زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ٧ من ٤٠

  1. وقد روَى عِكْراش بن ذُؤيبٍ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صفةَ الوضوء ممّا غيَّرت النارُ، ولم أرَ لذكره معنًى؛ لأنّ إسنادَه ضعيفٌ لا يُحْتجَّ بمثلِهِ، وأهلُ العِلْم ينكرونَهُ (٤) .

    ج ٣ ص ١١٣
  2. حديثٌ ثامنٌ لزَيْد بن أَسْلَم يَجْري مَجْرى المُتصل وهو صحيحٌ من وجوه

    مالكٌ (١) ، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن عبد الله الصُّنَابحيِّ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّ الشَّمْسَ تطلُعُ ومعها قَرْنُ الشَّيطان، فإذا ارتَفَعَتْ فارقَها، ثم إذا اسْتَوَتْ قارَنَها، فإذا زَالتْ فَارقَها، فإذا دَنَتْ للغُروبِ قارَنَها، فإذا غَرَبَتْ فارقَها" . ونَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاةِ في تلك الساعات.

    ج ٣ ص ١١٤
  3. هكذا قال يحيَى في هذا الحديث عن مالكٍ: عن عبدِ الله الصُّنابِحيُّ. وتابَعَه القَعْنَبيُّ (٢) وجمهورُ الرُّواةِ عن مالكٍ (٣) . وقالت طائفة، منهم مُطَرِّفٌ، وإسحاقُ بن عيسَى (٤) الطبَّاعُ، فيه: عن مالكٍ، عن زيدٍ، عن عطاءٍ، عن أبي عبد الله الصُّنَابِحيِّ (٥) .

  4. واختُلِفَ عن زيدِ بن أسلمَ في ذلك من حديثِه هذا؛ فطائفةٌ قالتْ عنه في ذلك: عبدُ الله الصُّنابحيُّ. كما قال مالكٌ في أكثرِ الرِّوايات عنه، وقالت طائفةٌ أخرى: عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي عبد الله الصُّنابحيِّ. وممّن قال ذلك معمرٌ، وهشامُ بن سعدٍ، والدَّراوَرديُّ، ومحمدُ بن مُطَرِّفٍ أبو غسّان، وغيرُهم.

  5. ذكَر عبد الرزاق (١) ، عن مَعْمَرٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي عبد الله الصُّنابحيِّ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الشمسَ تَطلُعُ بين قَرْنَي الشيطان - أو قال: يَطْلُعُ معها قَرْنُ الشيطان - فإذا ارتفَعَتْ فارقَها، فإذا كانت في وسطِ السماءِ قارَنَها، فإذا دَلَكَتْ - أو قال: زالَتْ - فارَقَها، فإذا دَنَتْ للغرُوب قارَنَها، فإذا غَرَبَتْ فارقَها (٢) ، فلا تُصلُّوا هذه الثلاثَ ساعات" .

    ج ٣ ص ١١٥
  6. وقال البخاريُّ (٣) ، عن ابن أبي مريمَ، عن أبي غسّانَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابحيِّ أبي عبد الله، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الوضوءِ وفَضلِه.

  7. وكذلك قال اللَّيْثُ بن سعدٍ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي عبد الله الصُّنابِحيِّ، فذكَر حديثَ النَّهْي عن الصلاة في الثلاثِ ساعات (٤) . والصوابُ عندَهم قولُ مَن قال فيه: أبو عبد الله، وهو عبدُ الرحمن بن عُسَيْلَة، تابعيٌّ ثقةٌ، ليسَتْ له صحبةٌ.

  8. وروَى زُهيرُ بن محمدٍ هذا الحديثَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءٍ، عن عبد الله الصُّنابِحيِّ، قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَره (٥) . وهو خطأٌ عند أهل العلم، والصُّنابِحيُّ لم يَلْقَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وزهيرُ بن محمدٍ لا يُحْتَجُّ به، وقد

    ج ٣ ص ١١٦صَحَّفَ فجعَلَ كُنيَتَه اسمَه (١) ، وكذلك فعَل كلُّ مَن قال فيه: عبدُ الله؛ لأنّه أبو عبدِ الله.

  9. وقد قال فيه الصَّلْتُ بنُ بهْرامَ: عن الحارثِ بن وَهْب، عن أبي عبدِ الرحمن الصُّنابحيِّ (٢) . فهذا صَحَّفَ أيضًا؛ فجعَل اسمَه كُنيتَه، وكلُّ هذا خطأٌ وتصحيفٌ. والصوابُ ما قاله مالكٌ فيه في رواية مطَرِّفٍ وإسحاقَ بن عيسى الطبّاع، ومَن رواه كروايَتِهما، عن مالكٍ، في قولهم في عبد الله الصُّنابحيِّ: أنّ كُنيَتَه أبو عبد الله، واسمَه عبدُ الرحمن. والله المستعانُ.

  10. وقد رُوِيَ عن ابن مَعينٍ أنّه قال: عبدُ الله الصُّنابحيُّ يَرْوي عنه المدَنيُّون، يُشبِهُ أنْ تكونَ له صحبةٌ (٣) . وأصَحُّ من هذا عن ابن مَعينٍ أنه سُئِلَ عن أحاديث الصُّنابِحيِّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: مرسلةٌ، ليستْ له صُحْبة.

