زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ٢٣ من ٤٠

  1. وفي هذا الحديث منَ الفقه تأخيرُ البيانِ عن وقتِ السؤالِ إلى وقتٍ آخَرَ يجبُ فيه فِعلُ ذلك، إذا كان لعلةٍ جائزٌ عندَ أكثرِ أهلِ العلم، وأمَّا تأْخيرُ البيانِ عن حينِ تَكليفِ الفعلِ والعملِ حتى يَنقضيَ وقتُه، فغيرُ جائزٍ عندَ الجميعِ، وهذا بابٌ طالَ فيه الكلامُ بينَ أهلِ النظَرِ مِن أهلِ الفِقْهِ؛ فمَن أجازَ تأخيرَ البيانِ في هذا البابِ، احْتجَّ مِن جِهةِ الأثر بهذا الحديثِ وما أشبهَه، وبقولِه -صلى الله عليه وسلم- في حَجَّتِه: "خُذُوا عَنِّي مناسِكَكم" (٢) . والمناسِكُ لم تَتِمَّ إلا في أيام، وقد كان يُمكِنُه أن

    ج ٣ ص ٤١٧يُعَلِّمَهم ذلك قولًا في مُدَّةٍ أقرَبَ من مُدَّةِ تَعليمِه إياهم عَمَلًا، وكذلك قد كان قادِرًا على أن يُبَيِّنَ للسَّائلِ مِيقَاتَ تلك الصَّلاةِ، وسائرِ الصَّلَواتِ بقَوْلِه في مَجْلِسِه ذلك، ولكِنَّه أخَّرَ ذلك ليُبَيِّنَ ذلك له عَمَلًا، ولم يَمْتَنِعْ مِن ذلك لِمَا يخافُ عليه منَ اخترام المَنِيَّةِ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد كانَ أنْبَأَهُ، واللهُ أعلمُ، أنَّه لا يَقْبِضُه حتى يُكْمِلَ به الدِّينَ، ويُبَيِّنَ للأُمَّةِ على لِسَانِه ما يُتَوَصَّلُ به إلى مَعْرِفَةِ الأحْكام، وكذلك فعَلَ -صلى الله عليه وسلم-. ولله الحمدُ كثيرًا.

    ج ٣ ص ٤١٦
  2. وقد يكونُ البَيانُ بالفِعْل أثْبَتَ أحْيانًا فيما فيه عَمَل مِن القولِ، وقد قالَ -صلى الله عليه وسلم-: "ليس الخَبَرُ كالمُعَايَنَةِ" (١) . روَاه ابنُ عَبَّاسٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ولم يَرْوِه غيرُه (٢) . والله أعلمُ.

  3. ومعْلومٌ أنَّ الصَّدْرَ الأوَّلَ لم يُخْبِروا بما سَمِعُوا مِن الأخْبارِ ضَرْبَةً واحدةً، بل كانوا يُخْبِرونَ بالشيءِ على حَسَبِ الحالِ، ونُزولِ النَّوازِلِ، وكذلك الأخْبارُ المُستفيضَةُ أيضًا، لم تَقعْ ضَرْبَةً واحدةً، والكلامُ في هذا البابِ يطولُ جِدًّا، وليس هذا مَوْضِعَه، وفيما لَوَّحْنا به منه كِفايَةٌ وتَنْبِيهٌ إن شاء اللهُ تعالى.

    ج ٣ ص ٤١٨
  4. وفي هذا الحديثِ أيضًا أنَّ أوَّلَ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الفَجْرِ وأنَّ وَقْتَها مَمْدودٌ إلى آخرِ الإسْفَارِ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ.

  5. فأمَّا أوَّلُ وَقْتِها، فلا خِلافَ بينَ عُلَماءِ المسلمينَ أنَّه طُلُوعُ الفجرِ، على ما في هذا الحديثِ وغيرِه، وهو إجْماع، فسَقَطَ الكلامُ فيه.

