زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ٣٤ من ٤٠

  1. وروَى أهلُ الحديثِ هذه اللفظةَ بتركِ الهمزِ، وأصلُها الهمزُ عندَ أهلِ اللغةِ (٢) .

    قال إبراهيمُ بنُ هَرْمَةَ:

    خَوْدٌ تُعاطِيكَ بعدَ رَقدتِها ... إذا يُلاقى العيونَ مَهْدَؤُها (٣)

    ج ٣ ص ٦١٤
  2. ومنه الحديثُ: "إيَّاكم والسَّمَرَ (١) بعدَ هَدْأَةِ الرِّجلِ" (٢) .

    ج ٣ ص ٦١٥
  3. وفي فَزَع أصحابِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ انتَبهوا لِمَا فاتهم مِن صلاتِهم، أوضحُ الدلائلِ على ما كان القومُ عليه مِن الوَجلِ والإشفاقِ والخوفِ لربِّهم، وأظنُّهم، واللهُ أعلمُ، لم يكونوا عَلِموا أنَّ القلمَ مرفوع عن النائم، وأنَّ الإثمَ عنه ساقطٌ؛ لأنَّهم بُعثَ إليهم وهم لا يعلَمون شيئًا، فعرَّفَهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الإثمَ عن النائم والنَّاسي ساقطٌ، وأنَّ الصلاةَ غيرُ ساقطةٍ، وأنَّه يَلزمُه فعلُها متى ما انتبَه وذكَرها. وقد ظنَّ بعضُ الناسِ أنَّ فَزَعَهم كان لخوفِ عدوِّهم، وليس في شيءٍ من الآثارِ ما يدلُّ على ذلك، ولا يَعرفُ أهلُ السيرِ أنَّ مُنصَرَفَه مِن خيبرَ، أو مِن الحُدَيبيَةِ، كان انصرافَ خائفٍ. وفي هذا الحديثِ لمن تدبَّره، ما يُبيَّنُ به تأوِيلُنا؛ لأن فيه: ثُمَّ انصرَف رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم وقد رأى مِن فَزَعِهم، فقال: "يا أيُّها الناسُ، إنَّ اللهَ قبَض أرواحَنا" الحديثَ، فآنسَهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأخبرَهم أنَّ مَن نامَ عن الصلاةِ أو نسِيَها، قضاها إذا انتَبَه أو ذكَر. وقال لهم عندَ ذلك في حديث أبي قتادةَ: "ليس التَّفريطُ في النوم، إنَّما التفريطُ في اليقظةِ لمَن لم

    ج ٣ ص ٦١٦يُصل الصلاةَ حتى يدخُلَ وقتُ الأُخرى " (١) . وقد قام رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ كسَفَتِ الشَّمسُ إلى الصلاةِ فزِعًا يجُرُّ ثَوبَه. رواه أبو بَكْرَةَ وغيرُه (٢) . وذلك خوفٌ لربِّه، وشفقةٌ من قيام الساعةِ.

  4. وأما خروجُه -صلى الله عليه وسلم- مِن ذلك الوادي وتركُه الصلاةَ فيه، فاختلَف العلماءُ في ذلك: فذهَب أكثرُ أهلِ الحجازِ، وجماعةٌ مِن أهلِ العراقِ، إلى أنَّ العلةَ فيه ما بيَّنه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بقولِه: "إنَّ هذا وادٍ به شيطانٌ " (٣) . ألَا تَرى إلى قولِه عليه السَّلامُ: " إنَّ الشيطانَ أتى بلالًا فلم يزلْ يُهدِّئُه كما يُهدَّأُ الصبيُّ "؟ فأمرَهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالركوبِ والإسراعِ والخروجِ من ذلك الوادي؛ لأنه وادٍ به شيطانٌ، تشاؤُمًا بذلك الوادي، أو لِمَا شاءَ اللهُ ممَّا هو أعلمُ به. وقد رُويَ أنَّه قال في هذا الحديثِ: " اخرُجوا عن هذا الموضعِ الذي أصابَتكم فيه الغفلةُ". ذكَره معمَرٌ، عن الزُّهريِّ في حديثه (٤) . وَيحتمِلُ أنْ يكونَ مِن بابِ نهيِه عن الصلاةِ في مَعاطنِ الإبلِ، وقولِه:

    ج ٣ ص ٦١٧"إنّها خُلِقَتْ مِن جنٍّ" (١) ، واللهُ أعلمُ. ومِن هذا قولُ عليٍّ: نهاني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ أُصلّيَ بأرضِ بابِلَ، فإنَّها ملعونة " (٢) .

  5. ومِن هذا البابِ أيضًا كراهيتُهم للصلاةِ في موضعِ الخَسْفِ؛ لقولِه -صلى الله عليه وسلم- حينَ مرَّ بالحِجْرِ مِن ثمودَ: "لا تدخُلوا على هؤلاءِ المُعذَّبين إلَّا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكينَ فلا تَدخُلوا عليهم، لا يُصِيبُكم ما أصابَهم " (٣) . وقد رُويَ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لمّا أتى وادِيَ ثمودَ أمَر الناسَ فأسرَعوا، وقال: " هذا وادٍ