    قال أبو عُمر: صدَق يحيى بن معين، ليسَ في الصحابةِ أحَدٌ يقالُ له: عبدُ الله الصُّنابحيُّ، وإنما في الصَّحابة الصُّنابحُ الأحْمَسيُّ، وهو الصُّنَابحُ بن الأعسرِ، كوفيٌّ، روَى عنه قيس بن أبي حازم أحاديثَ؛ منها حديثُه في الحَوضِ (٤) ،

    ج ٣ ص ١١٧ولا في التابعين أيضًا أحدٌ يقالُ له: عبدُ الله الصُّنابِحيُّ. فهذا أصحَّ قولَ مَن قال: إنّه أبو عبد الله. لأنّ أبا عبد الله الصُّنابحيَّ مشهورٌ في التابعين، كبيرٌ مِن كُبرائهم، واسمُه عبدُ الرحمن ابنُ عُسَيْلَةَ، وهو جليلٌ، كان عُبادةُ بن الصامت كثيرَ الثناء عليه (١) .

  11. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال: حدَّثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ (٢) ، قال: حدَّثنا رجاءُ بن أبي سلمةَ والعلاء بن هارونَ، عن ابن عَوْنٍ (٣) ، عن رجاءِ بن حَيْوَةَ، عن محمودِ بن الرَّبيع، قال: كنّا عندَ عُبادةَ بن الصامت نَعُودُه، إذ جاء أبو عبد الله الصُّنابِحيُّ، فلمّا رآه عُبادةُ قال: لئن شُفِّعْتُ لأشْفَعَنَّ لك، ولئنْ قَدَرْتُ لأنْفَعَنَّك، ولئنْ سُئِلْتُ لأشْهَدنَّ لك. ثم قال: مَن سَرّه أن ينظُرَ إلى رجلٍ كأنّه رُفِعَ فوقَ سبعِ سماواتٍ ثم رُدَّ، فعمِل على ما رأى، فلْينظُرْ إلى أبي عبدِ الله؛ يعني: الصُّنابِحيَّ.

    قال أحمدُ بن زهيرٍ: وحدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن محمدِ بن عَجلانَ، عن محمدِ بن يحيَى بن حبَّانَ، عن ابن مُحَيْريزٍ، عن الصُّنابحيِّ، قال: دخَلتُ

    ج ٣ ص ١١٨على عُبادةَ بن الصامتِ وهو في الموت، فبكَيتُ، فقال: مهْلًا، لِمَ تَبْكي؟ فوالله لئنْ استُشْهِدْتُ لأشْهَدَنَّ لك (١) . وذكَر نحوَه، وحديثُ ضَمْرَةَ أتمُّ.

  12. وذكَر ابنُ وَهْبٍ (٢) ، عن عمرِو بن الحارث، عن ابن أبي حبيبٍ، عن أبي الخَيْر (٣) ، عن الصُّنابحيِّ، أنّه قال له: متى هاجَرْتَ؟ قال: خرَجْنا من اليمن مُهاجرينَ، فقدِمْنا الجُحْفَةَ، فأقبَل راكبٌ، فقلتُ: الخَبَرَ؟ فقال: دَفَنّا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - منذُ خَمْس.

  13. وقال ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن مَرْثَدِ بن عبد الله اليَزَنيِّ، عن عبد الرحمن بن عُسَيْلَةَ، قال: لم يكُنْ بيني وبين وفاةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلّا خَمسُ ليالٍ، توفِّيَ وأنا بالجُحْفَة، فقدِمتُ وأصحابُه مُتوافرون، فسألتُ بلالًا عن ليلة القدر؟ فقال: ليلةُ ثلاثٍ وعشرين (٤) .

    قال أبو عُمر: قدِم الصُّنابحيُّ هذا يومئذٍ المدينةَ، فصلَّى وراءَ أبي بكر الصِّديق المغربَ، فسمِعه يقرأُ في الركعةِ الآخرةِ بعدَ أُمِّ القرآن: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: ٨] (٥) . وهو معدودٌ في تابعي أهلِ الشام، وبها تُوفِّي. وأحاديثُه التي في "الموطَّأ" مشهورةٌ، جاءتْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من طُرُقٍ شتَّى من حديثِ أهل الشام، وممَّن رَواها عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: عُقبةُ بن عامرٍ، وعَمْرُو بن عَبَسةَ، وأبو أمامةَ

    ج ٣ ص ١١٩الباهليُّ، ومُرَّةُ بن كعبٍ البَهْزيُّ، وقيل: كعبُ بن مُرَّةَ. وسنذكرُها في هذا الباب على شرطِنا في توصيلِ المُرسلات، وبالله العونُ لا شريكَ له.

  14. وأما قولُه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "إنّ الشمسَ تَطلُعُ ومعها قَرْنُ الشيطان" . وقولُه في غير هذا الإسنادِ: "تَطلُعُ على قَرْنِ الشيطان" ، و "تَطْلُعُ بين قَرْنَي الشيطان" (١) . ونحوُ هذا، فإنّ للعلماءِ في ذلك قولين:

    أحدُهما: أنّ ذلك اللفظَ على الحقيقة، وأنّها تَغْرُبُ وتطلُعُ على قَرْن شيطانٍ، وعلى رأسٍ شيطانٍ، وبينَ قَرْنَي شيطانٍ، على ظاهرِ الحديث، حقيقةً لا مجازًا، من غيرِ تكييفٍ؛ لأنّه لا يُكيَّفُ ما لا يُرَى.