  6. والفجرُ هو أوّل بَيَاضِ النَّهارِ الظاهِرِ المُسْتَطِيرِ في الأفقِ المُسْتَنِيرِ المُنتشِرِ، تُسَمِّيه العربُ الخَيْطَ الأبيضَ. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] . يريدُ بَيَاضَ النَّهارِ مِن سوادِ الليل. قال أبو دُؤَادٍ الإياديُّ:

    فلمَّا أضاءَتْ لنَا سُدْفَةٌ ... ولاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنارَا (١)

    وقال آخرُ:

    قد كادَ يَبْدُو أو بدَتْ تباشرُه

    وسَدَفً الليلِ البَهِيمِ ساتِرُهْ (٢)

  7. وقد سمَّتْه أيضًا الصَّدِيعَ، ومنه قولُهم: انْصَدَعَ الفَجْرُ. قال بِشْرُ بنُ أبي خازِم، أو عَمْرُو بنُ مَعْدي كرِبَ:

    ج ٣ ص ٤١٩به السِّرْحَانُ (١) مُفْتَرِشًا يدَيْه ... كأَن بَياضَ لَبَّتِهِ الصَّدِيعُ (٢)

  8. وشبَّهَه الشَّمَّاخُ بمَفْرِقِ الرأسِ، فقالَ:
  9. إذا ما اللَّيلُ كان الصبحُ فيه ... أَشَقَّ كمَفْرِقِ الرأسِ الدَّهِينِ (٣)

  10. ويقولون للأمْرِ الواضِحِ: هذا كفَلَقِ الصُّبْحِ، وكانْبِلاجِ الفَجْرِ، وتَباشِيرِ الصُّبْح. قال الشاعرُ:

    فوَرَدَتْ قبلَ انْبِلاجِ الفَجْرِ ... وابنُ ذُكاءٍ كامِنٌ في كَفْرِ (٤)

  11. وذُكاءٌ: الشَّمسُ، فسَمَّى الصُّبْحَ ابنَ ذُكاءٍ. والكَفْرُ: ظُلْمِةُ الليلِ، ويُقالُ لِلَّيْلِ: كافِرٌ؛ لتَغْطِيَتِه الأشْياءَ بظُلْمَتِه.

  12. وأمَّا آخِرُ وَقْتِها فكان مالِكٌ فيما حَكَى عنه ابنُ القاسِم يقولُ: آخِرُ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ الإسْفَارُ (٥) . كأنَّه ذهبَ إلى هذا الحديثِ، لأنَّه صَلَّاها في اليوم الثاني حينَ أسْفَرَ، ثم قالَ: "ما بين هذَيْنِ وَقْتٌ" فكانَ ظاهِرُ قَوْلِه، أنَّ ما عدَا هذيْنِ فليس بوَقْتٍ. ومَعْنَى قَوْلِه: "ما بين هذيْنِ وَقْتٌ" يريدُ هذَيْنِ وما بينَهما وَقْتٌ.

  13. وأمَّا الشافعيُّ، والثَّورِيُّ، وجمهورُ الفقهاءِ، وأهلُ الأثرِ، فإنَّهم قالُوا: آخِرُ وقتِ صَلاةِ الصُّبْحِ أن تُدْرَكَ منها رَكْعَة قبلَ طُلوعِ الشمسِ. ورُوِيَ مثلُ ذلك عن مالِكٍ أيضًا (١) . فبَانَ بذلك أنَّ قَوْلَه في رِوايَةِ ابنِ القاسِم عنه: آخِرُ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ الإسْفَارُ: أنَّه أرادَ الوَقْتَ المُسْتَحَبَّ، ويُوَضِّحُ ذلك أيضًا أنَّه لا خِلافَ عنه ولا عن أصْحابِه أنَّ مِقْدارَ رَكْعَةٍ قبلَ طُلُوعِ الشمسِ عندَهم وَقْتٌ في صَلاةِ الصُّبحِ لأصْحابِ الضَّرُورَاتِ، وأنَّ مَن أدْرَكَ منهم ذلك لَزِمَته الصَّلاةُ؛ لقولِه -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أدْرَكَ رَكْعةً مِن الصُّبْحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ فقد أدْرَكَ الصُّبْحَ" (٢) .