    ج ٣ ص ٦١٨ملعونٌ" (١) . ورُوِي عنه أنَّه أمَر بالعَجينِ فطُرِح (٢) . فهذا كلُّه بابٌ واحدٌ لا تُدرَى عِلَّتُه حقيقةً، فوجَب أنْ يكونَ خُصوصًا مردودًا إلى الأُصولِ المُجتمَع عليها، والدلائلِ الصحيحِ مجِيئُها. وبالله تعالى التوفيقُ.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: العلةُ في خروجِه مِن ذلك الوادي: أنَّه انتبه والشمسُ طالعةٌ، وذلك وقتٌ مِن سُنَّتِه ألا تجوزَ الصلاةُ فيه، لا نافلةٌ ولا فريضةٌ عندَهم؛ لنهي رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاةِ عندَ طلوعِ الشمسِ وعندَ غروبِها، وذلك عندَهم على الفرضِ والنفلِ، على حَسَبِ نهيه عن صيام يوم الفِطرِ والأضحَى،

    ج ٣ ص ٦١٩فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ يصومَ فيه فرضًا ولا نفلًا (١) . واحتجُّوا بأشياءَ يطولُ ذكرُها؛ منها حديثُ مالكٍ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، أنَّه قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "إذا بدا حاجبُ الشمسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تَبرُزَ، وإذا غاب حاجبُ الشمسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تَغيبَ" (٢) . قالوا: وهذا على الفريضةِ وغيرِها، وقد ذكَرْنا قولَهم هذا، وذكَرنا الحُجَّةَ عليهم فيما ذهَبوا إليه مِن ذلك فيما تقدَّمَ مِن كتابِنا هذا.

  6. وقد رُوِّينا عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه لم ينتَبِهْ ذلك اليومَ إلَّا والشمسُ لها حرارةٌ، ولا يكونُ للشمس حرارةٌ، إلَّا وقد ارتَفَعَتْ، وجازَتِ الصلاةُ عندَ الجميعِ، فبطَل تأويلُهم هذا إن شاء اللهُ. وسنذكُرُ هذا الخبرَ وغيرَه مِن شكلِه في هذا البابِ بعونِ الله.

  7. وتأوَّلوا في قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "مَن نام عن الصلاةِ أو نَسِيَها، فليُصلِّها إذا ذكَرها" :

    أنَّ ذلك إعلامٌ منه بأنَّها غيرُ ساقطةٍ عن النائم والناسي، لا أنَّها تُصلَّى في وقتِ الطلوع والغروب. والحجةُ عليهم فيما ذهَبوا إليه مِن هذا التأويلِ قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أدرَك ركعةً مِن الصبح قبلَ أنْ تطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك الصبحَ، ومَن أدرَك ركعةً مِن العصرِ قبلَ أنْ تغرُبَ الشمسُ فقد أدرَك العصرَ" (٣) . ومعلومٌ أنَّ ظاهِرَ هذا الحديثِ يُبيحُ الصلاةَ المفروضةَ عندَ طُلوع الشمسِ وعندَ غروبِها، وهذا نصٌ يقطعُ الارتيابَ في هذا الباب، وقد تقدَّم مِن قولِنا فيه ما يُغْني عن إعادتِه هاهنا (٤) . وجاء عن عطاءِ بنِ أبي رباح، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى في موضعِه ذلك ركعتَي الفجرِ.

  8. ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، قال: أخبَرني ابنُ جُريج، عن عطاءٍ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بينما هو في بعضِ أسفارِه، فساروا ليلتَهم، حتى إذا كانوا في آخِرِ الليلِ نزَلوا للتَّعريسِ، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَن يُوقِظُنا للصُّبح؟ " . فقال بلالٌ: أنا. فتَوسَّد بلالٌ ذراعَه (٢) ، فلم يستيقِظُوا حتى طَلَعتِ الشمسُ، فقامَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فتوضَّأ ورَكَع ركعتَينِ في مُعَرَّسِه، ثم سارَ ساعةً، ثم صلَّى الصُّبحَ. قال ابنُ جُريجٍ: فقلتُ لعطاءٍ: أيُّ سَفر هو؟ قال: لا أدرِي.

    قال أبو عُمر: في قولِ عطاءٍ هذا ما يدُلُّ على أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يُؤخِّرْ صلاةَ الصُّبح يومَئذٍ، ولم يَخرُجْ مِن ذلك الوادي لِمَا زعَم العراقِيُّون مِن أنَّه انتبَه في وقتٍ لا تجوزُ فيه الصلاةُ، ألا ترَى أنَّه صلَّى ركعتي الفَجرِ ثم مشَى ساعَةً، ولا خِلافَ أنَّ الوقتَ الذي تجوزُ فيه النافلةُ، فالفريضةُ أحرَى أنْ تجوزَ فيه. واختلَف القائلونَ بالقولِ الأولِ:

    فقال منهم قائلون: مَن نام عن الصلاةِ في سفره، ثم انتبَه، لَزمِه الزَّوالُ عن ذلك الموضع، وإنْ كان واديًا خرَج عنه؛ لقولِه -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الشيطانَ أتى بلالًا" ، وقولِه: "اركَبوا واخرُجوا مِن هذا الوادي، فإنَّه وادٍ به شيطانٌ" . قالوا: فكلُّ موضع يُصيبُ المسافرين أو غيرَهم فيه مثلُ ما أصاب أصحابَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- معه عليه السلامُ في ذلك الموضعِ؛ مِن النوم عن الصلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها، فواجبٌ الخروجُ عنه، وإقامةُ الصلاةِ في غيرِه؛ لأَنَّه موضعُ شيطانٍ، وموضعٌ ملعونٌ. ونزَعوا بنحوِ ما قدَّمنا ذكرَه مِن العِلَلِ.

