زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ٣٥ من ٤٠

  1. هكذا قال هُشيمٌ في هذا الحديثِ: فأذَّنَ، ثم أقام فصلَّى الظهرَ. فذَكَر الأذانَ للظهرِ وحدَها، وكذلك رواه أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (١) ، عن هُشيم سواءً. وخالفَه هشامٌ الدَّستُوائيُّ، فقال فيه: فأمَر بلالًا فأقام، فصلَّى الظهرَ. لم يذكُرْ أذانًا للظُّهرِ ولا لغيرِها، وإنَّما ذكَر الإقامةَ وحدَها فيها كلِّها.

    ج ٣ ص ٦٣٩
  2. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو العباسِ أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتيُّ القاضِي، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ أبي عبدِ الله (٣) ، عن أبي الزُّبيرِ، عن نافعِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبي عُبيدَةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: كنَّا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فحُبِسنا عن صلاةِ الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاء. قال: فأمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بلالًا فأقام فصلَّى الظهرَ، ثم أقام فصلَّى العصرَ، ثم أقام فصلَّى المغربَ، ثم أقام فصلَّى العِشاءَ، ثم طاف علينا، فقال: "ما على الأرضِ عِصابةٌ يذكُرون اللهَ غيرَكم" (٤) .

  3. وهكذا رواه ابنُ المباركِ عن هشام الدَّستُوائيِّ، بإسنادِه سواءً (١) . وقد رواه سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن هشام الدَّستوائيِّ، بإسنادِه مثلَه. ذكَر ذلك أحمدُ بنُ شعيبٍ (٢) وغيرُه.

    ج ٣ ص ٦٤٠
  4. واحتجَّ مَن قال: يُؤذِّنُ ويُقيمُ للفوائتِ: بأنَّه ذُكر في هذا الحديثِ، وفي حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ قبلَه: ثم أقام فصلَّى العشاءَ. قال: والعشاءُ كانت مفعولةً في وقتِها، ولم يَذكُرْ فيها أذانًا، وهي غيرُ فائتةٍ، فعُلِم أنَّ مُرادَه إقامتُها بما بنبغي أن يُقامَ لها مِن الأذانِ والإقامةِ. ورُوِيَ مِن حديثِ عِمرانَ بن حُصينٍ وغيرِه: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حينَ فاتَتْه صلاةُ الفجرِ في السفرِ، صلَّاها بأذانٍ وإقامةٍ (٣) .

  5. وأمَّا صلاةُ ركعتي الفجرِ لِمَن نام عن صلاةِ الصُّبحِ فلم ينتَبِهْ لها إلّا بعدَ طلوعِ الشمس، فإن مالكًا قال: يبدأُ بالمكتوبةِ. ولم يعرِفْ ما ذُكِر عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في ركعتي الفجرِ أنَّه ركَعها يومَ نام عن صلاةِ الصبحِ في سفرِه قبلَ أنْ يُصلِّيَ الصُّبحَ. ذكَر أبو قُرَّةَ في سماعِه مِن مالكٍ، قال: قال مالكٌ فيمَن نام عن الصبح حتى طَلَعتِ الشمسُ: إنَّه لا يركعُ ركعتي الفجرِ، ولا يبدأُ بشيءٍ قبلَ الفريضةِ، قال: وقال مالكٌ: لم يبلُغْنا أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى ركعتي الفَجرِ حينَ نام عن صَلاةِ الصُّبح حتى طَلعَتِ الشمسُ.

    ج ٣ ص ٦٤١وقال ابنُ وهبٍ: سُئِل مالكٌ: هل كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ نام عن صلاةِ الصبح حتى طَلَعتِ الشمسُ رَكَع ركعتي الفجرِ؟ قال: ما عَلِمتُ.

    قال أبو عُمر: ليسَ في رِوايةِ مالكٍ رحِمه اللهُ، لا في حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ هذا، ولا في حديث ابنِ شِهابٍ عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- رَكَع يومَئذٍ ركعتي الفجرِ قبلَ صلاةِ الصُّبح، وإنَّما صارَ في ذلك إلى ما روَى، وعليه جمهورُ أصحابِه، إلَّا أشهَبَ وعليَّ بنَ زِيادٍ، فإنَّهما قالا: يركعُ ركعتي الفجرِ قبلَ أن يُصلِّيَ الصُّبحَ. قالا: وقد بلَغنا ذلك عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-يومَئذٍ. وكذلك قال الشافعيُّ، وأبو حَنيفةَ، والثوريُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ. وهو قولُ جماعةِ أهل الحديث (١) . وإليه ذهبَ أحمدُ، وأبو ثورٍ، وداودُ؛ لما رُوِي في ذلك عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِن حديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ وغيرِه.