  15. واحتجَّ من قال بهذا القول بما أخبرَنا عبدُ الله بن محمد بن يوسفَ، قال: أخبَرنا أبو الفتح الفارسيُّ إبراهيمُ بن علي بمصرَ - قال أبو عُمر: وقد كتَب إلينا أبو الفتح بإجازة ما رواه، وأباحَ لنا أنْ نُحَدِّثَ عنه، وكتب ذلك بخطِّه - قال: أخبرنا محمدُ بن القاسم بن بشّار النَّحويُّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أبو مسلم عبدُ الرحمن بن حمزةَ بن عفيفٍ البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمْرو بن أبي عَمْرو الشَّيبانيُّ، عن أبي عَمْرو الشَّيبانيِّ (٢) ، عن أبي بكر الهُذليِّ، عن عكرمةَ،

    ج ٣ ص ١٢٠قال: قلتُ لابن عباس: أرأيتَ ما جاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في أميّة بن أبي الصَّلت: "آمَنَ شِعرُه وكفَر قلبُه" ؟ قال: هو حقٌّ، فما أنكَرْتُم من ذلك؟ قلت: أنكَرْنا قولَه:

    والشَّمسُ تطلُعُ كلَّ آخرِ ليلةٍ ... حمراءَ يُصبحُ لونُها يتوَرَّدُ

    ليست بطالعةٍ لهم في رِسْلِها ... إلّا مُعذَّبةً وإلّا تُجْلَدُ (١)

  16. فما بالُ الشمس تُجْلَدُ؟ قال: والذي نفسي بيدِه، ما طَلَعَتِ الشمسُ قَطُّ حتى ينْخُسَها سبعون ألفَ ملكٍ، فيقولون لها: اطْلُعي اطْلُعي. فتقول: لا أطلُعُ على قوم يعبُدونَني من دون الله، فيأتيها ملَكٌ عن الله تعالى يأمُرُها بالطلوع، فتستقلُّ (٢) لضياءِ بني آدم، فيأتيها شيطانٌ يريدُ أن يَصُدَّها عن الطُّلوع، فتطْلُعُ بين قَرْنَيْه، فيَحْرِقُه اللهُ بحرِّها، وما غرَبتِ الشمسُ قطُّ إلَّا خرَّتْ لله ساجدةً، فيأتيها شيطانٌ، فيُريدُ أنْ يَصُدَّها عن السجود، فتغْرُبُ بين قَرْنَيْه، فيَحرِقُه اللهُ تحتَها، وذلك قولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما طَلَعَتْ إلَّا بينَ قَرْنَيْ شيطانٍ، ولا غرَبتْ إلَّا بين قَرْنَيْ شيطانٍ" (٣) .

  17. وأخبرنا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال (٤) : حدَّثنا عَبدَةُ بن سُليمانَ،

    ج ٣ ص ١٢١عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يعقوبَ بن عُتْبةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صدَّقَ أُميّةَ بن أبي الصَّلْت في بيتين من شعرِه، قال:

    رجُلٌ وثَوْرٌ تحتَ رجلِ يمينِه ... والنَّسْرُ للأخرَى وليثٌ مُرصَدُ

    فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "صدَق" . قال:

    والشمسُ تطْلُعُ كلَّ آخرِ ليلةٍ ... حمراءَ يُصبِحُ لونُها يتَوَرَّدُ

    تأبَى فما تطْلُعْ لنا في رِسْلِها (١) ... إلَّا مُعَذَّبَةً وإلّا تُجْلَدُ

    فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "صدَق" (٢) .

  18. وحدَّثني أبو محمدٍ قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مَرْزوقٍ، قال: حدَّثنا وهبُ بن جريرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سِمَاكٍ، قال: سمِعتُ المُهَلَّبَ بن أبي صُفْرَةَ يُحَدِّثُ، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُصلُّوا عند طلوع الشمس، ولا عندَ غروبها، فإنّها تطْلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ - أو على قَرْنَي شيطانٍ - وتَغْرُبُ بين قَرْنَي شيطانٍ - أو على قَرْنَي شيطانٍ" . شكَّ شعبةُ.

    قال أبو عُمر: بلَغَني أنّ أبا محمدٍ عبدَ الله بنَ إبراهيمَ سُئِلَ عن تأويلِ حديثِ زيدِ بن أسلمَ هذا، فقال: ممكِنٌ أن يكونَ للشَّيطانِ قَرْنٌ يُظْهِرُه عندَ طلوع الشَّمْسِ وعندَ غُروبها على ظاهرِ الحديث. وما صنَع أبو محمدٍ، رحِمَه الله،

    ج ٣ ص ١٢٢في جوابِه هذا شيئًا، وأظُنُّه أشارَ إلى نحوِ القولِ المذكورِ من حَمْل الكلام على حقيقَتِه دونَ مجازِه (١) ، واللهُ أعلمُ.

    وقال قومٌ من العلماء: وَجْهُ هذا الحديث ومعناه عندَنا: حملُه على مجازِ اللفظِ، واستعارةِ القول، واتِّساع الكلام، وقالوا: أرادَ بذكرِه - صلى الله عليه وسلم - قرنَ الشَّيْطان أُمَّةً تعبدُ الشمسَ، وتسجُدُ لها وتُصَلِّي في حين طُلوعِها وغُروبِها من دون الله، وكان - صلى الله عليه وسلم - يَكْرَهُ التَّشَبُّهَ بالكُفَّارِ ويُحِبُّ مُخالَفتَهم، وبذلك وَرَدَتْ سُنَّتُه - صلى الله عليه وسلم -، وكأنّه أرادَ، واللهُ أعلمُ، أنْ يَفْصلَ دِينَه من دينِهم؛ إذْ هم أولياءُ الشيطان وحزبُه، فنهَى عن الصّلاة في تلك الأوقات لذلك، وهذا التّأويلُ جائزٌ في اللُّغة، معروفٌ في لسان العرب؛ لأنّ الأمّة تُسَمَّى عندَهم قَرْنًا، والأمم قرُونًا، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان: ٣٨] ، وقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ} [الإسراء: ١٧] ، وقال: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: ٥١] . وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خيرُ الناسِ قَرْني" (٢) .

