زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥
الصفحة ٦ من ٤٠
- ج ٣ ص ٩٧
وأخبَرني (١) أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن سَلْمان (٢) بن الحسن النَّجَّاد الفقيهُ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: كان معمرٌ يتوضَّأُ ممّا غيَّرت النارُ. فقال له ابنُ جريج: أنتَ شهابيٌّ يا أبا عُروة (٣) .
-
وقد روَى عفّانُ، عن همّام، عن قتادةَ، قال: قال لي سلمانُ بن هشام: إنّ هذا - يعني الزهريَّ - لا يدَعُنا إن كان شيء أمَرنا أنْ نتوضَّأْ - يعني ممّا مسَّتِ النارُ - فقلتُ له: سألتُ سعيدَ بن المسيِّب فقال: إذا أكَلتَه فهو طيِّبٌ، ليس عليك فيه وُضوءٌ، فإذا خرج وجَب عليك فيه الوُضوء (٤) .
-
حدَّثنا عبدُ الرحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن زَبّان (٦) ، قال: حدَّثنا زكريا بن يحيى كاتبُ العُمريِّ، قال: حدَّثنا
ج ٣ ص ٩٨المفضَّل (١) بن فَضالةَ، عن عيَّاش بن عبَّاسٍ القِتْبانيِّ، أنّه كتب إلى يحيى بن سعيدٍ يسألُه: هل يُتوضَّأُ ممّا مسَّتْه النارُ؟ فكتَب إليه: هذا ممّا يُختَلَفُ فيه، وقد بلَغنا عن أبي بكرٍ وعُمرَ أنّهما أكَلا ممَّا مسَّتِ النارُ، ثم صلَّيا ولم يتوَضَّآ (٢) .
-
وأمّا عمرُ بن عبد العزيز، فإنّه كان عندَه في هذا الباب ما رواه معمرٌ وابنُ جُريج، عن الزُّهريِّ، عن عُمرَ بن عبد العزيز، عن إبراهيمَ بن عبد الله بن قارظٍ، قال: مرَرتُ بأبي هريرةَ وهو يتوضَّأُ، فقال: أتدري ممَّ أتوضَّأُ؟ أتوضَّأُ من أثوارِ أقِطٍ أكَلتُها؛ لأنِّي سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "توضَّئوا ممّا مسَّتِ النارُ" (٣) . ولعلَّ عمرَ بن عبد العزيز لم يُرَوَّ في هذا الباب غيرَ هذا الحديث فذهَبَ إليه، ولعلَّه كان وُضوؤُه من ذلك ابتغاءَ الفضلِ، وهروبًا من الخلاف، مع شِدَّةِ احتياطِه في الدِّين.
قال أبو عُمر: لقُوَّةِ الاختلاف في هذه المسألة بالمدينةِ بين علمائها، أشبَعَ مالكٌ رحمهُ الله في "موطَّئه" هذا البابَ وشدَّه وقوَّاه، فذكَر فيه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ ابن عباسٍ وسُويدِ بن النُّعمان (٤) ، وهما إسنادان صحيحان (٥) ، وذكَر فيه
ج ٣ ص ٩٩عن أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، و عبدِ الله بن عباسٍ، وعامرِ بن ربيعةَ وأبي طلحةَ الأنصاريِّ، وجابرِ بن عبد الله، وأُبيِّ بن كعب، أنّهم كانوا لا يتوضَّئون ممّا مسَّتِ النارُ.
-
وما ذكَره مالكٌ في "مُوطَّئه" (١) عن أبي طلحةَ يدُلُّ على أنّ المنسوخَ أمرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالوُضُوءِ ممّا مسَّتِ النارُ؛ لأنّ أبا طلحةَ روَى الأمرَ بالوُضوءِ من ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكان لا يتوضَّأُ، فدلَّ ذلك على أنه منسوخٌ عندَه؛ لأنّه يستحِيلُ أنّ يأخذَ بالمَنْسوخ ويدَعَ الناسخَ وقد عَلِمَه.
-
وروايةُ أبي طلحةَ في ذلك ما حدَّثنا أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن القاسم البَصْريُّ بالبصرة، قال: حدَّثنا حاتمُ بن بُكيرِ بن بلالِ بن غَيلانَ، قال: حدَّثنا بشرُ بن عُمرَ الزَّهرانيُّ (٢) ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، عن مطر الورَّاق، عن الحسن، عن أنسِ بن مالكٍ، عن أبي طلحةَ الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "توضَّئُوا ممّا غيَّرتِ النارُ" (٣) .