  6. وقد كان يجبُ على أصلِ مالكٍ أنْ يركَعَهما قبلَ أنْ يُصلِّيَ الصبحَ؛ لأنَّ قولَه فيمَن أتَى مسجدًا قد صُلِّيَ فيه: لا بأسَ أنْ يتطوَّعَ قبلَ المكتوبةِ إذا كان في سَعةٍ مِن الوقتِ (٢) . وكذلك قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والشافعيُّ، وداودُ، إذا كان في الوقتِ سَعةٌ (٣) .

    وقال الثوريُّ: ابدَأْ بالمكتوبةِ، ثم تطوَّعْ بما شئتَ. وقال الحسنُ بنُ حيٍّ: يبدأُ بالفريضةِ، ولا يتطوَّعُ حتى يَفرُغَ مِن الفريضةِ. قال: فإن كانتِ الظهرَ، فرَغ منها ثم مِن الركعتينِ بعدَها، ثم يُصلِّي الأربعَ التي لم يُصلِّها قبلَ الظهرِ (٤) .

    ج ٣ ص ٦٤٢وقال الليثُ بنُ سعدٍ: كلُّ واجبٍ مِن صلاةِ فريضةٍ، أو صلاةِ نذرٍ، أو صيامٍ، أنَّه يَبدَأُ بالواجِبِ قبلَ النَّفلِ. وقد رُوي عنه خلافُ هذا مِن روايةِ ابنِ وهبٍ أيضًا، قال ابنُ وهبٍ: سمِعتُ الليثَ بنَ سعدٍ يقولُ في الذي يدرِكُ الإمامَ في قيام رمضانَ ولم يُصلِّ العشاءَ: إنَّه يدخُلُ معهم ويُصلِّي بصلاتِهم، فإذا فرَغ صلَّى العشاءَ. قال: وإنْ عَلِم أنَّهم في القيام قبلَ أنْ يدخُلَ في المسجِدِ، فوجَد مكانًا طاهرًا، فليُصلِّ العشاءَ، ثم لْيدَخُلْ معهم في القيام (١) .

    قال أبو عُمر: ويَجِيءُ على ما قدَّمنا مِن قولِ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وداودَ، فيمَن أتَى المسجدَ وقد صلَّى أهلُه، وفي الوقتِ سَعَةٌ: أنَّه لا بأسَ أنْ يتطَوَّعَ قبلَ المكتوبةِ، مثلَ قولِ اللَّيثِ فيمَن أدرَك القومَ في قيام رمضانَ، سواءً، إلَّا أنَّه لا (٢) ينبَغي له أنْ يُوتِرَ معهم، وإنْ أوتَر معهم، لَزِمه إعادَةُ الوَترِ بعدَ صلاةِ العشاءِ، ووَترُه قبلَ صلاةِ العشاءِ كلا وَترٍ؛ لأنَّه قبلَ وقتِه (٣) .

  7. وأمَّا قولُه في الحديثِ: "إنَّ اللهَ قبَض أرواحَنا، ولو شاء لَرَدَّها إلينا في حينٍ غيرِ هذا" ، فإنَّ العلماءَ اختَلَفوا في الرُّوح والنفسِ؛ هل هما شيءٌ واحدٌ أو شيئانِ؛ لأنَّه قد جاء في الحديثِ: "إنَّ اللهَ قبَض أرواحَنا" ، وجاء في حديثِ سعيدِ بنِ المُسيِّبِ قولُ بلالٍ: أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنَفْسِك (٤) . فقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: الرُّوحُ والنَّفْسُ شيءٌ واحدٌ. ومِن حُجَّتِهم قولُ الله عزَّ وجلَّ:

    ج ٣ ص ٦٤٣{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: ٤٢] . فرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، في هذه الآيةِ، أنَّهما قالا: تُقبَضُ أرواحُ الأمواتِ إذا ماتوا، وأرواحُ الأحياءِ إذا ناموا، تتعارفُ ما شاء اللهُ أنْ تتعارفَ، {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} : التي قد ماتت، {وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . ذَكَره بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، عن يحيى بنِ عبدِ الحميدِ الحِمَّانيِّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ (١) .

  8. وذكَره أيضًا عن يحيى بنِ رجاءٍ، عن موسى بنِ أعيَنَ، عن مُطرِّفٍ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ (٢) . ومعنى حديثِهما واحدٌ. وهذا يدُلُّ على أنَّ النفسَ والروحَ شيءٌ واحدٌ؛ لأنَّهم فسَّروا الآيةَ وقد جاءَتْ بلفظِ {يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} - {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} - فقالوا: يَقبِضُ الأرواحَ. كما رأيتَ، وذلك واضحٌ في أنَّ النفسَ والرُّوحَ سواءٌ.