  19. وحدَّثني خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ الله بنُ محمدٍ بنِ ناصحٍ الدِّمَشقيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن سعيدٍ القاضي، قال:

    ج ٣ ص ١٢٣حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيْبَة، قال (١) : حدَّثنا يزيدُ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْل، عن خَبّاب بن الأرَتِّ، أنّه رأى ابنَه عبدَ الله يَقُصُّ، فلما رجَع اتَّزَر وأخَذ السَّوْطَ، وقال: أمعَ العَمالقَةِ أنتَ؟ هذا قَرْنٌ قد طلَع (٢) .

  20. فهذا خبّابٌ قد سمَّى القَصّاصَ قرنًا طالعًا، إنكارًا منه للقَصَص، وخبّابٌ من كبارِ الصحابة رضوانُ الله عليهم، وهم أهلُ الفصاحة والبيان، وإنّما قال ذلك خبّابٌ؛ لأنّ القَصَصَ أُحْدِثَ عليهم، ولم يكونوا يَعرفونه، وكان عبد الله بن عمرَ يُنكِرُه، ويقولُ: لم يكُنْ على عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا على عهدِ أبي بكرٍ، ولا على عهدِ عمرَ، ولا على عهد عثمانَ، وإنما كانت القصصُ حين كانت الفِتنةُ (٣) . وجائزٌ أنْ يضافَ القرنُ إلى الشيطان؛ لطاعَتِهم في ذلك للشَّيطان، وقد سمَّى اللهُ الكُفّار حزبَ الشيطان، وهذا أعرفُ في اللغة مِن أنْ يُحتاجَ فيه إلى إكْثار.

  21. وحُجَّةُ من قال بهذا التَّأْويل (١) ما أخبَرناه أبو عبد الله عُبَيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ (٢) ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكين، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني معاويةُ بن صالح، عن أبي يحيى سُليم بن عامرٍ الخَبائريِّ، وضَمْرَةَ بنِ حبيبٍ، وأبي طلحةَ نُعَيم بن زيادٍ، كلُّ هؤلاء سمِعه من أبي أُمامةَ الباهليِّ صاحبِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: سمِعتُ عَمْرَو بنَ عَبَسَة السُّلَميَّ يقول: أتَيْتُ رسولَ الله وهو نازلٌ بعُكاظٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله، من معك في هذا الأمر؟ قال: "معي رَجلان؛ أبو بكرٍ وبلالٌ" . قال: فأسلَمْتُ عندَ ذلك، فلقدْ رأيتُني رُبُعَ الإسلام. قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، أمْكُثُ معكَ أمْ الْحَقُ بقومِي؟ فقال: "بل الْحَقْ بقومِك؛ فيُوشكُ أنْ يَفيءَ الله بمن تَرى إلى الإسلام" . ثم أتَيْتُه قُبيلَ فتح مكّة، فسَلَّمْتُ عليه، فقلتُ: يا رسولَ الله، أنا عَمْرو بن عَبَسَةَ، أُحِبُّ أنْ أسألَك عمّا تَعلمُ وأجهلُ، وعمّا يَنفَعُني ولا يضُرُّك. فقال: "يا عَمْرَو بن عَبَسةَ، إنّك تُريدُ أنْ تسألَني عن شيءٍ ما سألني عنه أحدٌ ممن ترَى، ولن تسألَني عن شيءٍ إلَّا أنبأتُك به إن شاء الله" . فقلتُ: يا رسولَ الله، فهل من ساعةٍ أقربُ من أخرى، أو ساعةٍ يَبقَى ذكرُها؟ قال: "نعم، إنّ أقربَ ما يكونُ الرَّبُّ من الدُّعاء جوفُ الليل الآخرِ، فإن استطَعْتَ أنْ تكونَ ممَّن يَذْكُرُ اللهَ في تلك الساعةِ فكُنْ، فإنّ الصلاةَ محضورةٌ مشهودةٌ إلى طلوعِ الشمس، فإنّها تطلُعُ بين قرنَي الشيطان، وهي ساعةُ صلاةِ الكُفّار، فدَعِ الصلاةَ حتى تَرْتفعَ قَدْرَ رُمْحٍ ويذهَبَ شُعاعُها، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَعتدِلَ الشمسُ اعتدالَ الرُّمْحِ لنصفِ النهار، فإنّها ساعةٌ تُفَتَّحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ وتُسَجَّرُ، فدَع الصلاةَ حتى يَفيءَ الفيءُ، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ

    ج ٣ ص ١٢٥حتى تَغيبَ الشمسُ، فإنّها تغرُبُ بين قرْنَي الشيطان، وهي ساعةُ صلاةِ الكُفّار ". فقلتُ: يا رسولَ الله، هذا في هذا، فكيف في الوُضوء؟ قال: " أمّا الوُضوءُ، فإنّك إذا توَضَّأتَ ". . . وذكَر الحديث (١) .