- ج ٣ ص ١٠٠
وحدَّثني خلفُ بن سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز (١) ، قال: حدَّثنا الحَوضيُّ أبو عُمرَ حفصُ بن عُمَرَ، قال: حدَّثنا همّامٌ، قال: قيل لمَطَرٍ وأنا عندَه: عمَّنْ أخذَ الحسنُ الوضوءَ مّما غيَّرتِ النارُ؟ فقال: أخذَه الحسَنُ عن أنسٍ، وأخَذَه أنسٌ عن أبي طلحةَ، وأخذَه أبو طلحةَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
وهذا يحتمِلُ أن يكونَ معناه: ممن أخَذَ الحسنُ الحديثَ الذي كان يُحدِّثُ به عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الوضُوءِ ممّا غيَّرتِ النارُ؟ فقال له: أخَذَه الحسَنُ عن أنس، وأخَذه أنسٌ عن أبي طلحةَ، وأخَذَه أبو طلحةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وليس في هذا ما يدُلُّ على أنّ أبا طلحةَ عَمِل به بعدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. هذا على أنّ مطرًا الورَّاقَ ليس ممَّنْ يُحتجُّ به.
-
ويعضُدُ هذا التأويلَ ما ذكَرَه مالكٌ في "مُوطَّئه" (٢) ، عن موسى بن عُقبةَ، عن عبد الرحمن بن زَيْدٍ (٣) الأنصاريِّ، عن أنسٍ: أنّ أبا طلحةَ وأبيَّ بن كعبٍ
ج ٣ ص ١٠١أنكرا عليه الوُضُوءَ ممّا غيَّرتِ النارُ. فلو أنّ هذا الحديثَ عند أبي طلحةَ غيرُ منسوخ، لم يُنكِرْ ذلك على أنسٍ، والله أعلمُ.
-
وقد رَوى (١) هذه القصةَ عن عبد الرحمنِ بن زيدٍ جماعةٌ من أهلِ المدينة.
-
أخبَرنا أحمدُ بن عبد الله بن محمد بن عليٍّ، قال: أخبَرني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطيسٍ، قال: حدَّثنا بحرُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني أسامةُ بن زيدٍ الليثيُّ، قال: حدَّثني عبد الرحمن بن زيدٍ الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أنسُ بن مالكٍ، قال: بينا أنا وأبو طلحة الأنصاريُّ وأُبيُّ بن كعبٍ أُتينا بطعام سُخنٍ، فأكَلتُ ثم قمتُ فتوضَّأتُ، فقال أحدُهما لصاحبه: أعراقيةٌ (٢) ؟! ثم انتَهراني، فقلتُ: إنّهما أفقهُ منِّي (٣) .
-
وذكَر الطحاويُّ (٤) ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي داودَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريم، قال: حدَّثنا يحيى بن أيوبَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن رافع (٥) ، عن
ج ٣ ص ١٠٢عبد الرحمن بن زيدٍ الأنصاريِّ، عن أنس بن مالكٍ، قال: أكلتُ أنا وأبو طلحةَ وأبو أيوبَ الأنصاريُّ طعامًا قد مسَّته النارُ، فقُمتُ لأتوضَّا، فقالا لي: أتتوضَّأُ من الطيبات؟ لقد جئتَ بها عراقيّةً.
-
هكذا ذكَر الطحاويُّ هذا الخبرَ بهذا الإسناد، فقال فيه: "وأبو أيوبَ" . والمحفوظ من رواية الثِّقات: "وأُبيُّ بن كعب" كما قال مالكٌ والأوزاعيُّ (١) . وأظنُّ الوَهمَ فيه من يحيى بن أيوبَ، أو من إسماعيلَ بن رافع، والله أعلمُ.
-
وقد رُوِيَ عن أنسٍ أنّه لم يكُنْ يتوضَّأُ من الطعام مثلَ وُضُوئه للصلاة، وذكَر العقيليُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد النَّوفليُّ، قال: حدَّثنا الحسينُ بن الحسنِ المَروَزِيُّ، قال: حدَّثنا الهَيثمُ بن جَميلٍ (٢) ، قال: حدَّثنا غالبُ بن فَرقدٍ، قال: صلَّيتُ مع أنس بن مالكٍ المغربَ، فلما انصرفنا دَعَا بمائدةٍ فتعشَّى، ثم دعَا بوَضوءٍ، فغسَل يدَيه، ومَضمَضَ فاهُ، وغسَل يدَيهِ وذراعيه ووجهَه، ثم جَلَسنا حتى حضَرَت العَتَمةُ، فصلَّى بذلك الوُضُوءِ ولم يغسِلْ رِجْلَيهِ. فهذا يدُلُّ على أنّ ذلك لم يكُنْ عندَه حدَثًا ينقُضُ الوُضوءَ.