    وقال منهم آخرون: أمَّا ذلك الوادي وحدَه، إنْ عُلِم وعَرَض فيه مثلُ ذلك العارضِ، فواجبٌ الخروجُ منه، على ما صنَع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يومَئذٍ، وأمَّا

    ج ٣ ص ٦٢١سائرُ المواضع فلا، وذلك الموضعُ وحدَه مخصوصٌ بذلك؛ لأنَّ اللّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: ١٤] . وقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن نامَ عن صلاةٍ أو نَسِيَها، فليُصلِّها إذا ذكَرها" (١) ، وهذا على عُمومِه، لم يَخُصَّ موضعًا مِن موضع، إلَّا ما جاءَ في ذلك الوادي خاصَّةً.

    وقال آخرون: كلُّ مَن انتبَه إلى صلاةٍ مِن نوم، أو ذكَر بعدَ نسيانٍ، فواجبٌ عليه أنْ يُقيمَ صلاتَه بأعجلِ ما يُمكنِهُ، ويُصلِّيَها كما أُمِر في كلِّ موضع؛ واديًا كان أو غيرَ وادٍ، إذا كان الموضعُ طاهرًا، وسواءٌ ذلك الوادي وغيرُه؛ لأنَّ ذلك كان خصوصًا له -صلى الله عليه وسلم-، وكان (٢) يَعلمُ من حُضورِ الشيطانِ في الموضع ما لا يَعْلَمُ غيرُه، وقد جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "جُعِلت ليَ الأرضُ كلُّها مسجدًا وطهورًا" (٣) . ولم يَخُصَّ ذلك الواديَ من غيرِه.

    ج ٣ ص ٦٢٠
  9. حدَّثنا الحسينُ بنُ يعقوبَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ فحلُونَ، قال: حدَّثنا يوسفُ بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الملكِ بنُ حبيبٍ، قال: سمِعتُ مُطرِّفًا وابنَ الماجِشُون يقولان: لا يلزَمُ النالسَ أنْ يقتادوا شيئًا إذا استيقَظوا في أسفارِهم وقد طلَعتِ الشمسُ؛ لأنَّهم لا يعلَمون مِن ذلك ما عَلِم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. قالا: ومَن ابتُليَ بمثلِ ذلك في ذلك الوادي أو غيرِه، صلَّى فيه ولم يَخرُجْ منه.

    قال أبو عُمر: القولُ المختارُ عندَنا في هذا البابِ أنَّ ذلك الواديَ وغيرَه مِن بقاعِ الأرضِ جائزٌ أنْ يُصلَّى فيها كلِّها، ما لم تكنْ فيها نجاسةٌ مُتَيقَّنةٌ تمنَعُ مِن ذلك، ولا معنى لاعتلالِ مَن اعتلَّ بأنَّ موضعَ النَّوم عن الصلاةِ موضعُ شيطانٍ وموضعٌ ملعونٌ لا يجبُ أنْ تُقامَ فيه الصلاةُ؛ لأنَّا لا نعرفُ الموضحَ الذي يَنفكُّ عن الشياطينِ، ولا الموضعَ الذي تحضُرُه الشياطينُ.

  10. وكلُّ ما رُوِي في هذا المعنى؛ مِن النهي عن الصلاةِ في المقبر، وبأرضِ بابلَ، وفي الحمّامِ، وفي أعطانِ الإبلِ (١) ، والخروجِ مِن ذلك الوادِي، وغيرِ ذلك ممَّا في هذا المعنى ممَّا قد تقدَّم ذِكرُنا له، كلّ ذلك عندنا منسوخٌ ومدفوعٌ بعموم قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "جُعِلتْ ليَ الأرضُ كلُّها مسجدًا وطهورًا" . وقولُه هذا -صلى الله عليه وسلم- مُخبِرٌ أنَّ ذلك مِن فضائلِه وممَّا خُصَّ به، وفضائلُه عندَ أهلِ العلم لا يجوزُ عليها النسخُ ولا التبديلُ ولا النقصُ، قال -صلى الله عليه وسلم-: "أُوتيتُ خمسًا" . وقد رُوي: "ستّ" . وقد رُوي: "ثلاثٌ" . و: "أربعٌ" . وهي تَنتَهي إلى أزيدَ مِن سبع، قال فيهنَّ: "لم يُؤتَهنَّ أحدٌ قبلي؛ بُعِثتُ إلى الأحمرِ والأسودِ، ونُصِرتُ بالرعبِ مسيرةَ شهرٍ، وجُعِلتْ أمتي خيرَ الأمم، وأُحِلَّتْ ليَ الغنائمُ ولم تُحَلَّ لأحدٍ قَبلي، وجُعِلتْ ليَ الأرضُ كلُّها مسجدًا وطَهورًا، وأُوتيتُ الشفاعةَ، وبُعِثتُ بجوامعِ الكلم" (٢) ، "وبينما أنا نائمٌ أُوتيتُ بمفاتيحِ كُنوزِ الأرضِ فوُضِعتْ بينَ يَدَيَّ" (٣) ، "وأُعطيتُ الكَوثرَ، وهو خيرٌ كثيرٌ وَعَدَنِيه ربِّي، وهو حوضٌ ترِدُ عليه أُمَّتي يومَ القيامةِ، آنِيَتُه عددُ النُّجوم، مَن شَرِب منه لم يَظمأْ أبدًا" (٤) ، "وخُتِم بِيَ النبيُّون" (٥) . وهذه

