زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ١٩ من ٤٠

  1. وروَى شُعبةُ (٢) ، عن يَعلَى بن عطاءٍ، بإسنادِه مثلَه سواءً.

    ج ٣ ص ٣٤٩
  2. والحُجّةُ لمالكٍ والقائلين بقَولِه: أنَّ الصَّلواتِ كلَّها تُعادُ مع الإمام إلّا المغربَ، قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "صلاةُ اللَّيل مثنَى مثنَى" . وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: "لا وِتْران في ليلةٍ" (٣) .

  3. ومعلومٌ أنّ المغربَ إنْ أعادَها كانت إحدَى صَلاتَيْه تَطوُّعًا، وسُنَّةُ التَّطوُّعِ أنْ تُصَلَّى رَكْعتَين، وغيرُ جائزٍ أنْ يكونَ وِتران في ليلةٍ؛ لأنّ ذلك لو كان صار شَفْعًا وبطَل معنَى الوترِ، فلمّا كان في إعادةِ المغربِ مخالفةٌ لهذين الحديثين منَع مالكٌ من إعادتِها، ولا يَدْخُلُ على مَن قال بقوله في إعادةِ العصرِ والصُّبحِ مع الإمام مخالفةٌ لحديث النَّهْي عن التَّطوُّع بالنافلةِ بعدَ الصبحِ والعصرِ؛ لأنّهم لا يقولون

    ج ٣ ص ٣٥٠أنّ الثانيةَ نافلةٌ، بل يقولون: إنّا لا نَعلمُ أيَّ الصَّلاتَين فرضُه. ولا يَأمُرونه أنْ يدْخُلَ مع الإمام إلّا بنيةِ الفرض؛ ثم ذلك إلى الله يَجْعَلُها أيَّتَهما شاء، فأيَّتَهما جعَلها، فالأخرَى تَطَوُّعٌ.

  4. والأغلبُ عندَهم في الظَّنِّ أنّ الثانيةَ فرضُه؛ لفَضْلِ صَلاةِ الجماعة على صلاةِ الفَذِّ، وتأوَّلوا قولَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ يزيدَ بن الأسود: "فإنّها لكما نافلةٌ" . قالوا: معنى نافلةٍ: فضيلةٌ وزيادةُ خَيْرٍ، ولا يُوجِبُ أنْ يكونَ معنى قولِه ذلك أنْ يكونَ تطوُّعًا، واحتجُّوا بقولِ الله تعالى: {نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: ٧٩] ؛ أي: فضيلةً، وبقوله عزَّ وجلَّ: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: ٧٢] ؛ أي: فضيلةٌ.

  5. ومِنْ أدلِّ دليلٍ على أنّ الأولَى فرضُه والثانيةَ نَفلٌ على مذهَبِ مالكٍ وأصحابِه ممّا لم يَختلِفوا فيه: أنّهم لم يختَلِفوا أنّ من صلَّى وحدَه لا يكونُ إمامًا في تلك الصلاة، فدلَّ على أنّها غيرَ فريضةٍ، وإذا كانت غيرَ فريضةٍ كانت تطوُّعًا (١) ، وبالله التوفيقُ.

  6. حديثٌ موفي عشرينَ لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ صحيح

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ (٢) ، عن إبراهيمَ بن عبد الله بن حُنَيْنٍ، عن أبيه، أنّ ابن عباسٍ والمِسْوَرَ بن مَخرمةَ، اختلَفا بالأَبْواءِ (٣) ؟ فقال ابنُ عباسٍ: يَغسلُ المُحرِمُ رأسَه. وقال المِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المُحرِمُ رأسَه. قال: فأرسَلني ابنُ عباس (٤) إلى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، فوَجَدتُه يَغتسِلُ بين القَرْنَيْن، وهو يُسْتَرُ بثوبٍ. قال (٥) : فسلَّمْتُ عليه، فقال: من هذا؟ فقلتُ: أنا عبدُ الله بن حُنَيْنٍ، أرسَلَني إليك عبدُ الله بن عباسٍ أسألُك: كيف كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَغسِلُ رأسَه وهو مُحْرِمٌ؟ قال: فوضَع أبو أيُّوبَ يدَه على الثَّوبِ، فطأَطأَه حتى بدَا لي رأسُه، ثم قال لإنسانٍ يَصُبُّ عليه: اصْبُبْ. فصَبَّ على رأسِه، ثم حرَّك رأسَه بيَدَيْه، فأقْبَل بهما وأدبَر، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلُ.