-
ورَوَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ترْكَ الوُضُوء ممّا مسَّتْه النارُ: أُمُّ سلمَة، وميمونةُ، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ، وابنُ مسعودٍ، وضُباعةُ ابنةُ الزُّبير، وأبو رافع، وجابرٌ، وعَمرُو بن أُميّةَ، وأمُّ عامرٍ بنتُ يزيدَ بن السَّكن - وكانت من المبايعات - وابنُ عباسٍ، وسُويدُ بن النُّعمان، وكثيرٌ - رجلٌ من الصحابة (٣) - كلُّ هؤلاء رَوَوه
ج ٣ ص ١٠٣عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) . ورُوِيَ أيضًا من حديث أبي هريرةَ (٢) ، وقد ذكَرَناه.
-
ومما يستبينُ به أنّ الأمرَ بالوُضُوءِ ممّا غيَّرتِ النارُ منسُوخٌ، أنّ عبدَ الله بن عباسٍ شهِدَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أكَلَ لحمًا وخبزًا، وصلَّى ولم يتَوضَّأْ. ومعلومٌ أنّ حِفظَ ابنِ عباسٍ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متأخرٌ.
-
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمان بن حرب (٣) ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ،
ج ٣ ص ١٠٤عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن ابن عباسٍ: أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تعرَّقَ كَتِفًا، ثم قامَ فصلَّى ولم يتوضَّأْ.
-
وأخبرنا أحمدُ بن عبد الله بن محمد بن عليٍّ، أنّ أباه أخبَره، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ (١) ، قال: حدَّثنا حمادُ بن سلمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمد بن عَمْرو بن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتِ ميمونةَ، فجاء بلالٌ فآذنَه بالصلاة، فخَرجَ وخرَجنا معه، فاستقبلَتنا هديَّةٌ من خُبزٍ ولحمٍ، فرجع ورجعنا معه، فأكلَ وأكَلنا، ثم خرَجنا إلى الصلاة ولم يمسَّ ماء (٢) .
-
وذكر حمادُ بن سلمةَ أيضًا، عن هشام بن عروةَ، عن أبي نعيم وَهْبِ بن كيسانَ، عن محمدِ بن عَمْرو بن عطاءٍ، عن ابن عباس نحوَه (٣) .
- ج ٣ ص ١٠٥
وذكَرَ عبدُ الرزاق (١) ، عن ابن جُريج، قال: سمعتُ محمدَ بن إسحاقَ يُحدِّثُ عن خالِه (٢) ، قال: كان ابنُ عباسٍ يومَ الجمعة يُبسَط له (٣) في بيت خالتِه ميمونةَ فيحدِّثُ، فقال له رجلٌ (٤) : أخبرني عمّا مسَّتِ النارُ (٥) ؟ فقال ابنُ عباس: لا أخبرُك إلّا بما رأيتُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كانَ هو وأصحابُه في بيته، فجاءَه المُؤذِّنُ، فقام إلى الصلاة، حتى إذا كان بالباب لُقيَ بصَحْفَةٍ فيها خُبزٌ ولحمٌ، فرَجَعَ بأصحابِه، فأكَلَ وأكلوا، ثم رَجَع إلى الصلاة ولم يتَوضَّأ (٦) .
-
يقولون: إنّ خالَ محمدِ بن إسحاقَ محمدُ بن عَمْرو بن حَلحَلة الدِّيليُّ؛ فإنْ كان كذلك، فبينَ محمدِ بنِ إسحاقَ وبينَ محمدِ بن عمرو بن عطاءٍ العامريِّ في هذا الحديث محمدُ بن عمرو بن حَلحَلةَ، ولمحمد بن عمرو بن حَلحلةَ عن محمد بن عمرو بن عطاءٍ أحاديث (٧) (٨) .