    ج ٣ ص ٤٢٠
  14. وقيل: إنَّ هذا الحديثَ أيضًا دليلٌ على أنَّ أوَّلَ الوَقْتِ وآخِرَه سَواءٌ. وبهذا نزَعَ من قال أن لا فَضْلَ لأَوَّلِ الوقتِ على آخرِه؛ لقَوْلِه -صلى الله عليه وسلم- "ما بين هذيْنِ وَقْتٌ" (٣) . قال بذلك قومٌ مِن أهلِ الظَّاهِرِ، وخالَفَهم جماعَةٌ مِن الفُقَهاءِ، ونزَعُوا بأشْياءَ، سنَذْكُرُ بعضَها في هذا البابِ إنْ شاءَ اللهُ.

  15. والذي في قَوْلِه: "ما بين هذيْنِ وَقْتٌ" ممَّا لا يَحْتَمِلُ تأْوِيلًا- سَعَةُ الوَقْتِ، وبَقِيَ التَّفْضِيلُ بينَ أوَّلِه وآخِرِه مَوْقُوفًا على الدَّليلِ.

  16. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الأَفْضَلِ في وَقْتِ صلاةِ الصُّبْحِ؛ فذهَب العِرَاقيُّون؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والحسنُ بنُ حَيِّ، وغيرُهم، إلى أنَّ الإسْفَارَ بها أفْضَلُ مِن التَّغْليسِ في الأزْمِنَةِ كُلِّها؛ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ (٤) . واحْتَجُّوا بحديثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، وما كان مثلَه عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في ذلك. وحديثُ رافِعٍ يدورُ على

    ج ٣ ص ٤٢١عاصِم بنِ عُمَرَ بنِ قتَادَةَ، وليس بالقَوِيِّ (١) ، روَاه عنه محمدُ بنُ إسحاقَ، وابنُ عَجْلانَ، وغيرُهما.

  17. أخْبَرنا أحمدُ بنُ قاسِم بنِ عبدِ الرحمنِ قِراءَةً مِنِّي عليه، أنَّ قاسِمَ بنَ أصْبَغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم (٢) ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن عاصِم بنِ عُمَرَ بنِ قتادَةَ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن رافِعِ بنِ خَدِيج، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أسْفِرُوا بالفجرِ، فكلَّما أسْفَرْتُمْ فهو أعظمُ للأجْرِ" . وهذا أحْسَنُ أسانِيدِ هذا الحديثِ.

  18. وقد روَاه بَقِيَّةُ بنُ الوَليدِ (١) ، عن شُعْبَةَ، عن داودَ البصريِّ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن رَافِعِ بنِ خَدِيج، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بمَعْنَاه. وهذا إسْنَادٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ بَقِيَّةَ بنَ الوليدِ ضعيفٌ، وزيدُ بنُ أسْلَمَ لم يَسْمَعْ مِن محمودِ بنِ لَبِيدٍ (٢) .

    ج ٣ ص ٤٢٢
  19. واحْتَجُّوا أيضًا بأنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ وعبدَ الله بنَ مَسْعُودٍ كانًا يُسْفِرَانِ بصلاةِ الصُّبْح (٣) .

  20. وكان مالِكٌ، واللَّيْثُ بنُ سعدٍ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، يذْهَبُون إلى أنَّ

    ج ٣ ص ٤٢٣التَّغْلِيسَ بصلاةِ الصُّبْحِ أفْضَلُ. وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وداودَ بنِ عليٍّ، وأبي جعفرٍ الطَّبَرِيِّ (١) .