    ج ٣ ص ٦٢٣المعاني رواها جماعةٌ مِن الصحابةِ، وبعضُهم يذكُرُ بعضَها، ويذكُرُ بعضُهم ما لم يذكُرْ غيرُه، وهي صحاحٌ كلُّها، وإنْ لم تَجتمِعْ بإسنادٍ واحدٍ، فهي في أسانِيدَ صحيحَةٍ ثابتةٍ، وجائزٌ على فضائِلِه الزيادةُ، وغيرُ جائزٍ فيها النقصانُ (١) ، ألا ترَى أنَّه كان عبدًا قبلَ أنْ يكونَ نبيًّا، ثم كان نبيًّا قبلَ أنْ يكونَ رسولًا! وكذلك (٢) رُوِي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "كنتُ عبدًا قبلَ أنْ أكونَ نبيًّا، ونبيًّا قبلَ أنْ أكونَ رسولًا" (٣) . وقال: "ما أدرِي ما يُفعلُ بي ولا بكم" . ثم نزَلت: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (٤) [الفتح: ٢] . وسَمِع رجلًا يقولُ له: يا خيرَ البَريَّةِ. فقال: "ذلك إبراهيمُ" (٥) . وقال: "لا يقولَنَّ أحدُكم: إني خيرٌ مِن يونسَ بنِ متَّى" (٦) .

    ج ٣ ص ٦٢٤وقال: "السيدُ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ" (١) . ثم قال بعدَ ذلك كلِّه: "أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ" (٢) . ففضائلُه -صلى الله عليه وسلم- لم تَزَلْ تزدادُ إلى أنْ قبَضه اللهُ. فمِنْ هاهُنا قُلنا: إنَّه لا يجوزُ عليها النسخُ، ولا الاستثناءُ، ولا النقصانُ، وجائزٌ فيها الزيادةُ.

    ج ٣ ص ٦٢٢
  11. وبقولِه -صلى الله عليه وسلم-: "جُعلَتْ ليَ الأرضُ كلُّها مسجدًا وطهورًا" أجَزنا الصلاةَ في المقبُرةِ والحمَّام وفي كلِّ موضع مِن الأرضِ إذا كان طاهرًا مِن الأنجاس؛ لأنَّه عمومُ فضيلةٍ لا يجوزُ عليها الخصوصُ. ولو صحَّ عنه عليه السلامُ أنَّه قال: "الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلَّا المقبرةَ والحمَّام" (٣) ، فكيف وفي إسنادِ هذا الخبرِ مِن الضعفِ ما يمنعُ الاحتجاجَ به؟ فلو صحَّ لكان معناه أنْ يكونَ مُتقدِّمًا لقولِه: "جُعلتْ ليَ الأرضُ كلُّها مسجدًا وطهورًا" ، ويكونَ هذا القولُ مُتأخِّرًا عنه، فيكونَ زيادةً فيما فضَّله اللهُ به عليه.

  12. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن أبي مالكٍ الأشجعيِّ، عن رِبْعيِّ بنِ حِراشٍ، عن حذيفةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فُضِّلنا على الناسِ بثلاثٍ:

    ج ٣ ص ٦٢٥جُعلتِ الأرضُ كلُّها لنا مسجدًا، وجُعلتْ تُربَتُها طهورًا " (١) ، وذكَر الحديثَ.

  13. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ قراءةً عليه وأنا أسمعُ، أنَّ سعيدَ بنَ عثمانَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا سيَّارٌ، هو أبو الحكمِ، قال: حدَّثنا يزيدُ الفقيرُ، قال: حدَّثنا جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهُنَّ أحدٌ من الأنبياءِ قبلي؛ نُصرتُ بالرعبِ مسيرةَ شهر، وجُعلتْ ليَ الأرضُ طهورًا ومسجدًا، فأيُّما رجل مِن أمَّتي أدركَته الصلاةُ فليُصلِّ، وأُحلَّت ليَ الغنائمُ، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومِه خاصةً، وبُعثتُ إلى الناسِ كافةً، وأُعطيتُ الشفاعةَ " (٢) .

  14. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: جُعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا" (٣) .

    ج ٣ ص ٦٢٦قال: وحدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا سليمانُ التَّيميُّ، عن سيَّارٍ، عن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فُضِّلتُ بأربع؛ جُعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا" . وذكَر الحديثَ (١) .

  15. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، سمِع أباه، سمِع أبا ذرٍّ قال: قال لي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "حيثُما أدرَكَتكَ الصلاةُ فصلِّ؛ فإنَّ الأرضَ كلَّها مسجدٌ" . مختصرًا.

  16. وعن الأعمشِ أيضًا، عن مجاهدٍ، عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَه (٣) .

  17. ورُويَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "جُعِلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا" .

  18. في تعديدِ فضائِله -صلى الله عليه وسلم- مِن وجوهٍ كثيرةٍ؛ من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (١) ، وابنِ عباسٍ (٢) ، وجابرٍ، وأبي هريرةَ (٣) ، وأبي موسى (٤) ، وحذيفة (٥) . وهي آثار كلُّها صحاحٌ ثابتةٌ، كرِهتُ ذكرَها بأسانيدِها خشيةَ الإطالةِ. وقد ذكَرها كلَّها أو أكثرَها أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، في أولِ كتابِ الفَضائِل مِن "مُصنَّفِه" (٦) .

    ج ٣ ص ٦٢٧
  19. وأمَّا حديثُ المقبرة، فرواه ابنُ وهبٍ، عن ابنِ لَهِيعةَ ويحيى بنِ أزهَرَ؛

  20. فمرةً قال: عن عَمارِ بنِ سعدٍ المُراديِّ، عن أبي صالحٍ الغِفاريِّ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ (١) .