  9. ويشهَدُ بصحَّةِ ذلك قولُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديثِ: "إنَّ اللهَ قبَض أرواحَنا" . ولم يُنكِرْ على بلالٍ قولَه: أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنَفْسِك، فالقرآنُ والسُّنةُ يُشيرانِ إلى معنًى واحدٍ، بلفظِ النفسِ مرَّةً، وبلفظِ الرُّوح أُخرى.

    وقال آخرونَ: النفسُ غيرُ الرُّوح. واحتجُّوا بأنَّ النفسَ مخاطَبةٌ منهية مأمورةٌ، واستدلُّوا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: ٢٧ - ٢٨] . وقولِه: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ

    ج ٣ ص ٦٤٤اللَّهِ} [الزمر: ٥٦] . ومثلُ هذا في القرآن كثيرٌ. قالوا: والرُّوحُ لم تُخاطَبْ ولم تُؤمَرْ ولم تُنهَ في شيءٍ مِن القرآنِ، ولم يَلحَقْها شيءٌ مِن التوبيخِ كما لَحِقَ النَّفْسَ في غيرِ آيةٍ مِن كتابِ الله. وتأوَّلوا في قولِ بلالٍ؛ أيْ: أخَذ بنَفْسي مِن النوم ما أخَذ بنَفْسِك.

  10. وذكَر سُنيدٌ (١) ، عن حجَّاج، عن ابنِ جُريجٍ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} الآية [الزمر: ٤٢] . قال: في جَوْفِ الإنسانِ رُوحٌ ونَفْسٌ، بينَهُما مثلُ شُعاعِ الشَّمسِ، فإذا تَوفَّى اللهُ النفسَ، كان الرُّوحُ في جَوفِ الإنسانِ، فإذا أمسَك اللهُ نَفْسَه، أخرَج الرُّوحَ مِن جَوفِه، فإنْ لم يُمِتْه، أرسَل اللهُ نَفْسَه فرجَعتْ إلى مكانِها قبلَ أنْ يستيقِظَ. قال ابنُ جُريج: وأُخبِرتُ عنِ ابنِ عباسٍ نحوَ هذا الخبرِ.

  11. وذكَر عبدُ المنعم بنُ إدريسَ، عن وَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ: أنَّه حكَى عن التَّوراةِ في خَلقِ آدمَ عليه السَّلامُ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: حينَ خَلَقتُ آدمَ، رَكَّبتُ جَسَدَه مِن رَطْبٍ ويابسٍ، وسُخْنٍ وباردٍ، وذلك لأنِّي خلَقتُه مِن ترابٍ وماءٍ، ثُمَّ جعَلتُ فيه نفْسًا ورُوحًا، فيُبوسةُ كلِّ جسدٍ خِلقتُه مِن الترابِ (٢) ، ورطوبَتُه مِن قِبَلِ الماءِ، وحرارَتُه مِن قِبَلِ النفسِ، وبرودَتُه مِن قِبَلِ الرَّوح، ومن النفسِ حِدَّتُه وشهوتُه، ولهوُه ولَعِبُه، وضَحِكُه وسَفَهُه، وخِداعُه وعُنفُه وخُرقُه، ومِن الروحِ حِلمُه ووَقارُه، وعفافُه وحياؤُه، وفهمُه وتكَرُّمُه، وصدقُه وصبرُه (٣) .

  12. وأخبَرَنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: أخبَرَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا المُسيَّبُ بنُ واضح، قال: حدَّثنا

    ج ٣ ص ٦٤٥الحكَمُ بنُ محمدٍ الظَّفَرِيُّ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريم، عن عبدِ الصَّمدِ بنِ مَعقِل، عن وَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ، قال: إنَّ أنفُسَ الآدميِّينَ كأنفُسِ الدوابِّ التي تشتَهي وتدعو إلى الشرِّ، ومَسكَنُ النفْسِ البَطنُ، إلَّا أنَّ الإنسانَ فُضِّل بالرُّوحِ، ومسكَنُه الدِّماغُ، فبِه يستَحيي الإنسانُ، وهو يَدعو إلى الخيرِ ويأمُرُ به. ثم نفَخ وَهْبٌ على يَدِه، فقال: هذا باردٌ، وهو مِن الرُّوحِ. ثم تنهَّد على يدِه فقال: هذا حارٌّ، وهو مِن النَّفْسِ، ومَثَلُهما كمَثَلِ الرَّجُلِ وزَوجَتِه، فإذا انحدَر الروحُ إلى النفسِ والتقَيا، نامَ الإنسانُ، فإذا استيقظَ، رجَع الرُّوحُ إلى مكانِه، ويُعتبرُ ذلك بأنَّك إذا كنتَ نائمًا فاستيقظتَ، كان كلُّ شيءٍ يبدُرُ إلى رأسِك (١) .

