الظهرَ، فصَلَّينا معهم؛ ثم خرَجْنا فأتَينا على مسجدٍ يُصلُّون الظهرَ، فصلَّيْنا معهم. وذكَر مثلَ ذلك في العصرِ والمغرب؛ من إعادتِهما في جماعةٍ، قال: فذهَبْتُ أقومُ في الثالثة فأجلَسَني (٤) .
قال: وحدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن إسماعيلَ بن سالم، عن عامرٍ، قال: إذا دخلْتَ المسجدَ وقد صلَّيْتَ صلاةً وحدَك، أو في جماعةٍ، فأُقيمَتْ تلك الصلاةُ وأنتَ في المسجدِ، فإنِّي أكرَهُ أن تَخْرُجَ كما تَخْرُجُ اليهودُ والنَّصارَى، ولكن صلِّها معهم فتكونُ صلاتُك التي قد صَلَّيْتَ قبلَ ذلك الفريضةَ، وصلاتُك هذه التَّطوُّعَ؛ صلِّها معهم وإن كان العصرَ.
-
حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: صلَّيْتُ ثم أتيتُ مسجدَ حمّادِ بن زيدٍ، وذلك في صلاةِ العصرِ، وقد عَلِمَ حمّادُ بن زيدٍ أنّي أصلِّي بهم هاهنا، فأُقيمتِ الصلاةُ،
ج ٣ ص ٣٤٠فقال لي حمّادٌ: صلِّ. قلتُ: قد صلَّيْتُ. قال: صلِّ. فصلَّيْتُ. قلتُ لسليمانَ: مَن صلَّى في جماعةٍ أيُعِيدُ؟ قال: نعم.
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بن أحمدَ، قال: حدّثنا الخضرُ بن داودَ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ. فذكَر الأحاديثَ إلى آخرِها.
-
واتَّفَقَ أحمدُ بن حنبلٍ وإسحاقُ بن راهُويَة (١) على أنّ معنَى حديثِ ابن عمرَ الذي قدَّمنا ذِكْرَه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُصلُّوا صلاةً في يوم واحدٍ مرّتَيْن" ، قالا: إنّما ذلك أن يُصلِّي الإنسانُ الفريضةَ، ثم يقومَ فيُصلّيها ثانيةً يَنْوي بها الفرضَ مرّةً أخرى يَعتَقِدُ ذلك، فأمّا إذا صلّاها مع الإمام على أنّها سُنّةٌ تطوُّعًا فليس بإعادةٍ للصَّلاة.
قال أبو عُمر: قد عَلِمْنا أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما أمَر الذي صلَّى في أهلِه وحدَه أنْ يُعيدَ في جماعةٍ من أجلِ فضلٌ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفذِّ؛ ليَتَلافَى ما فاتَه من فضلِ الجماعةِ إذا كان قد صلَّى مُنْفردًا، والمصلِّي في جماعةٍ قد حصَل له الفرضُ والفضلُ، فلم يكُنْ لإعادتِه الصلاةَ وجهٌ إلّا أنْ يتَطَوَّعَ بها، ولسُه التطَوُّع أنْ يُصلِّي رَكْعتين رَكْعتين (٢) . وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "صلاةُ الليلِ والنهارِ مَثنَى مَثنَى" (٣) . يعني في التَّطوُّع. ورُوِيَ عنه أنَّه نهَى عن
ج ٣ ص ٣٤١القَصْدِ إلى التَّطوُّعِ بعدَ العصرِ والصُّبْح (١) ، فمِنْ هاهنا لم يكُنْ لإعادةِ الصلاةِ لمن صلّاها في جماعةٍ وجهٌ، واللهُ أعلمُ، والأحاديثُ عن السلفِ تَدُلُّ على ذلك لفضلِ الجماعةِ، واللهُ أعلمُ.
-
روَى مالكٌ (٢) عن عَفيفِ بن عَمْرٍ و (٣) السَّهْميِّ، عن رجلٍ من بَني أسَدٍ، أنّه سأل أبا أيوبَ الأنصاريَّ، فقال: إنِّي أصلِّي في بَيتي ثم آتي المسجدَ، فأجدُ الإمامَ يُصلِّي أفأُصلِّي معه؟ فقال أبو أيوبَ: نعم، فصلِّ معه، ومَن صنَع ذلك فإنّ له سَهْمَ جِمْع، أو مثلَ سَهْم جَمْع. قال ابنُ وَهْبٍ: يعني يُضعَّفُ له الأجرُ.