    ج ٣ ص ١٢٤
  22. أخبرنا أبو محمدٍ (٢) عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن محمدِ بن عبد الرزاقِ البَصْريُّ، قال: حدَّثنا أبو داودَ السِّجسْتانيُّ، قال (٣) : حدَّثنا إبراهيمُ بن خالدٍ الكَلْبيُّ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بن هارونَ، قال: أخبرنا حريزُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا سُليمُ بن عامرٍ، عن أبي أمامةَ، عن عمرو بن عَبَسَةَ، قال: أتَيْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعُكاظٍ، قلتُ: من معكَ على هذا الأمر؟ قال: "حُرٌّ وعبدٌ ". ومعه أبو بكرٍ وبلالٌ، ثم قال: " فارْجِعْ حتى يُمكِّنَ اللهُ لرسولِه ". قال: فأتَيْتُه بعدُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، جعلَني اللهُ فِداكَ، شيئًا تَعْلَمُه وأجْهَلُه، لا يَضُرُّكَ وَينْفعُني اللهُ به؛ هل من ساعةٍ أفضلُ من ساعةٍ؟ وهل من ساعةٍ لا يُصلَّى فيها؟ قال: " لقد سألْتني عن شيءٍ ما سَألَني عنه أحدٌ، إنّ اللهَ تباركَ وتعالى يتَدَلَّى (٤) في جوفِ الليل فيَغفرُ، إلَّا ما كان من الشِّرك والبَغْي، والصلاةُ مشهودةٌ، فصَلِّ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، فإذا طَلَعَتْ فأقْصِرْ، فإنّها تَطْلُعُ على قَرْنِ شيطانٍ، وهي صلاةُ الكفار، حتى تَرتفعَ، فإذا استقَلَّتِ الشمسُ فصَلِّ، فإنّ الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ، حتى يعتَدِلَ النهارُ، فإذا اعتَدَل النهارُ فأقْصِرْ عن الصلاةِ، فإنّها ساعةٌ

    ج ٣ ص ١٢٦تُسَجَّرُ فيها جهنَّمُ، حتى يَفيءَ الفَيْءُ، فإذا فاءَ الفَيْءُ فصلِّ، فإنّ الصلاةَ محضورةٌ مشهودةٌ، حتى تَدْنوَ الشمسُ للغروب، فإذا تَدَلَّتْ فأقْصِرْ عن الصلاة؛ فإنّها تَغيبُ على قرنِ شيطانٍ، وهي صلاةُ الكفّارِ " (١) .

    قال أبو عُمر: فقد قال في هذا الحديث عندَ طلوع الشمس وعند غُروبها: "هي صلاةُ الكفّار ". وفي غير هذا الإسناد في هذا الحديث: " ويُصلِّي لها الكُفّارُ " (٢) . وفي غيره في هذا الحديث أيضًا: " وهي ساعةُ صلاةِ الكفَّار " (٣) . وبعضُهم يقولُ فيه أيضًا: " وحينئذٍ يسجدُ لها الكفَّارُ" (٤) . كلُّ هذه الألفاظ قد رُوِيتْ في حديث

    ج ٣ ص ١٢٧عَمْرو بن عَبَسةَ هذا، وهو حديثٌ صحيحٌ من حديث الشاميِّين، رواه أبو أُمامةَ الباهليُّ، عن عَمْرو بن عَبَسةَ، ورواه جماعةٌ عن أبي أُمامةَ، منهم أبو سلام الحَبَشيُّ، وقد سَمِعَه أبو سلام أيضًا من عمرو بن عَبَسةَ، وسَمِعَه من عمرو بن عَبَسةَ يَزيدُ بن طلقٍ (١) وغيرُه، وهو حديثٌ طويلٌ في إسلام عمرِو بن عَبَسةَ، فيه معاني حديث الصُّنابحيِّ في النَّهْي عن الصلاة في الثلاث ساعاتٍ وفي فَضلِ الوضوءِ جميعًا، وسنَذكرُه بتَمامه في الباب الذي يأتي بعد هذا إن شاء الله.

  23. وقد رُوِيَ عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُختَصَرًا: حدَّثني خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن المِسْوَر، قال: حدَّثنا مِقدَامُ بن داودَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مَعْبد (٢) بن شَدّاد (٣) ، قال: حدَّثنا موسى بن أعْيَنَ، عن ليثٍ، عن عبد الرحمن بن سابطٍ، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُصَلُّوا عندَ طلوع الشمس؛ فإنّها تَطلُعُ بين قَرنَيْ شيطانٍ، وكُلٌّ كافرٍ يَسجدُ لها، ولا تُصلُّوا عندَ غروب الشمس، فإنها تَغْرُبُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وكلُ كافرٍ يسجُدُ لها، ولا تُصَلُّوا وسَطَ النهار، فإنّ جهنَّمَ تُسَجَّرُ عند ذلك" (٤) .

  24. وهذه الأحاديثُ في ظاهرها حُجَّةٌ للقولين جميعًا، والله أعلمُ، لقوله فيها: "بين قَرْنيْ شيطانٍ" على ما رُوِيَ عن ابن عباس في تأويلِه.

    ج ٣ ص ١٢٨
  25. وأجمَع العلماء أنّ نَهْيَه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة عندَ طلوع الشمس وعندَ غروبِها صحيحٌ غيرُ منسوخ إلّا أنّهم اختَلَفوا في تأويلِه:

    فقال علماء الحجاز: معناه المنعُ من صلاةِ النَّافلة دونَ الفريضة، هذه جملةُ قولهم.