- ج ٣ ص ١٠٦
وذكَرَ عبدُ الرزاق أيضًا (١) عن ابن جُريج، قال: أخبرني محمدُ بن يوسفَ، أنّ سُليمانَ بن يَسارٍ أخبَرَه، أنّه سمِعَ أبا هريرةَ وابن عباس ورأى أبا هريرةَ يتوضَّأُ، ثم قال أبو هريرة: بُنَيَّ عباس، أتدري بُنيَّ عباس ممَّ أتوضَّأُ؟ توضَّأتُ من أثوارِ أقِطٍ أكَلتُها. فقال ابن عباسٍ: ما أُبالي ممّا توضَّأتَ، أشهدُ لرأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أكَلَ كتِفَ لحمٍ، ثم قام إلى الصلاةِ وما توضَّأ.
-
وقد روَى هذا الحديثَ عن ابن عباسٍ: عطاءُ بن يسارٍ، وسُليمانُ بن يسارٍ، ومحمدُ بن عَمْرو بن عطاءٍ، وعُمرُ بن عطاءِ بن أبي الخُوارِ، وابنُه عليُّ بن عبد الله بن عباسٍ، وعكرمةُ مولاه، ومحمدُ بن سيرينَ، وغيرُهم (٢) ، إلَّا أنّ عكرمةَ ذكر في هذا الحديث لفظةً زائدةً (٣) .
-
حدَّثنا خلف بن سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جامع (٤) ؛ قالا: حدَّثنا
ج ٣ ص ١٠٧عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا ابنُ الأصبهانيِّ (١) ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن سِماكٍ، عن (٢) عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أكَلَ كَتِفًا مَهريَّةً - يعني نَضِجةً - ثم مسَح يدَه، ثم صلَّى (٣) .
-
هكذا جاءَ في هذا الحديث تفسيرُ "مهريّةً" ، وهو أولَى ما قيل في ذلك إن شاءَ الله. وذَكرَ أبو عُبيدٍ (٤) "مُؤَرَّبَةً" بالهمز، وفسَّرها أنّها مُوفَّرةٌ، ثم قال: هو مأخوذٌ من الإرْب؛ يعني: العُضْو (٥) .
-
فهذه طُرقُ حديث ابن عباسٍ أو بعضُها، وهو حديثٌ قد رواه معه مَن تقدَّمَ ذكرُنا له من وُجوهٍ صِحاحٍ كلِّها، والحمدُ لله.
-
وقد قال جابرٌ: إنّ الناسخَ في هذا الباب ترْكُ الوُضُوءِ ممّا مسَّتِ النارُ. وخالفَتْهُ في ذلك عائشةُ.
-
أخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا ابن أبي العَقِبِ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ عبدُ الرحمن بن عمرٍو الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عيّاش، قال: حدَّثنا شُعيبُ بن أبي حمزةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبد الله، قال: كان آخرَ الأمرينِ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترْكُ الوُضوءِ ممّا غيَّرتِ النارُ (٦) .
- ج ٣ ص ١٠٨
وقد ذكَرنا حديثَ محمدَ بنَ المُنكدر بما يجبُ القولُ فيه في كتابنا هذا في باب محمدِ بن المُنكدِرِ؛ لأنّ مالكًا أرسله عنه، ووَصَله غيرُه، وقد ذكَرناه على شَرطِنا، وبالله التوفيقُ. فهذا وَجهُ القولِ في هذا الباب من جهة الآثار.
-
وأمّا طريقُ النَّظر، فإنَّ الأصلَ ألّا يُنتَقَضَ وُضوءٌ مجُتمعٌ عليه إلَّا بحَدَث (١) مُجتمعٍ عليه، أو بدليلٍ من كتابٍ أو سُنّةٍ لا مُعارِضَ له.
-
حدَّثنا (٢) عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ، عن رجاءٍ قال: سألتُ الوليدَ بن هشام عمّا غيَّرتِ النارُ، فقال: إنِّي لستُ بالذي أُسألُ. قلتُ: عليَّ ذلك. قال: كان مكحُولٌ - وكان أعظمَ فِقهًا - يتوضَّأُ منه، فلقِيَ مَن أثبتَ له الحديثَ أنّه ليس فيه وُضُوءٌ، فتركَ الوُضوءَ (٣) .