ج ٣ ص ٣٤٢قال أبو عُمر: قولُ ابن وهْبٍ هذا، واللهُ أعلمُ، خيرٌ من قولِ من قال: إنّ الجمعَ هاهنا الجيشُ (١) ، وإنّ له أجرَ الغازِي أو الغُزاة؛ من قولِه: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} [الشعراء: ٦١] ، يعني: الجيشين. وليس هذا عندِي بشيءٍ، والوجهُ ما قالَه ابنُ وَهْب، وهو المعروفُ عن العرب.
-
أخبَرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسن، قال: حدَّثنا الزبيرُ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثني عمِّي مصعبُ بن عبد الله، أنّ في وصيةِ المنذر بن الزبير: إنّ لفلانٍ بَغْلَتي الشَّهباءَ، ولفلانٍ عشَرةَ آلافِ درهمٍ، ولفلانٍ سهمَ جَمْعٍ. قال مُصعبٌ: فسألْتُ عبدَ الله بن المنذر بن الزبير: ما يَعني بسَهْم جَمْع؟ قال: نصيبُ رجلين (٢) .
-
واختَلف الفقهاءُ أيضًا فيما يُعادُ من الصَّلواتِ مع الإمام لمن صلّاها في بَيته، فقال مالكٌ (٣) : تُعادُ الصَّلواتُ كُلُّها (٤) مع الإمام إلّا المغربَ وحدَها؛ فإنّه لا يُعيدُها لأنّها تَصيرُ شَفْعًا. قال: ومن صلَّى في جماعةٍ ولو مع واحدٍ فإنّه لا يُعيدُ تلكَ الصلاةَ إلّا أنْ يُعيدَها في مسجدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو المسجدِ الحرام، أو بيتِ المقدس (٥) . قال: وإنْ دخَل الذي صلَّى وحدَه المسجدَ فوجَدهم جُلوسًا في آخر صلاتِهم فلا يَجْلِسُ معهم، ولا يَدْخُلُ في صلاتِهم حتى يَعلَمَ أنّه يُدْرِكُ منها ركعةً. ومن قولِ مالكٍ أنّه لا يَدْرِي أيُّ الصلاتين (٦) فَريضَتُه، وإنّما ذلك عندَه إلى الله يَجعَلُها أيَّتَهما شاء، ولا يقولُ: إنّها نافلةٌ.
- ج ٣ ص ٣٤٣
ورُوِي عن ابن عمر (١) وسعيدِ بن المسيِّب (٢) مثلُ قوله هذا: ذلك إلى الله يَجعَلُ أيَّتهما شاء.
-
واختَلفت أجوبَتُه وأجوبةُ أصحابِه فيمَن أحدَث في الثانية مع الإمام، أو ذكَر بعدَ فراغِه منها أنّ الأولى على غير وضُوءٍ، أو أسْقَط منها سجدةً، بما لم أرَ لذِكْرِه وَجْهًا في هذا الموضع.
وقال ابنُ وَهْبٍ في "المُوطَّأ" (٣) : قال مالكٌ: من أحدَث في هذه فصلاتُه في بَيْته هي صلاتُه.
قال أبو عُمر: هذا هو الصحيحُ من قوله وقول غيره في هذه المسألة، وقال أبو حَنيفة وأصحابُه (٤) : لا يُعيدُ المُصَلِّي وحدَه العصرَ مع الإمام، ولا الفجرَ، ولا المغربَ، ويُصلِّي معه الظهرَ والعشاءَ، ويجعَلُ صلاتَه مع الإمام نافلةً. قال محمدُ بن الحسن: لأنّ النافلةَ بعدَ العصرِ والصبح لا تجوزُ، ولا تُعادُ المغربُ لأنّ النافلةَ لا تكونُ وترًا في غيرِ الوتر (٥) . وقال الأوزاعيُّ (٦) : يُعيدُ مع الإمام جميعَ الصَّلواتِ إلّا المغربَ والفجرَ. وهو قولُ عبد الله بن عمرَ (٧) .