    ج ٣ ص ٣٥١
  7. روى يحيَى بن يحيَى هذا الحديثَ عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن نافعٍ، عن إبراهيمَ بن عبد الله بن حُنَيْنٍ، عن أبيه، فذكَره. ولم يُتابِعْه على إدخالِ نافع بين زيدِ بن أسلمَ وبين إبراهيمَ بن عبد الله بن حُنَينٍ، أحدٌ من رُواةِ "الموطَّأ" عن

    ج ٣ ص ٣٥٢مالكٍ فيما عَلِمْتُ (١) . وذِكرُ نافعٍ في هذا الإسنادِ عن مالك خطأٌ عندي لا أشُكُّ فيه؛ فلذلك لم أرَ لذِكرِه في الإسنادِ وجهًا، وطرَحْتُه منه كما طرَحه ابنُ وضَّاح (٢) وغيرُه، وهو الصوابُ إن شاء اللهُ، وهذا مما يُحْفَظُ من خطإ يحيى بن يحيى في "الموطّأ" وغَلَطِه.

  8. ومثلُ هذا من غَلَطِه الواضح أيضًا روايَتُه في كتاب الحجِّ أيضًا عن مالكٍ (٣) ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بن أبي بكرِ بن حَزْمٍ: أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أهدَى جَمَلًا كان لأبي جهلِ بن هشام. وهذا غلطٌ غيرُ مُشكِلٍ، وليس لذكرِ نافعٍ في هذا الإسنادِ وجهٌ؛ وإنّما رَواه مالكٌ، عن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، لا عن نافعٍ، وكذلكَ هو عند كلِّ من روَى الموطَّأ عن مالكٍ.

  9. وقد روَى عن إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنَينٍ هذا ابنُ شهابٍ، ونافعٌ مولَى عبدِ الله بن عمرَ، وزيدُ بن أسْلَمَ، ومحمدُ بن عَمْرٍو، ومحمدُ بن إسحاقَ، والحارثُ بن أبي ذُبابٍ، ويزيدُ بن أبي حبيب، وأبو الأسودِ محمدُ بن عبد الرحمن، وموسَى بن عُبيدَة، وغيرُهم.

  10. وحُنَيْن جَدُّ إبراهيمَ هذا، يقالُ: إنّه مولَى العباسِ بن عبد المُطَّلب. وقيلَ: مولَى عليِّ بن أبي طالب، فاللهُ أعلمُ (٤) .

  11. واختُلِف على إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنَيْنٍ هذا في حديثه عن أبيه، عن عليٍّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في النَّهْي عن القراءةِ في الركوع، والتَّخَتُّم بالذَّهب، اختلافًا يَدُلُّ على أنّه لم يَكُنْ بالحافظِ (١) ، واللهُ أعلمُ. وسنَذْكُرُ ذلك في باب حديثِ نافعٍ، من كتابِنا هذا إن شاء الله.

    ج ٣ ص ٣٥٣
  12. وروَى هذا الحديثَ ابنُ عُيَيْنةَ، عن زيدِ بن أسلَمَ بإسنادِه، وقال في آخره: قال المِسْوَرُ بن مَخْرَمةَ لابن عباسٍ: والله لا مارَيْتُكَ أبدًا.

  13. حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عُمرَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: حدَّثنا زيدُ بن أسلَمَ، عن إبراهيمَ بن عبد الله بن حُنَيْن، عن أبيه، قال: تَمارَى ابنُ عباس والمِسْوَرُ بن مَخرمةَ في المُحرِم يَغْسِلُ رأسَه بالماء، وهما بالعَرْج، فأرسَلُوني إلى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ أسألُه. قال: فأتيْتُه وهو يَغتسِلُ بين قَرْنَي البئرِ، فسَلَّمْتُ عليه، فرفَع رأسَه وضمَّ ثوبَه إلى صدرِه، حتى إنِّي لأنظُرُ إلى صدرِه، فقلتُ: أرسلَني إليك ابنُ أخيكَ عبدُ الله بن عباسٍ أسألُكَ: كيف كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ رأسَه وهو مُحْرِمٌ؟ قال: فغرَف الماءَ على رأسِه، وأمَرَّ على رأسِه فأقبَل به وأدْبَر، وقال: هكذا رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلُ. فقال المِسْوَرُ: والله لا مارَيْتُكَ أبدًا (٢) .