    ج ٣ ص ٦٢٨
  21. ومرةً قال: عن ابنِ لَهيعَةَ ويحيى بنِ أَزهرَ، عن الحجَّاج بنِ شدَّادٍ، عن أبي صالح الغفاريِّ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، قال: نهاني حِبِّي -صلى الله عليه وسلم- أنْ أُصلِّيَ في المقبرةِ، ونهاني أنْ أُصلِّيَ في أرضِ بابلَ؛ فإنَّها ملعونةٌ (٢) . وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، مجتمَعٌ على ضعفِه، وهو مع هذا منقطعٌ غيرُ مُتَّصلٍ بعليٍّ رضِي اللهُ عنه. وعمَّارٌ، والحجَّاجُ، ويحيى، مجهولون لا يُعرفون بغيرِ هذا، وابنُ لَهيعَةَ ضعيفٌ. وأبو (٣) صالحٍ هذا هو سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الغِفاريُّ، مصريُّ، ليس بمشهورٍ أيضًا، ولا يَصحُّ له سماعٌ مِن عليٍّ.

  22. وفي هذا الباب عن عليٍّ مِن قولِه غيرَ مرفوع، حديثٌ حسنُ الإسنادِ، رواه أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بنُ أبي الحُرِّ الكِندِيُّ، قال: حدَّثني أبو العَنبَسِ حُجْرُ بنُ عَنْبَسٍ، قال: خرَجنا مع عليٍّ إلى الحَرُورِّيةِ، فلما جاوَزنا سُورًا وقَع بأرضِ بابلَ، قُلنا: يا أميرَ المؤمنين، أمسيتَ، الصلاةَ الصلاةَ. فأبى أنْ يُكلِّمَ أحدًا، قالُوا: يا أميرَ المُؤمنينَ، أليسَ قد أمسيتَ؟ قال: بلى، ولكنِّي لا أُصلِّي في أرضٍ خَسَف اللهُ بها (٤) . والمُغيرةُ بنُ أبي الحُرِّ كوفيٌّ

    ج ٣ ص ٦٢٩ثقةٌ، قاله ابنُ معينٍ وغيرُه (١) ، وحُجرُ بنُ عنبسٍ مِن كبارِ أصحابِ عليٍّ رضِيَ اللهُ عنه (٢) .

  23. وفي النهي عن الصلاةِ في المقبر حديثٌ آخرُ أيضًا، رَواه عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن عمرِو بنِ يحيى المازِنيِّ، عن أبيه، عن أبى سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الأرضُ كلُّها مسجد إلَّا المقبُرةَ والحمّامَ" (٣) . وهذا الحديثُ رواه ابنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ يحيى، عن أبيه مُرْسلًا (٤) ، فسقَط الاحتجاجُ به عندَ مَن لا يرَى المرسلَ حُجَّةً، ولو ثبَت كان الوجهُ فيه ما ذكَرنا. ولسنا نقولُ كما قال بعضُ المنتحِلينَ لمذهبِ المدنيِّينَ: إنَّ المقبرةَ المذكورةَ في هذا الحديثِ وغيرِه أُريدَ بها مقبرةُ المشركينَ خاصةً. وهذا قولٌ لا دليلَ عليه مِن كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا

    ج ٣ ص ٦٣٠خبرٍ صحيحٍ، ولا له مدخلٌ في القياس ولا في المعقول، ولا دلَّ عليه فحوى الخطابِ، ولا خرَج عليه الخبرُ.

  24. واحتجَّ قائلُ هذا القولِ بما رواه ابنُ وهبٍ، قال (١) : أخبَرني يحيى بنُ أيُّوبَ، عن زيدِ بنِ جَبيرَةَ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يُصلَّى في سبعِ مواطنَ: في المزبلةِ، والمَجْزرةِ، والمَقْبرةِ، ومَحَجَّةِ الطريقِ، والحمَّامِ، ومَعاطنِ الإبلِ، وفوقَ بيتِ الله عزَّ وجلَّ" . وهذا حديثٌ انفرَد به زيدُ بنُ جَبيرَةَ، وأنكَروه عليه، ولا يُعرفُ هذا الحديثُ مُسندًا إلَّا مِن روايةِ يحيى بنِ أيُّوبَ، عن زيدِ بنِ جَبيرةَ، وقد كتَب اللَّيثُ بنُ سعدٍ إلى عبدِ الله بنِ نافع مولى ابن عمرَ يسألُه عن هذا الحديثِ، فكتَب إليه عبدُ الله بنُ نافع: لا أعلمُ مَن حدَّث بهذا عن نافع إلَّا قد قال عليه الباطلَ. ذكَره الحُلوانيُّ (٢) ، عن سعيدِ بنِ أبي مريمَ، عن اللَّيثِ. فصحَّ بهذا وشِبهِه أنَّ الحديثَ منكر لا يجوزُ أنْ يُحتجَّ عندَ أهلِ العلم بمثلِه، على أنَّه ليس فيه تخصيصُ مَقبَرَةِ المُشرِكِينَ مِن غيرِها.