- ج ٣ ص ٣٤٤
وحجَّةُ من قال هذا القول أنّ الوترَ في صلاةِ النافلةِ غيرُ جائزٍ؛ لقول رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاةُ الليل مَثنَى مَثنَى" (١) . ولإجماعِ العلماءِ أنّ النافلةَ غيرَ الوترِ لا تكونُ وترًا، وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وِتْرانِ في ليلةٍ" (٢) . وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاةَ بعدَ الصبح حتّى تَطْلُعَ الشمسُ" (٣) ، وصلّى بعدَ العصرِ رَكْعَتين (٤) .
-
وجاء عن جماعةٍ من السلف أنّهم كانوا يتَطوَّعون بعدَ العصر ما كانت الشمسُ بيضاءَ نقيَّةً (٥) ، ولم يَجِئْ ذلك عن واحدٍ منهم في الصلاةِ بعدَ الصّبح، والنَّهْيُ عندَ ابن عمرَ ومَن قال بقوله عن الصلاةِ بعدَ العصرِ معناه: إذا اصْفَرَّتِ الشمسُ وكانت على الغُروبِ، وأمّا إذا كانت بيضاءَ نقيّةً فلا بأسَ عندَهم بصلاةِ النافلة.
-
وللقولِ في هذا التأويل موضعٌ من كتابِنا غيرُ هذا، يأتي ذكرُه في باب محمدِ بن يحيى بن حبّانَ إن شاء الله، فلذلك لم يرَ ابنُ عمرَ بإعادةِ العصرِ بأسًا، وكَرِهَ إعادةَ الصُّبح.
ج ٣ ص ٣٤٥وقال الشافعيُّ (١) : يُصَلِّي الرجلُ الذي صلَّى وحدَه مع الجماعة كلَّ صلاةٍ؛ المغربَ وغيرَها؛ لأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمِحْجَن الدِّيليِّ: "إذا جئْتَ فَصَلِّ مع النّاسِ وإن كنتَ قد صَلَّيْتَ" . ولم يَخُصَّ صلاةً من صلاةٍ. قال: والأولَى هي الفريضةُ والثانيةُ سُنَّةٌ تطوُّعًا، سنَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وهو قولُ داودَ بن عليٍّ (٢) ، إلّا أنّ داودَ يرَى الإعادةَ في الجماعةِ على مَن صلَّى وحدَه فَرْضًا، ولا يَحْتَسِبُ عندَه بما صلَّى وحدَه، وفَرْضُه ما أدرَكه من صلاةِ الجماعة، وأمّا مَن صلَّى في جماعةٍ، ثم أدْرَك جماعةً أخرى، فالإعادةُ هاهنا عندَه استحبابٌ (٣) .
-
واختُلِفَ عن الثوريِّ؛ فرُوِي عنه أنّه يُعيدُ الصلواتِ كلَّها مع الإمام كقول الشّافعيِّ سواءً، ورُوِيَ عنه مثلُ قولِ مالكٍ، ولا خلافَ عن الثوريِّ أنّ الثانيةَ تطوُّعٌ وأنّ التي صلّى وحدَه هي المكتوبةُ. وقال أبو ثَوْرٍ: يُعيدُها كلَّها إلّا الفجرَ والعصرَ، إلّا أنْ يكونَ في مسجدٍ فتُقامَ الصلاةُ، فلا يَخرُجْ حتى يُصلِّيَها؛ وحُجَّتُه النَّهيُ عن صلاةِ النافلةِ بعدَ العصرِ وبعدَ الصُّبح.
-
فأمّا ما احتجَّ به مالكٌ (٤) من قول ابن عمرَ وسعيدِ بن المُسيِّب: ذلك إلى الله يَجْعلُ أيَّتَهما شاء. ولم يقلْ واحدٌ منهما أنّ الثانيةَ نافلةٌ، فإنّ ابنَ عمرَ وسعيدَ بن المُسيِّب قد اختُلِف عنهما في ذلك، وإنْ كان نَقْلُ مالكٍ أصَحَّ.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا أبو عبد الملِك محمدُ بن عبدِ الله بن أبي دُليْمٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ العَسْقلانيُّ، قال:
ج ٣ ص ٣٤٦حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن عثمانَ بن عبد الله، قال: سألتُ عبدَ الله بن عمرَ عن رجلٍ صلَّى العصرَ ثم أعادَ في الجماعةِ، أيَّتُهما المكتوبةُ؟ قال: الأولَى (١) .