  13. وذكَر أبو إسحاقَ محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ القاسم بنِ خالدٍ صاحبَ مالكٍ قال: النفسُ جسَدٌ مُجسَّدٌ، كخَلقِ الإنسانِ، والرُّوحُ كالماءِ الجارِي. قال: واحتَجَّ بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} الآية. وقال: ألا ترى أنَّ النائمَ قد توفَّى اللهُ نفسَه، ورُوحُه صاعدٌ ونازلٌ، وأنفاسُه قِيامٌ، والنفسُ تَسرَحُ في كلِّ وادٍ، وترَى ما تراه مِن الرؤيا، فإذا أذِن اللهُ في ردِّها إلى الجسدِ عادت، واستيقظَ بعَوْدتِها جميعُ أعضاءِ الجسَدِ، وحرَّك السَّمعَ والبَصَرَ وغيرَهما مِن الأعضاءِ.

    قال: فالنفسُ غيرُ الرُّوحِ، والرُّوحُ كالماءِ الجارِي في الجِنانِ، فإذا أراد اللهُ إفسادَ ذلك البُستانِ، منَع منه الماءَ الجاريَ فيه، فماتت حياتُه، فكذلك الإنسانُ. قال أبو إسحاقَ: هذا معنى قولِ ابنِ القاسم وإن لم يكنْ نَسَقَ لفظِه.

    قال أبو إسحاقَ: وقال عبيدُ الله بنُ أبي جعفرٍ: إذا حُمِل المَيِّتُ على السَّريرِ، كانت نفسُه بيدِ مَلَكٍ من الملائكةِ، يسيرُ بها معه، فإذا وُضِع للصلاةِ عليه وَقَف،

    ج ٣ ص ٦٤٦فإذا حُمِل إلى قبرِه سار معه، فإذا أُلْحِدَ ووُرِيَ في الترابِ، أعاد اللهُ نَفْسَه حتّى يُخاطبَه المَلَكانِ، فإذا ولَّيا عنه مُنصَرِفَينِ، اختلَع المَلَكُ نفسَه، فرمَى بها إلى حيثُ أُمِرَ، وهذا الملَكُ مِن أعوانَ ملَكِ الموتِ. قال أبو إسحاقَ: هذا معنى قولِ عبيدِ الله بنِ أبي جعفرٍ، وقد قاله معه غيرُه.

    قال أبو عُمر: قد قالتِ العلماءُ بما وصَفنا، واللهُ أعلمُ بالصَّحيحِ مِن ذلك، وما احتجَّ به القومُ فليس حجةً واضحةً، ولا هو مما يُقطعُ بصحَّتِه؛ لأنَّه ليس فيه خبرٌ صحيحٌ يقطَعُ العُذْرَ ويُوجبُ الحُجَّةَ (١) ، ولا هو مما يُدرَكُ بقياسٍ ولا استنباطٍ، بل العقولُ تنحَسِرُ وتَعْجِزُ عن علم ذلك.

  14. وقد قال جماعةٌ مِن العلماءِ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: ٨٥] . أنَّه هذا الروحُ المشارُ إليه في هذا البابِ بالذِّكرِ؛ رُوحُ الحياةِ. وقال غيرُهم: إنَّه ملَكٌ مِن المَلائكةِ، يقومُ صفًّا، وتقومُ الملائكةُ صفًّا. فكيف يُتعاطى علمُ شيءٍ استأْثر اللهُ به، ولم يُطلِعْ عليه رسولَه -صلى الله عليه وسلم-؟ وقد قيل في الروحِ المذكورِ (٢) في هذه الآيةِ: إنَّه جبريلُ عليه السلامُ. وقيل: هم خَلْقٌ مِن خَلِق الله. وقيل غيرُ ذلك (٣) (٤) .

  15. وكذلك اختُلِف في الذين عُنوا بقولِه: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ، فقيل: أراد اليهودَ السائلين عن الرُّوح؛ لأنَّهم زعَموا أنَّ في التوراةِ عِلمَ كلِّ شيءٍ، فأنزلَ اللهُ: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ

    ج ٣ ص ٦٤٧أَبْحُرٍ} الآية [لقمان: ٢٧] . يقولُ: ما أُوتِيتُم في التَّوراةِ والإنجيلِ يا أهلَ الكتابِ مِن العلم إلَّا قليلًا. وقيل: بل عنَى بالآيةِ أُمَّةَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- والناسَ كلَّهم (١) .