  25. وأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ففيه مِن العلَّةِ ما وصَفنا، وليس فيه إلَّا المقبرةَ والحمَّامَ، بالألفِ واللَّام، فغيرُ جائزٍ أنْ يُردَّ ذلك إلى مقبرةٍ دونَ مقبرةٍ، أو حمَّام دونَ حمَّام، بغيرِ توقيفٍ عليه. ولا يخلو تخصيصُ مَن خصَّص مقبرةَ المشركين مِن أحدِ وجهينِ:

    إمَّا أنْ يكونَ مِن أجلِ اختلافِ الكفارِ إليها بأقدامِهم، فلا معنى لخصوصِ المقبر بالذكرِ؛ لأنَّ كلَّ موضع هم فيه بأجسامِهم وأقدامِهم فهو كذلك، وقد

    ج ٣ ص ٦٣١جلَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يتكلَّمَ بما لا معنى له، أو يكونَ مِن أجلِ أنَّها بقعةُ سُخطٍ، فلو كان كذلك ما كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لِيَبنيَ مسجدَه في مقبرة المشركينَ، ويَنبُشَها ويُسوِّيَها ويَبنِيَ عليها، وقد أجازَ العلماءُ الصلاةَ في الكنيسةِ إذا بُسطَ فيها ثوبٌ طاهرٌ، ومعلومٌ أنَّ الكنيسةَ أقربُ إلى أنْ تكونَ بُقْعةَ سُخْطٍ مِن المقبرة، لأنَّها بقعة يُعصَى اللهُ ويُكفرُ به فيها، وليس كذلك المقبرةُ؛ وقد ورَدتِ السُّنةُ بإباحةِ اتِّخاذِ البِيَع والكنائسِ مساجدَ.

  26. ذكرَ البخاريُّ (١) أنَّ ابنَ عباسٍ كانَ يُصلِّي في البِيعَةِ إذا لم يكُنْ فيها تماثيلُ. ذكَر عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن الثوريِّ، عن خُصيفٍ، عن مِقسمٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان يَكرَهُ أنْ يُصلِّيَ في الكنيسةِ إذا كان فيها تماثيلُ.

  27. وروَى أيُّوب وعُبيدُ الله بنُ عمرَ وغيرُهما، عن نافع، عن أسلمَ مولى عمرَ: أنَّ عمرَ لمَّا قدِم الشامَ، صنَع له رجلٌ مِن عظماء النصارى طعامًا ودَعاه، فقال عمرُ: إنَّا لا ندخُلُ كنائسَكم ولا نُصلِّي فيها مِن أجْلِ ما فيها مِن الصوَرِ والتماثيلِ (٣) .

  28. فلم يَكرَهْ عمرُ ولا ابنُ عباسٍ ذلك إلَّا مِن أجلِ ما فيها مِن التماثيل.

  29. وحكَى عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن منصورِ، عن إبراهيمَ. وعن الثوريِّ، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، قالا: لا بأسَ بالصلاةِ في البِيعَةِ (٤) . وأمَّا جُثَثُ الموتى، فقد اختلَف فيها العلماءُ؛ فمنهم مَن جعَلها كلَّها سواءً، ويتحفَّظُ عندَ غَسلِ الميِّتِ مِن أنْ يَطيرَ إليه شيءٌ مِن الماء.

  30. ومنهم مَن حمَل قولَ ابنِ مسعودٍ: لا تَنْجُسوا مِن موتاكم (١) : على أنَّ جُثثَ المؤمنين خاصَّةً طاهرةٌ، وليس هذا موضعَ القولِ في هذه المسألةِ.

    ج ٣ ص ٦٣٢
  31. وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا رجاءُ بنُ المُرجَّى، قال: حدَّثنا أبو همَّامٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السائبِ، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عياضٍ، عن عثمانَ بنِ أبى العاص: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَره أنْ يجعَلَ مسجدَ الطائفِ حيثُ كانت طواغيتُهم.

  32. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٣) : حدَّثنا مُلازمُ بنُ عمرٍو، عن عبدِ الله بنِ بدرٍ، عن قيسِ بنِ طلقٍ، عن أبيه طلقِ بنِ عليٍّ. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٤) : حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّريِّ، عن مُلازم بنِ عمرٍو، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ بدرٍ، عن قيسِ بنِ طَلقٍ، عن أبيه طَلقِ بنِ عليٍّ -والمعنى واحدٌ، وحديثُ هنَّادٍ أتمُّ- قال: خرَجنا وفدًا إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فبايَعْناه وصلَّينا معه،

    ج ٣ ص ٦٣٣وأخبَرناه أنَّ بأرضِنا بِيعةً لنا. فذكَر الحديثَ، وفيه: "فإذا أتيتُم أرضَكم، فاكسِروا بِيَعَتَكم، واتَّخِذوها مَسجدًا" . مختصرًا.

  33. وأجمعَ العلماءُ على أنَّ التيمُّمَ على مقبر المشركين إذا كان الموضعُ طيِّبًا طاهرًا نظيفًا، جائزٌ. وكذلك أجمَعوا على أنَّ مَن صلَّى في كنيسةٍ أو بِيعةٍ في موضع طاهر، أنَّ صلاتَه ماضيةٌ جائزةٌ. وقد كَرِه جماعةٌ مِن الفقهاء الصلاةَ في المقبرة، سواءٌ كانت لمسلمين أو مشركين؛ للأحاديثِ المعلولةِ التي ذكَرنا، ولحديثِ أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلُّوا في بيوتِكم ولا تتَّخذُوها قبورًا" (١) . ولحديثِ واثِلَةَ بنِ الأسقع، عن أبى مَرثدٍ الغَنَويِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "لا تُصلُّوا إلى القبورِ، ولا تَجلِسوا عليها" (٢) . وهذان حديثان ثابتان مِن جهةِ الإسنادِ، ولا حُجَّةَ فيهما؛ لأنَّهما محُتَمِلانِ للتأويلِ، ولا يجوزُ أنْ يُمتنَعَ مِن الصلاةِ في كلِّ موضع طاهرٍ إلَّا بدليلٍ لا يَحتمِلُ تأويلًا. ومِمَّن كَرِه الصلاةَ في المقبرةِ؛ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُهم. وقال الثّوريُّ: إنْ صلَّى في المقبرةِ لم يُعِدْ. وقال الشافعيُّ: إنْ صلَّى أحدٌ في المقبر، في موضع ليس فيه نجاسةٌ، أجزأه. ولم يُفرِّقْ أحدٌ مِن فقهاء المسلمين بينَ مقبُرةِ المسلمينَ والمشركينَ، إلَّا ما حَكَينا مِن خَطَلِ القولِ الذي لا يُشتَغلُ بمثلِه، ولا وجهَ له في نظرٍ، ولا في صحيحِ