-
أخبَرنا (٤) أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عيسى، قال: حدَّثنا بكرُ بن سَهْل، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن هشام البَيروتيُّ، قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يقول: سألتُ ابنَ شهابٍ عن الوُضوء ممّا غيَّرتِ النارُ، فقال لي: توضَّأ. قلتُ: عمَّن؟ قال: عن ابن عمرَ، وأبي سعيد الخُدريِّ، وأبي هريرةَ، وزيد بن ثابتٍ، وأنسِ بن مالكٍ، وعائشةَ، وأمِّ سلمةَ. قلتُ: فأبو بكرٍ؟ قال: لم يكُنْ يتوضَّأُ. قلتُ: فعمرُ؟ قال: لم يكُنْ يتوضَّأُ. قلتُ: فعثمانُ؟ قال: لم يكُنْ يتوضَّأُ. قلتُ: فعليٌّ؟ قال:
ج ٣ ص ١٠٩لم يكُنْ يتوضَّأُ. قلتُ: فابنُ عباسٍ؟ قال: لم يكُنْ يتوضَّأُ. قال: فقلتُ له: أرأيتَ إن سألتُكَ رجالًا مِثلَ رجالي؟ فقال: إذًا لأتيتُكَ بهم (١) .
-
حدَّثنا أبو الفضل أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبد الرحمن، وأبو عثمانَ يعيشُ بن سعيدِ بن محمدٍ الورَّاقُ الإمامُ، وأبو عبد الله محمدُ بن حكمٍ، قالوا: أخبَرنا أبو بكرٍ محمدُ بن معاويةَ القُرشيُّ، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بن الحُبابِ الجُمحيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مسلمَةَ القَعْنَبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن مسلم القَسْمَليُّ، عن اليزيدِ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسَم، قال: بينما نحنُ عندَ ابن عباس إذ أُتِيَ بجَفْنَةٍ فيها ثَريدٌ، قال: خُذُوا باسم الله، وكُلُوا من نَواحيها وذَرُوا الذِّروةَ؛ فإنّ في الذِّروَةِ البَرَكةَ. فأكلنا، ثم دعا بماءٍ فشرِبَه، ثم قام إلى الصلاةِ، فقلتُ: يا ابنَ عباسٍ، إنّ الناسَ يقولون: إنّ فيما غيَّرتِ النارُ من الطعام الوُضوءَ. فقال: لولا النارُ ما أكَلناه، وما زادَتهُ النارُ إلا طيبًا، وإنما الوُضوءُ فيما يخرُجُ، وليس فيما يدخُلُ، وصلَّى بنا على بساطٍ (٢) .
-
وممّن قال بإسقاطِ الوُضوءِ ممّا مسَّت النارُ؛ أبو بكرٍ الصِّديقُ، وعمرُ بن الخطاب، وعثمانُ بن عفانَ، وعليُّ بن أبي طالب، وعبدُ الله بنُ مسعودٍ، وعبدُ الله بن
ج ٣ ص ١١٠عباسٍ، وعامرُ بن ربيعةَ، وأُبيُّ بن كعبٍ، وأبو الدَّرداء، وأبو أُمامةَ (١) . وقال بذلك من فقهاءِ الأمصار: مالكٌ، فيمَن قال بقوله من أهل المدينةِ وغيرهم، وسفيانُ الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بن حَيٍّ، وسائرُ أهل الكوفة، والأوزاعيُّ في أهل الشام، والليثُ بن سعدٍ، والشافعيُّ ومَن اتَّبعَه، وأحمدُ بن حنبل، وأبو ثور، وإسحاقُ بن راهُويَة، وأبو عُبيدٍ، وداودُ بن عليٍّ، ومحمدُ بن جريرٍ الطبريُّ، وجماعةُ أهلِ الأثر، إلّا أنّ أحمدَ بن حنبل وطائفةً من أهل الحديث يقولون: مَن أكَلَ لحمَ الجَزورِ خاصةً فقد وجَب عليه الوُضوءُ، وليس ذلك عليه في شيء مسَّتهُ النارُ غيرَ لحم الجَزور.
وقال أحمدُ: فيه حديثان صحيحان؛ حديثُ البراءِ، وحديثُ جابر بن سَمُرة، يعني عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكذلك قال إسحاقُ بن راهُوية. ذكَرَه الأثرمُ عن أحمدَ، وذكَره إسحاقُ بن منصورٍ الكَوسَجُ عن إسحاقَ (٢) .
قال أبو عُمر: حديثُ البَراء حدَّثناه سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال (٣) :
ج ٣ ص ١١١حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عبد الله بن عبد الله الرازيِّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البَراء بن عازبٍ، قال: سُئل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوُضوء من لُحوم الإبل، فقال: "توضَّئُوا منها" .