  21. والحُجَّةُ لهم في ذلك أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُصَلَّي الصُّبْحَ، فيَنْصَرفُ النَّسَاءُ مُتَلَفِّفاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ (٢) . وأنَّه -صلى الله عليه وسلم- لم يَزَلْ يُغَلِّسُ بالصبْحِ إلى أن تُوُفِّيَ صَلَواتُ الله عليه.

  22. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثْرَمُ، قال: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: ما معنَى قولِه: "أسْفِرُوا بالفجرِ؟ " فقال: إذا بان الفجرُ فقد أسْفَرَ. قلتُ: كان أبو نعيم يقولُ في حديثِ رافِع بنِ خَدِيج: "أسَفِرُوا بِالفجرِ، فكلَّمَا أسْفَرْتُمْ بها فهو أعْظَمُ للأجْرِ" . فقال: نعم، كلُّه سَواءٌ، إنَّما هو إذا تَبَيَّنَ الفَجْرُ فقد أسْفَرَ. قال أبو بكرٍ: يقالُ في المرأةِ إذا كانت مُتَنقِّبةً فكشَفَتْ عن وَجْهِها: قد أسْفَرَتْ عن وَجْهِها، فإنَّما هو أن يَنْكشِفَ الفجرُ، وهكذا بلَغني عن أبي عبدِ الله. يَعْنِي: أحمدَ بنَ حنبل رَحِمَه اللهُ.

    قال أبو عُمر: صَحَّ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، أنَّهم كانُو ا يُغلِّسون (٣) ، ومحالٌ أن يَتْرُكوا الأفْضَلَ ويأْتُوا الدُّونَ، وهم النِّهايَةُ في إتْيَانِ

    ج ٣ ص ٤٢٤الفَضائلِ. ولا مَعْنَى لقولِ مَن احْتَجَّ بأنَّه -صلى الله عليه وسلم- لم يُخَيَّرْ بينَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا اخْتارَ أيْسَرَهما ما لم يكنْ إثْمًا (١) ؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ الإسْفَارَ أيْسَرُ على الناسِ مِن التَّغْلِيسِ، وقد اخْتارَ التَّغْلِيسَ لفَضْلِه، وجاءَ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "أوَّلُ الوَقْتِ رِضْوانُ الله وآخِرُه عَفْوُ الله" (٢) . فكانَ العَفْوُ إباحَةً، والفَضْلُ كلُّه في رِضْوانِ الله. وسُئِلَ عليه السَّلامُ من أفْضَلِ الأعْمالِ وأحَبِّها إلى الله؟ فقال: "الصَّلاةُ في أوَّلِ وَقْتِهَا" (٣) .

  23. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بنُ غياثٍ، قال: حدَّثنا قَزَعَةُ بنُ سُوَيْدٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عُمَرَ، عن القاسِم بنِ غَنَّام، عن بعض أُمَّهاتِه، من أُمِّ فَرْوَةَ،

    ج ٣ ص ٤٢٥قالت: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "إنَّ أحَبَّ الأعْمَالِ إلى الله عَزَّ وجَلَّ الصَّلاةُ لأوَّلَ وَقْتِها" (١) . وهذا أحْسَنُ أسانِيدِ هذا الحديثِ.

  24. وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مَعْنَاه. ولا يَصِحُّ إسْنادُه (٢) .

  25. وأصَحُّ دليلٍ على تَفْضِيلِ أوَّلِ الوَقْتِ ممَّا قد نزَعَ به ابنُ خُوَازِ بَنْدادَ وغيرُه قولُه عزَّ وجلَّ: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: ١٤٨] . فوَجَبتِ المُسابقَةُ إليها وتَعْجِيلُها وُجُوبَ نَدْبٍ وفَضْل، للدَّلائلِ القائمةِ على جَوازِ تأخِيرِها.