    قال أبو عُمر: لو كان الأمرُ على النظرِ والقياسِ والاستنباطِ في معنى الرُّوحِ مِن حديثِ "الموطّأ" ، لقلنا: إنَّ النظرَ يشهدُ للقولِ الأولِ، وهو الذي تدلُّ عليه الآثارُ. واللهُ أعلمُ.

  16. وقد تضعُ العربُ النَّفسَ موضعَ الرُّوحِ، والرُّوحَ موضعَ النَّفسِ، فيقولون: خرَجَت نَفْسُه، وفاضَتْ نَفْسُه، وخرَجَت رُوحُه. إمَّا لأنَّهما شيءٌ واحدٌ، أو لأنَّهما شيئانِ متَّصلانِ لا يقومُ أحدُهما دونَ الآخَرِ. وقد يُسمُّون الجسَدَ نَفْسًا، ويُسمُّونَ الدَّمَ جَسدًا، قال النابغةُ (٢) :

    وما أُرِيقَ على الأنصابِ مِن جَسَدِ

    يريدُ: مِن دَم.

    وقال ذُو الرُّمَّةِ (٣) فجعَل الجسدَ نفسًا:

    يا قابِضَ الرُّوح مِن نفسٍ إذا احتُضِرَتْ ... وغافِرَ الذَّنبِ زَحزِحْنِي عن النارِ

    ج ٣ ص ٦٤٨ويقالُ للنفسِ: نَسَمَةٌ أيضًا، يقالُ: عليَّ عِتقُ نسَمةٍ؛ أيْ: نَفْسٍ.

    وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما نَسَمَةُ المؤمنِ طائرٌ" ؛ يعني: روحَه. وسنذكرُ هذا الخبرَ في حديثِ ابنِ شهابٍ (١) إن شاء اللهُ تعالى.

  17. وفي هذا الخبرِ: "فإذا رَقَد أحدُكم عن الصلاةِ أو نَسِيها، فلْيُصلِّها كما كان يُصلِّيها في وَقْتِها" ، وهذا إنَّما فيه إيجابُ إقامةِ الصلاةِ، وأنَّها غيرُ ساقطةٍ عمَّن نامَ أو نَسِيَ، ولم يَخُصَّ وقتًا من وقتٍ، فالبِدارُ إليها أوْلى، إلَّا أنَّ في حديثِ أنسٍ (٢) وحديثِ ابن المسيِّبِ (٣) وغيرِه، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن نام عن الصلاةِ أو نَسِيها، فليُصلِّها إذا ذكَرها، فإنَّ اللهَ يقولُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: ١٤] ، وفي هذا وُجوبُ صلاتِها عندَ الذِّكرِ لها والانتِباهِ إليها، أيَّ وقتٍ كان، وهو موضعُ اختلافٍ، وقد ذكَرناه واستوعَبنا القولَ فيه وفي معنَى ذكرِ صلاةٍ في صلاةٍ، أو في آخرِ وقتِ صلاةٍ، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، مِن كتابِنا هذا؛ لأنَّ ذلك الموضعَ أوْلى بذِكْرِ ذلك، لقولِه فيه: " فليُصلِّها إذا ذكَرها ". وإنَّما في حديثِ زيدٍ هذا: " فليُصلِّها كما كان يُصلِّيها"، وبالله التوفيق.

  18. وفي أخبارِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكرٍ بما عَرَض لبلالٍ في نومِه ذلك، عَلَمٌ مِن أعلام نُبُوَّتِه -صلى الله عليه وسلم-.

  19. وفيه ما كان عليه أبو بكرٍ رضِي اللهُ عنه مِن صريح الإيمانِ، والبِدارِ إلى

    ج ٣ ص ٦٤٩تصديقِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، والفرحِ بكلِّ ما يأتي منه، وهو الصِّدِّيقُ حقًّا (١) مِن أُمَّتِه، رحمةُ الله عليه.

  20. وأما الآثارُ المرويةُ في هذا البابِ، فرَواها جماعةٌ مِن الصحابِة؛ منهم أبو هريرةَ، وابنُ مسعودٍ، وأبو قتادةَ، وابنُ عباسٍ، وجُبيرُ بنُ مُطعِمٍ، وعمرُو بنُ أُميَّةَ، وعِمرانُ بنُ حُصينٍ، وأبو مريمَ السّلُوليُّ (٢) ، وأبو جُحَيفةَ السُّوائِيُّ، وذو مِخبْرٍ الحبَشيُّ.