    ج ٣ ص ٦٣٤أثرٍ؛ لأنَّ مَن كرِه الصلاةَ في المقبرةِ، كَرِهها في كلِّ مقبرةٍ على ظاهرِ الحديثِ وعُمومِه، ومَن أباحَ الصلاةَ فيها، دَفَع ذلك بما ذكَرْنا مِن التأويلِ والاعتلالِ. وقد بنَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مسجدَه في مقبرة المشركين.

  34. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ (١) . وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢) ، قالا جميعًا: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، عن أبي التَّيَّاحِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ -المعنَى واحدٌ، واللفظُ مُتقاربٌ- قال: قدِم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ، فنزَل أعلَى المدينةِ، في حيٍّ يُقالُ لهم: بنو عمرِو بنِ عوفٍ، فأقام فيها أربعَ عشْرةَ ليلةً، ئم أرسل إلى بني النَّجَّارِ، فجاؤوا مُتقلِّدينَ بسُيوفِهم (٣) . قال أنسٌ: فكأنِّي أنظُرُ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- على راحِلتِه، وأبو بكرٍ رِدفَه، ومَلأُ بني النجَّارِ حولَه، حتى ألقَى بفِناء أبي أيُّوبَ (٤) ، وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي حيثُ أدرَكَته الصلاةُ، ويُصلِّي في مَرابضِ الغنمِ، وأنَّه أمَر ببناء المسجدِ، فأرسَل إلى بني النَّجَّارِ، فقال: "يا بني النجَّارِ، ثامِنُوني (٥) بحائطِكم هذا" . فقالوا: والله لا نطلُبُ ثمنَه إلَّا إلى الله عزَّ وجلَّ. قال أنسٌ: فكان فيه ما أقولُ لكم؛ كانت فيه قبورُ المشركين، وخِرَبٌ، ونخلٌ، فأمَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بقبورِ المُشرِكينَ فنُبشَتْ، وبالنخلِ فقُطِع، وبالخِرَبِ فسُوِّيت، فصَفُّوا النَّخلَ قِبلَةَ المَسجِدِ، وجعَلوا

    ج ٣ ص ٦٣٥عِضادَتَيه حجارةً، وجعَلوا يَنقُلون الصَّخرَ (١) وَيرتَجزون، والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- معهم ويقولون:

    اللَّهُمَّ لا خيرَ إلَّا خيرُ الآخِرَهْ ... فاغفِرْ للأنصارِ والمُهاجِرَهْ

    وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمَةَ، عن أبي التَّيَّاح (٣) ، عن أنسِ بن مالكٍ.

  35. وذكَره أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال (٤) : حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمَةَ، عن أبي التَّيَّاح، عن أسىٍ، قال: "كان موضعُ مسجدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- حائطًا لبني النَّجَّارِ، فيه خِرَب، ونخل، وقبورُ المشركين، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " ثامنُوني". فقالوا: لا نَلتمِسُ به ثمنًا إلَّا عندَ الله. فأمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالنخلِ فقُطِع، وبالخِرَبِ فسُوِّيَ، وبقبورِ المشركين فنُبِشَتْ، قال: وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي حيثُ أدركَتْه الصلاةُ، وفي مرابضِ الغنم.

  36. فهذا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قد بنَى مسجدَه في موضعِ مقبرةِ المشرِكينَ، ولو جاز أنْ يَخُصَّ مِن المقابرِ مقبرةً، لكانت مقبرةُ المشركين أوْلَى بالخصوصِ والاستثناء مِن أجلِ هذا الحديثِ، وكلُّ مَن كَرِه الصلاةَ في المقبر لم يخُصَّ مقبرةً من مقبرةٍ؛ لأنَّ الألِفَ واللَّامَ في المقبر والحَمَّام إشارةٌ إلى الجنسِ، لا إلى المعهودِ، ولو كان بينَ مقبرة المسلمين والكفّارِ فَرق، لبَيَّنَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يُهمِلْه؛ لأنَّه

    ج ٣ ص ٦٣٦بُعِث مُبيِّنًا لمُرادِ الله مِن عبادِه، والقومُ عربٌ لا يعرِفون مِن الخطابِ إلَّا استعمالَ عمومِه، ما لم يكُنِ الخصوصُ والاستثناءُ يصحَبُه، فلو أراد مقبرةً دونَ مقبرةٍ، لوَصَفها ونَعَتها، ولم يُحِلْ على لفظِ المقبر جُملةً؛ لأنَّ كلَّ ما وقَع عليه اسمُ مقبر يدخُلُ تحتَ قولِه: "المقبرةَ" . هذا هو المعروفُ من حقيقةِ الخطابِ، وبالله التوفيقُ. ولو ساغَ لجاهلٍ أنْ يقولَ: مقبرةُ كذا، لجازَ لآخرَ أنْ يقولَ: حمَّامُ كذا؛ لأنَّ في الحديثِ: "إلَّا المقبرةَ والحمَّامَ" . وكذلك قولُه: "المزبلةَ، والمجزرةَ، ومحجَّةَ الطريقِ" . غيرُ جائزٍ أن يُقالَ: مزبلةُ كذا، ولا مَجْزرةُ كذا، ولا طريقُ كذا؛ لأنَّ التَّحكُّمَ في دينِ الله غيرُ سائغ، والحمدُ لله.