  26. وممَّا يدُلُّ على أنَّ أوَّلَ الوقتِ أفْضَلُ أيضًا ما حدَّثَناه أحمدُ بنُ قاسِم بنِ عيسى، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبَابَةَ البَغْدَادِيُّ ببَغْدَادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العَزيزِ البَغَوِيُّ (٣) ، قال: حدَّثَنِي جَدِّي، قال: حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ الوَليدِ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ أحدَكم لَيُصَلِّي الصلاةَ، وما فاتَه مِن وقتِها أشدُّ عليه مِن أهلِه ومالِه" .

  27. وقولُه في هذا الحديث: "ومَا فَاتَه مِن وَقْتِهَا" دليل على أنَّه لم يَفُتْه وَقْتُها كلُّه، واللهُ أعلمُ، لأنَّ "مِن" حقُّها التَّبْعِيضُ.

    ج ٣ ص ٤٢٦
  28. ولا خِلافَ بينَ علماءِ المسلمينَ أنَّ مَن صلَّى صَلاتَه في شيءٍ مِن وَقْتِها، أنَّه غيرُ حَرِجٍ إذا أدْرَكَ وَقْتَها. ففي هذا ما يُغْنِي عن الإكْثَارِ، ولكِنَّهم اخْتَلفُوا في الأفْضَلِ مِن ذلك على ما ذكَرْنَا، ومعلومٌ أنَّ مَن بَدَرَ إلى أداءِ فَرْضِه في أوَّلِ وَقْتِه، كان قد سَلِمَ ممَّا يَلْحَقُ المُتَوَانِيَ مِن العَوارِضِ، ولم تَلْحَقْه مَلامَةٌ، وشُكِرَ له بدَارُه إلى طاعَةِ رَبِّه.

  29. وقد أجْمَعَ المسلمون على تَفْضِيلِ تَعْجِيل المغرب؛ مَن قال: إنَّ وَقْتَها مَمْدُودٌ إلى مَغِيبِ الشَّفَقِ. ومَن قال: إنَّه ليس لها إلَّا وَقْت واحِدٌ. كلُّهم يَرَى تَعْجِيلَها أفضَلَ (١) .

  30. وأمَّا الصُّبْحُ، فكان أبو بكرٍ الصدِّيقُ، وعمرُ الفاروقُ، يُغَلِّسَانِ بها (٢) . فأينَ المَذْهَبُ عنهما؟ وبذلك كتَبَ عمرُ إلى عُمَّالِه: أن صلُّوا الصَّبْحَ والنُّجومُ بادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ (٣) .

  31. وعلى تَفْضِيلِ أوائلِ الأوْقاتِ جمهورُ العُلماءِ، وأكْثَرُ أئِمَّةِ الفَتْوَى. وسيَأْتي شيءٌ مِن هذا المَعْنَى في البابِ الذي بعدَ هذا إنْ شاءَ اللهُ تعالى، وبالله التوفيقُ (٤) .

  32. حديث سابعٌ وعشرونَ لزيد بن أسلم مُرسل

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ شدَّةَ الحَرِّ من فَيْحِ جَهَنَّمْ، فإذا اشتَدَّ الحَرُّ فأبرِدُوا عن الصَّلاةِ" . وقال: "اشتكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، فقالت: ياربِّ، أكلَ بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنفَسينِ في كلِّ عام: نفَسٍ في الشتاءِ، ونفَسٍ في الصَّيْفِ" .

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يتصِلُ من وُجوهٍ كثيرةٍ ثابتةٍ؛ منها حديثُ مالكٍ (٢) ، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ مولى الأسودِ بنِ سفيانَ، عن أبي سلمةَ بنِ عبد الرحمنِ ومحمدِ بنِ عبد الرحمن بنِ ثَوْبانَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. ورواه (٣) أيضًا (٤) عن أبي الزِّنادِ (٥) ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. إلا أنَّه ليس في حديثه عن أبي الزِّنادِ قولُه: "اشتكَتِ النَّارُ" إلى آخرِ الحديثِ؛ رواه عن أبي هريرةَ جماعةٌ،

    ج ٣ ص ٤٢٨منهم: هَمَّامُ بن مُنبِّهِ (١) ، وأبو صالحٍ السَّمَّانُ (٢) ، والأعرجُ (٣) ، وأبو سلمةَ، وسعيدُ بنُ المُسيِّبِ (٤) ، وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ (٥) ، وغيرُهم (٦) .