  21. فأمَّا حديثُ أبي هريرةَ، فنذكُرُ منه هاهنا ما يُشبِهُ حديثَنا ويكونُ في معناه، ونذكرُ مَن قطَعه ومَن وَصَله، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، إذا ذكَرناه في بابِ ابنِ شهابٍ إن شاء اللهُ.

  22. فمِن حديثِ أبي هريرةَ، ما حدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الحسنُ بنُ عليٍّ الجصَّاصُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفرجِ أبو عُتبةَ الحِجازيُّ بحِمصَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ سُويدٍ، قال: أخبَرنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: لَمّا قَفَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مِن خيبَرَ (٣) ، عرَّس بنا ذاتَ ليلةٍ، ثم قال: "أيُّكم يكلأُ لنا الفجرَ اللَّيلةَ؟ " . فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ الله. قال: "اكْلأْه لنا يا بلالُ، ولا تكنْ لُكَعًا" (٤) . قال بلالٌ: فنام النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ونام أصحابُه، فعمَدتُ إلى حجَفَةٍ (٥) لي استَنَدتُ إليها، فجعَلتُ أُراعي الفجرَ، فبعَث اللهُ عليَّ النومَ، فلم أستيقظْ إلَّا لحرِّ الشمسِ

    ج ٣ ص ٦٥٠بينَ كَتِفيَّ، فقُمتُ فَزِعًا، فقلتُ: الصلاةَ عبادَ الله. فانتبَه النبى -صلى الله عليه وسلم-، وانتبَهَ الناسُ، وقال لي: "يا بلالُ، ألمْ أقلْ لك: اكلأْ لنا الفجرَ؟ " . فقلتُ: يا رسولَ الله، أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنَفْسِك. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ أرواحَكم كانت بيدِ الله عزَّ وجلَّ، حبَسها إذ شاء، وأطلَقها إذ شاء، اقتادوا مِن هذا الوادي، فإنَّه وادٍ ملعونٌ به الشيطانُ" . قال: فخرَجنا مِن الوادي، ثم أمَر بلالًا فأذَّن، وتوضَّأ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، وتوضأ أصحابُه، ثم صلَّوا، فقامَ إليه رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، أَنُصلِّي هذه الصلاةَ مِن غدٍ للوقتِ؟ فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لا، إنَّ اللهَ لا (١) يَنْهاكُم عن الرِّبا ويرضاه منكم، مَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها، فلْيُصلِّها إذا ذَكَرها، لا كفَّارةَ لها غيرُها، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (٢) " [طه: ١٤] .

  23. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣) : أخبَرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى (٤) ، عن (٥) يزيدَ بنِ كَيسانَ، قال: حدَّثني أبو حازم (٦) ، عن أبي هريرةَ، قال: عرَّسْنا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فلم نستيقظْ حتى طلعتِ الشمسُ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يَأْخُذُ كلُّ إنسانٍ بِرأس

    ج ٣ ص ٦٥١راحلتِه، فإنَّ هذا منزلٌ حضَرنا فيه الشيطانُ ". قال: ففعَلنا، فدَعا بالماءِ فتوضَّأ، ثم صلَّى سجدتَينِ، ثم أُقيمتِ الصلاةُ فصلَّى الغداةَ.

  24. وأمَّا حديثُ ابنِ مسعودٍ، فحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤُمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرَّزَّاقِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى. وحدَّثنا (٢) عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن جامعِ بنِ شدادٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي عَلقَمَةَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ، قال: أقبَلنَا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- زمنَ الحُديبيَةِ. قال: فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ يَكْلَؤُنا؟ ". فقال بلالٌ: أنا. فناموا حتى طَلعتِ الشمسُ، فاستيقظَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: " افعَلوا ما كنتم تفعلون ". قال: ففَعلنا. قال: " وكذلك فافعَلوا، لِمَن نام أو نَسِيَ".

  25. وأمَّا حديثُ أبي قتادةَ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٣) : حدَّثنا

    ج ٣ ص ٦٥٢هُشيمُ بنُ بَشيرٍ، قال: حدَّثنا حُصينٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي قَتادةَ، عن أبيه أبي قتادةَ، قال: سِرْنا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن في سفرٍ ذاتَ ليلةٍ، فقلنا: يا رسولَ الله، لو عرَّستَ بنا؟ قال: "إنِّي أخافُ أن تناموا عن الصلاةِ، فمن يُوقِظُنا للصلاةِ؟ " . فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ الله. قال: فعرَّس القومُ، واستنَد بلالٌ إلى راحلتِه، فغَلَبتْه عيناه، واستيقَظ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وقد طلَع حاجِبُ الشمسِ، فقال: "يا بلالُ، أين ما قُلتَ لنا؟ " . قال: يا رسولَ الله، والذي بعثَك بالحقِّ، ما أُلقِيَت عليَّ نومةٌ مثلُها. قال: فقال: "إنَّ اللهَ قبَض أرواحَكم حينَ شاء، وردَّها عليكم حينَ شاء" . ثُم أمَرهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فانتَشَروا لحاجَتِهم وتَوضَّئُوا، وارتَفَعتِ الشمسُ، فصلَّى بهمُ الفجرَ.