  37. حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ بَحْرٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ بنِ نصرٍ النَّرْسِيُّ، قال: حدَّثنا وُهَيْبُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن القاسم بنِ مُخَيمِرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- نهَى أنْ يُصلَّى على القبرِ، أو يُقعَدَ عليه، أو يُبنَى عليه (١) . قال موسى بنُ هارونَ: قولُه: "أنْ يُصلَّى على القبرِ" وَهَمٌ، وإنَّما هو أن يُصلَّى إلى القبرِ.

  38. وفي حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ هذا: ثم أمَرَهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَنزِلوا ويتَوضَّئُوا، وأمَر بلالًا أن يُؤذِّنَ أو يُقيمَ. هكذا رواه يحيى على الشَّكِّ، وتابعَه قومٌ، واختلَفَتِ الآثارُ في ذلك، على ما نذكُرُه في هذا البابِ إن شاء اللهُ، وأكثرُها فيه: أنَّه أذَّنَ وأقام، وكذلك في أكثرِها: أنَّه صلَّى ركعتي الفجرِ، وأمَرهم أن يُصلُّوها،

    ج ٣ ص ٦٣٧ثم صلَّى بهم الصبحَ (١) . ولم يُذكَرْ في بعضِها: أنَّه صلَّى ركعتي الفجرِ. وهذا موضعٌ قد تنازَع فيه العلماءُ، ومَن ذكَر شيئًا وحَفِظه فهو حُجَّةٌ على مَن لم يَذكُرْ.

  39. فأمَّا اختلافُهم في الأذانِ والإقامةِ للصلواتِ الفوائتِ؛ فإنَّ مالكًا، والأوزاعيَّ، والشافعيَّ، وأصحابَهم، قالوا فيمن فاتَتْه صلاةٌ أو صَلَواتٌ حتى خرَج وقتُها: إنَّه يُقِيمُ لكلِّ واحدةٍ إقامةً، ولا يُؤذِّنُ. وقال الثوريُّ: ليس عليه في الفوائتِ أذانٌ ولا إقامةٌ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: مَن فاتَته صلاةٌ واحدةٌ، صلَّاها بأذانٍ وإقامةٍ، فإن لم يَفعَلْ، فصلاتُه تامَّةٌ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إذا فاتَته صلواتٌ، فإنْ صلَّاهُنَّ بإقامةٍ إقامةٍ، كما فعَل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ الخندقِ، فحسنٌ، وإنْ أذَّن وأقام لكلِّ صلاةٍ، فحسن. ولم يذكُرْ خلافًا. وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ، وأبو ثورٍ، وداودُ بنُ عليٍّ: يُؤذِّنُ ويُقيمُ لكلِّ صلاةٍ فائتةٍ، على ما رُويَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذ نام عن الصلاةِ (٢) (٣) .

    قال أبو عُمر: حُجَّةُ مَن قال: إنَّه يُقيمُ لكلِّ صلاةٍ فائتةٍ ولا يُؤَذِّنُ لها: أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- حُبِس يومَ الخندقِ عن صلاةِ الظّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاء إلى هَوِيٍّ مِن الليلِ (٤) ، ثم أقامَ لكلِّ صلاةٍ ولم يُؤذِّنْ. روَى هذا الخبرَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أبو سعيدٍ الخُدرِيُّ وابنُ مسعودٍ:

    فأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ، فحدَّثناه أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا اليمونُ بنُ حمزةَ الحُسينِيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا

    ج ٣ ص ٦٣٨المُزَنيُّ، قال (١) : حدَّثنا الشافعيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي فُديكٍ، عن ابنِ أبي ذئبٍ (٢) . وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبد الرحِيمِ، قال: حدَّثنا عمَّارُ بنُ عبدِ الجبَّارِ الخُراسانيُّ، قال: أخْبَرنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن المقبُرِيِّ (٣) ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن أبيه، قال: حُبِسنا يومَ الخندقِ عن الصلاةِ حتى كان هَوِيٌّ مِن الليلِ، حتى كُفِينا، وذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: ٢٥] . قال: فدعا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بلالًا فأقام، فصلَّى الظهرَ كما كان يُصلِّيها في وقتِها، ثم أقام العصرَ فصلَّاها كذلك، ثم أقام المغربَ فصلَّاها كذلك، ثم أقام العشاءَ فصلَّاها كذلك أيضًا، وذلك قبلَ أنْ يَنزِلَ في صلاةِ الخوفِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: ٢٣٩] . المعنَى واحد.

  40. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٤) : أخبَرنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، عن هُشيمٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن نافعِ بنِ

    ج ٣ ص ٦٣٩جُبيرِ بنِ مُطعمٍ، عن أبي عُبيد بنِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: قال عبدُ الله: إنَّ المشركين شَغلوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن أربعِ صلواتٍ في الخندقِ، فأمَر بلالًا فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظُّهرَ، ثم أقام فصلَّى العصرَ، ثم أقام فصلَّى المغربَ، ثم أقام فصلَّى العشاء.