  14. وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الصحابةَ إذا اختلَفوا لم تكُنِ الحجَّةُ في قولِ واحدٍ منهم إلّا بدليلٍ يَجبُ التّسليمُ له من الكتابِ أو السُّنةِ؛ ألَا ترَى أنّ ابنَ عبّاسٍ والمِسْوَرَ بن مَخْرَمةَ - وهما من فقهاءِ الصحابة، وإن كانا من

    ج ٣ ص ٣٥٤أصغرِهم سنًّا - اختَلَفا، فلم يَكُنْ لواحدٍ منهما حجّةٌ على صاحبِه، حتى أدلَى ابنُ عباسٍ بالسُّنَّة ففلَج (١) ، وهذا يُبيِّنُ لك أنّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "أصحابي كالنُّجوم" (٢) هو على ما فسَّره المُزَنيُّ وغيرُه من أهلِ النَّظَرِ: أنّ ذلك في النَّقْل؛ لأنّ جميعَهم ثِقاتٌ مأمونٌ عدلٌ رضًى، فواجبٌ قَبولُ ما نقَل كلُّ واحدٍ منهم وشهِد به على نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، ولو كانوا كالنُّجوم في رأيهم واجتهادِهم إذا اختلَفوا، لقال ابنُ عبّاسٍ للمِسْوَر: أنتَ نجمٌ وأنا نجمٌ، فلا عليكَ، وبأيِّنا اقتُديَ في قولِه فقد اهتُدِيَ، ولَمَا احتاجَ إلى طلبِ البَيِّنَةِ والبُرهان من السُّنَّة على صحَّةِ قولِه. وسائرُ الصحابة رضي اللهُ عنهم إذا اختلَفوا، حُكْمُهم في ذلك كحُكم ابن عباسٍ والمِسْوَرِ بن مَخرمَةَ سواءً، وهم أوَّلُ من تلا: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: ٥٩] . قال العلماءُ: إلى كتابِ الله، وإلى (٣) نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، فإنْ قُبِضَ فإلى سُنَّتِه؛ ألا ترَى أنَّ ابنَ مسعودٍ قيلَ له: إنّ أبا موسَى الأشْعَريَّ قال في أُختٍ وابنةٍ، وابنةِ ابنٍ: إنّ للابنةِ النِّصفَ وللأختِ النِّصفَ، ولا شيءَ لبنتِ الابن، وأنَّه قال للسائل: ائتِ ابنَ مسعودٍ، فإنّه سيُتابِعُنا. فقال ابنُ مسعودٍ: {قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: ٥٦] .

  15. بل أقضِي فيها بقضاءِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: للبنتِ النِّصفُ، ولبنتِ الابنِ السُّدُسُ تَكمِلَةَ الثُّلُثَين، وما بقي فللأخت (١) .

    ج ٣ ص ٣٥٥
  16. وبعضُهم لم يَرْفَعْ هذا الحديثَ، وجعَله موقوفًا على ابن مسعودٍ، وكلُّهم روَى فيه، أنّه تلا: {قَدْ ضَلَلْتُ} الآية. وفي "الموطَّأ" (٢) : أنّ أبا موسى أفتَى بجوازِ رَضاعِ الكبير، فردَّ ذلك عليه ابنُ مسعودٍ، فقال أبو موسى: لا تسألوني، ما دام هذا الحَبْرُ بين أظهُرِكم.

  17. وروَى مالكٌ (٣) أنّ ابنَ مسعودٍ رجَع عن قولِه في الرَّبيبةِ إلى قول أصحابِه بالمدينة.