-
وحديثُ جابرِ بن سَمُرةَ رواه أبو عوَانةَ (١) ، عن عثمانَ بن عبدِ الله بن مَوهبٍ، عن جعفرِ بن أبي ثورٍ، عن جابرِ بن سمُرةَ، أن رجلًا سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -: أتَوضَّأُ من لُحُوم الغَنم؟ قال: "إن شِئتَ فتَوضَّأْ، وإنْ شِئتَ فلا تتَوضَّأْ" . قال: أتوضَّأُ من لُحوم الإبل؟ قال: "نعم، توضَّأْ من لُحوم الإبل" .
-
رواه شعبةُ، وزائدةُ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن جعفرِ بن أبي ثورٍ، عن جابرِ بن سَمُرَة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نحوَه (٢) .
- ج ٣ ص ١١٢
وممّن قال بقول أحمدَ هذا في لَحم الإبلِ خاصّةً: إسحاقُ بن راهُويَة، وأبو ثورٍ، ويحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ، وأبو خَيثَمة، وهو قولُ محمد بن إسحاق (١) .
-
وأما قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، والثوريِّ، والليث، والأوزاعيِّ، فكُلُّهم لا يَرَون في شيءٍ مَسَّتْه النارُ وُضُوءًا على مَن أكَلَه، سواءٌ عندَهم لحمُ الإبل في ذلك وغير الإبل؛ لأن في الأحاديث الثابتة أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أكلَ خُبزًا ولَحمًا وأكَل كَتِفًا - ونحوُ هذا كثير - ولم يَخُصَّ لحمَ جَزُورٍ من غيرِه، وصلَّى ولم يتَوضَّأْ، وهذا ناسخٌ رافعٌ عندَهم لمَا عارَضَه، على ما تقدَّمَ ذِكرُنا له، وبالله التوفيق (٢) .
قال أبو عُمر: قد تأوَّلَ بعضُ الناسِ في هذا الحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "توَضَّئُوا ممّا مسَّتِ النّارُ" : أنّه أُريدَ به غَسلُ اليد، فلمّا سَمِع أبو هريرةَ قولَه هذا ورَاهُ - صلى الله عليه وسلم - يتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، ظَنَّ أنّ ذلك أُرِيدَ به الوُضوءُ للصلاة.
قال أبو عُمر: هذا ليس بشيءٍ، وقد تقدَّمَ ردُّ هذا القول، ودَفعُ هذا التأويل، وقد اجْتَلَبْنا في هذا الباب ما تبيّنَ به جهلُ هذا المُتكلِّفِ في تأويلِه هذا، وبالله التوفيق.
-
حدَّثني أبو القاسم عبدُ الرحمن بن عبد الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن عبد الله بن صالح الأبْهريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عُميرٍ، قال: حدَّثنا عمرٌو (٣) ، قال: حدَّثنا عُقبةُ بن عَلقَمةَ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: كان مَكحُولٌ
ج ٣ ص ١١٣يتَوضَّأُ ممّا مسَّتِ النارُ، حتى لَقِيَ عطاءَ بن أبي رباح فأخبَرَه عن جابر بن عبد الله، أنّ أبا بكرٍ الصديقَ أكَلَ ذِراعًا أو كَتِفًا ثم صلَّى ولم يتَوضَّأْ، فتَركَ مكحُولٌ الوُضوءَ، فقيل له: أتَرَكتَ الوُضوءَ ممّا مسَّتِ النارُ؟ فقال: لأنْ يقَعَ أبو بكرٍ من السماءِ إلى الأرضِ أحبُّ إليه من أن يُخالِفَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
وذكَرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عارِمٌ (١) وسليمانُ بن حَربِ، قالا: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، قال: سمعتُ أيوبَ (٢) يقولُ لعثمانَ البَتِّيِّ: إذا سَمِعتَ أمرًا عن النبيِّ عليه السَّلامُ أو بَلَغَكَ، فانظُرْ ما كان عليه أبو بكرٍ وعُمرُ فشُدَّ به يدَيك.
قال: وحدَّثنا عارِمٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن خالدٍ الحَذَّاء، قال: كانوا يَرَون الناسخَ من حديثِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ما كانَ عليه أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما. قال حمادٌ: وكان رَأيُ خالدٍ أحبَّ إلينا من حديثه.
قال: وحدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: كان أبو بكرٍ وعمرُ أتبَعَ الناس لهَدْيِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) .