  26. وذكَره البخاريُّ (١) ، عن عمرانَ بنِ مَيسرَةَ، عن محمدِ بنِ فُضيل، عن حُصينٍ بإسنادِه مثلَه. وفي حديثه زيادةُ: "يا بلالُ، قُم فأذِّنْ للناسِ بالصلاةِ" . فتوضَّأ، فلما ارتَفَعتِ الشمسُ وابياضَّتْ، قام فصلَّى.

  27. وأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٢) : حدَّثنا ابنُ الأصبهانيِّ، قال: حدَّثنا عَبيدَةُ بنُ حُميدٍ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن تَميم بنِ سلمةَ، عن مَسروقٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في سَفرٍ، فعَرَّسُوا مِن اللَّيلِ، فلمْ يستَيقظوا حتّى طَلَعتِ الشمسُ، فأمَر بلالًا فأذَّن، ثمّ صلَّى ركعتينِ. قال ابنُ عباسٍ: فما يَسُرُّني بها الدُّنيا وما فيها؛ يعني: الرُّخصةَ (٣) .

  28. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالبٍ، قال: حدَّثنا حَرَميُّ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنا صَدقَةُ بنُ عُبادةَ الأسديُّ، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ عباسٍ: أنَّهم كانوا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في سَفَر، فغَفَلوا عن صلاةِ الغَداةِ حتى طَلَعتِ الشمسُ، فأمَر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُؤذِّنًا، فأذَّن كما كان يُؤَذِّنُ كلَّ يوم، فصلَّى ركعتيِ الفجرِ كما كان يصلِّي كلَّ يوم، ثمّ صلَّى بهم الغَداةَ كما كان يصلِّي كلَّ يوم (٢) .

    ج ٣ ص ٦٥٣
  29. وأمَّا حديثُ جُبيرِ بنِ مُطعم، فحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣) : أخبَرنا أبو عاصم خُشَيشُ بنُ

    ج ٣ ص ٦٥٤أصْرمَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن نافع بنِ جُبيرٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال في سَفَرٍ له: "مَن يَكلؤُنا الليلةَ؟ لا نَرقُدُ عن صلاةِ الصُّبح" . فقال بلالٌ: أنا. فاستقبَل مَطلِعَ الشمسِ، فضُرِبَ على آذانِهم حتى أيقَظَهم حَرُّ الشمسِ، فقاموا، فقال: "تَوضَّئُوا" . ثم أذَّنَ بلالٌ، فصلَّى رَكعتينِ، وصلُّوا ركعتَي الفجرِ، ثم صلَّوا الفجرَ.

  30. وأمَّا حديثُ أبي مريمَ، فرواه عليُّ بنُ المَدِينيِّ وغيرُه، عن جَريرٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبيه، عن بُرَيدِ بنِ أبي مريمَ، عن أبيه، فقال: نام رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصبح، فلم يَستيقِظْ حتى طلَعتِ الشمسُ، فلما استيقظ، أمَر المؤذِّنَ فأذَّن، وصلِّى ركعتينِ، ثم أمَره فأقام، فصلَّى الفجرَ (١) .

  31. وأمّا حديثُ عمرِو بنِ أُميَّةَ، فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقرئُ، قال: حدَّثنا حَيوَةُ بنُ شُريح، قال: أخبَرنَا عيَّاشُ بنُ عبّاسٍ، أنَّ كُليبَ بنَ صُبحٍ حدَّثه، أنَّ الزّبرِقانَ حدَّثه، عن عمِّه عمرِو بنِ أُميَّةَ الضَّمريِّ، قال: كنَّا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في بعضِ أسفارِه، فنام ولم يُصلِّ الصبحَ حتى طَلَعتِ الشمسُ، فلم يستيقِظْ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أحدٌ مِن أصحابهِ حتى أذاهم حرُّ الشمس، فأمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يتنَحَّوا عن ذلك المكانِ، ثم أمَر بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ركعتي الفجرِ، وأمَر أصحابَه فصلَّوا ركعتي الفجرِ، ثم أمَر بلالًا فأقامَ الصلاةَ، فصلَّى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (٢) .