  18. وهذا البابُ في اختلافِ الصحابة، ورَدِّ بعضِهم على بعضٍ، وطلبِ كلِّ واحدٍ منهم الدليلَ والبُرهانَ على ما قاله من الكتابِ والسُّنَّة - إذا خالَفه صاحبُه - أكثَرُ من أنْ يُجْمَعَ في كتابٍ، فضلًا عن أنْ يُكتَبَ في بابٍ، والأمرُ فيه واضحٌ. وإذا كان هذا محَلَّ الصحابةِ رضي الله عنهم، وهم أولو العلم والدِّين والفضل، وخيرُ أمّةٍ أُخْرِجَتْ للناس، وخيرُ القرونِ، ومَن قد رضي اللهُ عنهم وأخبَر بأنّهم رَضُوا عنه، وأثنَى عليهم بأنّهم الرُّحماءُ بينَهم، الأشدَّاءُ على الكفّار، الرُّكَّعُ السُّجَّدُ، وأنّهم الذين أوتوا العلمَ. قال مجاهدٌ وغيرُه (١) في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: ٦] . قال: أصحابُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. إلى كثيرٍ من ثَناءِ الله عزَّ وجلَّ عليهم، واخْتيارِه إيّاهم لصُحبَةِ نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، فإذا كانوا، وهم بهذا المَحَلِّ من الدِّينِ والعلمِ، لا يكونُ أحدُهم على صاحبِه حُجَّةً، ولا يَسْتَغني عند خلافِ غيرِه له عن حجَّةٍ من كتابِ الله أو سُنَّة رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، فمَن دونَهم أولَى وأحرَى أن يَحتاجَ إلى أن يَعْضُدَ قولَه بوجهٍ يُوجبُ التَّسْليمَ له.

    ج ٣ ص ٣٥٦
  19. حدَّثني أحمدُ بن فتحٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن عُتْبَةَ الرَّازيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمد (٢) بن عبد العزيز العُمَريُّ، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بن بكّارٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن داودَ بن أبي زَنبَرٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن داودَ بن

    ج ٣ ص ٣٥٧الحُصين، عن طاوُوسٍ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: العلمُ ثلاثةُ أشياءَ: كتابٌ ناطقٌ، وسُنَّهٌ ماضيةٌ، ولا أدرِي (١) .

  20. وروَى ابنُ وَهْبٍ (٢) ، قال: أخبَرنا عبدُ الرّحمن بن زيادٍ المَعافريُّ، عن عبد الرّحمن بن رافع التَّنُوخيِّ، عن عبد الله بن عَمْرِو بن العاصِ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "العلمُ ثلاثةٌ، فما سوَى ذلك فهو فَضْلٌ: آيةٌ محكمةٌ، وسُنَّةٌ قائمةٌ، وفريضةٌ عادلةٌ" (٣) .

    وقال إسماعيلُ القاضي: حدَّثنا أبو ثابتٍ، عن ابن وَهْب، قال: قال مالكٌ: الحُكمُ حُكْمان: حُكْمٌ جاء به كتابُ الله، وحُكْمٌ أحْكَمَتْه السُّنةُ. قال: ومُجتهِدٌ رأيَه فلعلَّه يُوفَّقُ، قال: ومُتكلِّف، فطعَن عليه (٤) .

  21. وذكر ابنُ وضَّاح، عن محمدِ بن يحيَى، عن ابن وَهْبٍ، قال: قال لي مالكٌ: الحُكْمُ الذي يَحكُمُ به الناسُ حُكْمان: ما في كتابِ الله أو أحْكَمَتْه السُّنةُ، فذلكَ الحُكْمُ الواجبُ، وذلك الصوابُ، والحكمُ الذي يَجْتَهِدُ فيه الحاكمُ برَأْيه، فلعلَّه يُوفَّقُ، وثالثٌ مُتَكَلِّفٌ، فما أحْراه ألّا يُوفَّقَ. قال: وقال لي مالكٌ: الحكمةُ والعلمُ.

    ج ٣ ص ٣٥٨وقال مرّةً: والفِقْهُ نورٌ يهدِي اللهُ به من يشاءُ من خَلْقِه، ويؤتِيه مَن أحبَّ من عبادِه، وليس بكثرةِ المسائل (١) .