    وقال العراقيُّون: كلُّ صلاةٍ؛ فريضةً أو نافلةً أو جنازةً، فلا تُصَلِّي ذلك الوقتَ، لا عندَ طلوع الشمس، ولا عندَ الغروب، ولا عندَ الاستواء، لأنّ الحديثَ لم يَخُصَّ نافلةً من فريضةٍ، إلّا عصرَ يومِه (١) ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أدْرَك ركعةً من العصرِ فقد أدْرَك العصرَ" (٢) . وقد مضَى الرَّدُّ عليهم فيما ذهَبوا إليه من ذلك في هذا الكتاب، ويأتي القولُ في الصلاةِ بعدَ العصرِ وبعدَ الصبح مُمَهَّدًا مبسوطًا بما للعلماءِ في ذلك من المذاهب، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حبَّانَ إن شاء الله، ونَذكرُ هاهنا أقاويلَ الفقهاءِ في الصلاةِ عندَ استواءِ الشمسِ في كَبدِ السماءِ؛ لأنّه أوْلَى المواضعِ بما في ذلك، وبالله العون.

  26. فأمّا مالكٌ وأصحابُه، فلا بأسَ عندَهم بالصلاةِ نِصفَ النهارِ؛ قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ: لا أكْرَهُ الصلاةَ نصفَ النهار إذا استَوتِ الشمسُ في وسطِ السماءِ، لا في يوم الجمعة ولا في غيرِه، ولا أعرفُ هذا النَّهْيَ، وما أدْرَكْتُ أهلَ

    ج ٣ ص ١٢٩الفضلِ إلّا وهم يَجتهدون (١) ويُصَلُّون نصفَ النهار (٢) . فقد أبانَ مالكٌ حُجَّتَه في مذهبِه هذا؛ أنّه لم يَعْرِف النَّهْيَ عن الصلاةِ وسطَ النهارِ، وقد رُوِيَ عن مالكٍ أنّه قال: لا أكْرَهُ التَّطوُّعَ نصفَ النهارِ إذا استوَتِ الشمسُ، ولا أُحِبُّه. ومَحْمَلُ هذا عندي أنّه لم يَصحَّ عندَه حديثُ زيدِ بن أسلمَ المذكورُ في هذا الباب، عن عطاءٍ، عن الصُّنَابحيِّ (٣) ؛ لأنّه قد رَواه، أو صحَّ عندَه ونُسِخ منه واستُثْنيَ الصلاةُ نصفَ النهار بما ذكرنا من العملِ الذي لا يجوز أنْ يكونَ مثلُه إلّا توقيفًا، واللهُ أعلمُ.

  27. وقد روَى مالكٌ (٤) ، عن ابن شهابٍ، عن ثَعلبةَ بن أبي مالكٍ القُرَظيِّ، أنّهم كانوا في زمن عمرَ بن الخطاب يُصلُّون حتى يَخرُجَ عمرُ، فإذا خرَج عمرُ وجلَس على المِنْبَر وأَذَّنَ المؤذِّنون (٥) ، جلَسوا يتَحدَّثُون، حتى إذا سكَت المؤذِّن (٦) وقام عمرُ، سكَتوا فلم يَتكلَّمْ أحَدٌ. وخروجُ عمرَ إنّما كان بعدَ الزَّوال، بدليل حديثِ طِنْفِسَةِ عَقيل بن أبي طالبٍ (٧) ، وإذا كانَ خروجُه بعدَ الزوال، وقد كانوا يُصَلُّون إلى أنْ يَخرُجَ، فقد كانوا يُصلُّون وقتَ استواءِ الشمسِ، والله أعلم.

  28. ويومُ الجُمُعة عندَ مالكٍ وغيرُ يوم الجُمُعة سواءٌ؛ لأنّ الفرقَ بينهما لم يَصِحَّ عندَه في أثرٍ ولا نَظَرٍ. وممَّن رخَّص في ذلك أيضًا: الحسنُ، وطاووسٌ، والأوزاعيُّ. وقال أبو يوسفَ، والشافعيُّ (١) وأصحابُه: لا بأسَ بالتَّطوُّع نصفَ النهارِ يومَ الجُمُعة خاصةً، وهي روايةٌ عن الأوزاعيِّ وأهلِ الشام (٢) .

    ج ٣ ص ١٣٠
  29. وحجةُ الشافعيِّ ومَن قال بقوله هذا ما رواه الشافعيُّ، عن إبراهيمَ بن محمدٍ، عن إسحاقَ بنِ عبد الله، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الصلاةِ نصفَ النهارِ حتى تَزولَ الشمسُ، إلّا يومَ الجمعة. واحتجَّ أيضًا بحديثِ مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن ثعلبةَ بن أبي مالكٍ، وقد تقدَّم ذِكرُه، قال: وخبرُ ثعلبةَ عن عامَّة أصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دارِ الهجرةِ أنهم كانوا يُصَلُّون نصفَ النهار يومَ الجمعة.

    قال أبو عُمر: كأنّه يقولُ: النَّهيُ عن الصلاةِ عندَ استواءِ الشمس صحيحٌ، وخُصَّ منه يومُ الجُمُعة بما رُوِيَ من العملِ الذي لا يكونُ مثلُه إلّا توقيفًا، وبالخبرِ المذكورِ أيضًا، وبَقِيَ سائرُ الأيام موقوفةً على النَّهْي.