    ج ٣ ص ٤٢٧
  33. وقد رواه عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- جماعة من الصحابةِ؛ منهم: أبو ذرٍّ (٧) ، وأبو موسى الأشعريِّ (٨) ، وهو حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ، فلا معنى لذكرِ الأسانيدِ فيه، إذ هو عندَ مالكٍ مُتَّصلٌ كما ذكَرنا، ومشهورٌ في المسانيدِ والمُصنفاتِ كما وصَفنا.

  34. وفيه دليل على أنَّ الظُّهرَ يُعجَّلُ بها في غير الحرِّ (١) ، ويُبرَدُ بها في الحرِّ.

    ج ٣ ص ٤٢٩
  35. ومعنى الإبرادِ: التأخيرُ حتى تزولَ شمسُ (٢) الهاجرةِ. وهذا معنًى اختلَف الفقهاءُ فيه:

    فأمَّا مذهبُ مالكٍ في ذلك، فذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، وأبو الفرج عَمْرُو بنُ محمدٍ: أنَّ مذهبَه في الظُّهرِ وحدَها أن يُبرَدَ بها، وتُؤخَّرَ في شدَّةِ الحرِّ، وسائرُ الصلواتِ تُصلَّى في أوائلِ أوقاتِها؛ قال أبو الفرج (٣) : اختار مالكٌ رحِمه اللهُ لجميعِ الصلواتِ أولَ أوقاتِها، إلا الظهرَ في شدَّةِ الحرِّ؛ لقولِه -صلى الله عليه وسلم-: "إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا عن الصلاةِ" .

    قال أبو عُمر: الحجةُ لهذا القولِ الحديثُ المذكورُ في هذا البابِ، مع ما قدَّمنا في البابِ الذي قبلَه من فضلِ الصَّلاةِ في أولِ وقتِها. وتقديرُ الآثارِ في ذلك، كأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: صلُّوا الصلواتِ في أوائلِ أوقاتِها، لمَن ابتغى الفضلَ، إلا الظهرَ في شدَّةِ الحرِّ، فإنَّ الإبرادَ بها أفضلُ. وهذا تقديرٌ محتملٌ، واستثناءٌ صحيحٌ إن شاء اللهُ. وقد نزعَ أبو الفرج بأن جبريلَ صلَّى بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الوقتِ المختارِ في اليوم الأولِ، وصلَّى به في اليوم الثاني، ليعُلِمَه بالسَّعةِ في الوقتِ والرخصةِ فيه.

  36. وأما ابنُ القاسم، فحكى عن مالكٍ أنَّ الظُّهرَ تُصلَّى إذا فاء الفيءُ ذراعًا في الشتاء والصيفِ، للجماعةِ والمُنفرِدِ، على ما كتَب به عمرُ إلى عُمالِه (٤) .

    وقال ابنُ عبدِ الحكم وغيرُه من أصحابِنا: إنَّ معنى ذلك مساجدُ الجماعاتِ،

    ج ٣ ص ٤٣٠وأمَّا المُنفردُ، فأولُ الوقتِ أولى به (١) . وهو الذي مال إليه أهلُ النَّظرِ من المالكيِّينَ البغداديِّين، وترَكوا روايةَ ابنِ القاسم في المُنفردِ.