    قال أبو عُمر: إجماعُ الصحابةِ حجَّةٌ ثابتةٌ، وعلمٌ صحيحٌ، إذا كان طريقُ ذلك الإجماع التَّوقِيفَ، فهو أقوَى ما يكونُ من السُّنن، وإن كان اجتهادًا، ولم يكنْ في شيءٍ من ذلك مُخالِفًا، فهو أيضًا علمٌ وحُجَّةٌ لازمةٌ؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: ١١٥] وهكذا إجماعُ الأُمَّة إذا اجْتَمَعتْ على شيءٍ، فهو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه، لأنّها لا تَجتَمِعُ على ضلالٍ. وما عدا هذه الأصولَ، فكما قال مالكٌ رحمه الله. وقد تقَصيَّنا الأقاويلَ في هذا الباب، في كتابِنا "في العلم" (٢) ، فمَن أحبَّه تأمَّله هناك، وبالله تعالى التوفيق.

  22. وفي هذا الحديث دليلٌ، واللهُ أعلمُ، على أنّ ابنَ عباسٍ قد كان عندَه في غَسْلِ المُحرِم رأسَه علمٌ عن رسولِ إللّه - صلى الله عليه وسلم -، أنبَأَه بذلك أبو أيُوبَ أو غيرُه؛ لأنَّه كان يأخُذُ علمَ أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في السُّنَن وغيرِها عن جميعِهم، وَيختَلِفُ إليهم؛ ألَا ترَى إلى قولِ عبدِ الله بن حُنين لأبي أيُّوبَ رحمه الله: أرسَلني إليكَ ابنُ عباس أسألُكَ: كيفَ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ رأسَه وهو مُحرمٌ؟ - ولم يقُلْ: هل كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ رأسَه وهو مُحرمٌ؟ على حسَبِ ما اختلَفا فيه، فالظاهرُ، واللهُ أعلمُ، أنّه قد كان عندَه من ذلكَ علمٌ.

  23. واختلَف أهلُ العلم في غَسْلِ المُحْرِم رأسَه بالماء، فكان مالكٌ لا يُجيزُ ذلك للمُحرِم ويَكْرَهُه له، ومن حُجَّته أنّ عبدَ الله بن عُمرَ كان لا يَغْسِلُ رأسَه

    ج ٣ ص ٣٥٩وهو مُحرِمٌ إلّا من احتلامٍ (١) . قال مالكٌ (٢) : فإذا رَمَى المُحْرِمُ جَمْرَةَ العَقَبة جاز له غَسْلُ رأسِه - وإنْ لم يَحلِقْ - قبلَ الحَلْق؛ لأنّه إذا رمَى جَمْرَةَ العَقبة، فقد حلَّ له قَتْلُ القَمْلِ، وحَلْقُ الشَّعرِ، وإلقاءُ التَّفَثِ (٣) ، ولُبسُ الثِّياب. قال: وهذا الذي سمِعْتُ من أهلِ العلم.

  24. وعندَ جُوَيْرِيةَ في هذا الباب عن مالكٍ حديثٌ غريبٌ صحيحٌ، حدَّثناه عبدُ الرّحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ. وحدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن محمدٍ الصَّفّارُ، قالا: حدَّثنا أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال (٤) : حدَّثنا سَوَّارُ بن سهلٍ القُرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيْرِيةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن ثعلبةَ بن أبي مالكٍ القُرَظيِّ: أنّه رأى قيسَ بن سعدِ بن عُبادةَ غَسَل أحدَ شِقَّيْ رأسِه بالشَّجَرَةِ، ثم الْتَفَتَ فإذا هَدْيُه قد قُلِّدَتْ، فقام فأهَلَّ قبلَ أنْ يَغسِلَ شِقَّ رأسِه الآخرَ.

  25. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بن حنبل،

    ج ٣ ص ٣٦٠وأبو ثَوْر، وداودُ: لا بأسَ بأنْ يَغسِلَ المُحرِمُ رأسَه بالماء (١) . وكان عمرُ بن الخطّابِ يَغْسِلُ رأسَه بالماء وهو مُحرِمٌ، ويقولُ: لا يَزِيدُه الماءُ إلّا شَعَثًا (٢) .

  26. ورُوِيت الرُّخصةُ في ذلك أيضًا عن ابنِ عباسٍ، وجابرِ بن عبدِ الله، وعليه جماعةُ التّابعين، وجمهورُ فقهاءِ المسلمين (٣) .