  30. وإبراهيمُ بن محمدٍ الذي روَى عنه الشافعيُّ هذا الخبرَ هو ابنُ أبي يحيى المدنيُّ، متروكُ الحديث، وإسحاقُ بعدَه في الإسناد، وهو ابنُ أبي فَرْوةَ، ضعيفٌ أيضًا، فكأنّه إنّما يَقوَى عندَه هذا الخبرُ بما رُوِيَ عن الصحابة في زمن عمرَ من الصلاةِ نصفَ النهارِ يومَ الجمعة، وبالله التوفيقُ.

  31. وقد حدَّثني عبدُ الرحمن بن مروانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سُليمانَ بن عُمرَ

    ج ٣ ص ١٣١البغداديُّ، قال: حدَّثنا أبو اللَّيث نصرُ بن القاسم الفَرائضيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيل، قال: حدَّثنا حسانُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الليث، قال: حدَّثنا مجاهدٌ، عن أبي الخليل، عن أبي قتادةَ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصلاةُ تُكْرَهُ نصفَ النهار إلّا يومَ الجُمُعة؛ فإنَّ جَهنَّمَ تُسَجَّرُ إلّا يومَ الجُمُعة" (١) . وهذا الحديثُ منهم من يُوقِفُه.

  32. وحدَّثني سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله (٢) بن جعفرٍ الزُّهريُّ، عن إسماعيلَ بن محمد بن سعدِ بن أبي وقاصٍ، عن السائب بن يزيدَ، قال: النِّداءُ الذي ذكَر الله في القرآن إذا كان الإمامُ على المنبرِ زمنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكرٍ، وعمرَ، حتى كان عثمانُ فكثُر الناسُ، واستُبْعِدَتِ البيوتُ، فزادَ النِّداءَ الثانيَ فلم يَعِيبُوه. قال السائبُ: وكان عمرُ إذا خرَج ترَك الناسُ الصلاةَ وجلَسوا، فإذا جلَس على المنبرِ صَمَتوا (٣) .

  33. وكان عطاءُ بن أبي رباح يكرَهُ الصلاةَ نصفَ النهارِ في الصيف، ويُبيحُ

    ج ٣ ص ١٣٢ذلك في الشتاء (١) . وقال أبو حنيفةَ، والثوريُّ، ومحمدُ بن الحَسَن، والحَسَنُ بن حَيٍّ، وعبدُ الله بنُ المبارك، وأحمدُ بن حنبلٍ: لا يجوزُ التَّطوُّعُ نصفَ النهارِ في شتاءٍ ولا صيفٍ، وكرِهوا ذلك (٢) .

  34. ولا يجوزُ عند أبي حنيفةَ وأصحابِه أنْ تُصَلَّى فريضةٌ، ولا على جنازةٍ، ولا شيءٌ من الصلوات؛ لا فائتةٌ مذكورةٌ، ولا غيرُها، ولا نافلةٌ، عندَ استواءِ الشمسِ نصفَ النهار (٣) .

  35. والحُجةُ لمَن قال بقول العراقيِّين في هذا الباب حديثُ الصُّنابِحيِّ المذكورُ في هذا الباب، وحديثُ عَمْرو بن عَبَسَة، وحديثُ عُقبةَ بن عامر.

  36. حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٤) : أخبرنا عَمْرُو بن منصورٍ، قال: حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا الليثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالحٍ، قال: أخبَرني أبو يحيى سُليمُ بن عامرٍ، وضمرةُ بن حبيبٍ، وأبو طلحةَ نُعيمُ بن زيادٍ، قالوا: سَمِعْنا أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: سمِعْتُ عَمْرَو بنَ عَبَسَةَ يقولُ: قلتُ: يا رسولَ الله، هل من ساعةٍ أقْرَبُ من الأخرَى؟ وهل ساعةٌ يُتَّقَى (٥) ذكرُها؟ قال: "نعم، إنّ

    ج ٣ ص ١٣٣أقربَ ما يكونُ الرَّبُّ من العبدِ جوفُ الليل الآخرِ، فإن استطَعْتَ أن تكونَ ممّن يذكُرُ الله في تلكَ الساعةِ فكنْ، فإنّ الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ إلى طلوع الشمس، فإنّها تطلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وهي ساعةُ صلاةِ الكُفّار، فدَعِ الصلاةَ حتى تَرتَفِعَ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ، ويذهَبَ شُعاعُها، ثم الصلاةُ مشهودةٌ محضورةٌ حتّى تعتدِلَ الشمسُ اعتدالَ الرُّمْحِ نصفَ النهار، فإنّها ساعةٌ تُفَتَّحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ وتُسَجَّرُ، فدَعِ الصلاةَ حتى يَفيءَ الفَيءُ، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَغيبَ الشمسُ، فإنّها تغيبُ بين قرْنَي شيطانٍ، وهي صلاةُ الكُفّار ".

    قال أبو عُمر: في حديث عَمْرو بن عَبَسةَ هذا النَّهْيُ عن الصلاةِ عند طُلوع الشمس، وعندَ استوائِها، وعندَ غُروبِها، وفيه إباحةُ الصلاةِ بعدَ الفجر إلى طلوع الشمس، وبعدَ زوالها إلى الغروب، وتدَبَّرْه تَجِدْه كما ذَكَرْتُ لك، وهو حديثٌ صحيحٌ، وطُرُقُه كثيرةٌ حِسانٌ شاميّةٌ، إلّا أنّ قولَه في هذا الحديث: "ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَغيبَ الشمسُ " قد خالفَه فيه غيرُه في هذا الحديث فقال: " ثم الصلاةُ مشهودةٌ مُتقبَّلَةٌ حتى يُصَلَّى العَصْر "، وهذا أشْبَه بالسُّنَن المأثورة في ذلك.