  32. وذكَره أبو داودَ (١) ، عن عباسٍ العنبَرِيِّ وأحمدَ بنِ صالح المصريِّ جميعًا، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ أبي عبدِ الرحمنِ المُقرئ، بإسنادِه نحوَ معناه، وذكَر الأذانَ وركعتي الفجر.

    ج ٣ ص ٦٥٥
  33. وأما حديثُ عِمرانَ بنِ حُصين، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدِينيِّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى (٢) ، قال: حدَّثنا هشامٌ (٣) ، عن الحسنِ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: أسرَينا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في غَزَاةٍ، فلما كان مِن آخرِ السَّحرِ عرَّسنا، فما استيقَظنا حتى أيقظَنا حرُّ الشَّمسِ، فجعَل الرجلُ يَثبُ دَهِشًا فَزِعًا، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اركَبُوا" . فرَكِب ورَكِبنا، فسار حتى ارتفَعَتِ الشَّمسُ، ثم نزَلَ، فأمَر بلالًا فأذَّن، وقضَى القومُ مِن حاجاتِهم وتَوَضَّئُوا، وصلَّينا الركعتينِ قبلَ الغداةِ؟ ثم أقام فصلَّى بنا، فقُلنا: يا رسولَ الله، ألا نَقضِيها لوقتِها مِن الغدِ؟ فقال: "لا ينهاكم ربُّكم عن الرِّبا ويَقبَلَه منكم" (٤) .

  34. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ (١) ، عن هشام، عن الحسنِ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: أسرَينا (٢) مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ليلةً، ثم عَرَّس بنا مِن آخِرِ الليل. قال: فاستيقَظْنا وقد طلَعتِ الشمس. قال: فجعَل الرجلُ منَّا يثورُ إلى طهورِه دَهِشًا فازِعًا، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "ارتَحلِوا" . فارتحَلنا حتى إذا ارتَفَعتِ الشمسُ نزَلنا، فقضينا مِن حوائجِنا وتوَضَّأنا، ثم أمرَ بلالًا فأذَّن، فصلِّينا رَكعتيِن، ثم أمَرَ بلالًا فأقام، فصلَّى بنا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فقُلنا: يا رسولَ الله، أنَقضِيها لميقَاتِها مِن الغدِ؟ فقال: "لا يَنهاكم اللهُ عزَّ وجلَّ عن الرِّبا ويأخُذَه منكم" (٣) .

    ج ٣ ص ٦٥٦
  35. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحسنِ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: سِرنا مع رسولٍ الله -صلى الله عليه وسلم- في غَزاةٍ أو قال: في سَرِيَّةٍ. ثم ذكَر نحوَه (٤) .

  36. وذكَره أبو داودَ (١) ، عن وَهْبِ بنِ بقيَّةَ، عن خالدٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ، عن عِمرانَ بنِ حصينٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

    ج ٣ ص ٦٥٧
  37. وذكَر إسماعيلُ (٢) أيضًا، عن ابنِ المدِينيِّ، عن عبدِ الوهابِ الثَّقفيِّ، عن يُونُسَ، عن الحسنِ، عن عمرانَ مثلَه (٣) .

  38. وأمَّا حديثُ أبي جُحيفَةَ السُّوائِيِّ، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبارِ بنُ العباسِ الهَمْدانيُّ، عن عَونِ بنِ أبي جُحيفَةَ، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في سفرِه الذي ناموا فيه عن الصلاةِ حتّى طَلَعتِ الشمسُ، فقال: "إنَّكم كنتم أمواتًا فردَّ اللهُ عليكم أرواحَكم؛ مَن نام عن صلاةٍ، فلْيُصلِّها إذا استيقَظ، ومَن نَسِيَ صلاةً، فليُصلِّها إذا ذكَر" (٤) .

  39. وأمَّا حديثُ ذِي مِخبَرٍ، فذكَره أبو داود (١) وغيرُه (٢) . وهو يدورُ على حَريزِ بن عُثمانَ الرَّحَبيِّ؛ اختُلِف عليه فيه: فقَومٌ قالوا: عنه عن صُليح (٣) الرَّحبيِّ؛ كذا قال أبو المُغيرَةِ. وقومٌ قالوا: عنه عن يزيدَ بنِ صُليح. وقال آخرونَ: عنه عن يَزيدَ بنِ صالح. والحديثُ شاميٌّ مشهورٌ بمعنَى ما تقدَّمَ مِن الآثارِ سَواءً.

    ج ٣ ص ٦٥٨
  40. قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ الباهِليٌّ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن أنس، قال: سُئِل رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم- عن الرجلِ يرقُدُ عن الصلاةِ، أو يَغفُلُ عنها. قال: "كفَّارتُها أنْ يُصلِّيَها إذا ذَكَرَها" (٤) .