  27. وقد أجمَعوا أنّ المُحْرِمَ يَغسِلُ رأسَه من الجَنابةِ، وأتباعُ مالكٍ في كراهيتِه للمُحرِم غَسلَ رأسِه بالماء قليل، وقد كان ابن وَهْبٍ وأشهبُ يتغاطَسان وهما مُحرِمان مخالفةً لابن القاسم في إبايَتِه من ذلك. وكان ابنُ القاسم يقولُ: إنّ مَن غَمَس رأسَهُ في الماءِ أطعَم شيئًا. خوفًا من قتلِ الدَّوابِّ، ولا بأسَ عندَ جميعِهم أن يَصُبَّ الماءَ على رأسِه المُحرِمُ لحَرٍّ يَجِدُه. وكان أشهبُ يقولُ: لا أكْرَهُ للمُحْرِم غَمسَ رأسِه في الماء. قال: وما يُخافُ في الغَمسِ يَنبغي أنْ يُخافَ مثلُه في صبِّ الماءِ على الرأسِ من الحَرِّ (٤) .

  28. وأمّا غَسلُ المُحرِم رأسَه بالخَطْميِّ (٥) والسِّدْرِ، فالفقهاءُ على كراهيةِ ذلك، هذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأصحابهم، وكان مالكٌ وأبو حنيفةَ يَرَيان الفِدْيَةَ على المُحرِم إذا غسَل رأسَه بالخَطْميِّ (٦) .

    ج ٣ ص ٣٦١وقال أبو ثورٍ: لا شيءَ عليه إذا فعَل ذلك (١) . وكان عطاءٌ، وطاووسٌ، ومجاهدٌ يُرَخِّصون للمُحرِم إذا كان قد لَبَّدَ رأسَه في غسلِ رأسِه بالخَطْميِّ لِيَلينَ (٢) . ورُوِيَ عن ابن عمرَ أنّه كان يفعلُ ذلك (٣) ، ويَحتمِلُ أن يكونَ هذا من فعل ابن عمرَ بعدَ رَمْي جَمرَةِ العَقَبَة (٤) ، وكان رضي الله عنه إذا لَبَّدَ حلَق، فإنّما كان فِعلُه ذلك، واللهُ تعالى أعلمُ، عَوْنًا على الحَلْق.

  29. واحتَجَّ بعضُ المُتأخِّرين على جوازِ غَسْلِ المُحرِم رأسَه بالخَطْمِيِّ بأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بالمُحرم المَيِّتِ أنْ يَغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وأمَرهم أن يُجَنِّبُوه ما يَجتنِبُ المُحرِمُ (٥) . قال: فدلَّ ذلك على إباحةِ غسلِ رأسِ المُحرِم بالسِّدْرِ. قال: والخَطْميُّ في معناه.

    قال أبو عُمر: هذا حديثٌ اختلَف الفقهاءُ في القول به، وليس هذا موضعَ الكلام فيه. واختلَفوا أيضًا في دخولِ المُحرِم الحَمّامَ؛ فكان مالكٌ وأصحابُه يكْرَهون ذلك ويقولون: مَن دخَل الحمّامَ، فتدلَّك وأنْقَى الوسَخَ، فعليه الفِدْيَةُ (٦) .

  30. وكان الثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ،

    ج ٣ ص ٣٦٢وأحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ، وداودُ بن عليٍّ، لا يَرَوْن بدخولِ المُحرِم الحمَّامَ بأسًا (١) .

  31. ورُوِيَ عن ابن عباسٍ من وجهٍ ثابتٍ: أنّه كان يَدْخلُ الحمَّامَ وهو مُحرِمٌ (٢) .

  32. وفي هذا الحديث أيضًا استتارُ الغاسِل عندَ الغُسْل، ومعلومٌ أنّ الذي كان يَسْتُرُه بالثَّوْبِ لا يَطَّلِعُ منه على ما يَسْتترُ به عن مثلِه، فالسُّتْرَةُ واجبةٌ على القريبِ والبعيدِ، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اسْتُرْ عورتَك إلّا عن زوجتِك أو أمَتِك" (٣) . وهذا معناه عندَ الحاجة إلى ذلك لا غيرُ. وسيأتي في سَترِ العورة ما فيه كفايةٌ، في باب ابنِ شهابٍ، إن شاء الله تعالى.