  37. وقد رُوِيَ في هذا الحديث أيضًا: "حتى تكونَ الشمسُ قد دَنَتْ للغروب قِيدَ رُمْحٍ أو رُمْحَين". وسنذْكُرُ اختلافَ العلماءِ في الصلاةِ النافلةِ والفجرِ والعصر، وما رُوِيَ في ذلك من الآثار، في باب محمدِ بن يحيى بن حبّانَ مِنْ هذا الكتاب إن شاء الله.

  38. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١) ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ أبو سلمةَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن يعلى بن عطاءٍ، عن يزيدَ بن طَلْقٍ، عن عبد الرحمن بن البَيْلمانيِّ، عن

    ج ٣ ص ١٣٤عمرو بن عَبَسَة. قال أبو داودَ: حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، أنّ محمدَ بن جعفرٍ حدَّثهم، عن شعبةَ، عن يعلَى بن عطاءٍ، عن يزيدَ بن طلقٍ، عن عبد الرحمن بن البَيْلَمانيِّ، عن عَمْرِو بن عَبَسة - وهذا لفظُ أبي سلمةَ - قال: أتيتُ رسولَ الله فقلتُ: يا رسولَ الله، مَن أسلَم معك؟ قال: "حُرٌّ وعبدٌ" . يعني أبا بكر وبلالًا. فقلتُ: يا رسولَ الله، عَلِّمْني ممّا تَعلَمُ وأجهلُ، هل من الساعاتِ ساعةٌ أفْضَلُ من أخرى؟ قال: "نعم، صلِّ من الليلِ الآخِرِ" - وفي حديث شعبةَ، قال: "نعم، جوفُ الليل" - "فصَلِّ ما بدَا لك حتى تُصلِّيَ الصُّبحَ" (١) - وفي حديثِ حمّادٍ: "فإنّ الصلاةَ مشهودةٌ مُتقبَّلةٌ" - "ثم انتَهِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، وما دامَتْ مثلَ الحَجَفَة (٢) حتى تَسْتقرَّ، فإنّها تطْلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ، ويسجُدُ لها الكفّار، ثم صلِّ ما بدَا لك؛ فإنّها مشهودةٌ متقبَّلةٌ حتى يَستَويَ العمودُ على ظِلِّه، فإنّها ساعةٌ تُسَجَّرُ فيها الجَحيمُ، فإذا زالتِ الشمسُ فصَلِّ؛ فإنّها مشهودةٌ متقبَّلةٌ حتى تُصَلِّيَ العصرَ، ثم انْتَهِ حتى تغرُبَ الشمسُ؛ فإنّها تغرُبُ بين قرنَيْ شيطانٍ، ويَسجُدُ لها الكُفّارُ" .

  39. وقد رُوِيَ من حديث البَهْزيِّ معنَى حديث عَمْرو بن عَبَسَة هذا، روَاه الثَّوْريُّ، عن منصورٍ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن رجلٍ من أهلِ الشام، عن

    ج ٣ ص ١٣٥كعبِ بن مُرَّةَ البَهْزيِّ، قال: قال رجلٌ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ الليلِ أسْمَعُ يا رسولَ الله؛ قال: "جوفُ الليل الآخرِ، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى تُصلِّيَ الفجرَ، ثم لا صلاةَ حتى تكونَ الشمسُ قِيدَ رُمْح أو رُمْحَين، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى يقومَ الظِّلُّ قيامَ الرُّمْح، ثم لا صلاةَ حتى تَزولَ الشمسُ، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى تكونَ الشمسُ قد دَنَت للغُرُوبِ قِيدَ رُمْح أو رُمْحَين" . وذكَر فَضْلَ الوضوءِ أيضًا (١) .

    قال أبو عُمر: أحاديثُ هذا الباب عن عَمْرِو بن عَبَسَةَ كلُّها وحديثُ البَهزِيِّ، إنّما فيها ما يدُلُّ على صلاةِ التَّطوعِ لا الفرائضِ، وذلك بَيِّنٌ منها، واللهُ أعلمُ.

  40. وذكَر الأثْرَمُ، قال (٢) : سألتُ أبا عبدِ الله، يعني أحمدَ بن حنبلٍ، عن الصلاةِ نصفَ النهارِ يومَ الجُمُعة، فقال: يُعْجِبُني أنْ تَتَوقَّاها. فذَكَرْتُ له حديثَ ثَعلبةَ بن أبي مالكٍ القُرَظيِّ: كُنّا نُصَلِّي يومَ الجمعة حتى يَخْرُجَ عمرُ. قلتُ له: هذا يدُلُّ على الرُّخصةِ في الصلاةِ نصفَ النهار. فقال: ليسَ في هذا بيانٌ، إنّما جاءَ الكلامُ مُجْمَلًا: كنا نُصَلِّي. ثم قال: لا، ولكنّ حديثَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وُجُوهٍ إنّما نَهَى عن الصلاةِ فصفَ النهارِ، وعندَ طلوعِ الشمس، وعندَ الغروبِ؛ حديثُ عَمْرو بن عَبَسَةَ وعُقْبَةَ بن عامرٍ، والصُّنَابِحيِّ (٣) .