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بن أحمدَ الوَرَّاق، قال: حدَّثنا الخضرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثْرَمُ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حدَّثنا الثّقفيُّ (٣) ، عن عبدِ الله بن عثمانَ، عن مُجاهدٍ، قال: خرَجْتُ مع ابنِ عمرَ من دارِ عبدِ الله بن خالدٍ حتى نظَرْنا إلى بابِ المسجد، فإذا الناسُ في صلاةِ العصرِ، فلم يَزَلْ واقفًا حتى صلَّى الناسُ، وقال: إنِّي قد صلَّيْتُ في البيت.
-
وحدَّثنا أحمدُ بن عبد الله بن محمدٍ، قراءةً منّي عليه، أنّ أباهُ حدَّثه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يونسَ، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شَيْبَةَ. فذكَر بإسنادِه مثلَه.
-
وذكَر أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا حَفْصُ بن عمرَ، قال: حدَّثنا هَمّامٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، قال: قلتُ لسعيدِ بن المُسيِّب: إذا صَلَّيتُ وحدي ثم أدْرَكْتُ الجماعةَ؟ فقال: أعِدْ، غيرَ أنّك إذا أعَدْتَ المغرِبَ صَلَّيْتَ إليها رَكْعةً أُخرى تَشْفَعُ بها، واجْعَلْ صلاتَكَ وحدَكَ تَطَوُّعًا.
-
وهذا حديثٌ لا وجهَ له، كيف يَشْفَعُ المغربَ وتكونُ الأولَى تَطوُّعًا، وقد أجمَع العلماءُ أنّ المغربَ لا تُشفَعُ برَكْعةٍ إذا نوَى بها الفريضةَ، وأنّ التَّطَوُّعَ لا يكونُ وِتْرًا في غيرِ الوَتْرِ؟! وقد كان جماعةٌ من العلماءِ يُنكِرون أشياءَ كثيرةً من
ج ٣ ص ٣٤٧حديثِ قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيِّب، منها هذا، وأمّا ما جاء عن ابن عمرَ من روايةِ مالكٍ في "مُوَطَّئه" ، وما قد ذكرناه عنه هاهنا، فإنّ الحديثين وإنْ تدافَعا فإنّه قد يَحتَمِلُ أنْ يُخَرَّجا على غير وجهِ التَّدافُع؛ بأنْ يُحْمَلا على أنّ قولَه: ذلك إلى الله. أنّه أرادَ بذلك القبولَ، أي: أنّه يتَقَبَّلُ أيَّتَهما شاء، فقد يتَقَبَّلُ اللهُ النافلةَ التَّطوُّعَ ولا يتَقَبَّلُ الفريضةَ، وقد يتَقَبَّلُ اللهُ الفريضةَ دونَ التَّطوُّع، وقد يتقبَّلُهما بفضلِه جميعًا، وقد لا يَقْبَلُ واحدةً منهما، وليس كلُّ صلاةٍ مقبولةً، وقد كان بعضُ الصالحين يقولُ: طُوبَى لمن تُقُبِّلَتْ منه صلاةٌ واحدةٌ. قال ذلك على جهةِ الإشْفاقِ، وقد رَوَيْنا عن ابن عمرَ مثلَ هذا ومَعْناه:
أخبَرنا أحمدُ بن قاسمٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عيسى، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبيدٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن يحيى الغَسَّانيُّ، عن أبيه، قال: جاء سائلٌ إلى ابن عمرَ، فقال لابنه: أعْطِه دينارًا. فقال له ابنُه: تَقَبَّلَ اللهُ منكَ يا أبتاهُ. فقال: لو عَلِمْتُ أنّ اللهَ تَقَبَّلَ منِّي سجدةً واحدةً، أو صدقةَ درهم واحدٍ لم يَكنْ غائبٌ أحبَّ إليَّ من الموتِ، أتَدْرِي ممن يتَقَبَّلُ اللهُ: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: ٢٧] (١) .