  33. وأما قولُه: "يغتسل بين القَرْنين" ، فقال ابنُ وَهْب: القَرْنان: العَمُودان المبنيان اللذان فيهما السَّانية على رأس الجُحْفَة. وقال غيرُه: هما حَجَران مُشْرفان أو عمودان على الحوض يقومُ عليهما السُّقاةُ.

  34. حديثٌ واحدٌ وعشرون لزَيْد بن أسْلَم مُسْندٌ

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن القعقاع بن حَكيم، عن أبي يونسَ مولى عائشةَ زوج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) ، أنّه قال: أمرَتني عائشةُ أن أكتُبَ لها مُصحفًا، ثم قالت: إذا بلَغْتَ هذه الآيةَ فآذنِّي: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] . فلمّا بَلغْتُها آذنتُها، فأمْلَتْ عليّ: "حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصر وقُوموا لله قانتين" . ثم قالت: سَمِعتُها من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٣ ص ٣٦٣
  35. في هذا الحديث من الفقه: جوازُ دخولِ مملوكِ المرأةِ عليها. وفيه ما يَدلُّ على مذهبِ مَن قال: إنّ القرآنَ نُسِخَ منه ما ليس في مصحفنا اليومَ. ومن قال بهذا القول يقولُ: إنّ النسخَ على ثلاثة أوجُه في القرآن:

    أحدُها: ما نُسِخَ خطُّه وحكمُه وحفظُه ونُسيَ؛ يعني: رُفعَ خطُّه من المصحف، وليس حفظُه على وجهِ التِّلاوةِ ولا يُقْطعُ بصِحَّته على الله، ولا يَحكمُ به اليومَ أحدٌ، وذلك نحوُ ما رُوِيَ أنّه كان يُقرأُ: "لا تَرْغَبوا عن آبائكم، فإنّه كفرٌ بكم أن تَرْغَبوا عن آبائكم" (٣) .

  36. ومنها: "لو أنّ لابن آدمَ واديًا من ذهبٍ لابْتَغَى إليه ثانيًا، ولو أنّ له ثانيًا لابتغَى إليه ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلّا الترابُ، ويتُوبُ اللهُ على من تابَ" (١) . قيلَ: إنّ هذا كان في سورة "ص" .

    ج ٣ ص ٣٦٤
  37. ومنها: "بَلِّغوا قوجمَنا أنّا قد لَقِينا رَبَّنا فرَضيَ عنّا ورَضِينا عنه" . وهذا من حديث مالكٍ، عن إسحاقَ (٢) ، عن أنسىٍ، أنّه قال: أنزَل اللهُ في الذين قُتِلوا ببِئْرِ مَعونةَ قُرآنا قرَأْناه ثم نُسِخَ بعدُ: "بلِّغُوا قومَنا" (٣) ، وذكَره.

  38. ومنها قولُ عائشةَ: كان فيما أنزَل اللهُ من القرآن عشرُ رَضَعاتٍ، ثم نُسِخْنَ بخَمْسٍ معلوعاتٍ، فتوفِّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهن ممّا يُقرَأُ (٤) إلى أشياءَ في مُصْحَفِ أُبيٍّ، وعبدِ الله، ومصحفِ حفصةَ، وغيرِهم ممّا يطولُ ذِكرُه.

  39. ومن هذا الباب قولُ من قال: إنّ سورةَ "الأحزاب" كانت نحوَ سورةِ "البقرة" أو "الأعراف" .

    ج ٣ ص ٣٦٥
  40. روَى سفيانُ وحمّادُ بن زيدٍ، عن عاصم، عن زِرِّ بن حُبَيْش قال: قال لي أُبَيُّ بن كعب: كأيِّنْ تَقرأُ سورةَ الأحزاب، أو كأيِّنْ تعُدُّها؟ قلتُ: ثلاثًا وسبعينَ آيةً. قال: قَطْ، لقد رأيْتُها وإنّها لتعادِلُ البقرةَ، ولقد كان فيما قَرَأْنا فيها: "الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهما ألبَتّةَ نكالًا من الله والله عزيزٌ حكيمٌ" (١) .

    وقال مسلمُ بن خالدٍ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، قال: كانت سورةُ الأحزاب تُقارِنُ سورةَ البقرةِ.