    وقال الليثُ بنُ سعدٍ (٢) : تُصلَّى الصلواتُ كلُّها، الظُّهرُ والعصرُ وغيرُهما، في أولِ الوقتِ، في الشتاء والصيفِ وهو أفضلُ. وكذلك قال الشافعيُّ (٣) ، إلا أنه استثنَى فقال: إلا أن يكونَ إمامُ جماعةٍ يُنتابُ إليه (٤) من المواضع البعيدةِ، فإنَّه يُبرِدُ بالظهرِ. وقد رُوِي عنه أنَّ ذلك إنَّما يكونُ بالحجازِ حيثُ شدَّةُ الحرِّ، وكانت المدينةُ ليس فيها مسجد غيرَ مسجدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان يُنتابُ من بُعْدٍ. ومن حُجَّتِهم أنَّ عُمرَ كتَب إلى أبي موسى الأشعريِّ: أن صلِّ الظهرَ حينَ تزِيغُ الشَّمسُ. وهو حديثٌ متَّصلٌ ثابتٌ عن عُمرَ، رواه مالكٌ (٥) ، عن عمِّه أبي سهيلِ بنِ مالكٍ (٦) ، عن أبيه. وقد لقِي عُمرَ وعثمانَ. والحديثُ المذكورُ فيه عن عُمرَ إلى عمالِه: أن صلُّوا الظهرَ إذا فاء الفيءُ ذراعًا. منقطع. رواه مالكٌ (٧) ، عن نافعٍ، عن عمرَ. ونافعٌ لم يلقَ عمرَ.

    وقال العراقيون: تُصلَّى الظُّهرُ في الشتاء والصيفِ في أولِ الوقتِ، واستثنَى أصحابُ أبي حنيفةَ شدَّةَ الحرِّ، فقالوا: تُؤخَّرُ في ذلك حتى يَبرُدَ. والاختلافُ في هذا قريبٌ جدًّا (٨) .

  37. وقد احتجَّ مَن لم يرَ الإبرادَ بالظهرِ في الحرِّ بحديثِ خَبَّابِ بنِ الأرتِّ، قال: شكَونا إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- حرَّ الرمضاء فلم يُشكِنا. يقولُ: فلم يُعذِرْنا. وتأوَّل مَن رأى الإبرادَ في قولِ خَبَّابٍ هذا: فلم يُشكِنا. أي: لم يُحْوِجْنا إلى الشَّكوَى؛ لأنَّه رَخَّص لنا في الإبراد. وذكر أبو الفَرَج أنَّ أحمدَ بنَ يحيى ثَعْلبًا فسَّر قولَه: "فلم يُشكِنا" على هذا المعنَى، أي: لم يُحْوِجْنا إلى الشَّكوَى.

    ج ٣ ص ٤٣١
  38. قرَأتُ على أبي القاسم يعيشَ بنِ سعيد بن محمدٍ وأبي القاسم عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهما، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالبِ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ ثابتٍ الدهَّانُ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بنُ معاويةَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وَهْبٍ، عن خَبَّابٍ، قال: شكَونا إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- حرَّ الرمضاء فلم يُشكِنا. قال زُهيرٌ: فقلتُ لأبي إسحاقَ: في تعجيلِ الظهرِ؟ قال: نعم، في تعجيلِ الظُّهرِ (١) .

  39. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى -يعني القطَّانَ- عن سُفيانَ (٢) ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وَهْبِ، عن خَبّاب، قال: شكَونا إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- حَرَّ الرمضاء فما أشكَانا (٣) .

    قال أبو عُمر: روَى هذا الحديثَ الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بنِ

    ج ٣ ص ٤٣٢مُضرِّبٍ، عن خَبَّابٍ (١) . والقولُ عندَهم قولُ الثوريِّ وزُهيرٍ، على ما ذكَرنا عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وَهْبٍ، عن خَبَّابٍ، واللهُ أعلمُ.

  40. أخبرَنا عبدُ الله بنُ محمدٍ الجُهنيُّ، قال: أخبَرني حمزةُ بنُ محمدِ بنِ العباسِ الكِنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ النَّسويُّ، قال (٢) : أخبَرني كثيرُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حَرْبٍ، عن الزُّبيديِّ (٣) ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبَرني أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- خرَج حينَ زاغَت الشَّمسُ، فصلَّى بهم صلاةَ الظُّهر.