-
فكان ابنُ عمرَ، واللهُ أعلمُ، وسعيدُ بن المُسيِّب إذا سألَ كلَّ واحدٍ منهما السَّائلُ: أيَّتُهما صلاتي؟ أي: أيَّتُهما التي يتَقَبَّلُ اللهُ منّي؟ أجابَه كلُّ واحدٍ منهما بأنّ ذلك ليس إليه عِلْمُه، وأنّ ذلك أمرٌ عِلْمُه إلى الله، وهو تأويلٌ مُحتمَلٌ صحيحٌ، وقد تأوَّل هذا التَّأويلَ عبدُ الملكِ بن الماجِشُون، وقال: إنّ الأولَى هي صلاتُه. والنَّظرُ يُصَحِّحُ ما قالَه؛ لإجماعِ الفقهاءِ القائلين بأنّ شهودَ الجماعةِ ليس بفرض واجبٍ،
ج ٣ ص ٣٤٨على أنّ الذي صلّى وحدَه لو لم يَدخُل المسجدَ فيُعيدَ مع الجماعةِ لم يَكُنْ عليه شيءٌ، وفي قولِ ابن عمرَ: تُعادُ مع الإمام كلُّ صلاةٍ إلّا المغربَ والفجرَ. دليلٌ على أنّ الأخرى عندَه تطَوُّعٌ وسنّةٌ.
-
ويَشهدُ لما ذكَرْنا ما رواه ابنُ أبي ذِئبٍ، عن عثمانَ بن عُبيد الله عنه، أنّ الأولَى صلاتُه (١) .
-
وممّا يُصَحِّحُ هذا المذهبَ أيضًا ما رواه أبو ذرٍّ، وأبو هريرةَ (٢) ، وجماعةٌ (٣) ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: "سيكونُ عليكم بعدِي أمراءُ يُؤَخِّرُونَ الصلاةَ عن مواقِيتِها، فصلُّوا الصلاةَ لوقتِها، واجعَلوا صلاتَكم معهم سُبْحَةً" ؛ أي: نافلةً. وحديثُ يزيدَ بن الأسودِ الخزاعيِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلَّيْتُما في رحالِكما ثمّ أتَيْتُما الناسَ وهم يُصلُّون فصَلِّيا معهم، فإنّها لكما نافلةٌ" . وهذه الأحاديثُ تدُلُّ على أنّ الأولَى فرضُه والثانيةَ تطوُّعٌ له، وتدُلُّ أيضًا على أن إعادةَ الصلاةِ مع الإمام أنّه أمرٌ عامٌّ من غير تَخْصيصٍ ولا تَعيين.
-
وذكر أبو بكرٍ الأثرمُ (٤) ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدّثنا جريرُ بن حازم، قال: سمِعتُ حمّادًا قال: كان إبراهيمُ يقولُ: إذا نوَى الرجلُ صلاةً وكتَبَتْها الملائكةُ، فمَن يَستطيعُ أنْ يُحَوِّلَها؟ فما صلَّى بعدَها فهو تطوُّعٌ.
- ج ٣ ص ٣٤٩
قرأتُ على عبدِ الوارث بن سفيان: حدَّثكم قاسمُ بن أصبغَ؟ قال: نعمْ، حدَّثنا، قال: حدّثنا عبيدُ بن عبد الواحد بن شريكٍ، قال: حدّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا هُشيمُ بن بَشيرٍ، قال: أخبَرنا يعلَى بن عطاءٍ، عن جابرِ بن يزيدَ بن الأسود، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه أُتِيَ برَجُلين بعدَما صلَّى الغَداةَ، كانا في آخرِ المسجدِ، لمْ يُصَلِّيا معه، قالا: كنا قد صَلَّيْنا في رِحالِنا. قال: "فلا تَفْعَلا، إذا صَلَّيْتُما في رِحالِكما ثم أَتَيْتُما مسجدَ جماعةٍ فصَلِّيا معهم، فإنّها لكما نافلة" (١) . وهذا نصٌّ في موضع الخلاف يَقطَعُه، وبالله التوفيقُ.